مذكرات بسيوني الحلقة (9): وضعت النظام الأساسي لمحكمة صدام حسين بتكليف من الإدارة الأميركية

جرائم الرئيس العراقي السابق شملت إبادة الجنس البشري وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب

بسيوني خلال حفل مع محافظ ولاية إلينوي لتكريمه بمناسبة تقلده وسام لينكون الأميركي وهو ثالث أعلى وسام
بسيوني خلال حفل مع محافظ ولاية إلينوي لتكريمه بمناسبة تقلده وسام لينكون الأميركي وهو ثالث أعلى وسام
TT

مذكرات بسيوني الحلقة (9): وضعت النظام الأساسي لمحكمة صدام حسين بتكليف من الإدارة الأميركية

بسيوني خلال حفل مع محافظ ولاية إلينوي لتكريمه بمناسبة تقلده وسام لينكون الأميركي وهو ثالث أعلى وسام
بسيوني خلال حفل مع محافظ ولاية إلينوي لتكريمه بمناسبة تقلده وسام لينكون الأميركي وهو ثالث أعلى وسام

قبل أن يصدر جورج بوش الأبن قراره بدخول القوات الأميركية إلى العراق، جرت هناك حركة سياسية من شخص يدعى أحمد الجلبي. كان الجلبي قد أتى إلى أميركا وقتذاك، وبدأ العمل مع الجمهوريين. حاول في بداية عمله، أن يجعل من شخصه رمزا للمقاومة الشعبية ضد نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وحظي بتأييد حكومة الولايات المتحدة. من جانبي، كنت ممن يريدون أن تبتعد أميركا عن أحمد الجلبي، ومن دعاة أن يكون لها سياسة مستقلة وليست منقادة له.
كنت في اتجاه مضاد له، على أساس أنه لا توجد حركة مستقلة في العراق، لأن نظام صدام حسين لم يكن يسمح بهذا، فكان لا بد أن تدخل أميركا وتستقر وتتحمل عبء إدارة البلاد لفترة معينة. قلت للأميركيين: لا يمكنكم التنصل من تحمل هذه المسؤولية، إذ لا توجد جهة أخرى تتحملها. الأمر ليس كما كانت عليه فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. لن تتمكنوا من جلب شخص مثل ديغول يدير البلاد وينتهي الموضوع. في العراق النظام الداخلي انهار تماما، وليس هناك معارضة لصدام. وأنتم يجب أن تتحملوا هذه المسؤولية إلى حين استتباب الأمن. لكنهم لم يرغبوا في ذلك، وهذا ما جعل لشخص مثل أحمد الجلبي أهمية بالنسبة لهم.
في الحلقة هذه، يروي بسيوني تفاصيل تكليفه وضع النظام الأساسي لمحكمة صدام حسين.
أسندت الإدارة الأميركية إليّ، مهمة وضع النظام الأساسي لمحكمة خاصة لمحاكمة صدام حسين وعناصر آخرى في نظامه. وأنجزت ذلك، وضمنته الجرائم، وكانت من ثلاثة أصناف: إبادة الجنس البشري، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. ووضعت لها التعريف نفسه الموجود في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ حيث كنت رئيس لجنة الصياغة. وبالنسبة للمحكمة الخاصة بصدام حسين، فقد حررت كذلك الإجراءات لها وحماية حقوق المتهم. قبلت وزارة العدل الأميركية هذا المشروع، ثم وزارتا الدفاع والخارجية. عرضته على الجهات العراقية التي قبلته بدورها، وصدر به قانون وأنشئت هذه المحكمة. وقد اختاروا أعضاء المحكمة ليس فقط من القضاة ولكن من محامين وغيرهم، فكانت مكونة من 26 قاضيا، من خلفيات مختلفة، وكان هذا مخالفا للنظام القضائي في العراق، وهي أن يأتي على المناصب شخص لا يكون قاضيا، وهذا ما أنشأ خلافا شديدا بين القضاة في العراق.
في الوقت نفسه، وعن طريق معهد سيراكوزا، كنت أدير تدريب القضاة في العراق بالتشاور مع رئيس المجلس الأعلى للقضاة. وكان هناك عقد موقع بين معهد حقوق الإنسان في جامعة دي بول في شيكاغو، الذي كنت أترأسه ووزارة الخارجية الأميركية، لإعادة فتح ثلاث كليات للحقوق، في بغداد والبصرة والسليمانية. وقد أشرفت عن طريق معهد دي بول، على إعادة فتح هذه الكليات وإعادة بنائها وبناء المكتبات، وإعادة تأهيل وتدريب الأساتذة. ثم فتحت الأبواب، وفي فترة عامين، فتحنا ثلاث كليات حقوق، انضم إليها في العام الثالث نحو 4500 طالب. وخلال ثلاث سنوات فتحنا أبواب التعليم وأنشأنا الكليات العراقية للحقوق.
اخترنا المناطق طبعا حسب مختلف الطوائف، لأن بغداد كانت سنية، والبصرة شيعية، والسليمانية من الأكراد. وفي الوقت نفسه، كنا ندرب القضاة للمحكمة الخاصة في معهد سيراكوزا، وفي إنشاء هذه المحكمة الخاصة، واستمر التدريب والعمل عن طريق معهد سيراكوزا والقضاء العراقي، لوضع خطة لتنمية القضاء العراقي مستقبلا، وعملنا عليها لمدة ثلاثة أعوام بالتعاون مع العراق.
وحصلنا في هذا الوقت، على منحة من وزارة الدفاع الأميركية لأخذ التقرير الشفوي لضحايا صدام حسين، فأخذنا أقوال أكثر من خمسة آلاف شخص وجمعناها، وللأسف المنحة لم تتضمن نشر هذه الأقوال، ولذلك لم تصل النتيجة النهائية إلى الأجيال التالية في العراق.
وحسب قراءتي الشخصية لروايات بعض الأشخاص عن الصراع في العراق، يتضح لي أن انتهاكات حقوق الإنسان، وبالأخص فيما يتعلق بالتعذيب والممارسات المشابهة، كالاغتصاب، تُرتكب بالطريقة نفسها، وبواسطة النوعية نفسها من الأشخاص، بغض النظر عن اختلاف الأنظمة الحاكمة التي تتورط في تلك الممارسات. في نهاية المطاف، الأمر يتعلق بالصراع بين الخير والشر، وبسوء استخدام السلطة الذي يؤدي إلى نزع صفة الإنسانية عن الآخر. ما حدث أثناء فترة حكم صدام حسين، يختلف تماما عما اختبرته في يوغوسلافيا السابقة، وكذلك في أماكن أخرى مثل ليبيا.
حرب النجوم وإفلاس موسكو
هناك مثال آخر أود ذكره: كنت أعرف مستشار الأمن القومي لريغان، وكان اسمه روبرت ماكفرلن، كنت أعرفه جيدا وعلى صلة طيبة به. روى لي مرة قصة عن ريغان تعبر عن إدارة ريغان في فترة حكومته. قال لي: ذات يوم كان عقد اجتماع صباحي وقت الإفطار مع رئيس الأركان العسكري ورئيس أركان الطيران، وهو ضابط بدرجة فريق طيار مسؤول عما يسمى «حرب النجوم» وقتها، بحضور وزير الخارجية. وكان ريغان قد أعلن عن برنامج «حرب النجوم» في أميركا، وهي وضع صواريخ في الفضاء الجوي لها القدرة على اعتراض صواريخ سوفياتية، تضربها من الفضاء الجوي. ولأن برنامج تلفزيونية عدة وأفلاما تناولت موضوعا كهذا، فقد اعتبر كثيرون البرنامج خياليا وغير قابل للتحقيق؛ فكيف يوضع قمر صناعي يحمل صواريخ قادرة على قصف صاروخ آخر؟
أثناء الحديث، أراد ريغان تقريرا من الجنرال المسؤول عن البرنامج. فقال له: البرنامج حسب تقديرنا سيتكلف خمسة مليارات دولار. وكان مبلغا ضخما جدا في الثمانينات. وقال له أيضا: إنه لا ضمانات لتحقيقه خلال الأربع أو خمس سنوات المقبلة. فقال ريغان يعني نحن سننفق هذا المبلغ من غير ضمانات؟ أجاب المسؤول: نعم هذا وارد.
كان ريغان شخصية عادية جدا، لم يكن مفكرا كبيرا لكنه كان يتصرف بالبداهة والواقعية. سأل من حوله: هل سيقف الروس مكتوفي الأيدي ونحن نقوم بهذا؟ لأننا إذا نجحنا فهذا يعني أن قوتهم النووية لم تعد تساوي شيئا، وسنتحكم بهم. فرد: لا لن يقفوا.. سيفعلون الشيء نفسه. فقال ريغان: إذا كنا نحن المتقدمين عنهم علما لسنا ضامنين فكيف سيضمنون هم؟ قال: هم غير ضامنين أيضا. ففكر وقال: نحن غير ضامنين وهم كذلك، لكننا نستطيع الإنفاق على المشروع، فهل سيتمكنون من ذلك؟ ثم قال لوزير الخارجية: هل يمتلكون المال اللازم؟ أجابه: لا، حالتهم الاقتصادية متعبة. فقال ريغان: إذن هذا عظيم وسيساعدنا على إفلاسهم. وفعلا كان هو البرنامج الذي جعل الاتحاد السوفياتي ينهار في 1989 نتيجة لإفلاسه. وهذا ما أنهى الحرب الباردة. هذه القصة حكاها لي مكفرلن.
وقد رشحني ريغان لأن أكون المستشار القانوني لوزارة الخارجية، لكن اليهود أبلغوا ألكسندر هيغ، الذي كان وزيرا للخارجية، وأحدث أزمة بينه وبين البيت الأبيض في تلك المرحلة.
أستحضر الآن قصة أخرى عن صديق عزيز اسمه إبراهيم أبو لغد الذي كان أستاذا في جامعة نورثويسترن في شيكاغو، وكان فلسطينيا من القياديين في أميركا وفي فلسطين، وكان رجلا وطنيا. في هذه الفترة كان ابو لغد متواجدا في لبنان مع أبو عمار الذي كان محاصرا من قبل قوات شارون (1982). كانت معركة لبنان جارية، واستطاع أبو لغد الاتصال بزوجته من داخل بيروت، واتصلت هي بدورها بي بعد منتصف الليل، لتقول إن إبراهيم يبلغني أن هذه الساعات هي آخر ساعات لنا؛ لأننا محاصرون ونضرب بالمدافع باستمرار، وشارون سيقضي علينا كما فعلوا في تل الزعتر. قال لها قولي لشريف أمامنا ساعات قبل الإبادة، وكأننا في تل الزعتر. انتظرت حتى السادسة والنصف صباحا لأني كنت أعلم أن مكفرلن يبدأ عمله في هذا الوقت، لكنه وصل السابعة إلا ربعا. قال إنه يعلم ويتابع الموضوع ويقومون بالتفاوض. فقلت رجاء أريد أن أقابلك. قال: حسنا لكن لا وقت كثيرا لمقابلتك. ذهبت إلى واشنطن جوا، وكنت في مكتبه بعد الثالثة بعد الظهر. فقال إنهم وصلوا لمرحلة من التفاوض ستسمح لأبو عمار ومن معه من القياديين بالخروج على ظهر البواخر من لبنان متجهين نحو تونس، ونحن في المراحل النهائية من التفاوض. وحين كنت في مكتبه، أذكر أن السفير السعودي أتى لزيارته، لا أذكر اسمه، وأصبح بعدها وزيرا للصحة. دخل عليه وأبلغه أن المملكة والملك مهتمان جدا بالموضوع. وقال ستكون النتائج صعبة؛ بما معناه أنه قد يعاد الحظر على البترول كما حدث سنة 1973.
وتحدث بطريقة دبلوماسية وليس يستخدم لهجة تهديد. لكن كان واضحا ومفهوما ليس فقط وقف البترول، بل قد يصل الأمر إلى سحب أموال سعودية من أميركا ونقلها إلى وروبا.
وهنا نشير إلى أهمية الدور الذي لعبته السعودية في إخراج أبو عمار من لبنان نحو تونس. ولم يقلق السفير السعودي ولا المستشار من وجودي بل على العكس كانا سعيدين بي كشاهد، فالهدف كان إنسانيا وسياسيا، لأن الشعب الفلسطيني والعربي كان سيثور لو أن شارون أباد الآلاف.

المحكمة الخاصة بملاحقة صدام حسين وكبار المسؤولين في نظامه

بعد الغزو الأميركي للعراق، أخذت وزارة العدل الأميركية على عاتقها تنفيذ برنامج يهدف إلى إنشاء محكمة خاصة لملاحقة صدام حسين والمسؤولين الكبار في نظامه، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من البرامج المتعلقة باستعادة دور دولة القانون وإنشاء سجل بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام العراقي، إلا أن ملف محاكمة صدام حسين وكبار مسؤوليه هو الذي حظي باهتمام الولايات المتحدة.
أُسندت إلى بسيوني مهمة تحضير مسودة لائحة لإنشاء ما بات يُعرف بالمحكمة الجنائية العراقية العليا (IST) التي حاكمت في النهاية، صدام حسين وكبار المسؤولين في نظامه وأدانتهم. وقد قام بسيوني بتحضير مسودة اللائحة. وبما أنه كان يعمل في ذلك الوقت، على إنشاء محكمة جنائية دولية اعتمادا على عمله السابق على تحضير لائحة المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة بوصفه رئيس لجنة الخبراء ليوغوسلافيا السابقة، فقرر أن يضم ثلاثة جرائم منصوصا عليها في تلك الهيئات الدولية، وهي الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وحيث إن مسودة لائحة المحكمة الجنائية الدولية لم تكن قد تمت الموافقة عليها بعد، فلم يكن تعريف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي تعاقب عليها المحكمة الجنائية العراقية العليا هو التعريف نفسه بالكامل للجرائم الذي جرى الموافقة عليه في روما. وكانت تعريفات الجرائم التي تعاقب عليها المحكمة العراقية أقرب إلى تلك الجرائم المنصوص عليها في لوائح محكمة يوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا. لكن هذا لم يحل دون استكمال دوره في محكمة العراق.
ومن خلال المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية، كلف بسيوني بتدريب جميع قضاة المحكمة الجنائية العراقية العليا، وكان بعض هؤلاء الذين جرى اختيارهم على أسس سياسية لا يمتلكون خبرة قضائية سابقة. لكن حتى أولئك الذي لم تكن لديهم خبرة سابقة بالقانون الجنائي الدولي، وكان عليهم بالتالي أن يفهموا الأسباب الجنائية التي يجب تحققها لإثبات الجرائم الثلاث المذكورة آنفا، إلى جانب القدر الأدنى من معايير العدل والإنصاف. جرى التدريب الأولي في مقر المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية في مدينة سرقوسة الإيطالية، وتبعته حلقات تدريب أخرى في العراق.
واصل اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن بكلية اﻟﺤﻘوق ﺒﺠﺎﻤﻌﺔ دي ﺒول الأميركية، الذي شارك بسيوني في تأسيسه عام 1990، والمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية، الذي كان يديره في ذلك الوقت، واصلا العمل معا للاضطلاع بعدد من الأنشطة. وقام اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن بعمل جزء من الأنشطة منفردا، بينما قام المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية منفردا بعمل جزء آخر من تلك الأنشطة. كان اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن يتلقى تمويله من وزارة الخارجية الأميركية، وتضمن مجال نشاطه إعادة تشغيل ثلاث كليات للحقوق في بغداد والبصرة والسليمانية في كردستان. وقد أشرف على إعادة تشغيل كليات الحقوق الثلاث تلك وإعادة بناء مرافق التربية البدنية والمكتبات القانونية وتطوير المناهج، وأخيرا عندما أُنجزت كل تلك المهام كنت سعيدا برؤية 4500 طالب يلتحقون بالثلاث كليات التي تعمل تحت إشراف اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن.
في غضون ذلك، كان المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية مشاركا المجلس الأعلى للقضاة في العراق في مشروع كبير، كان يهدف إلى تطوير السياسات والمناهج المعدة لتدريب القضاة، ووضع قواعد السلوك الأخلاقية للقضاة ووكلاء النيابة، وكذلك أساليب وطرق الإدارة القضائية. وفي هذا السياق عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية في العراق منذ عام 2002 حيث قام بإعداد 12 برنامجا للمساعدة الفنية في مجال حقوق الإنسان، مبدأ سيادة القانون وتحقيق العدالة في فترة ما بعد الصراعات. وقد شارك في تلك البرامج 725 شخصا ما بين فقهاء قانون وموظفين مسؤولين عن تطبيق القانون وفني عدالة ومسؤولين في الحكومة العراقية، بالإضافة إلى 195 خبيرا دوليا. وكان من بين ثمار تلك البرامج إصدار 10 إصدارات قانونية. وقد عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية على ربط حقوق الإنسان ومبدأ سيادة القانون وتحقيق العدالة في فترة ما بعد الصراعات بالعملية الوطنية الشاملة لإعادة إعمار العراق. وقد نسق المعهد جهوده مع جهود المحكمة العراقية العليا والحكومة العراقية وكليات الحقوق والجهات الأخرى التي تدعم بناء دولة سيادة القانون. وكانت هناك مساهمات محددة في مجالات أهمها إصلاح التعليم القانوني، والتدريب في مجال العدالة، وتطوير مؤسسات قانونية جديدة، وتدعيم المساواة بين الجنسين، بالإضافة إلى توفير المساعدة للمحكمة العليا ووزارة العدل في تطوير خطة شاملة لإصلاح قطاع العدالة. عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية على ترويج فكرة تبني أسلوب أكثر شمولية لمبدأ سيادة القانون كمكون محوري في عملية إعادة الإعمار الوطنية. وقام مستشارو المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية بعمل أبحاث وتدريب لفكرة تحقيق العدالة والترويج لها في فترة ما بعد الصراعات، كما قاموا بابتكار عدد من المؤتمرات بشأن قضايا الحوكمة مثل الفيدرالية والأمن الداخلي وإدارتها، وتوفير دورات تدريبية وبرامج بناء القدرات لأعضاء المحكمة الجنائية الخاصة بالعراق (المحكمة الجنائية العراقية العليا الآن)، كما ساعدوا في تطوير برنامج شامل عن مبدأ سيادة القانون لنظام العدالة العراقي. جرى تنفيذ برامج المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية للمساعدة الفنية بالتعاون مع والدعم المالي المقدم من وزارة الخارجية الأميركية، والمحكمة الخاصة بالعراق، ومكتب الاتصال الخاص بجرائم النظام، ووزارة العدل الأميركية، واﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن، ووزارة الخارجية الإيطالية، ووزارة شؤون حقوق الإنسان العراقية، ومصلحة إدارة الجرائم الخطيرة، ووزارة العدل الإيطالية، وﺒﻌﺜﺔ الاﺘﺤﺎد اﻷوروبي ﻟدﻋم ﺴﻴﺎدة اﻟﻘﺎﻨون ﻓﻲ اﻟﻌراق، والبعثة الأوروبية في العراق، وبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ووزارة الداخلية العراقية، ووزارة الداخلية المصرية، ووزارة التنمية الدولية البريطانية، والحكومة البريطانية، ووزارة الأمن العام ووزارة الداخلية الإيطالية.
وقد حصل اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن على عدد من المنح من وزارة الخارجية الأميركية، واحدة منها في إطار التحقيقات، وهو مشروع عمل تسجيلات للتأريخ الشفهي لضحايا نظام صدام حسين. وقد نفذ هذا البرنامج تحت الإشراف المباشر لدانيال روزنبرغ، الذي كان يشغل منصب مدير مجلس إدارة المعهد في ذلك الوقت. تولى المشروع عمل لقاءات مع 5000 شخص من ضحايا نظام صدام حسين وسجل تجاربهم. ولم يكتمل المشروع بعد أن تركت رئاسة المعهد الدولي لقانون حقوق الإنسان، ولم تُنشر نتائجه أيضا.
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (8)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)

 



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.