الملحق العالمي: العراق على أعتاب التاريخ… مباراة تغير صورة بلد كامل

منتخب العراق خلال تدريباته الأحد (الاتحاد العراقي)
منتخب العراق خلال تدريباته الأحد (الاتحاد العراقي)
TT

الملحق العالمي: العراق على أعتاب التاريخ… مباراة تغير صورة بلد كامل

منتخب العراق خلال تدريباته الأحد (الاتحاد العراقي)
منتخب العراق خلال تدريباته الأحد (الاتحاد العراقي)

ابدأ القصة من لحظة هدوء خادعة في فندق منتخب العراق لكرة القدم، جنوب مركز مدينة مونتيري المكسيكية، حيث تبدو الأجواء مستقرة، بعيدة عن صخب ما ينتظر الفريق وفقاً لشبكة The Athletic.

خلف ذلك الهدوء، تقف مواجهة فاصلة أمام بوليفيا، مباراة لا تحدد مجرد بطاقة تأهل، بل هوية المنتخب رقم 48 والأخير في نهائيات كأس العالم 2026، ونافذة لبلد لم يظهر على المسرح الأكبر منذ نسخة كأس العالم 1986.

في هذا المشهد، يتحدث رينيه مولينستين، الرجل الذي عرف دهاليز الكرة الأوروبية مع مانشستر يونايتد، لكنه يجد نفسه اليوم في قصة مختلفة تماماً. يقول بهدوء يحمل ثقلاً عاطفياً: «إذا تأهلنا، سترى أمة كاملة تنفجر فرحاً». ليست مبالغة، بل توصيف لحالة بلد يبحث عن لحظة جامعة وسط واقع مضطرب.

تأتي هذه المباراة في توقيت يتجاوز حدود الرياضة. فالعراق، المحاط بتوترات إقليمية، يعيش تداعيات تصعيد عسكري واسع، حيث امتدت آثار الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران إلى محيطه المباشر. شمال البلاد، حيث المواقع الاستراتيجية، لم يكن بعيداً عن الضربات، ما جعل الاستقرار هشاً، والتنقل تحدياً.

إغلاق الأجواء الجوية لم يكن تفصيلاً، بل كاد أن يمنع المنتخب من المشاركة. رحلة المنتخب تحولت إلى قصة بحد ذاتها: حافلة لمسافة تقارب 550 ميلاً من بغداد إلى عمّان، ثلاثة أيام من التنقل، قبل الوصول إلى المكسيك مروراً بـ لشبونة. كل ذلك من أجل 90 دقيقة.

هذه التفاصيل ليست لوجستية فقط، بل تعكس معنى أعمق. اللاعبون لم يعودوا مجرد عناصر في فريق، بل أصبحوا ممثلين لبلد يعيش بين الأمل والقلق.

يقول مولينستين إن التأهل لن يكون مجرد إنجاز رياضي، بل فرصة «لتغيير الصورة»؛ تلك الصورة التي لا تزال في أذهان كثيرين في الغرب مرتبطة بالحرب.

لكن الواقع لا يسمح بفصل كامل بين السياسة والرياضة. العراق، الذي لا يرغب في الانجرار إلى صراع جديد بعد سنوات من حرب بدأت مع الغزو الأميركي عام 2003، يجد نفسه في موقع حساس. التهديد ليس عسكرياً فقط، بل اقتصادي أيضاً، مع الاعتماد الكبير على النفط واحتمالات تعطل التصدير عبر مضيق هرمز.

داخل هذا السياق، طُرحت فكرة تأجيل المباراة. المدرب غراهام أرنولد اقترح ذلك، خاصة مع صعوبة خروج اللاعبين من البلاد، قبل أن تتدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم لإيجاد حل يسمح بإقامة المواجهة في موعدها.

حتى ملف إيران أضاف مزيداً من التعقيد، مع تساؤلات حول مشاركتها في البطولة. بالنسبة لمولينستين، الأمر يتجاوز الحسابات الفنية، إذ يرى أن إدخال السياسة في الرياضة يظل إشكالياً، رغم أنه واقع لا يمكن تجاهله.

آخر ظهور للعراق في كأس العالم كان في المكسيك عام 1986، حيث خسر مبارياته الثلاث أمام بلجيكا وباراغواي والمضيف المكسيك. منذ ذلك الحين، بقيت لحظة التتويج بـ كأس آسيا 2007 واحدة من الإشراقات القليلة في مسيرة طويلة مليئة بالتحديات.

الطريق إلى هذه المباراة الحاسمة لم يكن أقل درامية. مواجهة فاصلة أمام الإمارات حُسمت بركلة جزاء في الوقت بدل الضائع، سجلها أمير العماري، وسط حضور تجاوز 62 ألف متفرج في البصرة. لحظة تحولت إلى احتفال وطني امتد إلى الشوارع.

يرى مولينستين أن كرة القدم في العراق ليست مجرد لعبة، بل أداة يمكن أن تفتح أبواباً أوسع، اقتصادياً واجتماعياً. لكنها تحتاج إلى بنية تحتية أفضل، واستثمار في الملاعب، ومسارات واضحة لتطوير المواهب.

تجربته مع المنتخبات، بعد سنوات مع الأندية، جعلته يرى الفارق بوضوح. في المنتخبات، كما يقول، «اللعبة في أنقى صورها»، بلا وكلاء أو تعقيدات تعاقدية، فقط اختيار أفضل اللاعبين وتمثيل بلد.

وربما هنا تكمن المفارقة: في وقت يبدو فيه العالم منقسماً، تمنح كرة القدم فرصة نادرة للوحدة. بالنسبة للعراق، هذه المباراة ليست مجرد تأهل محتمل، بل محاولة لإعادة تعريف نفسه أمام العالم، خطوة صغيرة في لعبة كبيرة، لكنها قد تحمل أثراً يتجاوز حدود الملعب.


مقالات ذات صلة

الداخلية العراقية تغلق 71 مقراً وهمياً لـ«الحشد الشعبي»

المشرق العربي مدير العلاقات والإعلام في الداخلية مقداد ميري خلال المؤتمر الصحافي (وكالة الأنباء العراقية)

الداخلية العراقية تغلق 71 مقراً وهمياً لـ«الحشد الشعبي»

أعلنت وزارة الداخلية العراقية، الاثنين، أنها تمكنت من إغلاق 71 مقراً وهمياً تدعي صلتها بـ«الحشد الشعبي»، إلى جانب ضبط 49 طائرة مسيرة.

فاضل النشمي (بغداد)
خاص الجيش العراقي خلال استعراض سابق بدبابات من طراز «أبرامز» الأميركية (رئاسة الوزراء العراقية) p-circle

خاص العراق يشتبه بمسيّرة «فجرت مخزون دبابات» وسط «معركة صامتة» مع الفصائل

قالت مصادر أمنية واستخبارية إن السلطات العراقية تشتبه في أن انفجاراً طال مخزناً استراتيجياً في شمال بغداد، مطلع أغسطس (آب) الجاري، كان نتيجة هجوم بطائرة مسيرة.

علي السراي (لندن)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي مترئساً أحد الاجتماعات (وكالة الأنباء العراقية)

«صولة الفجر» لمحاربة الفساد تطول قياديين في الإطارَين «السني» و«الشيعي»

«منح رئيس الوزراء علي الزيدي الوسطاء مهلة من أجل أن يعود الأسدي إلى البلاد، ويعرض نفسه أمام النزاهة والقضاء بهدف تبرئة ساحته في حال كان بريئاً، وهو ما لم يحصل».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مدرَّعة عراقية في بغداد (أ.ف.ب)

الحكومة العراقية تحاصر قوى السلاح بإجراءات ميدانية وعقابية وسط ترقب لنهاية المهلة

الخلية التي جرى اعتقالها تتكون من ثلاثة أشخاص وتنتمي إلى أحد الفصائل المسلحة، وقد ضُبطت بحوزتها طائرات مسيّرة حديثة كانت تُعد لتنفيذ هجمات خارج العراق

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي جانب من أحد اجتماعات «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (إكس)

سيناريوهات المواجهة بين الحكومة العراقية والفصائل بعد الانسحاب الأميركي

شدد رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، السبت، على أن يوم 30 سبتمبر (أيلول) المقبل الموعد النهائي لانسحاب القوات الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)

الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم يستأنف أنشطته الشهر المقبل

الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم (الاتحاد الفلسطيني)
الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم (الاتحاد الفلسطيني)
TT

الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم يستأنف أنشطته الشهر المقبل

الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم (الاتحاد الفلسطيني)
الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم (الاتحاد الفلسطيني)

أعلن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، الاثنين، أنه سيستأنف مطلع سبتمبر (أيلول)، أنشطته المتوقفة منذ أكثر من 3 أعوام بسبب الحرب في قطاع غزة، وذلك من خلال بطولة تنشيطية للأندية من الدرجات المختلفة.

وقال رئيس الاتحاد جبريل الرجوب خلال مؤتمر صحافي عقده في رام الله: «نعلن انطلاق الأنشطة الرياضية والدوري في اتحاد كرة القدم من جديد ابتداءً من الرابع من سبتمبر».

وتوقفت الأنشطة الرياضية في الأراضي الفلسطينية، ومن بينها دوري المحترفين لكرة القدم، عقب اندلاع الحرب في قطاع غزة بعد هجوم «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وأطلق الاتحاد الفلسطيني على البطولة المزمع إقامتها اسم «كأس الألف شهيد»، في إشارة إلى مقتل 1014 رياضياً فلسطينياً خلال الحرب، وفقاً لبياناته.

ويشارك في البطولة 226 نادياً، 146 منها في الضفة الغربية المحتلة و44 في قطاع غزة، و36 نادياً من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

وتفتتح البطولة بالتزامن في الضفة وغزة ولبنان، حيث يلتقي في الافتتاح جبل المكبر وشباب الخليل على استاد فيصل الحسيني في بلدة الرام شمال القدس، وشباب رفح وخدمات رفح في قطاع غزة، والأنصار والنهضة في مخيم عين الحلوة للاجئين في جنوب لبنان.

وأشار الرجوب إلى أن الحرب «خلقت ظروفاً صعبة على كل الفلسطينيين أدت إلى توقف مسابقاتنا وأنشطتنا... لكننا لم نفقد إرادتنا الوطنية الفلسطينية، ولم نفقد إيماننا بأن الرياضة ستبقى عنواناً للأمل والحياة عند الفلسطينيين».

وقال الرجوب إن الاتحاد يسعى للحصول على قرض مصرفي، تتولى الحكومة الفلسطينية سداده، في ظل الظروف المالية الصعبة عليه وعلى الأندية.

خلال المؤتمر، دعا الرجوب الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والاتحادات القارية والوطنية للوقوف إلى جانب الرياضة الفلسطينية، وحماية حقوق اللاعبين والأندية والأطفال في ممارسة الرياضة بـ«حرية وكرامة».

وكان الاتحاد الفلسطيني للعبة أصدر بياناً حول المشروع الذي طرحه رئيس الاتحاد الدولي (فيفا) جاني إنفانتيو الرامي إلى إدخال مستثمرين من القطاع الخاص في بطولاته، والذي سحبه بعد الانتقادات الحادة التي تعرّض لها.

وقال الاتحاد في بيانه: «يتساءل الكثيرون اليوم عن التوجه التجاري لـ(الفيفا)، وما إذا كان ينبغي التعامل مع أهم أصول كرة القدم كأدوات مالية. هذه تساؤلات مشروعة، لكن بالنسبة لفلسطين، القضية أكثر جوهرية».

وأضاف: «سؤالنا هو ما إذا كان (الفيفا) لا يزال يمتلك الشجاعة لتطبيق أنظمته على الجميع بشكل متساوٍ، دون تردد ودون خضوع للضغوط السياسية».

ويطالب الاتحاد الفلسطيني من الاتحاد الدولي فرض عقوبات على الأندية الإسرائيلية التي تنشط في المستوطنات في الضفة، وتعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي على خلفية الحرب في غزة.

وقال الرجوب: «نحن لا نطلب امتيازات، بل نطالب بحقوق مشروعة تكفلها القوانين والمواثيق الدولية الرياضية».

وأعلن الرجوب الذي يرأس أيضاً المجلس الأعلى للشباب والرياضة واللجنة الأولمبية الفلسطينية خلال المؤتمر، مشاركة بعثة رياضية فلسطينية في دورة الألعاب الآسيوية المقبلة في اليابان تضم 108 رياضيين، بينهم 67 لاعباً ولاعبة سيشاركون في 19 لعبة رياضية.

كما أعلن مشاركة المنتخب الفلسطيني لكرة القدم في بطولة ودية تقام في الصين خلال سبتمبر، استعداداً لكأس آسيا التي تستضيفها السعودية في يناير (كانون الثاني) المقبل.


آيت نوري يتطلع للقاء جماهير مان سيتي في فعالية «سيتي يعود»

الجزائري ريان آيت نوري (رويترز)
الجزائري ريان آيت نوري (رويترز)
TT

آيت نوري يتطلع للقاء جماهير مان سيتي في فعالية «سيتي يعود»

الجزائري ريان آيت نوري (رويترز)
الجزائري ريان آيت نوري (رويترز)

أعرب الجزائري ريان آيت نوري عن تطلعه للقاء جماهير مانشستر سيتي الإنجليزي خلال فعالية «سيتي يعود» التي تقام يوم الخميس المقبل على ملعب جوي، قبل انطلاق الموسم الجديد.

وتمنح الفعالية، المقدمة من «طيران الاتحاد»، جماهير سيتي فرصة للتواصل مع الفريق ومشاهدة الصفقات الجديدة عن قرب للمرة الأولى، إلى جانب الاستماع إلى المدير الفني الجديد إنزو ماريسكا واللاعبين الجدد وعدد من نجوم الفريق.

ويستعد آيت نوري لخوض موسمه الثاني مع مانشستر سيتي، بعدما سجل هدفين خلال مباراتين في الجولة الآسيوية للفريق استعداداً للموسم الجديد.

ونقل الموقع الرسمي لمانشستر سيتي عن آيت نوري قوله: «أحب دائماً رؤية جماهيرنا. من الرائع أن نرى حبهم للنادي، ونحن دائماً نريد تقديم أفضل ما لدينا من أجلهم».

وأضاف: «تدربنا بقوة خلال جولتنا في آسيا، لكن هذا اليوم سيأتي قبل أيام قليلة فقط من انطلاق الموسم الجديد، لذلك نشعر بأهميته».


ترحيب طرابزون بمحمد صلاح عبر إعلان ترويجي يثير تفاعلاً في مصر

الفيديو الترويجي انتشر بشكل واسع بين المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي (الفيديو الدعائي)
الفيديو الترويجي انتشر بشكل واسع بين المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي (الفيديو الدعائي)
TT

ترحيب طرابزون بمحمد صلاح عبر إعلان ترويجي يثير تفاعلاً في مصر

الفيديو الترويجي انتشر بشكل واسع بين المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي (الفيديو الدعائي)
الفيديو الترويجي انتشر بشكل واسع بين المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي (الفيديو الدعائي)

وسط أجواء عائلية تركية، ظهر النجم المصري محمد صلاح في إعلان ترويجي لنادي طرابزون سبور، المنتقل إليه حديثاً، تجاوز التقديم الرياضي التقليدي للاعبين، ليحمل طابعاً درامياً وإنسانياً، ما جعله يحصد تفاعلاً عاطفياً وجماهيرياً كبيراً، خصوصاً في مصر.

وتقوم فكرة الإعلان الترويجي على قيام سيدة تركية مسنة بإخبار عائلتها عن ضيف رأته في حلمها، فتقوم بتجهيز الطعام له، ثم يطرق بالفعل الضيف الباب، حيث يفاجئ صلاح العائلة التركية، ويجلس وسطهم على مائدة الطعام، لتناول الطعام التقليدي التركي.

ولاقت هذه الحبكة إشادة واسعة من المتابعين المصريين والعرب، الذين وصفوا الفكرة بـ«الرائعة»، معتبرين أن دمج محمد صلاح في قالب «الدراما التركية»، وعلى طريقة المسلسلات التركية العائلية، يمثل خياراً تسويقياً ذكياً وخارجاً عن المألوف مقارنة بإعلانات كرة القدم التقليدية.

ووقع صلاح عقداً لمدة عامين مع طرابزون سبور حتى يونيو (حزيران) 2028، وسيحصل اللاعب على راتب أساسي يبلغ 10 ملايين يورو سنوياً، إلى جانب مكافأة توقيع مضمونة قيمتها 7 ملايين يورو كل عام، لترتفع حصيلته إلى 17 مليون يورو في الموسم، أي 34 مليوناً خلال عامين.

ورغم عدم ظهوره مترجماً إلى العربية، انتشر مقطع الفيديو الترويجي بشكل واسع بين المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن نشرته حسابات نادي طرابزون سبور، مصحوباً بتعليقات تعبر عن مشاعر مختلفة.

واستحوذت رمزية «الأم» التركية على النصيب الأكبر من التفاعل العاطفي؛ إذ رأى الجمهور فيها رمزاً للاحتضان، وجعل المتابعين يشعرون بأن صلاح أصبح ابناً روحياً لكل بيت في مدينة طرابزون، مما يبشر ببداية موفقة ومميزة في مسيرته الجديدة.

وعبّر متابعون عن مفاجأتهم بحرارة الاستقبال، لتتحول التعليقات إلى مساحة من الإشادة بالدفء والترحاب الذي أظهره المجتمع التركي في طرابزون تجاه النجم المصري.

كما رأى البعض أن انتقال قائد المنتخب المصري إلى الدوري التركي ليس مجرد صفقة انتقال كروية بل تمتد إلى حدث ثقافي وإعلامي استثنائي.

ووصف جانب كبير من المتابعين الإعلان بأنه «رسالة اجتماعية ناجحة بكل المقاييس»؛ حيث استطاعت أن تظهر الثقافة المحلية لمدينة طرابزون، بينما وصف آخرون التقديم بـ«الذكي» الذي يحمل رسالة تسويقية إيجابية مؤثرة.

ولم يخل التفاعل الجماهيري من الطرافة والروح الساخرة المعهودة عن المصريين؛ إذ أثارت الأطباق التركية الشهية والدسمة الظاهرة في الإعلان موجة من التعليقات الكوميدية، التي تبدي تخوفاً على لياقة محمد صلاح وسرعته، وتداول البعض عبارات تحذر اللاعب من الإفراط في تناول الطعام التركي كي لا تتأثر معدلات أدائه التهديفي.

الفيديو الترويجي انتشر بشكل واسع بين المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي (الفيديو الدعائي)

وقالت الناقدة الرياضية رانيا عبد الوهاب، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تقديم محمد صلاح جاء مؤثراً في الجماهير للغاية، فالمصريون لم يروا محمد صلاح اللاعب العالمي فقط، وإنما رأوا مشهداً يشبههم، بيتاً ريفياً، أسرة مُجتمعة، استقبالاً للضيف، تفاصيل الحياة اليومية، طريقة التعامل والضيافة، وكلها أشياء جعلت التفاعل مع المشهد مختلفاً عن التفاعل مع حفل تقديم تقليدي لنجم كرة قدم».

وتضيف: «النادي لم يقدم صلاح للملعب والجماهير فقط، وإنما أرادوا أن يعرّفوه على البيئة التي سيعيش فيها، لكنهم في الوقت نفسه قدموا للجمهور المصري صورة جعلتهم يشعرون بأن هناك شيئاً مشتركاً بين صلاح والمكان الجديد، والأهم أن هذا المشهد يحمل معنى نفسياً مهماً لصلاح نفسه في بداية تجربة جديدة، فاللاعب يحتاج إلى أن يشعر بأن انتقاله ليس مجرد صفقة، وأن المكان الذي ذهب إليه يريد فعلاً أن يحتضنه ويجعله جزءاً منه، وربما كانت الرسالة الأجمل التي خرج بها هذا التقديم كله: صلاح لم يذهب فقط إلى نادٍ جديد... صلاح ذهب إلى بيت جديد».

بدوره، قال محمد فتحي، المتخصص في الإعلام الرقمي، إن التفاعل مع الإعلان يبدو منطقياً ومتوقعاً لعدة أسباب؛ فمحمد صلاح ليس مجرد لاعب كرة قدم بالنسبة للمصريين، بل هو رمز نجاح عالمي نادر في وقت تحتاج فيه الجماهير إلى قصص فخر واعتزاز، لذلك يتحول أي خبر يخصه تلقائياً إلى أمر مهم، كما أن التوقيت كان له دور في ذلك؛ إذ جاء الانتقال بعد رحيله عن ليفربول، وبعد كأس العالم، فكانت هناك حالة ترقب وشغف لمعرفة الخطوة القادمة، مما زاد من حدة ردود الفعل.

ويشير إلى أن إدارة النادي كانت مدركة منذ البداية أن التعاقد لا يرتبط بالجانب الفني فقط، بل إن القيمة التسويقية والجماهيرية الضخمة التي يمتلكها صلاح كانت جزءاً أساسياً من حسابات الصفقة، وهذا يدل على أن ما حدث لم يكن وليد الصدفة، بل استراتيجية مدروسة مسبقاً.

ويبيّن فتحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «لغة الأرقام تشير إلى أن الاستراتيجية الإعلامية التي اتبعها نادي طرابزون مع صلاح حققت نجاحاً واضحاً على صعيدي الانتشار والتأثير، ويتضح ذلك من عدة مؤشرات، حيث اكتسبت الحسابات الرسمية للنادي أكثر من 2.7 مليون متابع جديد عبر جميع المنصات بعد الإعلان عن الصفقة، وهو رقم قياسي في تاريخ النادي، وارتفعت عمليات البحث عن نادي طرابزون سبور بنسبة 650 في المائة خلال أسبوع واحد، بينما ازدادت عمليات البحث عن مدينة طرابزون نفسها بنسبة 120 في المائة، مما يعني أن الصفقة حققت تسويقاً جغرافياً لا يقتصر على النادي فحسب، بل يمتد إلى المدينة ذاتها».