المخرج مايك لي لـ«الشرق الأوسط» : عرفت بمجزرة «بيترلو» منذ كنت صغيراً وتابعتها

أنجز الفيلم كأول إنتاج ضخم له

للمرأة حضور قوي في «بيترلو»
للمرأة حضور قوي في «بيترلو»
TT

المخرج مايك لي لـ«الشرق الأوسط» : عرفت بمجزرة «بيترلو» منذ كنت صغيراً وتابعتها

للمرأة حضور قوي في «بيترلو»
للمرأة حضور قوي في «بيترلو»

لم يحظ فيلم مايك لي الجديد «بيترلو»، خلال مهرجان «فينيسيا»، بالقدر ذاته من الاحتفاء الذي واجه أفلام المخرج البريطاني السابقة. كان هناك جمهور كثيف تواق لمشاهدته ونقاد معجبون بأعماله، لكن الآراء تعددت وتبددت بعد عرضه الأول. والحال ذاته، كما تشير الصحف الكندية، وقع عندما انتقل الفيلم ومخرجه إلى مهرجان «تورنتو» ليحظى بعرضه الأول في محيط القارة الأميركية.
لعل الموضوع بدا عودة بعيدة إلى أحداث سنة 1819 عندما ثار أبناء مدينة مانشستر ضد السياسيين والاقتصاديين الذين أساءوا إدارة المدينة فتسببوا برفع الضرائب وغلاء الأسعار وزيادة الفقر. لكن إذا كان هذا هو السبب فهو عنصر ضئيل الحجم والتأثير لأن الموضوع ذاته كان يمكن له أن يستحوذ على الإعجاب عوض الاهتمام لو أن الفيلم أبرز تلك الخصائص المعينة في معالجات المخرج مايك لي السابقة وفي مقدّمتها اهتمام عاطفي بالشخصيات التي يتناولها.
في «بيترلو» (تيمناً بموقعة «ووترلو» التي حدثت قبل ثورة مانشستر بأربع سنوات) يمر المخرج بإطالات مقصودة على التاريخ لكنه لا يختار أن يصبح هو، وفيلمه، جزءاً منه. إنه مايك لي المستعرض للحدث من دون التدخل فيه بالقدر الذي كان يمكن له أن يجعل ما سبق مشهد المجزرة المرتكبة، في الربع الأخير من الفيلم، أكثر حيوية وجدالاً.
في صميم هذه النتيجة وإحدى مسبباتها الفعلية اختيار مايك لي لمجموعة من الممثلين الذين لم يعتد المرء عليهم كثيراً: ديفيد مورست، وماكسين بيك، وروري كينير، وروبرت ولفورت، وسام ثروتون وغيرهم الكثير. كلهم موهوبون وكلهم جديرون وكلهم غير مشهورين وبعضهم غير معروف على الشاشة العالمية. نتيجة ذلك أن المشاهد لم يستطع التآلف كثيراً مع شخصية واحدة مع خلو الفيلم من ممثل معروف يقود أو - على الأقل - من ممثل غير معروف يجد نفسه في مقدّمة العمل كمحور مستمر له.
بعد عرض الفيلم، في فينيسيا، جلسنا نتحدث إلى المخرج في اليوم التالي المزدحم أصلاً باللقاءات لنتحدث في كل هذه الشؤون.

> يأتي هذا الفيلم من دون ممثل معروف يتولّى قيادة العمل ويؤثر في مجراه. بالتأكيد كان هذا قرارك الفني الخاص. هل لك أن تشرح دوافعه؟
- أعتقد أن الفيلم ليس بحاجة لنجوم. هذا القرار نتج عن إدراكي بأن ما أقدمه هنا هو فيلم تاريخي من بطولة أناس عاديين وعصبة من الحكوميين الذين تسببوا في المجزرة بفسادهم وجشعهم. لا أعني أن الممثلين المعروفين لا مكان لهم في الأفلام التاريخية فعلي العكس معظم الأفلام التاريخية تسند شخصياتها الرئيسية لهم. لكن في يقيني أن الموضوع هنا كان عليه أن يفوز بالصدارة وحين تمنح ممثلاً معروفاً دوراً رئيسياً فإن بعض الاهتمام يتوجه إليه.
> تقصد أنه قد يسرق الاهتمام؟
- حتى وإن لم يقصد.
> للحظات اعتقدت أنك ستذكر أن السبب الرئيسي عدم وجود شخصية قيادية في الفيلم، بل عدة شخصيات؟
- وهذا أيضاً صحيح. كما تلاحظ ننتقل بين كثير من الشخصيات التي تظهر وتختفي وتعود. ليس هناك شخصية واحدة محورية.
> كان من المفترض بالفيلم أن يلتحق بمسابقة مهرجان «كان» كعادة أفلامك السابقة، لكنك اخترت فينيسيا هذه المرة. ما هي أوجه الاختلاف بالنسبة لصانع أفلام؟
- تأخر العمل على الفيلم فلم يلحق «كان» لذلك جئت به إلى فينيسيا ومن هنا إلى تورنتو. هذا المهرجان أشمل في اختياراته ويأتي في الوقت المناسب. لا أحب المقارنات كثيراً ولا الدخول في المسائل المادية لكني لا آتي بجديد إذا ذكرت لك أن الفترة الزمنية بين فينيسيا وبين باقي مناسبات الموسم في هذا الربع الأخير من السنة قصيرة ومناسبة. حين تعرض فيلماً لك في «كان» تجد نفسك بين النخبة طبعاً، وسيبقى فيلمك حياً في البال إذا كان جيداً، لكن على الإنتاج والملحق الإعلامي صعوبة دفع الفيلم إلى واجهة الاهتمام من ربيع السنة إلى آخرها. هكذا علمت. قيل لي. لكني أجد نفسي في بيتي هنا وفي بيتي هناك.
> الذي تردد أن «كان» هو من رفض الفيلم؟
- لم يرفض الفيلم. رفض الانتظار لحين الانتهاء من النسخة الأخيرة. لكن حتى ولو فعل ما تردد فإن ذلك لا أثر له على العمل. لقد اشتركت مراراً في «كان» واشتركت سابقاً في فينيسيا وبالنسبة لي هما مهرجانان متكاملان.
> أنت في السينما منذ منتصف الستينات ممثلاً ثانوياً في مطلع الأمر ثم غبت لبعض الأعوام قبل أن تعود مخرجاً. وعودتك عكست شغفاً كبيراً بالسينما. هل ما زلت تشعر بالشغف نفسه؟
- بالطبع. أشاهد الأفلام التي أختار مشاهدتها وأتابع السينما من زاوية التشجيع على العمل فيها. كنت لوقت قريب عضو مجلس إدارة «لندن فيلم سكول» لثمانية عشر سنة أتاحت لي أن أتابع عن كثب شغل المخرجين الجدد وتقديم المساعدات المعنوية والإرشادات للكثير منهم. هذا كله نابع من حبي لهذا الوسيط.
> خلال تلك المدّة ما الذي تغير في الطريقة التي باتت الأفلام تصنع من خلالها؟
- أخشى أن أقول تغيرت أمور كثيرة. لم تتغير معي. اقترابي وفهمي لكيفية صنع الفيلم لا يتغير مطلقاً. ما زلت أقوم بممارسة العمل بالطريقة ذاتها. طبعاً التطوّرات الرئيسية هي في نطاق أدوات الصناعة ذاتها وفي مسائل التوزيع والإنتاج أما منوالي في العمل ومراحله فلا يزال هو ذاته.
> ماذا عن سواك؟ هل باتت الأمور أسهل على الجيل الجديد من المخرجين مما كان الحال عليه قبل عشرين سنة مثلاً؟
- السهولة هي الكلمة التي لا تعني الكثير بالنسبة لي ولا يجب أن تكون ملجأ المخرج الجديد. أعتقد أن المطلوب من المخرجين الجدد إهمال معظم ما بات سبيلاً معتاداً من العمل والإقدام على طريقة عمل تضمن إجادة الفيلم وتكثيف الخبرات. لا فائدة تُرجى من قيام الشباب الذي ينوي العمل في الإخراج باستسهال الطريق والقبول بما بات سائداً. عليه أن يبدأ بالخطوات السديدة وهذه الخطوات تنص على أن يكون باحثاً وطالباً للحقيقة بصرف النظر عن نوع المشروع أو السيناريو الذي يعمل عليه.
> «بيترلو» يختلف كثيراً عن أفلامك السابقة من حيث إنك غالباً ما تعاملت مع شخصيات محدودة ومحددة كما الحال في «فيرا درايك» و«توبسي - تورفي» و«هابي - غو - لاكي» أو «مستر تيرنر». لماذا قررت تحقيق فيلم تاريخي شاسع الأحداث ولا يعتمد على شخصيات قليلة تضطلع به؟
- القرار أتي على دفعات. سمعت عن واقعة مانشستر عندما كنت صغيراً، ولاحقاً عدت إليها شاباً واسترعت اهتمامي وتابعت الاهتمام بها وطرح الأسئلة ثم تحوّل كل شيء إلى بحث تاريخي طويل. ثم أدركت أن مناسبة مرور 200 سنة على المجزرة تقترب، وهنا قررت أن أحقق هذا الفيلم عنها. ولا بد طالما أنك جيد الإلمام بالأفلام وتاريخ السينما كما ذكرت لي تعرف أنها كانت ذكرى مهجورة لم يعد يتحدث عنها أحد. شخصياً لا علم لي أنها كانت موضوع الكثير من الأفلام.
> اعتقدت أن مسلسلاً درامياً بريطانياً أنتج عن المجزرة قبل عدة سنوات؟
- مهما يكن أردت تحقيق هذا الفيلم الذي كما تقول يختلف عن أفلامي الأخرى. نعم تلك أصغر في الحجم وفي الأحداث، لكني فخور جداً بهذا الفيلم وسعيد به.
> للمرأة حضور قوي في هذا الفيلم، كما في كل أفلامك الأخرى في الواقع؟
- سعيد بهذه الملاحظة. هي ذات حضور قوي في كل أفلامي وأكن لها احتراماً كلياً. بالنسبة لـ«بيترلو» كان لها دور فائق الأهمية على مختلف الأصعدة. تحمست كالرجال وشاركت كالرجال وضحت وماتت كالرجال ولكن كانت هناك شخصيات نسائية تخشى المواجهة وتدعو لعدم التورط فيها. لكن عموماً كان لها حضور مساعد كثيراً ليس في الفيلم فقط. الفيلم هو صدى للواقع كما حدث.
> كيف يختلف العمل على مشروع كبير كهذا بالنسبة إليك؟
- يختلف كثيراً لكن تحضيراتي واستعداداتي تبقى ذاتها على الرغم من أن البحث في التاريخ هنا دام فترة طويلة.
> أطول من «مستر تيرنر»؟
- نعم. كثيراً. هذا طبيعي. كان علي أن أتأكد من كل شيء كتبته ودرسته وأتأكد أنني سوف لن أنجرف في مجرى الفيلم كتسجيل أحداث فقط، بل أمارسه من حبي في الدراما. لذلك طبيعة العمل واحدة. ما هو مختلف إدارة الجموع البشرية والعمل بمنوال إنتاجي مختلف. لكني أريد أن أؤكد أني تمتعت بالحرية الكاملة في عملي رغم كبر حجم المشروع.
> هل حدث أنك أخرجت فيلماً لم تتمتع فيه بالحرية الكاملة؟
- لا. وإلا لما حققته.
> شعرت خلال مشاهدتي الفيلم بأنك ترمي للقول إن التاريخ هو أقرب إلينا مما نعتقد. ما رأيك؟
- طبعاً. هذا الفارق الكبير بين الطبقات في بريطانيا ماثل لليوم. ماثل بين الشمال الفقير والجنوب الثري. ومن دون مغالاة، لا أحد يعرف كامل وضع الجانب الآخر إلا إذا قام بزيارة فعلية للمنطقة الأخرى. الفارق كبير إلى اليوم.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».