إيران أمام خيار المفاضلة بين انهيار الاقتصاد وتقليص الدعم للوكلاء

خبير في شركة أبحاث استخباراتية يقول لـ {الشرق الأوسط} إن الإيرانيين سيواجهون ألماً اقتصادياً شديداً وإن النظام يعطي الأولوية لقواته العسكرية وتغطية التزاماته الخارجية عندما يكون تحت ضغط

إيران أمام خيار المفاضلة بين انهيار الاقتصاد وتقليص الدعم للوكلاء
TT

إيران أمام خيار المفاضلة بين انهيار الاقتصاد وتقليص الدعم للوكلاء

إيران أمام خيار المفاضلة بين انهيار الاقتصاد وتقليص الدعم للوكلاء

يواجه الاقتصاد الإيراني مستقبلاً قاتماً في ظل عقوبات غير مسبوقة تستعد الولايات المتحدة لفرض الحزمة الثانية منها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بعدما باشرت تطبيق حزمتها الأولى هذا الشهر. وإذا كانت العملة الإيرانية قد شهدت تراجعاً كبيراً وصل إلى حدود 70 في المائة من قيمتها في الشهور الأخيرة، فإن هذا التراجع يُنذر بالتحوّل إلى انهيار كامل مع بدء سريان الموجة الجديدة من العقوبات الأميركية والتي تشمل على وجه الخصوص قطاعي النفط والغاز الأساسيين لاقتصاد «الجمهورية الإسلامية».
ورغم أن إيران خضعت في السابق لعقوبات شديدة ونجحت في احتوائها، مثلما حصل في ثمانينات القرن الماضي ولاحقاً بعد عام 2006، فإنها تواجه هذه المرة اختباراً مختلفاً يتمثل في إصرار الإدارة الأميركية على إرغامها على تغيير سلوكها الإقليمي وتقليص دعمها لوكلائها وقبول اتفاق نووي جديد أكثر صرامة، وإلا فإنها ستخضع لأكثر العقوبات إيلاماً، بما في ذلك «تصفير» صادراتها النفطية وحرمانها بالتالي من العملات الصعبة، وسط تذمر شعبي متزايد يتمثل في احتجاجات غير مسبوقة ضد النظام في كثير من المدن الإيرانية. وفي مؤشر إلى مدى شعور إيران بخطورة وضعها، رفع محاموها دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، مجادلين بأن العقوبات الأميركية الجديدة تؤدي إلى «انعكاسات دراماتيكية» على اقتصادها.
هل يمكن لاقتصاد إيران أن ينهار فعلاً تحت وقع عقوبات إدارة الرئيس دونالد ترمب، أم أن طهران ستتمكن من امتصاص الصدمة نتيجة خبرتها السابقة فيما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»؟ وهل هناك مؤشرات إلى أن العقوبات الأميركية بدأت تنعكس على تصرفاتها في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك حجم دعمها لوكلائها والجماعات المرتبطة بها؟ وما هو حجم الأموال الإيرانية الموجودة في الخارج والتي يمكن أن تستعين بها إيران لمساعدتها في التأقلم مع تداعيات العقوبات الجديدة؟
لتسليط الضوء على هذه التساؤلات، أجرت «الشرق الأوسط» مقابلة مع كبير المستشارين في شركة «أبيريو إنتليجنس» (Aperio Intelligence) باري مارستون الذي عمل سابقاً ناطقاً باسم وزارة الخارجية البريطانية (المتحدث باللغة العربية) قبل انتقاله إلى القطاع الخاص. و«أبيريو إنتليجنس» شركة أبحاث مستقلة تعمل في مجال استشارات المخاطر والاستخبار عن الشركات والجرائم المالية. وفي ما يأتي ملخص لأبرز ما جاء في المقابلة التي تنقسم إلى أربعة محاور هي: كمية الأموال الإيرانية في الخارج، وخطر انهيار الريال الإيراني، وحجم المساعدات التي تقدمها طهران لوكلائها، وتداعيات العقوبات الأميركية.
- كمية الأموال التي تملكها إيران في المصارف الخارجية... هل يمكن نقلها بسهولة أم أنها تخضع لعقوبات؟
- هذا الأمر يتعلق بقطاع عريض من الأرصدة الحكومية، التجارية والشخصية التي جُمدت في إطارات مختلفة. فمثلاً، هناك صفقات السلاح التي طُبّق جزء منها قبل إطاحة الشاه عام 1979. كما أنه يشمل أيضاً الأصول المتحفظ عليها، مثل المقر السابق للسفارة الإيرانية في واشنطن، وهناك تقديرات متباينة في شأن قيمتها والإيجارات المتراكمة وقيمة الفائدة الصافية. والأمر نفسه ينطبق على حالة مشابهة هي قيمة عائدات النفط لإيران والتي لم يمكن إعادتها لها جراء العقوبات. كان الرقم الإجمالي الذي روّج له مسؤولون وخبراء لقيمة الأموال الإيرانية المجمدة حول العالم بحلول عام 2015 يصل إلى ما بين 100 – 120 مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك، أشار تقرير وزارة الخزانة الأميركية عن الأرصدة الإرهابية لعام 2016 إلى «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني بوصفه الكيان الذي يملك الحجم الأكبر من الأرصدة الإرهابية المجمّدة في الولايات المتحدة (14.3 مليون دولار).
وتقول تقارير إن هناك قرابة 50 مليار دولار من الأموال (معظمها يعود إلى عائدات نفطية لإيران) مجمدة في مصارف مركزية في شرق آسيا. ويُعرف أيضاً أنه قبل 2015 كانت إيران قد نجحت في تحرير جزء من هذه الأرصدة، كونها تعاملت معها ببساطة على أنها مدفوعات أولية لبضائع اشترتها من الصين، وكوريا الجنوبية، واليابان، والهند وغيرها. لكن بعض هذه الأموال لم يكن موجوداً سوى على الورق فقط. فمثلاً، قدّمت وزارة النفط الإيرانية 22.4 مليار دولار قروضاً إلى كيانات صينية كوسيلة لضمان مشاريع طاقة - لكن البنك المركزي الإيراني أقر لاحقاً بأن المستدينين «ليس لديهم قدرة على تسديد القرض».
كما أن أحد أسباب التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وتركيا هو اكتشاف خطة ضخمة بين عامي 2012 و2014 (كما ظهر خلال محاكمة جرت في الولايات المتحدة وانتهت في مايو (أيار) 2018) لتبييض ما تبلغ قيمته 13 مليار دولار من الأرصدة المجمدة في مصارف تركية وأجنبية ونقلها إلى طهران، غالباً من خلال تحويل هذه الأرصدة ببساطة إلى معدن الذهب. شملت تلك الخطة عدداً من المصارف التركية، وبينها «هالكبانك» المملوك حكومياً. سعى المدعون الأميركيون إلى توجيه اتهام إلى وزير الاقتصاد التركي محمد ظافر شاغليان، بسبب مزاعم أنه قبل 50 مليون دولار رشى من أجل تسهيل الخطة بالنيابة عن إيران. عشرات البنوك العالمية، معظمها قبل عام 2015، تم تغريمها مليارات الدولارات لتسهيل حركة الأموال الإيرانية، ولعل أبرزها الغرامة الخيالية التي فرضت على مصرف «بي إن بي باريباس» والبالغة 8.9 مليار دولار. لو واجهت المصارف التركية غرامة مماثلة لكانت الأزمة المالية التركية حالياً أسوأ بأضعاف مضاعفة.
بعد عام 2015، كانت عائدات النفط المجمدة حول العالم من بين أقل الأرصدة إثارة للخلاف. فقد تم إعادة غالبيتها بسرعة في الغالب، وأحياناً عبر تحويلها من خلال طرق ملتوية لتفادي العقوبات المالية الأميركية المتبقية. وأفرجت الولايات المتحدة نفسها عن 400 مليون دولار (ومعها فوائد تبلغ 1.3 مليار دولار) تعود إلى صفقة سلاح أبرمت خلال عهد الشاه، وذلك كبادرة «حسن نية»، مدعية أن الإفراج المتزامن من إيران عن أربعة مواطنين أميركيين محتجزين لديها كان مجرد مصادفة. لكن، كانت هناك أموال أخرى محل نزاع قضائي. مثلاً، وافقت المحكمة العليا في الولايات المتحدة على حكم قضائي يعتبر إيران مسؤولة مالياً أمام عائلات 241 من مشاة البحرية الأميركية (المارينز) قتلوا في هجوم «حزب الله» على ثكنتهم في بيروت عام 1983. ونتيجة لذلك، هناك نزاع قانوني أمام محكمة العدل الدولية على 2.1 مليار دولار مجمدة في حساب بمصرف «سيتي بانك».
وقد أدت الخطوات الحالية الأميركية لإعادة فرض العقوبات إلى حث إيران على بدء جهود عاجلة لمحاولة استعادة أكبر كمية ممكنة من أرصدتها المجمدة، وبأسرع وقت ممكن. وفي هذا الإطار يأتي الاهتمام الأخير بقضية الـ300 مليون دولار الموجودة في المصرف التجاري الأوروبي - الإيراني في هامبورغ. وفي وقت سابق من هذه السنة، قدم المصرف المركزي الإيراني دعوى عاجلة في لوكسمبورغ طالباً حق الوصول إلى 1.6 مليار دولار أعاد قاضٍ في لوكسمبورغ تجميدها في إطار دعوى لضحايا أميركيين في هجمات 11 سبتمبر (أيلول).
وبحلول منتصف عام 2017، وصف مسؤولون في البنك المركزي الإيراني الأموال المجمدة المتبقية حول العالم بأنها «ضئيلة». وتشير هذه المصادر المصرفية الإيرانية إلى أنه تمت استعادة ما يصل إلى 30 مليار دولار (وهذا يبدو ترتيباً صحيحاً لجهة الحجم)، بينما ما زال هناك نحو 3.7 مليار متبقية في الخارج بينها 1.5 مليار دولار «غير ممكن الوصول إليها». ويُفترض أن هذه الـ3.7 مليار دولار تشمل الأموال المجمدة في مصرف «سيتي بانك» وفي كل من لوكسمبورغ وألمانيا. والخلاصة المنطقية هي أن كمية كبيرة من الـ120 مليار دولار من الأرصدة التي تحدثت عنها بإثارة مصادر إيرانية وغربية لم تكن أصلاً موجودة فعلياً في المقام الأول، أو أنها كانت ببساطة عبارة عن أرقام لا معنى لها في دفاتر الحسابات.
- ينوي الأميركيون الآن ممارسة مزيد من الضغوط على إيران من خلال حرمان اقتصادها من الوصول إلى العملات الصعبة، وقد شهد الريال الإيراني تراجعاً كبيراً في قيمته في الآونة الأخيرة. هل تملك إيران القدرة على منع انهيار الريال؟
- سيواجه الاقتصاد الإيراني في شكل مؤكد فترة صعبة للغاية في العامين المقبلين. وعلى رغم ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن إيران تمكنت من استيعاب بعض الفترات الصعبة المشابهة خلال ثمانينات القرن الماضي وأيضاً في إطار عقوبات الأمم المتحدة بعد عام 2006. ومن المرجح أن العملة الإيرانية ستواصل اندفاعها النزولي، وقد خسر الريال 70 في المائة من قيمته بين مايو وأغسطس (آب). الواردات تصير بالغة التكاليف. الخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء، تواجه ضغوطاً كبيرة. البطالة بين الشباب وهي مرتفعة جداً أصلاً ستصبح أسوأ. وبعض المؤسسات المالية يمكن أن تتوقف فعلياً عن العمل. ولكن إيران تعرف كيف تتصرف كاقتصاد حرب - ما دام في إمكانها احتواء التذمر الشعبي واسع الانتشار. سيواجه المواطنون الإيرانيون ألماً اقتصادياً شديداً، لا سيما وأن النظام عندما يكون تحت ضغط فإنه يعطي باستمرار الأولوية لقواته العسكرية ولتغطية التزاماته الخارجية.
الآن كل شرائح الطيف السياسي الإيراني تبدو متضامنة مع بعضها وتحضّر للمواجهة، والمرشد الأعلى علي خامنئي يقول إن إلغاء الرئيس ترمب للاتفاق (النووي) دليل على أن الأميركيين لا يجب أن يتم الوثوق بهم منذ البداية. وانطلاقاً من هذا الموقف المتصلب، يمكن الاستنتاج أنه من الصعب تخيل أن ضغوط العقوبات وحدها يمكنها أن تخلق وضعاً في المدى المنظور كي تعود إيران بخنوع إلى الطاولة وتستأنف المفاوضات بنية طيبة.
- هل ظهرت أي نتائج للضغوط الاقتصادية على سلوك إيران في المنطقة؟ هل حصل مثلاً تراجع في كمية الأموال التي تعطيها إيران لأذرعها والجماعات المرتبطة بها، مثل «حزب الله» وجماعات مختلفة في العراق وسوريا؟ وهل نعرف أصلاً كمية الأموال التي تقدمها إيران عادة لهذه المجموعات؟
- ترافقت السنوات العشر من العقوبات المتزايدة بين 2005 – 2015 مع زيادة متصاعدة في إنفاق إيران على أصولها المسلحة، شبه العسكرية، في الخارج، ولذلك لا يوجد سبب لتوقع رد مختلف جذرياً هذه المرة. وقد سجّلت الموازنة الإيرانية لعام 2018 زيادة في الإنفاق العسكري (بلغت موازنة الدفاع 22.1 مليار دولار من حجم الموازنة الإجمالي البالغ 104 مليارات دولار)، بما في ذلك مخصصات مالية للحرس الثوري وفيلق القدس. في الوقت ذاته، وعلى مدى السنوات العشر الماضية، استغل الحرس الثوري وضعه الاقتصادي والسياسي لتحقيق أرباح من العقوبات. فمثلاً، ما يقدّر بـ20 في المائة من البورصة الإيرانية يقوم على شركات تابعة للحرس الثوري. كما أن التمويل من خارج المخصصات المسجلة متوفر أيضاً من خلال تورط الحرس الثوري و«حزب الله» في نشاط الاتجار بالمخدرات وتجارة السلاح. فمثلاً، الشبكة التي يقودها عميل «حزب الله» أيمن جمعة تعرضت لعقوبات فرضتها وزارة الخزانة الأميركية عام 2012 بسبب عمليات اتجار بالمخدرات وتبييض أموال بلغت قيمتها ما يقدر بـ200 مليون دولار شهرياً.
إن تمويل إيران للقوات شبه العسكرية المرتبطة بها يُعد واحداً من الأمور الغامضة في شكل لافت. ولكن رغم ذلك، خلال العقد بين 2005 و2015 - عندما كان اقتصاد إيران يفترض أنه يئن تحت العقوبات - قدّر خبراء أن التحويلات التي كانت تذهب إلى «حزب الله» ازدادت من 100 مليون دولار تقريباً إلى ما يصل إلى 700 مليون دولار (بحسب تقديرات مسؤولين أميركيين) وذلك في إطار الانخراط العميق لـ«حزب الله» في سوريا. وفي الوقت ذاته، بلغ الإنفاق الإيراني في سوريا - بما في ذلك التحويلات التي تذهب إلى النظام السوري أو التمويل لجماعات شبه عسكرية محلية أو أجنبية ناشطة في سوريا - بين 6 مليارات و20 مليار دولار، بحسب تقديرات متباينة لمصادر مختلفة أميركية وغربية ومحلية.
وقبل عام 2014، كانت إيران تموّل عدداً من المجموعات العراقية شبه العسكرية، مثل «كتائب حزب الله»، و«عصائب أهل الحق»، ومنظمة «بدر» - كما يقر بذلك مسؤولون كبار من تلك المجموعات. وهكذا، فإن إضافة هذه الكيانات إلى جدول مدفوعات الدولة العراقية تحت مظلة «الحشد الشعبي» يمكن أن يُنظر له على أنه إنجاز مهم لإيران. إن مفوضية «الحشد الشعبي»، تحت قيادة فالح الفياض وأبو مهدي المهندس، تشرف على موازنة سنوية بنحو 1.6 مليار دولار. ولكن عندما تراقب بدقة كيف يتم توزيع هذه الموازنة ترى أن القوات غير الإيرانية (مثل «فرقة العباس القتالية» الممولة من «العتبات المقدسة» و«كتائب السلام» التابعة لمقتدى الصدر) كان يتم باستمرار حرمانها من الأموال، («معهد واشنطن» أصدر تقريراً مفصلاً في هذا الإطار). ولكن في الوقت ذاته فإن الكيانات الأكبر المدعومة من إيران (مثل بدر التي يتبع لها ما بين 40 و50 ألف مقاتل) تهيمن على موازنة «الحشد الشعبي» وليس لديها مشكلة في تسلّم مدفوعاتها في الوقت المحدد ودون تأخر. كما أن لديها قدرة على الحصول على أسلحة إيرانية - في خرق للعقوبات الدولية.

- هل يمكن أن ينجح الأميركيون في تحقيق وعدهم بـ«تصفير» صادرات النفط الإيرانية؟ كيف يمكن تحقيق ذلك؟ فقد بدأت إيران، مثلاً، في تصدير نفطها إلى الصين على متن ناقلاتها؟
- لدى إيران أسواق جاهزة في الشرق الأقصى ستسعى إلى استغلالها. وسيكون فرض العقوبات أكثر صعوبة على الولايات المتحدة هذه المرة، لأن الإدارة تحاول فرضها في شكل آحادي، عوض المرور عبر مجلس الأمن. الصينيون، الأوروبيون، الهنود وغيرهم، سيتجاوبون مع العقوبات مرغمين ولكن في شكل جزئي.
لكن بعد أن تبدأ الولايات المتحدة توسيع نطاق العقوبات (الحزمة الثانية) فستكون إيران في شكل متزايد في وضع يزداد سوءاً، لأن أولئك الراغبين في شراء النفط الإيراني (سواء في شكل شرعي أو من خلال السوق السوداء) سيرغمون طهران على بيع نفطها بأسعار بخسة. انسحاب شركة توتال مؤشر آخر إلى أن قدرة إيران على إنتاج النفط وتطوير حقول جديدة ستواجه تراجعاً على الأرجح مع مرور الزمن، نتيجة الضعف المزمن في الاستثمار، وهجرة الخبراء والشركات الأجنبية، والوضع المزري لقطع الغيار.
وهكذا فإن العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ستتسبب بلا شك في معاناة اقتصادية شديدة للإيرانيين. السؤال هو هل تملك إدارة ترمب استراتيجية متماسكة لإرغام إيران على تغيير سلوكها الإقليمي. بالنسبة إلى طهران الوضع هو أن تحصّن ما ربحته حتى الآن: هي تواجه ضغطاً متواصلاً لتقليل ظهور أرصدتها في سوريا، ولكن نظام الأسد مدين في شكل عميق لها مالياً وسياسياً. ولذلك يمكن توقع أن إيران ستحاول أن تحكم قبضتها على ما هو في يدها وتحاول انتظار مرور عاصفة الضغوط عليها. وفي العراق، تتمتع طهران بأرصدة شبه عسكرية وسياسية كبيرة، كما أن قاسم سليماني يمارس جهوداً كبيرة من أجل الوصول إلى حكومة يهيمن عليها حلفاء إيران. والأمر ذاته في لبنان حيث لا يبدو محتملاً أن الولايات المتحدة لديها ما يكفي من النفوذ الضروري لتحجيم الموقع المتجذر لـ«حزب الله». وبالتالي فإنه يمكن الاستخلاص أن العقوبات لديها تأثير يشل إيران بشكل لا يمكن نفيه، إلا أن الإدارة الأميركية تبدو بعيدة عن امتلاك استراتيجية متماسكة ومتكاملة لاحتواء إيران إقليمياً.



إسرائيل تسحب جنسية فلسطينيَّين - إسرائيليَين وتأمر بإبعادهما

عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تسحب جنسية فلسطينيَّين - إسرائيليَين وتأمر بإبعادهما

عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أنه وقّع أمراً بترحيل فلسطينيَّين إسرائيليين من سكان القدس الشرقية أدينا بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين، إلى مناطق فلسطينية محتلة.

هذا التدبير يتّخذ للمرة الأولى بموجب قانون أقرّ في عام 2023، ويتيح سحب الجنسية الإسرائيلية أو إلغاء تصريح الإقامة للمدانين بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين ممن تلقت عائلاتهم إعانة مالية من السلطة الفلسطينية بعد اعتقالهم.

وقال نتنياهو إنه وقع قرار «سحب الجنسية وإبعاد إرهابيَّين إسرائيليَّين نفّذا هجمات بالسكين وبالسلاح الناري ضد مدنيين إسرائيليين، وكافأتهما السلطة الفلسطينية على أفعالهما الإجرامية».

وأشار النص إلى أن قرارات مماثلة كثيرة ستصدر لاحقاً، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يكشف نتنياهو الذي يرأس إحدى أكثر الحكومات اليمينية تطرفاً في تاريخ إسرائيل، اسمَي الفلسطينيين، لكن وسائل إعلام إسرائيلية عدة أوردت أنهما محمد حماد الصالحي ومحمد هلسة، وكلاهما من القدس الشرقية.

احتلت إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية خلال حرب يونيو (حزيران) 1967. وضمّت الشطر الشرقي من المدينة في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.

والصالحي أسير محرّر، خرج في عام 2024 بعدما قضى 23 عاماً في السجن ويحمل الجنسية الإسرائيلية، وفق جمعية نادي الأسير الفلسطيني.

أما هلسة فيحمل الهوية الإسرائيلية، وهي وثيقة تمنحها السلطات الإسرائيلية للفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية. وهذه الهوية تُعد تصريح إقامة وليست جنسية إسرائيلية.

وأفاد أحد أقرباء هلسة «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن قريبه حُكم عليه بالحبس 18 عاماً وكان قاصراً وقد قضى نحو نصف مدة محكوميته. وقال المصدر نفسه إن السجين كان يحمل الجنسية الإسرائيلية لكنها سُحبت منه قبل 18 شهراً.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية عدة بأن عقوبة الطرد التي تطال الصالحي ستُنَفّذ قريباً، فيما لن تنفّذ العقوبة بحق هلسة إلا بعد صدور الحكم بحقه.

لدى تبني القانون، ندّد مركز «عدالة»، وهو منظمة غير حكومية إسرائيلية تُعنى بالدفاع عن حقوق الأقلية العربية، بالنص الذي قال إنه «يستهدف حصراً الفلسطينيين» ويزيد «الانقسام العرقي وتفوق اليهود».

ويلحظ القانون نفي هؤلاء إلى الضفة الغربية أو قطاع غزة.

أعلنت السلطة الفلسطينية في مطلع عام 2025 إلغاء المخصصات المالية لعائلات الفلسطينيين المسجونين في إسرائيل بسبب شنهم هجمات ضد إسرائيليين، لكن الحكومة الإسرائيلية تقول إن هذا النظام ما زال قائماً بأشكال أخرى.


كيف يبدو الإنترنت في إيران بعد تخفيف القيود؟

رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)
رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)
TT

كيف يبدو الإنترنت في إيران بعد تخفيف القيود؟

رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)
رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)

بعد انقطاع غير مسبوق للإنترنت في إيران فرضته السلطات في يناير (كانون الثاني) لمواجهة موجة الاحتجاجات، خُففت القيود جزئياً، غير أن الوصول إلى الشبكة لا يزال محدوداً للغاية.

وقد فُرض الحجب مساء الثامن من يناير، بالتزامن مع تداول كثيف لرسائل عبر الإنترنت دعت إلى مشاركة واسعة في الحراك الاحتجاجي، التي أسفر قمعها عن سقوط آلاف القتلى، حسب السلطات، فيما أوردت منظمات دولية حصيلة أعلى.

ما وضع الإنترنت في إيران؟

طوّرت الجمهورية الإسلامية، على مدى سنوات، قدرات واسعة للتحكم في شبكتها. وحتى في الأوضاع العادية، يبقى تصفح الإنترنت مقيّداً، مع حظر العديد من منصات التواصل الاجتماعي، مثل «إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» و«تلغرام» و«يوتيوب» محظورة في إيران لسنوات، ما يدفع المستخدمين إلى اللجوء إلى الشبكات الافتراضية الخاصة لتجاوز القيود.

غير أن إجراءات الثامن من يناير ذهبت أبعد من ذلك؛ إذ شملت حجب الشبكات الافتراضية الخاصة (في بي إن)، وتعطيل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية التابعة لخدمة «ستارلينك» المحظورة رسمياً في إيران، مع الإبقاء فقط على «الإنترنت الوطني».

وقد أُطلقت هذه الشبكة الداخلية عام 2016، وتتيح الوصول إلى التطبيقات والمواقع المحلية، بهدف ضمان أمن البيانات والخدمات الأساسية بمعزل عن الشبكة العالمية، وفق وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية.

إيرانيون في مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران 9 يناير 2026 (أ.ب)

ومع تراجع حدّة الاحتجاجات، سمحت السلطات اعتباراً من 18 يناير بوصول محدود إلى محرك البحث «غوغل» وخدمات البريد الإلكتروني، مع توسيع تدريجي لما يُعرف بـ«القائمة البيضاء» للمواقع المسموح بها. وبعد نحو عشرة أيام، عادت غالبية الشبكات الافتراضية الخاصة إلى العمل، لكن بشكل غير مستقر، مع تكرار الانقطاعات.

وأكد وزير الاتصالات ستار هاشمي في مطلع فبراير (شباط) أن البلاد «لم تعد بعد» إلى أوضاع الاتصال التي كانت سائدة قبل الثامن من يناير. وذكرت منظمة «نت بلوكس» المعنية بمراقبة الإنترنت أن الوصول إلى الشبكة «لا يزال خاضعاً لرقابة مشددة»، مشيرة إلى أن «سياسة القوائم البيضاء والاتصال المتقطع ما زالت تحد من تواصل الإيرانيين مع العالم الخارجي».

ما الأثر على الاقتصاد؟

وجّه انقطاع الإنترنت ضربة جديدة للاقتصاد الإيراني المثقل أصلاً بالعقوبات الدولية. وأفاد هاشمي بأن الاقتصاد الرقمي تكبّد خسائر يومية تقارب ثلاثة ملايين دولار، فيما قُدّرت خسائر الاقتصاد ككل بنحو 35 مليون دولار يومياً، محذراً من «تداعيات اجتماعية وأمنية» محتملة.

ويرى أمير رشيدي، مدير الحقوق الرقمية في مجموعة «ميان» ومقرها الولايات المتحدة، أن استمرار تقييد الإنترنت «ممكن تقنياً»، لكنه يراكم ضغوطاً تشمل تراجع الكفاءة الاقتصادية، وهروب رؤوس الأموال، وتصاعد الاستياء الاجتماعي. وذكرت وسائل إعلام محلية أن السلطات تلقّت في الأسابيع الأخيرة طلبات عدة من شركات تطالب برفع القيود وتعويضها عن الأضرار.

ويقول أمير رضا، وهو شاب يبلغ 26 عاماً ويدير موقعاً لبيع المنتجات الرقمية، إن نشاطه لم يتعافَ بعد، مضيفاً أن انقطاع الإنترنت، إلى جانب تقلبات سعر الصرف، تسبب في خسائر لا تقل عن 100 مليون تومان يومياً.

كيف يؤثر ذلك على الحياة اليومية؟

لم يُحدث تخفيف القيود فرقاً كبيراً في حياة الإيرانيين. وتروي جوانه، وهي مدرّبة يوغا، أنها لم تتمكن من إعادة التواصل مع العالم الخارجي إلا في الأيام الأخيرة، لكنها لا تزال عاجزة عن تحميل مقاطع فيديو لطلابها، مشيرة إلى أنها خلال فترة الحجب لم تستطع التواصل إلا مع من تملك أرقام هواتفهم، ما اضطرها إلى إيقاف الدروس عبر الإنترنت والتحول إلى الجلسات الحضورية.

بدوره، يصف أمين، مترجم مستقل يبلغ 29 عاماً، الاتصال بالإنترنت بأنه «غير مستقر إلى حد كبير»، لافتاً إلى أن الشبكات الافتراضية الخاصة المدفوعة تنقطع أيضاً بشكل متكرر.

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران 9 يناير 2026 (تلغرام)

ومنذ حملته الرئاسية لعام 2024، تعهّد الرئيس مسعود بزشكيان مراراً بالعمل على تخفيف القيود المفروضة على الإنترنت، ودعا أخيراً إلى رفع الحجب المفروض منذ الثامن من يناير.

وحذر رشيدي من أنّ القيود المستمرة «تهدد بإبعاد مجتمعات الأعمال والمهنيين الشباب والجهات الفاعلة في المجتمع المدني».

أما ألما (26 عاماً)، التي تملك متجراً إلكترونياً لبيع المنتجات الجلدية، فتقول إنها قد تُضطر إلى نقل نشاطها إلى خادم محلي، مضيفة: «إذا بدأت في حساب الخسائر المالية، فقد أُصاب بنوبة قلبية».


ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)
TT

ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يدرس إرسال مجموعة ضاربة ثانية لحاملة طائرات إلى الشرق الأوسط، تحسباً لعمل عسكري محتمل ضد إيران في حال فشل المفاوضات، مؤكداً أن بلاده تسير بالتوازي في المسارين الدبلوماسي والعسكري.

وأوضح ترمب، في مقابلة مع موقع «أكسيوس» وقناة «12» الإسرائيلية، أن الولايات المتحدة وإيران استأنفتا المفاوضات في سلطنة عُمان للمرة الأولى منذ حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي، مشدداً في الوقت نفسه على أن واشنطن «إما أن تتوصل إلى اتفاق، وإما ستضطر إلى اتخاذ إجراءات قاسية جداً كما في المرة السابقة»، في إشارة إلى الضربات التي استهدفت مواقع نووية إيرانية خلال الحرب.

وأضاف ترمب أنه يتوقع عقد الجولة الثانية من المحادثات، الأسبوع المقبل، عقب الجولة الأولى التي استضافتها مسقط، الجمعة الماضي.

وقال: «لدينا أسطول يتجه إلى هناك، وقد يتجه أسطول آخر»، لافتاً إلى أنه «يفكر» في إرسال مجموعة ضاربة ثانية، لتنضم إلى حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومجموعتها الهجومية التي تضم طائرات مقاتلة وصواريخ «توماهوك» وعدداً من السفن.

وأكد مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس» أن مناقشات جرت بالفعل بشأن تعزيز الوجود البحري الأميركي في المنطقة.

ورغم هذا التصعيد، عبّر ترمب عن تفاؤله بإمكان التوصل إلى اتفاق، معتبراً أن إيران «ترغب بشدة في إبرام صفقة»، وأنها تنخرط في المفاوضات بجدية أكبر بكثير مقارنة بالجولات السابقة، مرجعاً ذلك إلى التهديد العسكري.

وقال إن المحادثات الحالية «مختلفة تماماً»، مضيفاً: «في المرة الماضية لم يصدقوا أنني سأفعل ذلك... لقد بالغوا في تقدير قوتهم».

وأكد ترمب أن من «البديهي» أن يشمل أي اتفاق البرنامج النووي الإيراني، معتبراً أيضاً أن من الممكن معالجة ملف ترسانة الصواريخ الباليستية، قائلاً: «بإمكاننا التوصل إلى اتفاق رائع مع إيران».

وفي السياق ذاته، قال ترمب إنه لا يعتقد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يشعر بالقلق من مسار التفاوض، مضيفاً: «هو أيضاً يريد اتفاقاً... يريد اتفاقاً جيداً»، وذلك عشية زيارة نتنياهو إلى واشنطن.

من جهته، قال نتنياهو، قبيل توجهه إلى العاصمة الأميركية، إنه سيعرض على ترمب رؤية إسرائيل لمبادئ المفاوضات، معتبراً أن هذه المبادئ «ليست مهمة لإسرائيل فحسب، بل لكل من يسعى إلى السلام والأمن في الشرق الأوسط».

وأجرى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، مباحثات في مسقط التي تلعب دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.

وفي أثناء وجوده في مسقط، حذّر لاريجاني من تدخّل نتنياهو في المفاوضات. وحضّ المسؤولين الأميركيين على التعامل «بحكمة» مع زيارة نتنياهو، و«اليقظة» إزاء «دور إسرائيل التخريبي».