تراشق «إلكتروني - بيولوجي» بين الغرب وروسيا

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ يتحدث في مؤتمر وزراء الدفاع لدول الحلف في بروكسل (أ. ب)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ يتحدث في مؤتمر وزراء الدفاع لدول الحلف في بروكسل (أ. ب)
TT

تراشق «إلكتروني - بيولوجي» بين الغرب وروسيا

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ يتحدث في مؤتمر وزراء الدفاع لدول الحلف في بروكسل (أ. ب)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ يتحدث في مؤتمر وزراء الدفاع لدول الحلف في بروكسل (أ. ب)

تكثّف التراشق السياسي العسكري الاستخباري اليوم (الخميس) بين قوى غربية وروسيا، وتبادل الجانبان اتهامات خطيرة بالقيام بأعمال عدائية أحدهما تجاه الآخر. وبعد اتهام بريطانيا وأستراليا وكندا أجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية بشنّ هجمات إلكترونية عدة خلال السنوات الأخيرة، وإعلان الحكومة الهولندية أن استخباراتها أحبطت هجوماً إلكترونياً روسياً ضد منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وطردت 4 عملاء روس من البلاد، زعمت وزارة الدفاع الروسية أن هناك مختبرات بيولوجية أميركية محظورة في جورجيا وسواها.
وقال قائد قوات الحماية من الإشعاعات والأسلحة الكيميائية والبيولوجية في الجيش الروسي الجنرال إيغور كيريلوف، إن عمل الولايات المتحدة على تطوير وسائل نقل الأسلحة البيولوجية واستخدامها، يتعارض مع الاتفاقات المتعلقة بحظر الأسلحة البيولوجية. ولفت إلى أن استمرار التجارب على المتطوعين رغم حصول حالات وفاة ينتهك القانون الدولي.
وأكد أن في العالم أكثر من 30 مختبرا تابعا للولايات المتحدة يجري تحديثها دائما، وتتميز بمستوى عال من الحماية البيولوجية. وقال إن هناك مختبرا أميركياً مقاماً في جورجيا المجاورة لروسيا، وان حركة الخبراء الجورجيين مقيدة فيه بحيث لا يستطيعون الوصول إلى الوثائق ولا معلومات لديهم عن التجارب البيولوجية، كاشفاً أن هذه المعلومات مصدرها وزير سابق في جورجيا.
وأكد الجنرال الروسي إن الأميركيين اختبروا جرثومة الطاعون الأفريقي التي انتشرت بعدها في روسيا وجورجيا والصين، مضيفا أن أبحاثهم تتركز على المناطق المتاخمة للحدود الروسية.
واتهمت وزارة الدفاع الروسية وزارة الدفاع الأميركية – البنتاغون - بإقامة مختبرات بيولوجية محظورة في دول قريبة من الحدود الروسية والصينية، مشيرة إلى أن هذه المختبرات تعمل تحت غطاء مؤسسات طبية مدنية تجري تجاربها على مدنيين. وقالت إن البنتاغون طلب عبر مؤسسات تتعامل معه أخذ عينات من خلايا جذعية لمواطنين روس، مضيفة أن روسيا "تنظر ببالغ الخطورة إلى هذه الأعمال غير المسؤولة من جانب البنتاغون والتي تعد خرقا للمواثيق والاتفاقات الدولية".

اتهامات غربية
وكانت بريطانيا قد اتهمت، تزامناً، الاستخبارات العسكرية الروسية بشنّ بعض أكبر الهجمات الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة، من بينها هجوم على اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الأميركي خلال الانتخابات الرئاسية الاميركية عام 2016.
وردت موسكو على ذلك عبر وزارة خارجيتها التي وصفت الغرب بأن "هوس التجسس لديه يزداد قوةً".
وقال وزير الدفاع البريطاني غافين ويليامسون من بروكسل: "هذه ليست أفعال قوى عظمى، هذه أفعال دولة منبوذة". وأضاف: "سنواصل العمل مع الحلفاء لعزل (روسيا)، وجعلها تفهم أنها لا تستطيع مواصلة التصرف بهذا الأسلوب".
وانضمت استراليا إلى بريطانيا في اتهاماتها، مع اعتبار رئيس الوزراء سكوت ماريسون ووزيرة الخارجية ماريز باين التدخل الروسي أمرا "غير مقبول".
وفي وقت لاحق، أعلنت كندا استهدافها بهجمات معلوماتية روسية، مشيرة إلى المركز الكندي لاخلاقيات الرياضة والوكالة العلمية لمكافحة المنشطات في مونتريال. وقالت وزارة الخارجية في بيان ان حكومة كندا ترجح أن الاستخبارات العسكرية الروسية "مسؤولة عن هذه الهجمات المعلوماتية".
وعلى "جبهة" أخرى، أكدت الحكومة الهولندية اليوم أن أجهزة الاستخبارات أحبطت هجوما الكترونيا روسيا كان يستهدف منظمة حظر الاسلحة الكيميائية وطردت أربعة عملاء روس.
وكشفت وزيرة الدفاع الهولندية آنك بييليفيلد أن جهاز كومبيوتر يعود إلى أحد الروس الأربعة كان مرتبطاً بالبرازيل وسويسرا وماليزيا مع أنشطة في ماليزيا لها علاقة بالتحقيق في إسقاط الطائرة التي كانت تقوم بالرحلة «إم إتش17» فوق أوكرانيا عام 2014.
وردت وزارة الخارجية الروسية بأن الاتهامات الهولندية «لا أساس لها»، مشيرة إلى أن موسكو تملك حق الوصول إلى معلومات المنظمة.

واشنطن
وبعد توجيه حلف شمال الاطلسي انتقادات حادة لروسيا بلسان أمينه العام ينس ستولتنبرغ، أعلن وزير الدفاع الاميركي جيم ماتيس الخميس في بروكسل أن الولايات المتحدة قررت أن تضع في تصرف الحلف قدراتها في مجال التصدي للقرصنة المعلوماتية.
وقال إن واشنطن تحذو بذلك حذو دول أخرى من أعضاء الحلف التي سبق أن التزمت بتقديم "قدرات معلوماتية" للحلف، منها بريطانيا والدنمارك وهولندا واستونيا. وتحدث أيضا عن محاولة القرصنة الروسية لمقر منظمة حظر الاسلحة الكيميائية. ورأى أن هذه المحاولة تثبت الى أي حد أصبحت الهجمات المعلوماتية "متكررة أكثر ومعقدة أكثر ومدمرة أكثر".
في غضون ذلك، أعلن القضاء الاميركي انه وجه اتهاما الى سبعة عناصر في الاستخبارات العسكرية الروسية في الهجمات الالكترونية التي استهدفت هيئات رياضية ووكالة دولية وشركة اميركية متخصصة في الطاقة النووية. واوضح مسؤول في وزارة العدل ان هذه الاتهامات مرتبطة بطرد بمحاولة قرصنة مقر منظمة حظر الاسلحة الكيميائية في لاهاي.


مقالات ذات صلة

حماية أقوى للمستخدمين... «واتساب» يكشف عن وضع الأمان العالي

تكنولوجيا تطبيق «واتساب» يظهر على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)

حماية أقوى للمستخدمين... «واتساب» يكشف عن وضع الأمان العالي

يقدم تطبيق «واتساب» التابع لشركة «ميتا» للمستخدمين وضعاً أمنياً متقدماً، ​لينضم بذلك إلى عدد متزايد من شركات التكنولوجيا الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية فريق مكافحة القرصنة في الدوري الإنجليزي أزال أكثر من 230 ألف بث مباشر (رويترز)

3.6 مليار بث مقرصن تكشف عمق أزمة الحقوق الرياضية في بريطانيا

كشف تقرير جديد أن قرصنة البث الرياضي في بريطانيا قفزت إلى مستوى غير مسبوق، بعدما تضاعف عدد البثوث غير القانونية خلال ثلاثة أعوام فقط ليصل إلى 3.6 مليار بث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أميركا اللاتينية تظاهر معارضو الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في دورال بولاية فلوريدا 4 يناير 2026 (أ.ف.ب) p-circle

بعد عملية القبض على مادورو أنظار الفنزويليين تتجه إلى الجيش

بعد عملية القبض على مادورو أنظار الفنزويليين تتجه إلى الجيش وكاراكاس تطارد المتواطئين ووحدات الشرطة تلقت تعليمات للبحث عن الأفراد الذين دعموا العملية الأميركية.

شوقي الريّس (مدريد)
أوروبا حساب على «تلغرام» يطلق على نفسه اسم «كازو» أكد أنه قام باختراق أكثر من 428 ألف ملف على منصة «Manage My Health» (رويترز)

لـ«بناء سمعة طيبة»… قراصنة يؤجلون فدية بعد اختراق بيانات صحية في نيوزيلندا

أعلن قراصنة إلكترونيون تمكنوا من الوصول إلى السجلات الطبية لأكثر من 100 ألف نيوزيلندي موافقتهم على تأجيل دفع الفدية المطلوبة من أجل «بناء سمعة طيبة».

«الشرق الأوسط» (ولينغتون)
شؤون إقليمية صورة أرشيفية لعملية اختراق (رويترز)

قراصنة من إيران يعلنون «اختراق» هاتف رئيس مكتب نتنياهو

أعلنت مجموعة قرصنة إلكترونية مرتبطة بإيران، اليوم الأحد، أنها اخترقت هاتفاً جوالاً لأحد كبار مساعدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟