من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

وكلاء الذكاء الاصطناعي يعيدون تعريف التعلّم الطبي

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
TT

من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص

في زمنٍ كان الطبيب فيه يقرأ ليعرف... إلا أنه أصبح اليوم يقرأ ليختار ما يتجاهل.

في كل شهر، يُنشر في المجلات العلمية حول العالم ما يقارب ربع مليون دراسة جديدة، وهو رقمٌ لا يعبّر فقط عن تسارع المعرفة، بل يكشف عن مفارقة مقلقة: كلما ازداد العلم اتساعاً... ضاق الزمن عن استيعابه.

لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة؛ فالمعلومة أصبحت وفيرة إلى حد الإغراق. بل تحوّل التحدي سؤالاً أكثر عمقاً وخطورة: أيّ معرفة تستحق أن نثق بها؟ وأيّها يجب أن نتجاوزها؟ هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في الطب؛ إذ لم يعد بإمكان أي طبيب، مهما بلغ من اجتهاد أو خبرة، أن يواكب هذا السيل المتدفق من الأبحاث. ومع هذا العجز الإنساني الطبيعي، يتغيّر جوهر السؤال الطبي ذاته: لم يعد «كيف نقرأ أكثر؟» بل أصبح «كيف نقرّر ماذا لا نقرأ؟».

التعليم الطبي أمام مفترق جديد

> تضخم المعرفة. اعتمد التعليم الطبي تقليدياً على التراكم المعرفي: قراءة مستمرة، مراجعة دورية، وتحديث دائم للمعلومات. وكان يُفترض أن الطبيب، من خلال هذا الجهد الفردي المنتظم، يستطيع أن يواكب التطورات العلمية في تخصصه.

إلا أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة، بل في تضخمها. كما لم تعد الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف، بل أصبحت بين سرعة إنتاج المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها وتحليلها. ومع هذا التحول، أصبح من الواضح أن الاعتماد الكامل على القراءة الفردية لم يعد كافياً لضمان مواكبة التطورات العلمية.

لم يعد التحدي في التعلم بحد ذاته، بل في إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات بشكل فعّال. وهنا يبرز تساؤل أساسي: هل ما زال النموذج التقليدي للتعليم الطبي قادراً على الاستمرار في ظل هذا التسارع غير المسبوق؟

> دخول «الوكيل الذكي». في هذا السياق، بدأ دور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي يتوسع بشكل واضح، فلم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات بحث تقليدية، بل أصبحت قادرة على متابعة آلاف الدراسات يومياً، تحليلها، واستخلاص أهم نتائجها خلال وقت قصير.

ولا يقدم الذكاء الاصطناعي نتائج عند الطلب فحسب، بل أصبح يعمل بشكل مستمر في الخلفية، يقرأ، يفرز، ويعيد ترتيب المعرفة قبل أن تصل إلى الطبيب. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة قادرة على معالجة وتحليل قواعد بيانات تضم ملايين الأوراق العلمية خلال ثوانٍ إلى دقائق، وهو ما يتجاوز بكثير القدرة البشرية على القراءة أو حتى المتابعة.

وبهذا المعنى، يمكن عدّه «القارئ الأول» للأدبيات العلمية؛ إذ يمرّ على كمّ هائل من الأبحاث ويعيد تقديمها في صورة مختصرة ومركزة. ولا يقتصر هذا التحول على تسريع الوصول إلى المعلومات، بل يغيّر طريقة التعامل معها. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب بالبحث، أصبح يبدأ بما تم اختياره له مسبقاً.

وهنا يتجاوز التأثير الجانب التقني، ليصل إلى جوهر العملية التعليمية نفسها: كيف نتعلم، وعلى ماذا نعتمد في بناء معرفتنا، ومن الذي يحدد أولويات ما نقرأه.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي_ ويفك الطبيب الرموز

تجربة شخصية: «ابن سينا»

> وكيل ذكاء اصطناعي مخصص. انطلاقاً من هذا التحدي؛ قمتُ بتصميم وتطوير وتدريب وكيل ذكاء اصطناعي ضمن أحد النماذج اللغوية الكبرى (Large Language Models - LLMs)، وأطلقتُ عليه اسم «ابن سينا». لم يكن اختيار الاسم رمزياً فقط، بل محاولة لربط عمق التراث الطبي العربي بأدوات التحليل المعرفي الحديثة.

لا يعمل هذا الوكيل كأداة بحث تقليدية، بل كنظام متابعة يومي، يقوم بتلخيص ما يُنشر في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، مع تركيز خاص على الجوانب الأخلاقية، إضافة إلى رصد أحدث ما يُكتب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

ومع الوقت، لم يعد دوره مجرد تجميع للمعلومات، بل أصبح وسيلة لإعادة تنظيمها، بحيث تصل إلى الطبيب في صورة مركزة تساعد على الفهم واتخاذ القرار.

الفكرة لم تكن استبدال قراءة الطبيب، بل إعادة تعريفها: أن يصبح الطبيب قادراً على الوصول إلى جوهر المعرفة دون أن يغرق في تفاصيلها.

> من التراكم إلى هندسة المعرفة. في هذا النموذج الجديد، لم يعد متوقعاً من الطبيب أن يقرأ كل ما يُنشر، بل أن يركّز على ما هو الأكثر صلة بممارسته. لم يعد التعلّم سباقاً مع عدد المقالات، بل أصبح عملية اختيار واعٍ للمعلومة ذات القيمة.

وبدلاً من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، أصبح التحدي في تنظيمها، وتصنيفها، وربطها بطريقة تساعد على الفهم واتخاذ القرار. لم تعد القيمة في كمية ما يُقرأ، بل في جودة ما يُفهم وكيفية استخدامه في السياق السريري.

وفي هذا الإطار، يصبح دور الطبيب أقرب إلى «مهندس معرفة»، يحدد ما يحتاج إليه، ويقيّم ما يُعرض عليه، ويتخذ القرار بناءً على فهم مركّز ومدعوم، وليس على قراءة عشوائية أو مجهدة.

حين تتحول المعرفة إلى تدفق عارم.. ويصبح القرار إنسانيا

أخطار خفيّة

• من الفهم إلى الاعتماد. لكن هذا التحول لا يخلو من أخطار. فحين يبدأ الذكاء الاصطناعي في تلخيص المعرفة، يظهر سؤال جوهري: هل ما نقرأه مفهوم فعلاً، أم أننا نكتفي بالاعتماد عليه؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، أشار الفريق البحثي إلى أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية قد يغيّر أنماط التفكير السريري لدى الأطباء، خاصة عندما تُقدَّم النتائج بشكل جاهز ومختصر دون الحاجة إلى تحليل تفصيلي.

وأوضحت الدراسة أن هذا النمط من التفاعل مع المعرفة قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع مهارات التقييم النقدي، حيث يميل المستخدم إلى قبول المخرجات المدعومة بالخوارزميات دون تمحيص كافٍ.

وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول المعرفة من عملية فهم إلى عملية اعتماد.

• الطبيب في عصر «المصفاة الذكي». في عالم يفيض بالمعلومات، أصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«مصفاة ذكية» تمرّ عبرها الأبحاث قبل أن تصل إلى الطبيب. لكن هذه المصفاة، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحكم البشر؛ فالذكاء الاصطناعي قد يختار، لكنه لا يتحمّل مسؤولية القرار. وقد يلخّص، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية.

وهنا تتضح معادلة المرحلة المقبلة: كلما زادت قدرة الأنظمة الذكية على تصفية المعرفة، ازدادت أهمية دور الطبيب في تفسيرها.

لم يعد الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد قارئ للمعلومة، بل أصبح مسؤولاً عن فهم ما وراءها، وتقدير حدودها، واتخاذ القرار النهائي بناءً على مزيج من المعرفة والخبرة والسياق الإنساني. وفي هذا التوازن تحديداً... يتحدد مستقبل الطب.

• ما الذي يبقى للطبيب؟ يبقى للطبيب ما لا تستطيع الخوارزميات أن تقوم به: الفهم، والحكم السريري، والقدرة على الربط بين ما تشير إليه البيانات وما يعيشه المريض في واقعه. فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل الأنماط واستخلاص النتائج، لكنها لا تدرك السياق الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية؛ لا ترى القلق في عينَي المريض، ولا توازن بين الخيارات ضمن ظروفه الإنسانية والاجتماعية.

وماذا عما بعد القراءة؟ في زمنٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة وتحليل آلاف المقالات يومياً، قد لا تكون المهارة الأهم للطبيب هي أن يقرأ أكثر، بل أن يعرف متى يتوقف عن القراءة، ويبدأ في التفكير؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي.

الطب، في جوهره، ليس تراكم معلومات، بل فهم لما تعنيه هذه المعلومات في حياة المريض، وكيف تُترجم إلى قرار مسؤول في لحظة محددة.


مقالات ذات صلة

هيغسيث: الجيش الأميركي لم يعد ملزماً بأخذ لقاح الإنفلونزا

الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» بالعاصمة واشنطن 16 أبريل 2026 (أ.ب)

هيغسيث: الجيش الأميركي لم يعد ملزماً بأخذ لقاح الإنفلونزا

قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، الثلاثاء، إن «البنتاغون» لن تلزم أفراد القوات المسلحة بعد الآن بالحصول على لقاح الإنفلونزا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

في خطوة علمية قد تعيد رسم ملامح فهم أمراض القلب الخِلْقية، توصل باحثون من جامعة تارتو بإستونيا إلى اكتشاف جين جديد لم يكن مرتبطاً سابقاً بأي مرض بشري،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك قد يكون العلماء قد فتحوا الباب أمام طريقة جديدة لإعادة برمجة الجهاز المناعي، بحيث يصبح الجسم قادراً على إنتاج أجسام مضادة قوية ونادرة بشكل دائم، والاستجابة بسرعة أكبر عند التعرض للأمراض (رويترز)

دراسة: الجهاز المناعي يمكن إعادة برمجته لإنتاج أجسام مضادة نادرة

ربما يكون الباحثون قد توصلوا إلى طريقة جديدة لجعل الجسم يصنع البروتينات المفيدة بما في ذلك بعض الأجسام المضادة شديدة الفاعلية التي عادة ما يصعب إنتاجها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)

بين الطرافة والعلم… هل غازات النساء أشد رائحة أم الرجال؟

حسمت دراسة أن غازات النساء أشد رائحةً وتركيزاً، مقابل كميات أكبر لدى الرجال، مما يجعل التأثير متعادلاً عملياً، خصوصاً مع اختلاف السلوكيات اليومية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي

متى يجب على الطبيب ألا يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

تحوَّل الذكاء الاصطناعي خلال العقد الأخير، من أداة بحثية في مختبرات التكنولوجيا إلى عنصر متزايد الحضور في غرف التشخيص والعيادات الطبية حول العالم.

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.


البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»
TT

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

استخدم ما يقرب من ثلثي البالغين الأميركيين أداة بحث مدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة الماضية. ولكن الإحصائية المثيرة لمطوري هذه الأدوات: 15 في المائة فقط يقولون إنهم يثقون بالنتائج «ثقة تامة». وتُمثل هذه الفجوة بين الاستخدام والثقة التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي. فالمستهلكون يُقبلون على هذه التقنية، لكنهم يُشككون في النتائج، كما كتب كريغ سالدانها (*).

وعلى مطوري هذه المنتجات، طرح سؤال مُحرج على أنفسهم: هل إنهم يصممون تجارب تكسب ثقة المستهلكين، وتستحقها؟

«حديقة مسوّرة»

تعاونت شركة Yelp مع Morning Consult لإجراء استطلاع رأي شمل أكثر من 2200 بالغ أميركي حول كيفية استخدامهم البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي ونظرتهم إليه. وتشير النتائج إلى مشكلة واحدة مُتكررة: يشعر المستهلكون بأنهم مُحاصرون.

أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع (51 في المائة) يقولون إن نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي تبدو وكأنها «حديقة مسوّرة» يصعب معها التحقق مما يقرأونه.

صعوبة التحقق من الإجابات

  • يقول 63 في المائة إنهم يتحققون من نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالرجوع إلى مصادر موثوقة أخرى، مثل مواقع الأخبار ومنصات التقييم.
  • ويشير 57 في المائة إلى أنهم أقل ميلاً لاستخدام البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحديداً لافتقاره إلى مصادر موثوقة.

في البدايات، أي في الأيام الأولى لعمليات البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، اتسمت النتائج بالغموض، حيث كانت النماذج تُلفّق الإجابات بثقة. وتمكنت معظم المنصات الرائدة من حل هذه المشكلة التقنية إلى حد كبير. لكن ما زال هناك شك أعمق: ليس فقط «هل هذه الإجابة صحيحة؟»، بل «كيف لي أن أعرف؟»؛ إذ وعندما تُزيل المنصات المصادر والاقتباسات والروابط إلى المحتوى الواقعي الذي استندت إليه إجاباتها، فإنها تبني جدراناً لا جسوراً. يُعبّر المستهلكون بوضوح عن رغبتهم في الحصول على الروابط والمصادر والقدرة على التحقق بأنفسهم.

«فتح الأبواب» للبيانات الموثقة

يرسم الاستطلاع صورة متسقة بشكل ملحوظ لما يلزم، لسد فجوة الثقة.

يقول ما يقرب من ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع (72 في المائة) إن منصات الذكاء الاصطناعي يجب أن تُظهر دائماً مصدر معلوماتها.

  • يرغب ثلثا المشاركين (66 في المائة) في مزيد من الأدلة على المصادر الموثوقة، مثل روابط منصات التقييم ومواقع الأخبار، إلى جانب الإجابات التي يُقدمها الذكاء الاصطناعي.
  • بينما يقول أكثر من نصفهم (52 في المائة) إن الأدلة المرئية، مثل صور الطبق الغذائي، أو صور مصاحبة لطلباتهم، من شأنها أن تزيد من ثقتهم.

والمستهلكون ليسوا ضد الذكاء الاصطناعي، بل ضد الأنظمة المبهمة. إنهم يريدون أن يقوم الذكاء الاصطناعي بالعمل الشاق المتمثل في تحليل كميات هائلة من المعلومات ثم عرض النتائج.

لا يستخدم الشخص العادي الذكاء الاصطناعي لتحليل الشفرات أو غيرها من التطبيقات التقنية، بل يستخدمه في عمليات البحث المحلية اليومية.

استخدام محلّي يومي

  • يستخدم أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع (57 في المائة) أدوات الذكاء الاصطناعي للعثور على الشركات المحلية شهرياً على الأقل. إنهم يريدون نصائح حول مكان اصطحاب عائلاتهم لتناول عشاء عيد ميلاد أو اختيار من يسمحون له بدخول منزلهم لإصلاح أنبوب مياه متفجر؛ ولذا لن يكون ملخص الذكاء الاصطناعي المستقل دون دليل موثوق كافياً.

مصادر المعلومات

وعندما يلجأ المستهلكون إلى الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ هذه القرارات، تكون توقعاتهم واضحة لا لبس فيها:

  • 76 في المائة منهم يرون أن معرفة مصدر المعلومات أمرٌ بالغ الأهمية،
  • و73 في المائة يؤكدون على أهمية تقييمات وآراء الزبائن الحقيقيين

و76 في المائة يرون أهمية الاطلاع على مصادر موثوقة متعددة.

كما أن الشركات المحلية تتسم بطبيعتها بالديناميكية، حيث قد يرحل العاملون، وتتغير العروض (مثل انتقال الطهاة وتغيّر قوائم الطعام)، وتتغير ساعات العمل. لذا وبدون محتوى بشري أصيل ومُحدّث بانتظام من مصادر موثوقة، يُخاطر الذكاء الاصطناعي بتقديم معلومات قديمة أو غير موثوقة.

أجوبة جيل الإنترنت

وإذا كان أحدٌ يظن أن جيل الإنترنت، سيكون أكثر ثقة، فإن البيانات تُشير إلى عكس ذلك. يتمتع جيل الشباب بأعلى معدل استخدام:

  • استخدم 84 في المائة منهم منصة بحث تعتمد على الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة الماضية.
  • لكنهم أيضاً الأكثر تطلباً؛ إذ يقول 72 في المائة منهم إن منصات الذكاء الاصطناعي يجب أن تُقدّم المزيد من الأدلة على المصادر الموثوقة، مقارنةً بـ63 في المائة من جيل الألفية و59 في المائة من «جيل إكس» السابقين له.

إن هذا جيلٌ مُتشبّعٌ بمحتوى الذكاء الاصطناعي الرديء، وقد طوّر أفراده حساً أقوى في التمييز بين المعلومات الأصلية والمُصطنعة. لذا؛ تُخاطر المنصات التي تُبقي هذه الفئة من الجمهور داخل بيئة مغلقة، بفقدان الجيل الأكثر إلماماً بالذكاء الاصطناعي أولاً.

قصور الحُجّة المضادة

قد يجادل البعض بأن إضافة الاقتباسات والروابط ومؤشرات المصادر تخلق عوائق، وأن جوهر البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يكمن في تقديم إجابة سلسة ومتكاملة. فلماذا إذن ندفع المستخدمين بعيداً عن منصتنا؟ لكن هذا الطرح يخلط بين القيود وقيمة ما يقدم.

لا يرفض المستهلكون الملخصات التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي، بل يرفضون الإجابات التي لا يمكنهم التحقق منها.

  • غالبية المستهلكين (69 في المائة) يرغبون في خيار مغادرة منصات الذكاء الاصطناعي وزيارة مواقع موثوقة لإجراء بحوثهم الخاصة. وعندما اختبرنا ذلك عملياً، وعرضنا على المستهلكين نسختين من نتائج بحث الذكاء الاصطناعي، إحداهما بمصادر شفافة والأخرى من دونها، فضّل 80 في المائة النسخة التي تضمنت محتوى بشرياً أصيلاً ومصادر موثوقة وروابط قابلة للتنفيذ. إن إزالة القيود لا تُنفّر المستخدمين، بل تُعزز ثقتهم.

ربط الذكاء الاصطناعي بتجارب الواقع

يقف قطاع الذكاء الاصطناعي على مفترق طرق. ولن تكون المنصات الفائزة هي تلك التي تُنتج إجابات اصطناعية أكثر إقناعاً. بل ستكون هذه المنصات تلك التي تربط المستخدمين بسلاسة بتجارب حقيقية من العالم الواقعي، مستخدمةً الذكاء الاصطناعي جسراً إلى محتوى بشري موثوق.

مع نضوج منظومة الذكاء الاصطناعي، لن تقتصر المنصات التي تُحقق التوازن الأمثل بين الملخصات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي والمحتوى البشري الشفاف والأصيل على سدّ فجوة الثقة فحسب، بل ستضع معياراً لما يتوقعه المستهلكون.

الشفافية تسهل اتخاذ القرارات

والخبر السار هو أن زيادة الروابط الشفافة والسخية تُعدّ مدًّا متصاعداً يُفيد الجميع: إذ يحصل المستهلكون على القدرة على إجراء أبحاثهم الخاصة واتخاذ قراراتهم بثقة، ويحصل مُنشئو المحتوى والناشرون على الزيارات التي تُحافظ على منظومة محتوى صحية، وتستفيد منصات الذكاء الاصطناعي نفسها من علاقات أقوى مع المصادر الموثوقة التي تجعل إجاباتها جديرة بالثقة في المقام الأول.

الشفافية ليست خياراً ثانوياً، بل هي أساس النجاح.

* مجلة «فاست كومباني»