مذكرات بسيوني الحلقة الاخيرة: أيقظتني المضيفة على دموع غزيرة ذرفتها حزنا على دنيا تفصل بين العدالة والسياسة

بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
TT

مذكرات بسيوني الحلقة الاخيرة: أيقظتني المضيفة على دموع غزيرة ذرفتها حزنا على دنيا تفصل بين العدالة والسياسة

بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما

بدأ شريف بسيوني هذه الحلقة، العاشرة والأخيرة في سلسلة مذكراته، بتلخيص أهم دروس تجربته الذاتية، قائلا: استطعت من خلال خبرتي في الحياة فهم شيئين: الأول، أن كل شخص يختلف عن الثاني، وكل شخص له علاقته مع ربه ومع غيره، فكأن لكل شخص كونا مستقلا؛ فمن يعش داخل هذا الكون مستقل عن غيره، ولا يمكن مقارنة ما يوجد في كونه المختلف بما في أكوان الآخرين. كما تعلمت أن هناك ما يسمى النسبية؛ أي أن ما هو مهم لك قد لا يكون مهما لغيرك، وما يؤثر في شخص لا يؤثر في آخر. تعلمت أنني حين أتعامل مع غيري ألا أتعامل معه إلا على أساس كونه الخاص. وألا أقارن هذا بشعور شخص آخر حصلت له حادثة أخرى. واقتنعت بأن التعارف معناه الاختلاف وعليه لا نستطيع التفريق.
عندما بدأت التدريب سنة 1964، كانت رواتب الذين يدرسون في كليات الحقوق متدنية جدا، فمعظم الأساتذة كانوا يمارسون مهنة المحاماة بالإضافة إلى التدريس. ولم تكن المحاماة في الولايات المتحدة متخصصة كما كانت هي في بقية أنحاء العالم، أو كما أصبحت الآن. بمعنى أن يتخصص المحامي في مجال قضايا الطلاق أو المالية أو القضايا التجارية مثلا. في الستينات كان معظم المحامين يعملون في جميع المجالات. وأذكر أني التحقت لوقت محدود، بمكتب محاماة يعمل فيه خمسة محامين، وكان عملنا يشمل شؤونا عامة، مثلا عقود الزواج، والطلاق، والنفقة، وقضايا مالية وتجارية، وقضايا إرث، وتأسيس شركات. كان خليطا من كل شيء، لكنه أعطاني إمكانية فهم سير القانون والقضاء في الولايات المتحدة والمجتمع. وبمرور سنوات، صرفت النظر عن هذه العموميات، وبدأ اهتمامي بمجال القانون الدولي، واقتصر عملي عبر سنوات على حالات قليلة كل عام ولكنها مهمة جدا، وطبعا كلما اشتهرت، وانتشرت سمعتي عالميا، كانت القضايا الهامة تأتيني. هكذا عُرفت خلال الأعوام الخمسة والعشرين أو الثلاثين التي مرت عليّ، كمتخصص في مجال القانون الجنائي الدولي، وفي مجال تسليم المجرمين. لذلك كنت محاميا في أكثر من 120 قضية تسليم مجرمين من الولايات المتحدة وإليها، وهذا أكبر عدد من القضايا يتابعه محام أميركي في التاريخ. كما كنت محاميا لعدد كبير من كبار الشخصيات بمن في ذلك رؤساء دول حاليون أو سابقون. مثلا، تضمن هذا العمل أيضا، التعاون الجنائي الدولي، وطلب التعاون أو الأدلة من الخارج؛ فخلال الأعوام الماضية، كنت محاميا لرئيس غواتيمالا السابق، ورئيس جمهورية المكسيك السابق، كلاهما كان مطلوبا في الولايات المتحدة في قضايا خاصة بغسل أموال. لكن هذه القضايا كان لها في الواقع، أبعاد سياسية؛ ذلك أن الولايات المتحدة تؤيد رؤساء دول في أميركا اللاتينية في أوقات ما، ثم تغير اتجاهها وتؤيد آخرين. وكانت كثيرا ما تستخدم كل ما تستطيعه ضد هؤلاء الأشخاص لمحاكمتهم. وربما كانت قضية نورييغا أهم تلك القضايا. فقد كان نورييغا حليفا للولايات المتحدة، ثم اعتقلته بعد ذلك وسجنته في ميامي. لم أكن مدافعا عنه، لكنني فقط أعطي هذا كمثال على البعد السياسي؛ حيث كان نورييغا في وقت ما مؤيدا من أميركا ثم تغيرت السياسة، والشيء نفسه حدث مع رئيس غواتيمالا السابق، ورئيس جمهورية المكسيك. كنت أتولى هذه القضايا من نحيث المبدأ أيضا، وليس فقط لأنها قضايا هامة؛ لذلك كنت أستبعد الكثير من القضايا التي لا أومن بمبدأ العدالة والنزاهة فيها.
من القضايا الأخرى أيضا، أنني مثلت سلفيو برلسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي السابق، حين كانت إيطاليا تطالب أميركا بالمستندات الخاصة بتعامله مع شركات الأفلام الأميركية خلال سنة، قبل أن يكون له أي دور سياسي. وكانت تحاول أن تعرف، من خلال هذه المعاملات، ما إذا كان برلسكوني هرب أموالا إلى الخارج أم تهرب من دفع الضرائب. فكان ثمة مواضيع تعود إلى خمس وعشرين أو ثلاثين سنة. والطريقة التي كانت إيطاليا والولايات المتحدة تتعاونان بها، هي أن الأخيرة كانت مستعدة لتعطي إيطاليا كل ما كانت تطلبه من الشركات، وهذا يصعب فهمه من ناحية العدالة؛ فلو أن هناك معاملات تجارية ترجع لمدة 20 أو 30 سنة، فإنه يصعب علينا معرفة الأوراق الموجودة: ما الذي سلمته هذه الشركات؟ ما الذي لم تسلمه؟ ما هي خبايا الموضوع؟ يمكن للنيابة في إيطاليا أن تأخذ هذه المستندات و«تتقصى» عنها، وتختار ما هو مناسب للقضية التي يريدون إنشاءها، والدفاع لا يعلم ما وصل إليهم من أوراق، أو مستندات لكي يستطيع أن يقول إن هذا الخطاب مثلا كان في ملف آخر. أي أنني دافعت عن برلسكوني لهذا السبب، واستطعنا منع إرسال كثير من هذه الأوراق، واستطعنا الحصول على قائمة بالأوراق التي أرسلت، لكي يتمكن الدفاع من النظر إلى القائمة والتحقق منها، فكان الغرض شرعيا تماما. كما دافعت عن من لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فكنت عضوا في لجنة القانون الجنائي في نقابة شيكاغو، وكثيرا ما كانت هناك ظروف معينة واضطرابات من جانب المتهمين الذين لم يكن لديهم محامون، فكنت أتطوع للدفاع عنهم مجانا. وقد يكون هذا العمل أقرب إلى ما كان يقوم به جدي في الصعيد في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي.
* السياسة والقانون
* عندما ذهبت إلى أفغانستان مثلا، جرى صراع كبير حول ما إذا كانوا سيؤسسون لجنة أم لا. وطبعا لم يكن الإميركيون راغبين في أن يرى أحد ما يحدث في عمليات تقصي الحقائق. وبدل «لجنة» أعطوني لقب «خبير مستقل» وحدي، وفعلوا معي مثلما فعلوا في يوغوسلافيا سابقا، لم يعطوني أي مقابل على عملي.
وأتذكر وقتها أني كنت في قطر، في دور دبلوماسي سياسي مهم جدا؛ حيث كان يوجد قائد من الشيشان طلب اللجوء السياسي في قطر، وكان يعيش هناك. وقتها قامت مجموعة من الشيشانيين باحتلال مدرسة في موسكو، وهددت بقتل 300 طفل. وفعلا ارتكبوا ذلك الفعل، وكان الموجودون داخل المدرسة على تواصل هاتفي مع الشخص الشيشاني اللاجئ في قطر بصفته قائدهم، وهو من أعطاهم الأمر بتفجير القنبلة وقتل الأطفال. طبعا، تأكدت أجهزة الأمن الروسية من هذه المعلومة، وطلبت من قطر تسليم ذلك الشخص، لكن قطر رفضت تسليمه. لم يعجب الأمر الروس الذين وأرادوا التصرف بأنفسهم، فأرسلوا اثنين من المخابرات مع تغطية دبلوماسية، وتمكنوا من معرفة خط سير هذا الرجل، وعرفوا أنه سيذهب إلى صلاة الجمعة، وأن ابنه سيكون السائق، وأنه سيجلس إلى جانبه. وقد أرادوا اغتياله من دون أن يتسببوا في إصابات أو خسائر أخرى. بعدما دخل المسجد، وضعوا قنبلة مؤقتة (مسيرة)، أسفل المكان الذي يجلس فيه، فلما خرج انفجرت القنبلة فمات، وأصيب ابنه في ذراعه اليمنى، وبعد ساعات ألقى القطريون القبض على الشخصين.
والقصة هي أنه عندما دخل هذان الشخصان إلى قطر، كانت المخابرات الأميركية تتتبعهما، حيث ظنت في البداية، أنهما قادمان للتجسس على قاعدتها العسكرية في قطر، فواصلت مراقبتهما لفترة ما، وبعد أن تيقنت أنهما ليسا هناك لهذه الغاية، أعطوا ما لديهم من معلومات للمخابرات القطرية التي لم تكن تربط بين وجودهما وهدفهما. ولما قتل القائد الشيشاني في الانفجار قبضوا عليهما؛ دخلوا السفارة على الرغم من الحصانة الدبلوماسية وقبضوا عليهما، وحوكما، وهو ما يخالف المعاهدة الدبلوماسية. احتجت روسيا على هذلك مما ولد أزمة. لكن أحدهم أشار على الرئيس بوتين بتعييني أنا محاميا عن الروس في قطر، لكي أحاول إيجاد مخرج للأزمة. وفعلا قمت بهذا الدور، على أساس أنه بدل أن تتأزم الحالة بين روسيا وقطر نجعل قطر تحاكمهما، من دون عقوبة إعدام بل بالسجن، وباتفاقية ثنائية ما بين قطر وروسيا. فكنت المحامي مع محام قطري للدفاع عن هذين الروسيين، ونفذ الاتفاق ولم تتأزم المشكلة بين روسيا وقطر، ومرت على هذا الأساس، وربما كان هذا ما يسمى «النفوذ» الذي تحدثنا عنه سابقا. انتهت الأزمة، وبكل أمانة، لم آخذ مكافأة مادية ولا معنوية على ذلك، ولم أتلق وساما من قطر.
المتلقي العادي لأية معلومات، لا يستطيع أن يستوعب أو يفهم ما يجري داخل الإدارات الحكومية والبيروقراطية الدولية. ما نراه من ناتج في الخارج، ليس هو ما يأتي من الداخل. ما نراه كثيرا ما يكون مسيسا وملونا ويصلنا كمعلومة من دون أن نفهمها، وكثيرا ما تكون الصورة ملونة لأسباب، وعلى سبيل المثال، فإن إنشاء لجنة تقصي حقائق عن الحرب في يوغوسلافيا، لم يتم بالصيغة التي أنشئت عليها، ومنحت لها كل الصلاحيات. فالرأي العام لن يعرف الحقيقة إلا إذا علم أن هيئة الأمم لم تخصص لها أية ميزانية للقيام بعملها.
وعندما يكون لديك لجنة مثل لجنة سوريا ولا تتحرك خارج جنيف، فكيف تتحرى عما يحصل داخل سوريا؟ تأخذ اللجنة معلوماتها من وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان، وهذا ما يمكن للحكومات أن تنفيه وتكذبه. لذلك كنت أسعى في كل مهامي، إلى المعلومة المباشرة التي تأتي من الميدان الذي أذهب إليه. يوجد فارق كبير بين ما نراه ميدانيا وما يحدث في المكاتب العليا في الحكومات وغيره. ويمكن مقارنة ذلك مثلا بالميدان العسكري. فهناك فارق بين ما يرى الجندي أو الضابط الصغير في الميدان، وما يرى رؤساؤه في القوات المسلحة في مكاتبهم بعيدا عن الميدان. وبصفتي كنت ضابطا صغيرا (ملازم ثان)، تعودت أن أنظر إلى الأمور من الناحية الميدانية الواقعية، وليس من ناحية القيادة العسكرية العليا، التي تأتيها أرقام ولكنها لا تشعر بما هو موجود. كان مبدئي دائما، هو التحقق، كما كان عندما كنت في الجيش. إنني لا أستطيع إصدار أمر إلى أي شخص بالقيام بأي شيء، إلا إذا كنت أنا شخصيا أستطيع القيام به. يعني لا يمكنني أن أطلب من جندي أن يمشي 10 كيلومترات في اليوم في الصحراء، إلا إذا كنت أنا شخصيا أستطيع القيام بذلك. لكن إذا كان رئيس الأركان بعيدا عن الميدان يجلس في غرفة مكيفة، فإنه يستطيع أن يقول – نظريا - إن هذه القوة تستطيع الانتقال 10 كيلومترات في اليوم. الشيء نفسه مع من يتحدث عن جرائم من دون أن يشعر بقيمة الجريمة ويفهمها. وهو لن يستطيع فهم معناها لأن كثيرا من الأمور يحدث أثناء الحرب، لأن الطبيعة الإنسانية للأسف، لم تتغير كثيرا، فالإنسان لم يتغير. وظروف الحرب ومواجهة الموت والحاجة للبقاء تغير الإنسان، لذا يجب أخذ هذه الجوانب بعين الاعتبار وفهمها. أي إذا كان شخص ما في مكاني كرئيس للجنة معينة، عليه أن يجد توازنا بين وجوده في الميدان وإدارته لما يسري في الميدان، وفهمه لما يكون، وفهمه للمحققين الذين يعملون معه لكي يديرهم بطريقة سليمة، وفي الوقت نفسه فهمه للبعد السياسي، وكأن الواحد يغير «فيتيس» (ناقل الحركة) السيارة. حينما يكون في الميدان، يكون على «المارش الأول» ويمشي خطوة خطوة، وعلى «المارش السياسي» يضع «الفيتيس» على الرابع، وكأنه في الطريق السريع. من الناحية النفسية، الانتقال يسبب صعوبة نفسية ومعنوية، وإذا عزل الشخص نفسه عن مشاعره فقد آدميته.
سألت بسيوني عن أهم قصة مسته شخصيا وتركت أثرا في نفسه، فروى لي القصة التالية:
كنا في الميدان ذات يوم. كنا نقوم بالحفر بحثا عن مقبرة جماعية. وكان الصرب دائما يتهمونني بأنني أجد المقابر الجماعية للبوسنيين والمسلمين أو الكروات، وأنني منحاز إلى هذه الأطراف. وقد أبلغوني أنه في مكان يبعد 300 كلم عن مدينة زغرب في كرواتيا وفي وسط منطقة خالية، كانت ثمة منطقة يقطنها الصرب سابقا، وقد قام الكروات بتطهيرها عرقيا وأخرجوا سكانها منها. وقد أبلغتني الحكومة الصربية أن من غير المستيعد ان تكون هناك مقبرة جماعية تضم ألف شخص. كونت فريق عمل من 65 ضابطا وجنديا من الجيش الهولندي، وخمسة محققين من كندا والنرويج، وضباطا في الإدارة القانونية في هذه الجهات يعملون معي، وبعض الجهات الخارجية من الأطباء والعلماء الشرعيين. كان هذا بعد أن عثرنا على مقبرة جماعية في منطقة اسمها فوكوفار، كان فيها 204 كرواتيين كاثوليك، قتلوا من جانب الصرب. كانوا قد أخذوا وجمعوا معا وضربوا بالرصاص. ووجدنا أدلة على أن شخصا كان يطلق النار على رأس أي شخص إذا وجد أنه ما زال حيا. كانت تلك مقبرة بشعة بالفعل. بعد ذلك، علمنا أنهم أخذوا جميعا من مستشفى مدينة فوكوفار وقتلوا. كانوا جرحى ومرضى وقتلوا بتلك الطريقة. وكانت هذه المقبرة موضوع أكبر قضية في يوغوسلافيا فيما بعد، بنيت على ما اكتشفناه، لكني وجدت في الوقت نفسه، أن من الواجب البحث فعن المقبرة الجماعية التي أخبرني عنها الصرب. فذهبت إلى تلك المنطقة التي كان اسمها «بوليانا بكرتش»، وبعد البحث الطويل، لم نجد إلا مقبرة ك فيها 19 جثة، أخرجناها بالفعل، وبدأنا حفرية المقابر الجماعية مثل حفرية الآثار.
* عمل دقيق
* على الشخص أن يكون دقيقا جدا، ويعمل بحرص لكي لا يجري تحريك الجثث من مكانها. لا يمكنك العمل بوسائل قد تطال الجثة التي قد تتوفر حولها أدلة تقدم أدلة على الطريقة التي وجدت بها. في إحدى هذه الحفريات، كنت أنظر بعيدا، أتحدث إلى أحد الضباط الذين يعملون معي. وكانت هناك جثة لفت في بطانية. فتشت البطانية. كان من يعملون في الحفرة قد رفعوا عنه البطانية وكشفوا جثته وبان وجهه. وشاءت الظروف أن كانت جثته كاملة لم تتغير. كان في الثلاثينات، صغير الحجم نحيفا. كانت لذلك الرجل لحية صغيرة مثل لحية لينين، وكانت عيناه مفتوحتين. نظرت إليهما، فشعرت بهما تسألاني: لم أنت هنا؟ أين كنتم حين كانوا يقتلوننا؟ كان صاحب الجثة كمن خرج من عالم آخر ليعطيني رسالة: أين كان العالم حين كنا نموت؟ وهذه رسالة كل ضحايا العالم، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية. هزني هذا المنظر تماما. قبلها بيوم، كانت تلقيت إشارة من الأمين العام للأمم المتحدة، تطلب مني مقابلته في نيويورك. أتممت عملي يومها، واستقليت بعد الظهر، سيارة نقلتني مسافة 300 كلم إلى زغرب، أخذت بعدها طائرة من هناك إلى فرانكفورت، ثم من فرنكفورت إلى نيويورك. كنت قادما من الميدان حيث نعمل منذ أسبوع، وأعيش في خيمة بقليل من الماء البارد، وأضيفت متاعب السفر إلى نيويورك إلى تلك المتاعب. وصلت بعد الظهر، وكان لي في صباح الغد، موعدا مع الأمين العام. ذهبت إلى موعدي مرهقا. رحب بي الأمين العام، وقال إن دولا كثيرة، بما في ذلك إنجلترا وصربيا وروسيا، تشكو من وجودك الدائم في الميدان، حيث يخلق لهم نوعا من الفزع. فلماذا تقوم بهذا الدور؟ أنت رئيس لجنة معينة من مجلس الأمن بدرجة أمين عام مساعد، ولك مكتب جميل جدا في الدور الخامس في هيئة الأمم في جنيف، يطل على بحيرة جنيف الجميلة. لماذا تعرض نفسك إلى كل هذا؟ وختم كلامه قائلا: يا شريف، إن كنت تقوم بمثل هذا الدور الرئيس وسط نزاع مسلح مهم له جوانب سياسية هامة «امش دائما وظهرك للحائط». أنت تعرض نفسك لانتقادات بسبب عملك الميداني، هذا ليس دورك. فأجبته بأنني أحاول التوفيق بين دوري كمحقق، وإدارة الناس الذين أعمل معهم. كما أحاول إزالة بعض العراقيل البيروقراطية في هيئة الأمم، وغياب الأمل. يجب أن أكون حريصا في المهام التي أقوم بها لأحصل على مساعدة الدول، على المستوى الثنائي. فقال لا، انتظر في جنيف وتأن. فخرجت من عنده وذهبت إلى شيكاغو حيث مقر المعلومات في الجامعة. في الطائرة، أغمضت عيني من شدة التعب. كنت أعيد الفيلم من فوكوفار من 204 إلى بوليانا بكرتش التي وجدنا فيها 19 صربيا، وكيف دفنهم الأردنيون ووضعوا صلبهم، و«لينين» الذي خرج من تحت الأرض ليسألني: لماذا تفعل البشرية هذا؟ والأمين العام الذي يقع مكتبه في الدور 38 على نهر في نيويورك بعيدا عن هذا المجال، ينصحني بـ«المشي بجوار الحائط». لم أدر بنفسي إلى أن لمست المضيفة كتفي تسألني إن كنت بخير، فتبين لي وقتها، أنني كنت أبكي، وأن سيلا من الدموع كان ينهمر من عيني ولم أشعر بذلك. كنت أبكي على هذه الأمور وعلى أمور الدنيا التي تفصل بين العدالة والسياسة.
والشيء نفسه يتكرر يوميا: ما الذي يحدث في النزاع بين أميركا وروسيا حول نظام بشار الأسد الذي أدى إلى مقتل 100 ألف. أريد أن أذكر بأن الله قال: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). وقال كذلك: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). هذا معناه أن الله لم يفرق بين المسلم وغير المسلم، ولا بين الرجل والمرأة. وقال: (ولقد كرمنا بني آدم)، ولم يقل المسلم أو غيره، ولا نرى هذا الآن. ونجد المسلمين - خاصة في العالم الإسلامي - يقتل بعضهم بعضا باسم الإسلام. وأختم بما ورد في سورة الرحمن: (فبأي آلاء ربكما تكذبان).

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (9)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (8)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»

ما نوع العلاقة بين الحوثيين وإيران؟ سألت «الشرق الأوسط» أفراح الزوبة، أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية، فأجابت بالقول: «أستخدم تعبير التخادم؛ لأنه يصف العلاقة بصورة أدق».

وفي أول حوار تُجريه منذ تولّيها الحقيبة المثخنة بالتحديات، تقول الزوبة إن الحوثيين «ليسوا مجرد أداة بلا مشروع محلي، وفي الوقت نفسه لا يمكن فصل ما أصبحوا عليه عن علاقتهم العميقة والمتراكمة مع إيران».

تمعن الوزيرة في الوصف وتقول إن الجماعة «ليست مجرد ذراع؛ بل كتلة تهديد قائمة بذاتها، تتقاطع مصالحها مع المشروع الإيراني حيثما يخدم ذلك توسيع نفوذها وفرض الأمر الواقع».

وتكمل بالقول: «نحن أمام جماعة إرهابية تحمل مشروعاً آيديولوجياً وسياسياً في الداخل، يقوم على العنف المحض وخرافة الاصطفاء السلالي التمييزي والعنصري تجاه المجتمع اليمني، وتعتقد بأحقّيتها المطلقة في الحكم والثروة، وتسخير قوى الشعب وفئاته لخدمة مشروعها، وإرساء نظام حكم ثيوقراطي شديد الانغلاق والانعزالية ومُعادٍ لقيم المواطنة والحريات والكرامة الإنسانية».

شرح «التخادم»

عند حديثها عن «التخادم» الحوثي الإيراني، تشرح الزوبة قائلة إن «(الحوثي) يستفيد من إيران لتعزيز مشروعه في الداخل، وإيران تستفيد من (الحوثي) وموقع اليمن الاستراتيجي كأداة نفوذ وضغط في الإقليم».

لكن هذا «التخادم»، وفق الوزيرة، «لم يعد مقتصراً على العلاقة مع إيران»، وتعلل ذلك قائلة: «توسعت الحوثية الإرهابية بالتعاون وتبادل المصالح مع عناصر وتنظيمات إرهابية وشبكات تهريب مرتبطة بالساحة اليمنية، ومع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي وجماعات مسلّحة في العراق، بما يعكس تشابكاً متزايداً في المصالح والأدوات ومسارات التهريب، ويضاعف من طبيعة التهديد العابر للحدود».

وتظهر خطورة ذلك، والحديث للزوبة، في محاولات تحويل اليمن وموقعه الجغرافي إلى منصة لتهديد دول الجوار والسفن والموانئ والممرات البحرية، وصولاً إلى استهداف ميناء المخا، وتحويل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن إلى ساحات للضغط والابتزاز.

وترى الوزيرة أن هذا السلوك «يدفع اليمن إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبه، ويهدد أمن واستقرار المنطقة والملاحة الدولية».

مسار التصعيد

خلال الأيام الأخيرة، اتسعت دائرة التصعيد الحوثي من استهداف القوات المسلّحة في مأرب وحضرموت إلى مخيّمات النازحين والأعيان المدنية في مأرب والمخا، وامتدت الاعتداءات إلى نجران في المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع تجدد التهديد للسفن والممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.

وعندما سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما إذا كانت تنظر إلى هذه التطورات بوصفها حوادث متفرقة أم مسار تصعيد واحداً، أجابت: «لا أتعامل معها بوصفها حوادث منفصلة».

وتشرح: «عندما تُستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد قوات الدولة، ثم تمتد الاعتداءات إلى المدنيين والنازحين، ومنشآت ومرافق مدنية واقتصادية حيوية، وإلى المملكة العربية السعودية، وتتزامن مع تهديد السفن والممرات البحرية، فنحن أمام نمط واحد يتسع جغرافياً ويضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه».

وتلفت الزوبة إلى أن التصعيد جاء في وقت كانت فيه الجهود السياسية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها جهود المملكة العربية السعودية للعودة إلى المسار السياسي.

وتضيف أنه «لا توجد أسباب أو تطورات داخلية تفسر هذا التصعيد»، وعدَّت أن السياق الإقليمي يكشف عن «تصعيد إيراني واضح»، تجلَّى، وفق قولها، في إرسال طائرتين إيرانيتين إلى مطاريْ صنعاء والحديدة، دون موافقة الحكومة اليمنية، ومحاولات إيران المتكررة لتوظيف البحر الأحمر «كساحة للضغط والإضرار بالتجارة الدولية والاقتصاد العالمي».

ومن هنا، ترى وزيرة الخارجية أن الاعتداءات الأخيرة ينبغي أن تُقرأ «في سياقها الأوسع، لا بوصفها أحداثاً منفصلة أو عابرة».

أفراح الزوبة أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية (الشرق الأوسط)

«حق الدولة السيادي»

لكن كيف تتعامل الحكومة مع هذا التصعيد؟ وهل يعني الرد العسكري الذي أعلنته القوات المسلّحة، إلى جانب رفع مجلس الدفاع الوطني الجاهزية، أن الحكومة انتقلت من الاحتواء إلى مسار عسكري جديد؟

تجيب الزوبة بأن «المبدأ السياسي والقانوني واضح: للدولة حق سيادي ومشروع في الدفاع عن مواطنيها وقواتها ومؤسساتها، واتخاذ الإجراءات الضرورية والمتناسبة لردع الاعتداءات».

أما القرار العسكري تحديداً، فتشير الزوبة إلى أن مجلس الدفاع الوطني «في حالة انعقاد مستمر للتعامل مع الموقف»، وأنه وضع استعادة مؤسسات الدولة وحماية السيادة في صدارة الأولويات، ووجّه القوات المسلّحة بالرد على مصادر النيران والتعامل مع اعتداءات الحوثيين.

وتقول إن ذلك «جزء من مسؤولية الدولة في حماية حدودها وموانئها ومواطنيها ومنع تعرضها لابتزاز متكرر».

ومع ذلك تؤكد الزوبة أن موقف الدولة في جوهره لم يتغير، وتُلخصه في «إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والعودة إلى المسار الذي سعت إليه الدولة، وصولاً إلى حل سياسي حقيقي ومستدام».

وترفض الوزيرة وجود تناقض بين الردع والتسوية، قائلة: «لا أرى تناقضاً بين حماية الدولة لنفسها وبين الحل السياسي. على العكس، لا يمكن الوصول إلى حل مستدام من موقع يسمح باستمرار الاعتداءات بلا كلفة. نحن نريد حلاً سياسياً، لكن في ظل دولة قادرة على حماية مواطنيها وسيادتها ومؤسساتها».

السلام والردع

بعد اثنيْ عشر عاماً من التجارب والهُدن والمفاوضات، أما زال الحل السياسي ممكناً؟ وهل شجعت سياسة احتواء الحوثيين الجماعة على مزيد من التصعيد؟

تقول الزوبة إن الأمل سيظل قائماً في إنهاء «هذا الكابوس الذي يعيشه اليمنيون منذ اثني عشر عاماً بطريقةٍ تحقن دماءهم وتحمي مقدّراتهم».

وتستعيد الوزيرة مساراً طويلاً يمتد من الحوار الوطني إلى مفاوضات الكويت واتفاق ستوكهولم ومبادرات التهدئة اللاحقة، وتقول إن الحكومة خاضت هذه المسارات «بحثاً عن مَخرج يعيد البلد إلى الاستقرار».

لكن التجربة مع الحوثيين، وفقاً للزوبة، أظهرت نمطاً متكرراً منذ الحروب الست، «في أكثر من محطة، كلما وجدت الجماعة نفسها تحت الضغط، اندفعت نحو التهدئة، ثم ما لبثت أن أعادت بناء قوتها وعززت قدراتها وعادت إلى الهجوم».

ومن هنا، ترى الزوبة أن «سياسة الاحتواء، عندما لا تقترن بعواقب وكلفة واضحة مترتبة على خرق الالتزامات، قد تُفهَم على أنها سماح بالمزيد».

وتضيف أن الحكومة والشعب «يتوقان إلى الخلاص من هذه المعاناة»، مشيرة إلى ما يواجهه المواطنون في مناطق سيطرة الحوثيين من الحرمان والقتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية والتجنيد الإجباري، وإلى استهداف المنشآت النفطية ومصادر الدخل في المناطق الخاضعة للحكومة.

وتختصر الزوبة رؤيتها بالقول: «نريد سلاماً حقيقياً تدعمه أدوات ضغط وردع وآليات تنفيذ ومساءلة؛ تهدئة تقود إلى حل، لا فرصة لإعادة التموضع والتسليح».

البحر الأحمر... حماية السفن لا تكفي

وفي ملف البحر الأحمر، ترى وزيرة الخارجية أن موقع اليمن الجغرافي يمنحه مسؤولية كبيرة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، مشددة على أن هذه الممرات «ليست شأناً يمنياً أو إقليمياً فحسب؛ بل هي شرايين للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم».

وتنظر الحكومة اليمنية، وفق الزوبة، إلى «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» الذي أطلقته السعودية، بوصفه «خطوة مهمة»؛ لأنه ينقل حماية الملاحة «من ردود متفرقة إلى تعاون مؤسسي» يشمل حماية السفن وتبادل المعلومات ورفع الوعي البحري والتدريب وتعزيز القدرة على التعامل مع التهديدات.

لكنها تستدرك: «حماية السفينة في عرض البحر وحدها لا تكفي إلى ما لا نهاية، إذا بقيت مصادر التهديد على اليابسة والسواحل خارج سلطة الدولة».

وبالنسبة إلى الزوبة، فإن «الجزء المستدام من الحل» يكمن في تمكين الحكومة اليمنية من بسط سلطتها على سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، وتعزيز خفر السواحل والقوات البحرية وأمن الموانئ ومكافحة التهريب.

وتضيف: «اليمن تاريخياً كان نقطة عبور وتجارة وتواصل مع العالم، ومن الظلم أن يُختزل موقعه اليوم في صورة مصدر تهديد، بدلاً من أن يعود جسراً للتجارة والاستقرار».

من حوار وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة مع الزميل بدر القحطاني (الشرق الأوسط)

ماذا يريد اليمن من العالم؟

تقر الزوبة بأن المجتمع الدولي أصبح أكثر فهماً لطبيعة السلوك الحوثي، وتقول إن الحكومة تُقدر المواقف الدولية الأخيرة، بما فيها ما صدر عن مجلس الأمن ودول ومنظمات إقليمية ودولية، خصوصاً ما يتعلق بسيادة اليمن وحق الحكومة في إدارة مجالها الجوي ومنافذها ورفض الاعتداءات على السعودية والسفن التجارية.

لكنها تشدد على أن «قيمة الموقف السياسي تظهر عندما يُترجم إلى تنفيذ».

وتُحدد الوزيرة ما تريده الحكومة عملياً فيما يلي: «تطبيق فعلي لقرارات مجلس الأمن ونظام الجزاءات وحظر السلاح، وإغلاق مسارات تهريب الصواريخ والطائرات المسيّرة والمكونات ذات الاستخدام المزدوج والخبرات التقنية، ومساءلة الشبكات التي تُموّل أو تُسهّل هذه الأنشطة».

وتضيف إلى ذلك ضرورة بناء قدرات الدولة اليمنية، خصوصاً خفر السواحل والأجهزة المختصة وأمن الموانئ.

وتقول الزوبة: «لا نطلب من العالم أن يقاتل نيابةً عنا»، وإنما ألا يُطلب من الدولة التخلي عن مسؤوليتها في حماية مواطنيها ومقدَّراتها وسيادتها، «بينما تبقى كلفة الانتهاك شِبه معدومة». وتضيف: «كل تجاوز بلا كلفة يشجع التجاوز الذي يليه».

ولا تقف مطالب الحكومة عند الجانب الأمني، إذ تجدد الزوبة طلباً تقول إن الحكومة ترفعه منذ نصف عقد يتعلق بـ«تصحيح طريقة الدعم الدولي والمساعدات الموجهة للشعب اليمني»، بحيث تنتقل من «دعم دوري لتسكين أعراض الأزمة الإنسانية» إلى معالجة جذورها عبر دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها.

اليمنيون ليسوا أوراق تفاوض

وراء ضجيج الصواريخ والسياسة، تلفت وزيرة الخارجية إلى الجانب الإنساني، وتقول إن ملايين اليمنيين يعيشون ظروفاً شديدة القسوة، وإنه «لا يجوز أن يتحولوا إلى أدوات ضغط أو رهائن بيد الميليشيا الحوثية في حسابات سياسية وعسكرية».

وتضيف: «عندما يُستهدف نازح اضطر أصلاً إلى مغادرة بيته في مدينة مأرب، أو يُحتجز موظف أممي يعمل لخدمة الناس، أو تتعطل لقاحات الأطفال والمساعدات، فنحن أمام كلفة إنسانية تتجاوز المقاربة السياسية».

وتتهم الزوبة الحوثيين بالسيطرة على الموارد وعرقلة العمل الإنساني واحتجاز الموظفين وتعطيل وصول اللقاحات وتحويل هذه الملفات إلى وسائل ضغط على المواطن. وتشدد بالقول إن «الملفات الإنسانية حقوق وليست أوراق تفاوض أو ابتزازاً».

لكنها تربط، في الوقت نفسه، المعالجة المستدامة للأزمة باستعادة الدولة، قائلة إن «المساعدة تستطيع تخفيف الألم، لكنها لا تستطيع أن تحل محل دولة تؤمّن التعليم والصحة والرواتب وتحمي المواطنين».

ثلاثة اتجاهات لـ«الخارجية»

بعيداً عن ملفات الحرب، سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما تريد أن يلمسه اليمنيون في عمل الخارجية، خلال المرحلة الأولى من تولّيها المنصب.

وتُحدد الزوبة ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ أولها «توفير الإمكانات اللازمة للدبلوماسية اليمنية حتى تقوم بدورها وتواكب الفعل السياسي للدولة».

وتقول: «وزارة الخارجية هي قناة الاتصال الأساسية مع العالم، ولذلك يجب أن تكون طواقمها في الداخل والخارج قادرة على نقل سياسة الدولة والدفاع عن مصالحها».

أما الاتجاه الثاني فهو خدمة اليمنيين في الخارج، إذ تلفت إلى وجود جاليات يمنية كبيرة، وتقول: «هم ليسوا ملفاً قنصلياً فحسب؛ هم جزء من الاقتصاد الوطني، وسفراء يوميون لليمن، وتحويلاتهم بمليارات الدولارات سنوياً تسند ملايين الأُسر».

والاتجاه الثالث يتعلق بـ«تحسين البنية المؤسسية داخل الوزارة واستكمال الإصلاحات التي بدأت في المرحلة السابقة».

في هذا السياق، تُسجل الزوبة تقديرها للدكتور شائع الزنداني، الذي قاد الوزارة في المرحلة السابقة، وتقول إن العمل الدبلوماسي «بطبيعته عمل تراكمي تتكامل فيه جهود مَن تعاقبوا على المسؤولية».

وتوضح رؤيتها للوزارة: «أريد وزارة تعمل كمنظومة واحدة، بكادر مهني، ورسالة موحدة، وآليات واضحة للتقييم والمساءلة، بحيث تعكس السياسةَ الخارجية للدولة لا اجتهادات متفرقة».

رواتب الدبلوماسيين والتعيينات

وعن الملف الحساس المتعلق بتأخر رواتب الدبلوماسيين وأوضاع البعثات والتعيينات، تعبر الزوبة عن اعتزازها بالطاقم الدبلوماسي اليمني الذي عمل، كما تقول، «طوال هذه السنوات في ظروف بالغة الصعوبة، وظلّ إحدى جبهات الدولة في الخارج».

وتضيف: «من غير المنصف أن نتحدث عن دبلوماسية فاعلة دون أن نهتم بالأوضاع المهنية والمعيشية لمن يحملون هذه المسؤولية».

وتكشف أنها تعمل مع رئيس مجلس الوزراء والقيادة السياسية على «حلحلة الإشكالات المتراكمة والبحث عن المعالجات الممكنة لتحسين الوضع المالي للكادر والبعثات».

لكنها تتجنب تقديم موعد محدد للحل: «هذا ملف مرتبط بإمكانات الدولة، لذلك لن أقدم مواعيد أو وعوداً غير مضمونة، لكنني أستطيع أن أؤكد أنه في صدارة اهتمامنا».

أما التعيينات فتصفها بأنها «عملية طبيعية في أي سلك دبلوماسي»، لكنها تحتاج في الظروف الحالية إلى «دراسة وتأنٍّ».

وتُحدد أربعة معايير لهذا الملف: «الكفاءة والحاجة والأداء والمصلحة الوطنية»، مع الالتزام بالقوانين واللوائح وعدم حِرمان المستحقين وربط التعيينات باحتياجات الوزارة والبعثات.

«اليمن فرصة وليس مشكلة»

تريد الزوبة تغيير الطريقة التي يقدم بها اليمن نفسه إلى العالم، وتقول إن الحرب والأزمتين الإنسانية والاقتصادية تمثل تحديات لا يمكن إنكارها، «لكن اليمن يظل فرصة ودولة واعدة للأشقاء والأصدقاء».

وتُعدد ما يمتلكه البلد: «موقع استراتيجي، ومجتمع شاب، وموارد وإمكانات، وممرات بحرية حيوية، وتاريخ طويل من التجارة والتواصل».

وتضيف: «الدبلوماسية ينبغي ألا تذهب إلى العالم فقط لتشرح ماذا نحتاج، بل أيضاً ماذا يمكن أن يقدم اليمن كشريك».

وتطمح الوزيرة إلى نقل العلاقة مع الأشقاء والأصدقاء «من إدارة الأزمة إلى بناء شراكات في الأمن البحري، والتجارة، والطاقة، والاستثمار، والتعافي وإعادة الإعمار، وبناء القدرات».

وتضع في مقدمة هذه العلاقات الشراكة مع السعودية ودول مجلس التعاون، «بحكم الجغرافيا والمصالح والأمن المشترك»، إلى جانب علاقات متوازنة مع بقية الدول الصديقة.

وتختصر الزوبة الصورة التي تريد للدبلوماسية اليمنية أن تقدمها: «كلما كانت الدولة اليمنية أقوى وأكثر استقراراً، أصبح اليمن قيمة مضافة لأمن المنطقة، لا عبئاً عليها... لا نتحدث عن اليمن كمشكلة دائمة، بل كفرصة ونقطة ارتكاز للاستقرار والتعاون».

«اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»

وعند سؤالها عن رسائل تُوجهها إلى اليمنيين في الداخل والخارج: «اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»، قالت الوزيرة: «نحن دولة عربية عريقة، وشعب عُرف تاريخياً بالتجارة والانفتاح والتواصل واحترام المجتمعات التي يعيش فيها».

أما في الداخل فترى أن الأولوية هي «استعادة فكرة الدولة قبل أي شيء»، وتُحدد ملامحها بأنها دولة «تحمي المواطن، وتحتكر السلاح والقرار السيادي، وتقوم على القانون والمواطنة المتساوية، وتعيد الموارد إلى خدمة الناس».

وتُشدد على أن خلافات اليمنيين السياسية «ينبغي ألا تجعلهم يختلفون على هذه الأسس».

أما رسالتها إلى الخارج فتختصرها بالقول: «نريد أن نستعيد مكان اليمن الطبيعي كدولة ذات سيادة وصاحبة حضارة عريقة، وأن تعكس دبلوماسيتنا صورة شعب قادر على البناء والتواصل والمساهمة في استقرار محيطه، لا أن يبقى اليمن أسيراً لصورة الأزمة وتداعياتها».


انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من ضغوطها الأمنية على مسؤولي المربعات السكنية في العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، المعروفين محلياً باسم «عقال الحارات»، وذلك باعتقال أكثر من 30 منهم، وإقصاء نحو 23 آخرين، على خلفية اتهامهم بالإخفاق في تنفيذ مهام التجنيد والتعبئة وجمع المعلومات والتبرعات من السكان.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر تابعة لما يُسمَّى جهاز «استخبارات الشرطة» كثفت، خلال الأيام الأخيرة، حملة استدعاءات وتحقيقات طالت مسؤولين محليين ومشرفين ميدانيين في عدد من أحياء مديريات الثورة وبني الحارث والسبعين، قبل أن تنتهي باحتجاز 30 مسؤولاً وإقصاء 23 آخرين.

وبحسب المصادر، سبقت الاعتقالات عملية استدعاء لنحو 53 مسؤولَ حيٍّ ومشرفاً ميدانياً، للتحقيق في نتائج ما تسميه الجماعة «التقارير الميدانية»؛ خصوصاً ما يتعلق بمستويات استقطاب مقاتلين جدد، وجمع الأموال والمساعدات العينية، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالسكان.

طلبة مدارس جندهم الحوثيون خلال استعراض في صنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت المصادر أن الجماعة حمّلت مسؤولي الأحياء مسؤولية التراجع في عمليات الحشد والتجنيد، وعدم تحقيق حصص محددة من المجندين والتبرعات، في وقت تسعى فيه إلى توسيع قاعدة التجنيد وتعزيز الموارد المخصصة لأنشطتها العسكرية.

وقال أحد مسؤولي الأحياء في صنعاء (طلب عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية) إن مشرفي الجماعة كثفوا، خلال الأيام الماضية، ضغوطهم على مسؤولي الأحياء لتحقيق أعداد محددة من المجندين وجمع مبالغ مالية، مشيراً إلى أن الفشل في تنفيذ تلك التوجيهات يعرّض المسؤول للإقصاء أو الاستدعاء والتحقيق والاحتجاز.

وأضاف مصدر محلي آخر أن التحقيقات ركزت على أسباب تراجع عمليات الاستقطاب والتجنيد، ومستوى التحصيل المالي، فضلاً عن مدى تنفيذ مهام مراقبة السكان وجمع المعلومات عنهم.

وتزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد حملات جمع التبرعات في أحياء صنعاء؛ حيث كثَّف مشرفو الجماعة زياراتهم إلى الأحياء والأسواق، وحضّوا السكان والتجار على تقديم مساهمات مالية وعينية تحت اسم دعم «المجهود الحربي»، وسط استياء متزايد بين الأهالي.

تضييق أمني على الأحياء

أكدت المصادر أن حملة الاعتقالات والإقصاء في أوساط «عقال الحارات» أثارت مخاوف محلية من اتساع نطاقها لتشمل مسؤولين آخرين في مناطق مختلفة من العاصمة المختطفة، خصوصاً مع استمرار الجماعة في تشديد قبضتها الأمنية والإدارية على السكان.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن تشديد الإجراءات بحق مسؤولي الأحياء يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجماعة في ملفَّي التجنيد والموارد المالية، ومحاولتها تحميل ممثليها المحليين مسؤولية ضعف الاستجابة الشعبية لحملات التعبئة والجباية.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وتعد شبكة مسؤولي الأحياء والوجهاء والمشرفين إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الجماعة في إدارة علاقتها بالسكان، ومراقبة الأحياء، وتنفيذ عمليات الحشد والتجنيد وجمع الأموال.

وبحسب المصادر، يتعرَّض هؤلاء المسؤولون لضغوط متواصلة لاستقطاب السكان، بمن فيهم المراهقون، إلى صفوف الجماعة، فضلاً عن دفعهم للمشاركة في دورات عسكرية وتحصيل الأموال لصالح أنشطتها.

حملة متكررة

لا تُعدّ الإجراءات الحالية الأولى من نوعها؛ إذ سبق للجماعة الحوثية أن أقصت، في منتصف مارس (آذار) من العام الماضي، نحو 52 مسؤول حيّ و«عاقل حارة» في صنعاء، واحتجزت عدداً آخر، بدعوى عدم تنفيذ مهام استقطاب مجندين جدد وجمع التبرعات من السكان، وفق مصادر محلية.

عنصر حوثي يقف بالقرب من مطار صنعاء (إ.ب.أ)

وتزامنت تلك الحملة مع إخضاع نحو 90 مسؤول حي في صنعاء وضواحيها لدورات ذات طابع عقائدي، ضمن ما سمَّته الجماعة حينها «برنامجاً فكرياً»، بإشراف شخصيات دينية مقربة من زعيمها، عبد الملك الحوثي.

وتشير الإجراءات المتكررة إلى استمرار الجماعة في استخدام مسؤولي الأحياء كحلقة وصل أمنية وتنظيمية بينها وبين السكان، مع تحميلهم بصورة متزايدة مسؤولية تنفيذ أهدافها في التجنيد والتعبئة والجباية ومراقبة المجتمع.


الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
TT

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

تلك الزيارة التي أعلنت عنها وسائل إعلام تركية رسمية، ستدفع، حسب خبراء بمصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، العلاقات بين البلدين نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع.

وسيلتقي فيدان نظيره المصري بمدينة العلمين شمال البلاد، للبحث في التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية-الأميركية، والأوضاع الليبية، والصراع في السودان، وكذلك تطورات قطاع غزة، بحسب وسائل إعلام تركية رسمية.

وتأتي الزيارة بعد حديث فيدان قبل أيام، عن أن مصر قد تنضم مستقبلاً إلى «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، المبرمة الجمعة الماضي، مؤكداً، أنه «لا يوجد ما يمنع القاهرة من المشاركة في الاتفاقية».

اجتماع سابق بين وزيري خارجية مصر وتركيا في أنقرة (الخارجية المصرية)

كما يناقش فيدان وعبد العاطي التطورات في غزة وسوريا وليبيا والسودان وشرق المتوسط، إلى جانب الوضع في الخليج ومضيق هرمز، بحسب ما نقله تلفزيون «تي أرت» التركي الأربعاء، عن مصادر بالخارجية التركية.

ومن المنتظر أن يؤكد فيدان، خلال زيارته التي تستمر الخميس والجمعة، دعم تركيا للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إعادة تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز، فضلاً عن ضرورة وقف الهجمات على غزة، وتطبيق وقف إطلاق النار بشكل كامل وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بحسب المصدر التركي.

ويرى الخبير المصري في الشؤون الإقليمية، كرم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي في سياق مجموعة من التطورات المهمة، على رأسها استمرار المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، مشيراً إلى وجود اتفاق مصري تركي على ضرورة دفع هذه المفاوضات، والعمل المشترك لمحاولة إنهاء الحرب الجارية في المنطقة، لما لها من انعكاسات مباشرة على كلا البلدين.

وفيما يخص الشأن الفلسطيني، أكد سعيد، أن الزيارة ستشهد تعزيزاً وتوسيعاً للتنسيق المصري التركي المتعلق بإدارة المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية، خاصة في ظل عودة الاستهداف الإسرائيلي للقطاع وتوسع حركات الاستيطان في الضفة.

ولفت، إلى أن الملف الليبي سيكون حاضراً بقوة في ظل توافق مصري تركي على ضرورة بناء دولة ليبية موحدة، بخلاف التوترات في منطقة البحر الأحمر، بما في ذلك مساعي إسرائيل لإقامة قواعد عسكرية في منطقة «أرض الصومال»، بالإضافة إلى تحركات جماعة الحوثي.

البحر الأحمر

وبرأي المحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن الملف الأول على طاولة المباحثات «هو تنسيق الجهود المشتركة لوقف الحرب الدائرة في قطاع غزة، ودعم المسار السياسي، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن الملف الليبي الذي يشهد تنسيقاً عالي المستوى بين مصر وتركيا تجاه ملفات المنطقة، بخلاف أزمة الملاحة في هرمز وأمن البحر الأحمر».

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، أفادت مصادر بوزارة الخارجية التركية الأربعاء، أن فيدان وعبد العاطي سيترأسان الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة بين تركيا ومصر، بمشاركة مسؤولين من الجهات المعنية في البلدين.

ويناقش اللقاء مخرجات الاجتماع الثاني لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» رفيع المستوى الذي عقد في القاهرة في 4 فبراير (شباط) الماضي، إلى جانب التحضيرات للاجتماع الثالث للمجلس المقرر عقده في تركيا عام 2028، ومن المقرر أيضاً أن يلتقي فيدان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحسب المصدر التركي.

ومن المتوقع أن تتناول المباحثات سبل تطوير العلاقات التركية المصرية في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية، ومراجعة الاتفاقيات الجاري التفاوض بشأنها، إلى جانب تعزيز الاستثمارات المتبادلة وزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار، مقارنة بنحو 8 مليارات دولار في 2025.

وتأسست مجموعة التخطيط المشتركة التركية-المصرية عام 2024 بهدف التحضير لاجتماعات «مجلس التعاون الاستراتيجي» وتعزيز التنسيق بين البلدين في مختلف مجالات التعاون، بينما عقد اجتماعها الأول في تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 برئاسة وزيري خارجية البلدين.

وعلى الصعيد الثنائي، وصف كرم سعيد، الجانب الاقتصادي بأنه «محور مهم وتقليدي في كافة اللقاءات رفيعة المستوى، ويتوقع أن تتجه العلاقات نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع».

ويتفق أوغلو مع سعيد، ويقول، إن زيارة فيدان إلى القاهرة تتجاوز البعد السياسي لتشمل أبعاداً أمنية واقتصادية واضحة جداً، مؤكداً أن الاقتصاد أصبح إحدى الركائز الأساسية للعلاقة بين أنقرة والقاهرة.