«التحقيقات الجينية» تكشف مرتكبي الجرائم القديمة

عالمة أنساب أميركية رصدت «قاتل ولاية كاليفورنيا الذهبي» بعد أكثر من 4 عقود

«التحقيقات الجينية» تكشف مرتكبي الجرائم القديمة
TT

«التحقيقات الجينية» تكشف مرتكبي الجرائم القديمة

«التحقيقات الجينية» تكشف مرتكبي الجرائم القديمة

شكّلت بربارا راي - فينتر، المحققة البارعة المتخصصة بعلم الأنساب الجيني، الذي يحدد النسب والقرابة بين الأشخاص اعتماداً على الجينات، مصدر إلهام للآخرين لمساعدة السلطات الأمنية في القضايا الجنائية التي يكتنفها الغموض، بعيداً عن الجدالات القائمة حول الأخلاقيات والخصوصية.
قررت المحققة التي ساعدت في حل قضية «قاتل الولاية الذهبي» أن تبقي هويتها سرية في بداية التحقيق، وقالت في حديث للإعلام الأميركي «كنت خائفة على سلامتي؛ لهذا السبب تأخرت كثيراً قبل الخروج إلى الأضواء».
لكن المحامية التي تبلغ 70 عاما من العمر وتعيش في ولاية كاليفورنيا، شعرت بأنها باتت جاهزة للإعلان عن هويتها، متسلحة بالتفاعل الذي حاز عليه الدور الذي لعبته في تحديد هوية جوزيف دي آنجلو، شرطي سابق يواجه اليوم تهماً بقتل 13 امرأة في أنحاء كاليفورنيا بين السبعينات والثمانينات.
تعتبر راي - فينتر الشخصية الأحدث ظهوراً في تحقيقات «قاتل الولاية الذهبي»، التي ألهمت الكثير من المتخصصين في علم الأنساب الجيني والمهرة في حل ألغازه لعرض خدماتهم على السلطات الأمنية. وعلى الرغم من أن هذا التحالف بين المحققين والعلماء أثمر عن ثمانية اعتقالات على الأقل في الأشهر الأربعة الأخيرة، فإنه يثير ارتياب البعض في مجتمع علم الأنساب.

تحقيقات جينية

يعود تحوّل راي - فينتر من عملها الأساسي محامية إلى خبيرة في تقنيات التحقيق الجيني إلى جهود بذلتها لمساعدة قريب لها، عرفت حديثاً أنه من عائلتها. وفقد التقى الاثنان عبر موقع «فاميلي تري دي إن إيه»، (أي «موقع شجرة العائلة وفقاً للحمض النووي») عام 2012، بعد أسابيع قليلة من معرفة القريب الجديد أن الرجل الذي رباه ليس والده البيولوجي.
في ذلك الوقت، وجدت المحامية أن موقع DNAAdoption.org، المختص بتحليل الحمض النووي للأشخاص الذين جرى تبنيهم، يقدم صفوفاً تعليمية حول كيفية استخدام مطابقات الحمض النووي، والأشجار العائلية، والسجلات العامة للعثور على الآباء البيولوجيين.
لم تكن راي - فينتر تلميذة عادية؛ لأنها حازت دكتوراه في علم الأحياء قبل حصولها على شهادة الحقوق. وكمحامية متخصصة في براءة الاختراع، ركزت في عملها على اختراعات التقنيات البيولوجية، وكانت غالباً تتعاون مع شركات متخصصة في اختراعات البيولوجيا الجزيئية.
انتقلت المحامية التي تتحدر من نيوزيلندا إلى الولايات المتحدة الأميركية مع زوجها السابق جي كريغ فينتر، عالم الجينات الذي اكتسب لاحقاً شهرة واسعة لمهارته في كشف سلسلة الجينوم البشري.
وبعد فترة قصيرة من إنهائها هذه الدورة، بدأت بتعليمها. وهي اليوم تخوض محادثات مع وكالات أمنية مختلفة لحل ما يقارب 50 قضية تتضمن جرائم قتل غامضة.

تحديد الهوية

كيف وصل بها الأمر إلى المشاركة في التحقيق بالجرائم؟ عام 2015، قدمت راي – فينتر المساعدة لمحقق كان يحاول تحديد هوية امرأة تدعى ليزا في العقد الثالث من عمرها، كانت قد اختطفت وهي طفلة.
أمضت ليزا ثلاثين عاماً من حياتها وهي تظن أن الشخص الذي أساء إليها وهجرها، ومن ثم أدين بارتكاب جريمة قتل، هو والدها. وخلال التحقيق، اكتشف المحققون أن حمض ليزا النووي لم يطابق حمض ذلك الرجل النووي. وبدأت الأسئلة حول هوية والديها الحقيقيين، والمكان الذي أتت منه، لكن المتهم رفض الإجابة على الأسئلة المتعلقة بأصولها.
بعد 20000 ساعة من العمل ومساعدة أكثر من 100 متطوع، نجحت راي – فينتر أخيراً بالاعتماد على تقنياتها، في تحديد اسم المرأة عند الولادة وهو «داون»، وتواصلت مع جدها، أقرب أفراد عائلتها الأحياء المهتمين بالتواصل معها.
وتمكنت المحامية المتخصصة في علم الأنساب أيضاً من حصر أسماء الرجال الذين يحتمل أن يكون أحدهم والد ليزا بمجموعة من الرجال الذين تزوجوا بالتزامن مع تاريخ مولدها. لكن الرجال الذين استطاعت أن تصل إليهم رفضوا الخضوع لفحص الحمض النووي. إلا أنها ورغم هذا الرفض، تمكنت ليزا التي لم تكن تعرف شيئاً عن أصولها، من الوصول إلى شجرة عائلية تضم آلاف الأشخاص.
بعدها، علم شخص يدعى هولز، بعمل راي - فينتر في هذه القضية عام 2017؛ مما دفعه إلى التساؤل «بعد نجاحها في التوصل إلى تحديد هوية هذه الفتاة من خلال أدلة قليلة جداً، هل ستعجز عن تحديد هوية أحدهم من خلال عينة محفوظة من السائل المنوي»؟

احتدام الجدل

لم تكن راي - فينتر عالمة الأنساب الوحيدة التي تعاونت مع السلطات الأمنية والقضائية؛ لذا بدأت موجات من الجدل تستعر في مؤتمرات علم الأنساب حول ما إذا كان يجب التعاون مع هذه السلطات أم لا.
لا تستطيع الأجهزة القضائية البحث في مواقع متخصصة بعلم تحديد الأنساب مثل موقع «23 أند مي» (لرصد نوع الحمض النووي) دون إذن من المحكمة، إلا أن حل هذه المشكلة كان متوفراً لدى علماء الأنساب الذين يعملون في حل قضايا التبني، فهم يستطيعون تحميل أدلة من مسرح الجريمة على موقع «جي إي دي ماتش» (GEDmatch)، وهو عبارة عن موسوعة إلكترونية تشبه «ويكيبيديا»، لكن للبحث في الأحماض النووية، وتعرف بشروطها غير الصارمة في خدمة الزبائن.
وقد رأى البعض في مساعدة السلطات المختصة للدخول والبحث في هذا الموقع ثغرة لاستغلال المستخدمين وخيانة ثقتهم، بينما شعر آخرون بأنه لا بأس بهذه المساعدة، لكن كان من الأفضل لو أنها قدمت دون جلبة، لتفادي نفور الناس من الموقع.
أما راي – فينتر، فقد أكدت أنها لم تكن تعلم بهذه الأحاديث، وقالت «لم أدخل في أي من هذه الجدالات». كما أنها قررت، وبعد الاطلاع على قضايا هولز السابقة، أن تساعده. لكنها لم تعرف بتفاصيل قضية «قاتل الولاية الذهبي» إلا لاحقاً.

القاتل الذهبي

وعلمت المحامية لاحقاً أن جرائم الرجل لم تنحصر في قتل 13 امرأة فحسب، بل إنه أيضاً عمد إلى اغتصاب عشرات أخريات، فزادتها هذه المعلومات إصراراً على المساعدة في القضية.
وقالت «يجب منع هذا الرجل من التجول على الطرقات».
يشيع اليوم مفهوم خاطئ مفاده أن حل قضية معينة باستخدام هذه المقاربة الجينية الجديدة بسيط كما هو الحال عند العثور على تطابق جيني في قاعدة بيانات معينة. لكن الحمض النووي هو بنظر راي - فينتر دليل أولي متواضع.
ويعتبر هذا الدليل دون قيمة، وتحديداً إذا وقع بين يدي شخص لا يملك خبرة في مجال علم الأنساب الجيني، وفي حال كان يعود إلى قريب من الدرجة الثانية أو الثالثة عثر عليه في قاعدة بيانات موقع GEDmatch.
تضمنت قضية «قاتل الولاية الذهبي» الكثير من العوائق التي كان يجب تخطيها. وقد تمثلت الخطوة الأهم بملاحقة جميع أقارب المشتبهين المحتملين حتى النجاح في تحديد هوية جد مشترك بينهم. خلال البحث، تبين أن أجداد الكثير من المشتبه بهم هم من المهاجرين الإيطاليين الجدد؛ مما أوصل الفريق إلى طريق مسدود في تحديد البيانات المرتبطة بالأشجار العائلية.
وأخيراً، ومن خلال التركيز على الجانب البريطاني من شجرة العائلة، بدأ الفريق في تحقيق تقدم ووضع خطوط عريضة تقريبية للأشجار، التي سيصار أخيراً إلى دمجها.
بعدها، تولت الباحثة راي - فينتر قيادة الفريق نحو كيفية ملء فروع الأشجار عبر استخدام سجلات الولادة، وقصاصات الجرائد، وحسابات التواصل الاجتماعي، وبيانات الأشجار العائلية.
وكشفت راي - فينتر أن متدربيها، ومن بينهم شخصان من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ومحاميان من وكالة مقاطعة «ساكرامنتو كاونتي» إلى جانب هولز، كانوا طلاباً مهرة وسريعي التعلم.

رصد المجرم

لكن الفصل الصعب يكمن في تعلم كيفية مقارنة ملفي حمض نووي كروموسومي (من كل الكروموسومات عدا الجنسية)، وفهم ما تشير إليه الأجزاء المتداخلة، لمعرفة الفرع الذي يجب التركيز عليه من الشجرة، وتوضيح ما إذا كانت هذه الأجزاء ستتوافق مع بعضها لتحديد الشخص المجهول.
وقال هولز، إن علماء الأنساب الجينية أمثال راي - فينتر قيّمون جداً لأنهم «يفهمون اختبار الحمض النووي، ووراثة الحمض النووي، وجوانب علم الأنساب»، وهذه المهارة نادراً ما تتوافر في شخص واحد. بعد أشهر عدة، برز عدد من المشتبهين المحتملين الجدد بناءً على أعمارهم وتاريخهم في كاليفورنيا؛ مما فرض تحقيقات إضافية. استخرج الفريق عينة حمض نووي من الرجل الأكثر شبهة بينهم. لم يجد المحققون تطابقاً، لكنهم أكدوا أنه من أفراد العائلة القريبين من القاتل الذهبي؛ مما ساهم في توفير معلومات مهمة.
بعدها، لجأت راي - فينتر إلى أداة للتوقع لتحديد لون العينين على موقع GEDmatch، فتوصلت إلى أن عيني القاتل زرقاوان. من جهة أخرى، رجح موقع «برومتياز.كوم»، المتخصص في تحليل المخاطر الصحية بأن يكون المشتبه به يعاني من الصلع المبكر.
رجل واحد من بين المشتبهين الذين كان المحققون يبحثون في معلوماتهم كانت عيناه زرقاوين، وهو «دي آنجلو»، ليلاحظوا بعدها أيضاً من خلال صورة رخصة القيادة انحسار الشعر في رأسه.
عرف المحققون أن هذا النوع من التوقعات قد يكون مضللاً بعض الشيء، لكنهم أخذوا بعين الاعتبار الأدلة المتراكمة التي تدفعهم إلى السير باتجاه محدد. وانطلاقاً من هذا الاتجاه، رجحت الإجراءات البوليسية التقليدية أن يكون دي آنجلو هو غالباً المشتبه به. وأخيراً، بعد الحصول على عينة منسية من حمضه النووي وإثبات التطابق، تم اعتقاله.
بعد فترة قصيرة من إعلان تحديد هوية قاتل الولاية الذهبي، أعلنت شركة «بارابون»، المتخصصة في استشارات علم الأدلة الجنائية، أنها تعتزم إطلاق ذراع متخصصة في علم الأنساب. من جهتها، كشفت سيسي مور، عالمة متخصصة في علم الأنساب الجيني ومعروفة بعملها في قضايا التبني، عن اختراقات تم تحقيقها في قضايا تعود لست جرائم قتل وجريمتي اعتداء جنسي.
ورأى كولين فيتزباتريك، عالم متخصص في الصواريخ، تحول لاحقاً إلى علم الأنساب الجيني، أن قضية قاتل الولاية الذهبي تثبت أنهم يستطيعون الدخول في مجال حل جرائم القتل. وتجدر الإشارة إلى أن فيتزباتريك يشارك اليوم في التحقيق بعشرات جرائم القتل لصالح منظمة «آيدينتيفايندر إنترناشيونال» العاملة في مجال البحث الجنائي.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.


ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
TT

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة وعالية الإنتاجية، ساهم في إنقاذ أكثر من مليار إنسان من براثن المجاعة، وهو إنجاز تُوّج بنيله جائزة نوبل للسلام عام 1970. ومع ذلك، لم يخلُ هذا النجاح من ضريبة بيئية باهظة؛ إذ اعتمدت الزراعة بشكل مفرط على الأسمدة الكيميائية، والمبيدات الحشرية لتعويض ضعف المناعة الطبيعية للنباتات، ما أدى إلى تدهور بيئي ملموس.

وتمتلك النباتات، تماماً كالبشر، جهازاً مناعياً ذكياً؛ فبمجرد تعرضها لتهديد من آفة، أو مرض، تستنفر دفاعاتها الطبيعية. لكن هذه الحماية لها ثمن، إذ يتوقف نمو النبات، وتتراجع إنتاجيته عند تفعيل نظامه المناعي، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في المحاصيل الغذائية، وعلى رأسها القمح.

الباحثون اكتشفوا طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض (جامعة ولاية كولورادو)

«الدماغ الكيميائي» للنبات

وفي ابتكار علمي وُصف بأنه «الثورة الخضراء الصديقة للبيئة»، نجح باحثون من جامعة ولاية كولورادو في اكتشاف طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض.

ويأمل الفريق في تطبيق هذا الاكتشاف على محاصيل حيوية مثل القمح، والذرة، وفول الصويا، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج العالمي، وتقليل الاعتماد على المبيدات الحشرية، ونُشرت النتائج في عدد 23 فبراير (شباط) 2026 من دورية (Current Biology).

وتتعامل النباتات مع الظروف المحيطة عبر ما يسميه الفريق بـ«الدماغ الكيميائي»، وهو منظومة من الهرمونات النباتية المتخصصة. وعند تعرض النبات للإجهاد، تنخفض مستويات هرمونات «السيتوكينين» المسؤولة عن انقسام الخلايا. ومن خلال فهم هذه التفاعلات الهرمونية، استطاع العلماء استعادة مستويات «السيتوكينين» في النباتات ذات المناعة المفرطة، ما أعاد تنشيط النمو دون إضعاف الدفاعات، بل وجعل النباتات أكثر مقاومة للأمراض.

وحسب الدراسة، تتميز هذه الطريقة بكونها أسرع وأسهل من الأساليب التقليدية التي تتطلب رسم خرائط جينية كاملة؛ إذ يشبهها الفريق بوصفة طبية تعالج خللاً كيميائياً محدداً. ومن خلال التلاعب الجيني بالاستجابة الهرمونية في نبات «رشاد الصخر» (Arabidopsis thaliana)، تمكن العلماء من تحقيق المعادلة الصعبة، وهي حصانة قوية ضد الآفات، وإنتاجية عالية في آنٍ واحد.

وجاءت النتائج لافتة؛ إذ حصل الباحثون على نباتات تقاوم الأمراض بشراسة، وفي الوقت نفسه تنمو بمعدلات طبيعية، أو أعلى، من دون أي خسائر في المحصول.

الباحثون اختبروا الطريقة الجديدة على النبات وحققت نتائج ملموسة (جامعة ولاية كولورادو)

تعزيز المقاومة والإنتاجية

واعتبرت الدكتورة كريستينا أرغيسو، الأستاذة المشاركة في قسم البيولوجيا الزراعية بجامعة ولاية كولورادو والباحثة الرئيسة في الدراسة، أن هذا الإنجاز يمكن أن يشكل طفرة تضاهي «الثورة الخضراء» التي حدثت قبل 60 عاماً، فيما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أثر هذا الإنجاز سيتضح مع تطبيقه على المحاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نجح فريقنا في تحديد جينات نباتية ترفع مستوى الإنتاجية، وهو مسار يشبه ما حققه نورمان بورلاوغ قبل عقود، ورغم أن الجينات التي استخدمناها تختلف عن تلك التي اعتمد عليها بورلاوغ، فإن الدراستين تشتركان في استهداف الجينات المتحكمة في التخليق الحيوي للهرمونات النباتية (Phytohormones)، وهي جزيئات صغيرة ينتجها النبات طبيعياً للتحكم في نموه».

وأشارت أرغيسو إلى أن وجه الابتكار في دراسة الفريق لا يقتصر على زيادة الإنتاجية، بل يشمل أيضاً تعزيز مقاومة النباتات لأمراض متعددة، ما يفتح الباب أمام زيادة المحاصيل، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيماوية في آنٍ واحد.

وأُجريت الدراسة بداية على نبات «رشاد الصخر»، وهو من عائلة الصليبيات مثل الملفوف، ورغم أن هذا النبات لا يتمتع بقيمة غذائية كبيرة، فإنه يُعد أساساً للأبحاث البيولوجية والوراثية، لبساطة تركيبه الجيني، وقصر دورة حياته التي لا تتجاوز ستة أسابيع، ما يسمح للعلماء بمراقبة نتائج تجاربهم وتعديلاتهم الجينية بسرعة.

وعن إمكان تطبيق النتائج على نباتات أخرى، أوضحت أرغيسو أن الفريق يعمل حالياً، بالتعاون مع عدة برامج لتربية النباتات، على نقل هذه الطفرات الجينية إلى أنواع مختلفة من المحاصيل، بهدف تعميم الفائدة على القطاع الزراعي حول العالم، مع توقعات بأن يكون لها تأثير طويل الأمد في الزراعة العالمية. وأكدت أن الفوائد البيئية الكبرى لهذا الابتكار تكمن في خفض استخدام المبيدات الحشرية بشكل ملحوظ، بفضل مستوى المقاومة العالي للأمراض الذي أظهرته النباتات المُهندسة في التجارب.


من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
TT

من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص

في زمنٍ كان الطبيب فيه يقرأ ليعرف... إلا أنه أصبح اليوم يقرأ ليختار ما يتجاهل.

في كل شهر، يُنشر في المجلات العلمية حول العالم ما يقارب ربع مليون دراسة جديدة، وهو رقمٌ لا يعبّر فقط عن تسارع المعرفة، بل يكشف عن مفارقة مقلقة: كلما ازداد العلم اتساعاً... ضاق الزمن عن استيعابه.

لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة؛ فالمعلومة أصبحت وفيرة إلى حد الإغراق. بل تحوّل التحدي سؤالاً أكثر عمقاً وخطورة: أيّ معرفة تستحق أن نثق بها؟ وأيّها يجب أن نتجاوزها؟ هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في الطب؛ إذ لم يعد بإمكان أي طبيب، مهما بلغ من اجتهاد أو خبرة، أن يواكب هذا السيل المتدفق من الأبحاث. ومع هذا العجز الإنساني الطبيعي، يتغيّر جوهر السؤال الطبي ذاته: لم يعد «كيف نقرأ أكثر؟» بل أصبح «كيف نقرّر ماذا لا نقرأ؟».

التعليم الطبي أمام مفترق جديد

> تضخم المعرفة. اعتمد التعليم الطبي تقليدياً على التراكم المعرفي: قراءة مستمرة، مراجعة دورية، وتحديث دائم للمعلومات. وكان يُفترض أن الطبيب، من خلال هذا الجهد الفردي المنتظم، يستطيع أن يواكب التطورات العلمية في تخصصه.

إلا أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة، بل في تضخمها. كما لم تعد الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف، بل أصبحت بين سرعة إنتاج المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها وتحليلها. ومع هذا التحول، أصبح من الواضح أن الاعتماد الكامل على القراءة الفردية لم يعد كافياً لضمان مواكبة التطورات العلمية.

لم يعد التحدي في التعلم بحد ذاته، بل في إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات بشكل فعّال. وهنا يبرز تساؤل أساسي: هل ما زال النموذج التقليدي للتعليم الطبي قادراً على الاستمرار في ظل هذا التسارع غير المسبوق؟

> دخول «الوكيل الذكي». في هذا السياق، بدأ دور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي يتوسع بشكل واضح، فلم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات بحث تقليدية، بل أصبحت قادرة على متابعة آلاف الدراسات يومياً، تحليلها، واستخلاص أهم نتائجها خلال وقت قصير.

ولا يقدم الذكاء الاصطناعي نتائج عند الطلب فحسب، بل أصبح يعمل بشكل مستمر في الخلفية، يقرأ، يفرز، ويعيد ترتيب المعرفة قبل أن تصل إلى الطبيب. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة قادرة على معالجة وتحليل قواعد بيانات تضم ملايين الأوراق العلمية خلال ثوانٍ إلى دقائق، وهو ما يتجاوز بكثير القدرة البشرية على القراءة أو حتى المتابعة.

وبهذا المعنى، يمكن عدّه «القارئ الأول» للأدبيات العلمية؛ إذ يمرّ على كمّ هائل من الأبحاث ويعيد تقديمها في صورة مختصرة ومركزة. ولا يقتصر هذا التحول على تسريع الوصول إلى المعلومات، بل يغيّر طريقة التعامل معها. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب بالبحث، أصبح يبدأ بما تم اختياره له مسبقاً.

وهنا يتجاوز التأثير الجانب التقني، ليصل إلى جوهر العملية التعليمية نفسها: كيف نتعلم، وعلى ماذا نعتمد في بناء معرفتنا، ومن الذي يحدد أولويات ما نقرأه.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي_ ويفك الطبيب الرموز

تجربة شخصية: «ابن سينا»

> وكيل ذكاء اصطناعي مخصص. انطلاقاً من هذا التحدي؛ قمتُ بتصميم وتطوير وتدريب وكيل ذكاء اصطناعي ضمن أحد النماذج اللغوية الكبرى (Large Language Models - LLMs)، وأطلقتُ عليه اسم «ابن سينا». لم يكن اختيار الاسم رمزياً فقط، بل محاولة لربط عمق التراث الطبي العربي بأدوات التحليل المعرفي الحديثة.

لا يعمل هذا الوكيل كأداة بحث تقليدية، بل كنظام متابعة يومي، يقوم بتلخيص ما يُنشر في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، مع تركيز خاص على الجوانب الأخلاقية، إضافة إلى رصد أحدث ما يُكتب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

ومع الوقت، لم يعد دوره مجرد تجميع للمعلومات، بل أصبح وسيلة لإعادة تنظيمها، بحيث تصل إلى الطبيب في صورة مركزة تساعد على الفهم واتخاذ القرار.

الفكرة لم تكن استبدال قراءة الطبيب، بل إعادة تعريفها: أن يصبح الطبيب قادراً على الوصول إلى جوهر المعرفة دون أن يغرق في تفاصيلها.

> من التراكم إلى هندسة المعرفة. في هذا النموذج الجديد، لم يعد متوقعاً من الطبيب أن يقرأ كل ما يُنشر، بل أن يركّز على ما هو الأكثر صلة بممارسته. لم يعد التعلّم سباقاً مع عدد المقالات، بل أصبح عملية اختيار واعٍ للمعلومة ذات القيمة.

وبدلاً من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، أصبح التحدي في تنظيمها، وتصنيفها، وربطها بطريقة تساعد على الفهم واتخاذ القرار. لم تعد القيمة في كمية ما يُقرأ، بل في جودة ما يُفهم وكيفية استخدامه في السياق السريري.

وفي هذا الإطار، يصبح دور الطبيب أقرب إلى «مهندس معرفة»، يحدد ما يحتاج إليه، ويقيّم ما يُعرض عليه، ويتخذ القرار بناءً على فهم مركّز ومدعوم، وليس على قراءة عشوائية أو مجهدة.

حين تتحول المعرفة إلى تدفق عارم.. ويصبح القرار إنسانيا

أخطار خفيّة

• من الفهم إلى الاعتماد. لكن هذا التحول لا يخلو من أخطار. فحين يبدأ الذكاء الاصطناعي في تلخيص المعرفة، يظهر سؤال جوهري: هل ما نقرأه مفهوم فعلاً، أم أننا نكتفي بالاعتماد عليه؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، أشار الفريق البحثي إلى أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية قد يغيّر أنماط التفكير السريري لدى الأطباء، خاصة عندما تُقدَّم النتائج بشكل جاهز ومختصر دون الحاجة إلى تحليل تفصيلي.

وأوضحت الدراسة أن هذا النمط من التفاعل مع المعرفة قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع مهارات التقييم النقدي، حيث يميل المستخدم إلى قبول المخرجات المدعومة بالخوارزميات دون تمحيص كافٍ.

وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول المعرفة من عملية فهم إلى عملية اعتماد.

• الطبيب في عصر «المصفاة الذكي». في عالم يفيض بالمعلومات، أصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«مصفاة ذكية» تمرّ عبرها الأبحاث قبل أن تصل إلى الطبيب. لكن هذه المصفاة، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحكم البشر؛ فالذكاء الاصطناعي قد يختار، لكنه لا يتحمّل مسؤولية القرار. وقد يلخّص، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية.

وهنا تتضح معادلة المرحلة المقبلة: كلما زادت قدرة الأنظمة الذكية على تصفية المعرفة، ازدادت أهمية دور الطبيب في تفسيرها.

لم يعد الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد قارئ للمعلومة، بل أصبح مسؤولاً عن فهم ما وراءها، وتقدير حدودها، واتخاذ القرار النهائي بناءً على مزيج من المعرفة والخبرة والسياق الإنساني. وفي هذا التوازن تحديداً... يتحدد مستقبل الطب.

• ما الذي يبقى للطبيب؟ يبقى للطبيب ما لا تستطيع الخوارزميات أن تقوم به: الفهم، والحكم السريري، والقدرة على الربط بين ما تشير إليه البيانات وما يعيشه المريض في واقعه. فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل الأنماط واستخلاص النتائج، لكنها لا تدرك السياق الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية؛ لا ترى القلق في عينَي المريض، ولا توازن بين الخيارات ضمن ظروفه الإنسانية والاجتماعية.

وماذا عما بعد القراءة؟ في زمنٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة وتحليل آلاف المقالات يومياً، قد لا تكون المهارة الأهم للطبيب هي أن يقرأ أكثر، بل أن يعرف متى يتوقف عن القراءة، ويبدأ في التفكير؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي.

الطب، في جوهره، ليس تراكم معلومات، بل فهم لما تعنيه هذه المعلومات في حياة المريض، وكيف تُترجم إلى قرار مسؤول في لحظة محددة.