الحكي بعين الأسطورة

طارق إمام في «مدينة الحوائط اللانهائية»

الحكي بعين الأسطورة
TT

الحكي بعين الأسطورة

الحكي بعين الأسطورة

يبني طارق إمام عالمه الفني في مجموعته القصصية «مدينة الحوائط اللانهائية» بالأسطورة، ويدفعها إلى تخوم الخرافة، متخذاً من الحلم الدائم بها عيناً سحرية للكتابة. فثمة شخوص دفنوا أحلامهم في الماضي، وتركوها قسراً، لم يبقَ لهم سوى كهولتهم يحتفون بها، كي يتذكروا أنهم كانوا هنا، وشعب معلق في سقف الزمن، قرر أن يجعل مدينته نافذة مشرعة على السماء، بلا أسقف أو أبواب للبيوت، مجرد حوائط متراصة، حتى شوارعها ودروبها أمعنوا في تضييقها، فبدت تتلوى كالثعبان، بالكاد تسع لشخص واحد كي يمر.
هذا الاتساع في الأعلى والتضييق في الأسفل، يحمل ضمنياً إشارة فارقة ما بين زماني السماء والأرض، وأن الكتلة فوق مسطح السرد تبلغ حيويتها حين تشارف خط الأفق في أعلى اللوحة، كاسرة صلادة الإطار، بينما تتناهي في الصغر كلما اقتربت من خط الأرض.
لا يكترث إمام بالعلاقة المنطقية بين الأشياء والعناصر، فدائماً يسعى إلى تفتيتها وبعثرتها، وإعادة بنائها عبر نوافذ إدراك جديدة مباغتة، مدركاً أنه يمارس اللعب ما بين وعيين؛ وعي الواقع، ووعي الأسطورة. وحتى تظل اللعبة طازجة ولصيقة بهذه العين السحرية، اختار فعل الحكي لفصول كتابه لما ينطوي عليه من مذاق شعبي حريف، حيث تجري الحكاية مجرى الأمثال والحكم الشعبية.
في الخلفية أيضاً، يضع طارق إمام «ألف ليلة وليلة»، يخايلها، ويشم روائحها من بعيد، لكنه في لحظة الكتابة يتركها قابعة فوق الرّف. مقسماً كتابه إلى ثلاثة أقسام هي: نساء مدينة الحوائط، ورجال مدينة الحوائط، ثم غرباء مدينة الحوائط. ويتحرك فضاء الحكايات عبر كتلتين نصيتين؛ إحداهما سردية والأخرى بصرية، يتجاوران ويتقاطعان، ويتبادلان الأدوار والأقنعة، ويُسهِمان معاً في تنويع مناخات الحكي، وطرائق تشكله، وتذويب حركة الضمائر، في فضاء الزمن والأسطورة، لنصبح إزاء سبيكة سردية مغوية، تنفرط وتلتئم خيوطها وتتنامى درامياً برشاقة أسلوبية تشارف تخوم الشعر والموسيقى معاً.
لا تتكون هاتان الكتلتان من تلقاء نفسهما، فدائماً هناك رأس حربة، يشكِّل محورَ إيقاعها من الداخل، ويضبط علاقتها بالخارج، رأس الحربة هو بطل أو بطلة الحكاية، علاقته بالكتلة مرنة، فهو يستطيع أن يدخل ويخرج منها بحرية، بل يقلبها رأساً على عقب، ويمسخها، لتستحيل إلى عالم خرافي، يعلو فوق حدود العقل والحواس والخيال.
يرفد ذلك الفضاء الطباعي للكتاب، فثمة صورةٌ تتصدر كل حكاية، يعقبها العنوان، وبينما تعتمد الصورة على رسوم هيكلية ذات ملمح رمزي تعبيري، وتهشيرات الأبيض والأسود، مشربة بروح من الكولاج، لالتقاط مناخ الحكاية، يعتمد العنوان في أغلب الحكايات على علاقة الوصل أو صلة الموصول من قبيل «حكاية المرأة التي تغني»، «حكاية الرجل الذي لم يحلم أبداً»، «حكاية العجوز الذي يحلم بالمستقبل»... وغيرها. ما يعني أننا تحت مظلة حكايات تكمل بعضها بعضا، وأن كل حكاية تشكل جسراً شفيفاً لما بعدها، وفي فضاء مكاني واحد، لم يبرح مدينة الحوائط.
يبرز «الماوراء»، دائماً في حكايات ناقصة مبتورة، أشبه بأسطورة مجروحة، بوجود منزوع منه غلافُ الحياة، وذلك بفعل طاقة السحر والكائنات الشريرة، إنه وجود مؤجل ينتظر عملاً خارقاً يشبه المعجزة، تماماً كذيل الثعبان المفصول عن رأسه، في حكاية «الحطاب وذيل الثعبان»، الذي يفتش عنها ليكتمل تجسّده في حبيبته بشراً سويّاً، ولكي يتم ذلك لا بد أن يكون برفقة شخص يبحث عن الحب... كذلك في الشَّعرة السوداء الوحيدة التي صمدت ضد الشيب في رأس المرأة الغانية، وكيف تعود شابة بشعر أسود، بعد مصادفة لقائها بالرجل الكهل، وتكتشف أنه حبيبها الذي سقط منها في بئر الماضي. وفي حكاية «طباخة السم» الفتاة الماهرة صاحبة القدرات الخاصة في الطبخ لا سيما في صناعة الحساء، حيث يتكشف ما وراء السم، بقوة المصادفة، ويصبح صكّ براءتها، وطوقَ نجاة للوصول إلى حبيبها الفتي الأعمى الحكيم... وغيرها من الحكايات.
وفي «حكاية المرأة ذات العين الواحدة»، يمثل جبل الكحل بروائحه النفاذة وظلاله الداكنة، وهيكله الضخم المنتصب بشموخ في سفح الجبل بمدينة الحوائط، كتلةً بصرية بامتياز، كأننا إزاء نصب تذكاري، له قوامه الصرحي، بينما تمثل المرأة البطلة ذات العين الواحدة محور إيقاع الكتلة ورأس حربتها، التي تحركها صعوداً وهبوطاً، من أعلى لأسفل، وفي زوايا خاصة، تشع فيها تحولات المكان فوق قماشه الحكي، حتى تصيب لعنة الكحل وفتنته كل نساء المدينة فيذُبْنَ في صورة البطلة، ويتحولن إلى نساء بعين واحدة... بينما يبرز عمل الكتلة السردية، في وصف شديد الدقة والمتعة، يتجاوز بؤرة التوثيق للحدث، ويصبح شكلاً من أشكال معايشته على ألسنة الناس وانفعالاتهم وردود فعلهم حياله، ويتحول الكحل إلى سلاح للمقاومة الشرسة ضد غارات الأعداء على المدينة.
الأمر نفسه يطالعنا في «حكاية كتاب الحياة المفقودة»، فمشهد الهيكل العظمي المتيبس المطمور في التراب، «منكفئاً في وضع جلوس، وقد أمسك بين كفيه كتاباً مفتوحاً»، يشد العين إلى الصورة كأثر لأسطورة ما محفورة في طوايا الزمن والتاريخ.
تتحرك الصورة بقوة الأسطورة، وتستعيد دورتها في الحياة حين يتم كشف محتوى الكتاب، وتكمن المفاجأة أن صفحاته خالية من أي كلمات، عدا الصفحة الأولى فقط، التي احتلتها عبارة واحدة مكتوبة بخط اليد «من يعثر علي ستصيبه اللعنة إن لم يخرجني»... امتثالاً لهذه الوصية وبعد نقاش كثير، يقرر الأهالي أن يخرجوه، ويسندوه إلى أقرب حائط، بعد أن يعيدوا الكتاب إلى كفيه كما كان حين عثروا عليه، لكن الحكاية لا تنتهي عند هذا الحد... هنا تبرز خصيصة مهمة في هذا الكتاب، حيث القدرة على صُنْع نهايات لا تنتهي، وفي الوقت نفسه القدرة على خلق المأزق الحكائي، وتنميتها فنياً ونفسياً ودفعه إلى أقصى نقطة، لم تكن تخطر على البال، ومن أبسط الأشياء والثقوب، ما يعني ضمنياً إننا إزاء ما يمكن أن أسميه «تناسل الأسطورة»، حيث النهايات المفتوحة على كل شيء.
تتابع النهايات في حكاية «كتاب الحياة المفقودة» كأنها سلسلة معلَّقة في رقاب الزمن، فالهيكل البشري يتمكن من ستر عورته بقماشة بيضاء، ثم يستعيد وجهه الذي أُحِيط بهالة شعر سوداء طويلة وناعمة، وارتدى جلباباً واسعاً، ثم يكتشفون أن الهيكل العظمي كان لأنثى جميلة وليس لرجل... ثم تصل التوقعات لذروتها غير المتوقعة، فمع كل صفحة تسطرها في كتابها هذه الأنثى الجميلة التي عادة للحياة من الموت، يستيقظ الرجال كل صباح، على هياكل عظمية جديدة في أسِرَّتِهم، لنسائهم وفي غرف بناتهم، ولا يبقى في المدينة سواها امرأةً وحيدة عشيقة يشتهيها كل الرجال، وزوجةً غيرَ معلنة للجميع، وأمّا وحيدة لجيل جديد، «بزغ بملامح متشابهة حد التطابق... هكذا أعادت الجميع إخوة»... تطالعنا هذه النهايات أيضاً في حكاية «الحطاب وذيل الثعبان»، فحين يعثر على حبيبة الحلم، يهديها فأسه، وفي نشوة القبلات، تفاجئه بضربة قاصمة بالفأس، تشطر جسده نصفين لجسد ثعبان، تختبئ حبيبته في النصف الذي يحمل الرأس، ويختبئ هو في النصف الذي يحمل الذيل... وفي حكاية «زوجة الصائغ الذي تكره الذهب»، يتحول عشق الذهب وكراهيته إلى لعنة تودي بحياة الزوجين، على يد كائناتهما الأليفة، دجاجات الزوجة وكلب الزوج، بفعل إدمانها رائحة الذهب وغباره المتطاير، فيسقطان صرعى معركة لم يخططا لها، وأرادا لحياتهما أن تتحول في ظلالها إلى لعبة محببة.
رغم ذلك، في رحم الأسطورة يتم التصالح مع أشياء يبدو التصالح معها مستحيلاً واقعياً، ويحتاج إلى معجزة... يتم التصالح مع الموت والحياة، مع الحب والماضي، مع النور والعتمة، بل يصبح العمى بصيرة كاشفة، لما وراء الصورة... يطالعنا ذلك في كثير من الحكايات، منها على سبيل المثال «حكاية الخادم الذي يعيش في لونين»، الأبيض والأسود، لا يرى غيرهما كأنهما صدى لحلم قديم، لكنه يصبح قادراً على رؤية العالم كما يريد، بعد أن فقد لوناً منهما وكُفّ عن البصر، مكتفياً بلون واحد هو الأبيض. كذلك في حكاية «العجوز الذي أغضب الموت»، والذي نجا منه بعد أشهر من ولادته، وقبل أن يواروا جسده التراب، ينطق مبتسماً للحياة من جديد. لكنه يقع في خصام مع الموت، بعد أن تجاوز عمرة المائة عام، وأصبح مجرد هيكل عظمي لم يعد في جسده سوى حزمة أنفاس مضطربة.
على هذا النحو، تتقافز الأسطورة في الحكايات، ما بين الثقل والخفة، وفي قبضة ضمير واحد، هو صوت الراوي السارد، الكاتب، صانع اللعبة، لعبة ما أسميه «ملاذات الأسطورة»، فهي أحياناً ملاذ عاطفي للحب والحلم والحرية، ما يطالعنا في كثير من الحكايات، منها: «حكاية الرجل الذي لم يحلم أبداً»، «حكاية الشيطان وصندوق الدنيا»، «حكاية رجل عجوز من الورق المقوى». وهي ملاذ للفكاهة والدعابة والمرح، مثلما في «حكاية الإسكافي المجنح والحذاء الذي يتكلم»، و«حكاية ساعي البريد وجبل الخطابات الخالية»... تتخفف هذه الملاذات من ثقل الكتلة وكثافتها بصرياً وسردياً، وتمرق كضوء شارد وحميم، في ذاكرة الكتابة، لكن هاجسها الأساس يظل الحلم بالأسطورة.


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.