الحكي بعين الأسطورة

طارق إمام في «مدينة الحوائط اللانهائية»

الحكي بعين الأسطورة
TT

الحكي بعين الأسطورة

الحكي بعين الأسطورة

يبني طارق إمام عالمه الفني في مجموعته القصصية «مدينة الحوائط اللانهائية» بالأسطورة، ويدفعها إلى تخوم الخرافة، متخذاً من الحلم الدائم بها عيناً سحرية للكتابة. فثمة شخوص دفنوا أحلامهم في الماضي، وتركوها قسراً، لم يبقَ لهم سوى كهولتهم يحتفون بها، كي يتذكروا أنهم كانوا هنا، وشعب معلق في سقف الزمن، قرر أن يجعل مدينته نافذة مشرعة على السماء، بلا أسقف أو أبواب للبيوت، مجرد حوائط متراصة، حتى شوارعها ودروبها أمعنوا في تضييقها، فبدت تتلوى كالثعبان، بالكاد تسع لشخص واحد كي يمر.
هذا الاتساع في الأعلى والتضييق في الأسفل، يحمل ضمنياً إشارة فارقة ما بين زماني السماء والأرض، وأن الكتلة فوق مسطح السرد تبلغ حيويتها حين تشارف خط الأفق في أعلى اللوحة، كاسرة صلادة الإطار، بينما تتناهي في الصغر كلما اقتربت من خط الأرض.
لا يكترث إمام بالعلاقة المنطقية بين الأشياء والعناصر، فدائماً يسعى إلى تفتيتها وبعثرتها، وإعادة بنائها عبر نوافذ إدراك جديدة مباغتة، مدركاً أنه يمارس اللعب ما بين وعيين؛ وعي الواقع، ووعي الأسطورة. وحتى تظل اللعبة طازجة ولصيقة بهذه العين السحرية، اختار فعل الحكي لفصول كتابه لما ينطوي عليه من مذاق شعبي حريف، حيث تجري الحكاية مجرى الأمثال والحكم الشعبية.
في الخلفية أيضاً، يضع طارق إمام «ألف ليلة وليلة»، يخايلها، ويشم روائحها من بعيد، لكنه في لحظة الكتابة يتركها قابعة فوق الرّف. مقسماً كتابه إلى ثلاثة أقسام هي: نساء مدينة الحوائط، ورجال مدينة الحوائط، ثم غرباء مدينة الحوائط. ويتحرك فضاء الحكايات عبر كتلتين نصيتين؛ إحداهما سردية والأخرى بصرية، يتجاوران ويتقاطعان، ويتبادلان الأدوار والأقنعة، ويُسهِمان معاً في تنويع مناخات الحكي، وطرائق تشكله، وتذويب حركة الضمائر، في فضاء الزمن والأسطورة، لنصبح إزاء سبيكة سردية مغوية، تنفرط وتلتئم خيوطها وتتنامى درامياً برشاقة أسلوبية تشارف تخوم الشعر والموسيقى معاً.
لا تتكون هاتان الكتلتان من تلقاء نفسهما، فدائماً هناك رأس حربة، يشكِّل محورَ إيقاعها من الداخل، ويضبط علاقتها بالخارج، رأس الحربة هو بطل أو بطلة الحكاية، علاقته بالكتلة مرنة، فهو يستطيع أن يدخل ويخرج منها بحرية، بل يقلبها رأساً على عقب، ويمسخها، لتستحيل إلى عالم خرافي، يعلو فوق حدود العقل والحواس والخيال.
يرفد ذلك الفضاء الطباعي للكتاب، فثمة صورةٌ تتصدر كل حكاية، يعقبها العنوان، وبينما تعتمد الصورة على رسوم هيكلية ذات ملمح رمزي تعبيري، وتهشيرات الأبيض والأسود، مشربة بروح من الكولاج، لالتقاط مناخ الحكاية، يعتمد العنوان في أغلب الحكايات على علاقة الوصل أو صلة الموصول من قبيل «حكاية المرأة التي تغني»، «حكاية الرجل الذي لم يحلم أبداً»، «حكاية العجوز الذي يحلم بالمستقبل»... وغيرها. ما يعني أننا تحت مظلة حكايات تكمل بعضها بعضا، وأن كل حكاية تشكل جسراً شفيفاً لما بعدها، وفي فضاء مكاني واحد، لم يبرح مدينة الحوائط.
يبرز «الماوراء»، دائماً في حكايات ناقصة مبتورة، أشبه بأسطورة مجروحة، بوجود منزوع منه غلافُ الحياة، وذلك بفعل طاقة السحر والكائنات الشريرة، إنه وجود مؤجل ينتظر عملاً خارقاً يشبه المعجزة، تماماً كذيل الثعبان المفصول عن رأسه، في حكاية «الحطاب وذيل الثعبان»، الذي يفتش عنها ليكتمل تجسّده في حبيبته بشراً سويّاً، ولكي يتم ذلك لا بد أن يكون برفقة شخص يبحث عن الحب... كذلك في الشَّعرة السوداء الوحيدة التي صمدت ضد الشيب في رأس المرأة الغانية، وكيف تعود شابة بشعر أسود، بعد مصادفة لقائها بالرجل الكهل، وتكتشف أنه حبيبها الذي سقط منها في بئر الماضي. وفي حكاية «طباخة السم» الفتاة الماهرة صاحبة القدرات الخاصة في الطبخ لا سيما في صناعة الحساء، حيث يتكشف ما وراء السم، بقوة المصادفة، ويصبح صكّ براءتها، وطوقَ نجاة للوصول إلى حبيبها الفتي الأعمى الحكيم... وغيرها من الحكايات.
وفي «حكاية المرأة ذات العين الواحدة»، يمثل جبل الكحل بروائحه النفاذة وظلاله الداكنة، وهيكله الضخم المنتصب بشموخ في سفح الجبل بمدينة الحوائط، كتلةً بصرية بامتياز، كأننا إزاء نصب تذكاري، له قوامه الصرحي، بينما تمثل المرأة البطلة ذات العين الواحدة محور إيقاع الكتلة ورأس حربتها، التي تحركها صعوداً وهبوطاً، من أعلى لأسفل، وفي زوايا خاصة، تشع فيها تحولات المكان فوق قماشه الحكي، حتى تصيب لعنة الكحل وفتنته كل نساء المدينة فيذُبْنَ في صورة البطلة، ويتحولن إلى نساء بعين واحدة... بينما يبرز عمل الكتلة السردية، في وصف شديد الدقة والمتعة، يتجاوز بؤرة التوثيق للحدث، ويصبح شكلاً من أشكال معايشته على ألسنة الناس وانفعالاتهم وردود فعلهم حياله، ويتحول الكحل إلى سلاح للمقاومة الشرسة ضد غارات الأعداء على المدينة.
الأمر نفسه يطالعنا في «حكاية كتاب الحياة المفقودة»، فمشهد الهيكل العظمي المتيبس المطمور في التراب، «منكفئاً في وضع جلوس، وقد أمسك بين كفيه كتاباً مفتوحاً»، يشد العين إلى الصورة كأثر لأسطورة ما محفورة في طوايا الزمن والتاريخ.
تتحرك الصورة بقوة الأسطورة، وتستعيد دورتها في الحياة حين يتم كشف محتوى الكتاب، وتكمن المفاجأة أن صفحاته خالية من أي كلمات، عدا الصفحة الأولى فقط، التي احتلتها عبارة واحدة مكتوبة بخط اليد «من يعثر علي ستصيبه اللعنة إن لم يخرجني»... امتثالاً لهذه الوصية وبعد نقاش كثير، يقرر الأهالي أن يخرجوه، ويسندوه إلى أقرب حائط، بعد أن يعيدوا الكتاب إلى كفيه كما كان حين عثروا عليه، لكن الحكاية لا تنتهي عند هذا الحد... هنا تبرز خصيصة مهمة في هذا الكتاب، حيث القدرة على صُنْع نهايات لا تنتهي، وفي الوقت نفسه القدرة على خلق المأزق الحكائي، وتنميتها فنياً ونفسياً ودفعه إلى أقصى نقطة، لم تكن تخطر على البال، ومن أبسط الأشياء والثقوب، ما يعني ضمنياً إننا إزاء ما يمكن أن أسميه «تناسل الأسطورة»، حيث النهايات المفتوحة على كل شيء.
تتابع النهايات في حكاية «كتاب الحياة المفقودة» كأنها سلسلة معلَّقة في رقاب الزمن، فالهيكل البشري يتمكن من ستر عورته بقماشة بيضاء، ثم يستعيد وجهه الذي أُحِيط بهالة شعر سوداء طويلة وناعمة، وارتدى جلباباً واسعاً، ثم يكتشفون أن الهيكل العظمي كان لأنثى جميلة وليس لرجل... ثم تصل التوقعات لذروتها غير المتوقعة، فمع كل صفحة تسطرها في كتابها هذه الأنثى الجميلة التي عادة للحياة من الموت، يستيقظ الرجال كل صباح، على هياكل عظمية جديدة في أسِرَّتِهم، لنسائهم وفي غرف بناتهم، ولا يبقى في المدينة سواها امرأةً وحيدة عشيقة يشتهيها كل الرجال، وزوجةً غيرَ معلنة للجميع، وأمّا وحيدة لجيل جديد، «بزغ بملامح متشابهة حد التطابق... هكذا أعادت الجميع إخوة»... تطالعنا هذه النهايات أيضاً في حكاية «الحطاب وذيل الثعبان»، فحين يعثر على حبيبة الحلم، يهديها فأسه، وفي نشوة القبلات، تفاجئه بضربة قاصمة بالفأس، تشطر جسده نصفين لجسد ثعبان، تختبئ حبيبته في النصف الذي يحمل الرأس، ويختبئ هو في النصف الذي يحمل الذيل... وفي حكاية «زوجة الصائغ الذي تكره الذهب»، يتحول عشق الذهب وكراهيته إلى لعنة تودي بحياة الزوجين، على يد كائناتهما الأليفة، دجاجات الزوجة وكلب الزوج، بفعل إدمانها رائحة الذهب وغباره المتطاير، فيسقطان صرعى معركة لم يخططا لها، وأرادا لحياتهما أن تتحول في ظلالها إلى لعبة محببة.
رغم ذلك، في رحم الأسطورة يتم التصالح مع أشياء يبدو التصالح معها مستحيلاً واقعياً، ويحتاج إلى معجزة... يتم التصالح مع الموت والحياة، مع الحب والماضي، مع النور والعتمة، بل يصبح العمى بصيرة كاشفة، لما وراء الصورة... يطالعنا ذلك في كثير من الحكايات، منها على سبيل المثال «حكاية الخادم الذي يعيش في لونين»، الأبيض والأسود، لا يرى غيرهما كأنهما صدى لحلم قديم، لكنه يصبح قادراً على رؤية العالم كما يريد، بعد أن فقد لوناً منهما وكُفّ عن البصر، مكتفياً بلون واحد هو الأبيض. كذلك في حكاية «العجوز الذي أغضب الموت»، والذي نجا منه بعد أشهر من ولادته، وقبل أن يواروا جسده التراب، ينطق مبتسماً للحياة من جديد. لكنه يقع في خصام مع الموت، بعد أن تجاوز عمرة المائة عام، وأصبح مجرد هيكل عظمي لم يعد في جسده سوى حزمة أنفاس مضطربة.
على هذا النحو، تتقافز الأسطورة في الحكايات، ما بين الثقل والخفة، وفي قبضة ضمير واحد، هو صوت الراوي السارد، الكاتب، صانع اللعبة، لعبة ما أسميه «ملاذات الأسطورة»، فهي أحياناً ملاذ عاطفي للحب والحلم والحرية، ما يطالعنا في كثير من الحكايات، منها: «حكاية الرجل الذي لم يحلم أبداً»، «حكاية الشيطان وصندوق الدنيا»، «حكاية رجل عجوز من الورق المقوى». وهي ملاذ للفكاهة والدعابة والمرح، مثلما في «حكاية الإسكافي المجنح والحذاء الذي يتكلم»، و«حكاية ساعي البريد وجبل الخطابات الخالية»... تتخفف هذه الملاذات من ثقل الكتلة وكثافتها بصرياً وسردياً، وتمرق كضوء شارد وحميم، في ذاكرة الكتابة، لكن هاجسها الأساس يظل الحلم بالأسطورة.


مقالات ذات صلة

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي
ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».