يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

مشاهد رصدتها «الشرق الأوسط» من سفينة تحولت إلى رمز لأزمة الهجرة الأوروبية

جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
TT

يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)

صندوقان، أحدهما أحمر والآخر على يمينه أزرق يلخّصان أزمة الهجرة عبر المتوسط. الأول يحمل مئات سترات النجاة والبطانيات، والآخر مثل هذا العدد من أكياس يُغلّف فيها الموتى، ويُضاعف عددها لعزل روائح الجثث عن الناجين. ينتشر مئات المهاجرين على متن سفينة خشبية، النساء والأطفال في غرف خاصة، والرجال مفصولون عنهم في جانب آخر. 630 سيدة وشاباً وعجوزاً وطفلاً شاهدوا الموت ونجوا منه، اختلطوا ببضعة منقذين، بينهم بحارة محترفون وممرضات و«قابلة» وطبيب. قضوا 48 ساعة على سفينة الإنقاذ «أكواريوس»، التابعة لمنظمتي «إس أو إس ميديتيراني» و«أطباء بلا حدود» لإغاثة المهاجرين، في انتظار موافقة أحد الموانئ الآمنة على استقبالهم. مع انخفاض مؤونات الماء والغذاء، تزايدت الضغوط على السلطات الأوروبية، واستمرت الحكومة الإيطالية في رفضها رسو السفينة التي غادرت من شواطئ كتانيا، لتعلن مدريد استعدادها لاستقبال السفينة في موانئ فالينسيا. تعالت أصوات الاستنكار من ضفتي المتوسط، وتساءل الكثيرون عما آلت إليه «أوروبا القيم». تحوّلت «أكواريس» منذ ذلك الوقت إلى رمز على حقبة جديدة تعيشها أوروبا، حيث طفت الخلافات على السطح وبدا السباق على تسجيل نقاط سياسية قصيرة المدى أهم من إنقاذ أرواح يائسة من الغرق. زارت «الشرق الأوسط» سفينة «أكواريوس» الراسية في ميناء مارسيليا التجاري، وقضت يوماً برفقة أفراد من فريق الإنقاذ الذي أشرف على إيصال الآلاف إلى بر الأمان.
وفيما يلي نبذة عن قصص هؤلاء، والتحديات التي يواجهونها خلال إنقاذ مهاجرين غير شرعيين وطالبي لجوء من الغرق.
«أكواريوس» هو اسمها، و«سيدة البحار» لقبها. بنتها البحرية الألمانية في سبعينات القرن الماضي لمرافقة قوارب الصيد وتمريض الصيادين، ثم استخدمت لتزويد سفن التنقيب عن الألماس في أعماق البحر بالوقود، إلى أن تحولت إلى إحدى أشهر سفن «البحث والإنقاذ» في البحر المتوسط.
أطلقت «أكواريوس» عملياتها في فبراير (شباط) 2016، بتشغيل مشترك من «إس أو إس» و«أطباء بلا حدود»، وقامت بـ234 عملية إنقاذ، شكّلت نحو 20 في المائة من إجمالي عمليات الإغاثة التي أجرتها منظمات غير حكومية، و6.4 في المائة من إجمالي العمليات منذ عام 2016. تبلغ كلفة يوم واحد في البحر نحو 11 ألف يورو (12.8 ألف دولار)، وتعتمد السفينة على مساهمات طوعية لتغطية 90 في المائة من عملياتها، وعلى فريق من عشرات البحارة والمنقذين المحترفين، بينهم متطوعون وآخرون يتسلمون رواتب. قد يبدو هذا المبلغ مرتفعاً، لكنه يخجل أمام عدد المهاجرين واللاجئين الذين أنقذتهم «أكواريوس» خلال السنتين ونصف السنة التي قادت فيها عملياتها، ويشمل 29318 شخصاً بين السواحل الليبية والإيطالية، بينهم 9 آلاف و75 شخصاً نُقلوا إلى السفينة من مراكب إنقاذ أخرى.
كليمان منقذ فرنسي في منتصف العشرينات اكتفى بتعريف اسمه الأول، ودفعه سبب وجود «أكواريوس» في ميناء مرسيليا إلى التساؤل: «ما الذي نفعله هنا؟ نحن لا نسهم في إنقاذ الأرواح من هنا».
إحباط كليمان، البحار الشاب الذي التحق بالسفينة منذ الشهور الأولى من انطلاق عملياتها الإنسانية، يتقاسمه معظم طاقم «أكواريوس» التي أُجبرت على ملازمة ميناء مرسيليا الفرنسي منذ 29 يونيو (حزيران) الماضي بعد أن رفضت كل من إيطاليا ومالطا استقبالها. لكن كليمان استدرك بتفاؤل: «نستغل هذه الفترة لتحديث معدّاتنا، وإضافة أخرى كنا بحاجة إليها»، استعدادا لاستئناف عمليات الإنقاذ خلال أيام.
- رحلة حياة أو موت
عملت «أكواريوس» منذ انطلاق مهمتها عن كثب مع مركز تنسيق الإنقاذ البحري الإيطالي، الذي كان يزوّدها بإحداثيات المراكب المطاطية أو زوارق المهاجرين في عرض البحر، قبل أن تتخذ الحكومة الإيطالية الجديدة قرار وقف هذا التنسيق في الأسابيع الماضية.
وبالإضافة إلى الإحداثيات، يساهم جميع أفراد طاقم «أكواريوس» في عمليات «مسح» بالرادار البحري، وبالعين المجردة لمدة ساعة ونصف الساعة يوميا.
يستحضر كليمان تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ التي يشارك فيها بشكل دوري. «مفتاح نجاح أي عملية إنقاذ في عرض البحر هو الحفاظ على هدوء الركاب، التحدي واضح: تهدئتهم أو سقوطهم في البحر الواحد تلو الآخر واحتمال الموت غرقا». فبمجرد أن يبدأ أحد المهاجرين، على المراكب المكتظة غالبا وغير المؤهلة للإبحار، في التوتر، يليه جميع الركاب ويبدأون في القفز في المياه العميقة والباردة، حتى وإن كانوا غير قادرين على السباحة. هذا إن لم يفقد القارب توازنه وينقلب على ركابه. ويقول كليمان إنه يتم إرسال «وسيط ثقافي» أولا يتحدّث ويهدّئ الركاب، قبل أن نوزّع عليهم سترات نجاة. وتستمر عمليات الإنقاذ في هذه الحالات نحو ساعة ونصف الساعة، لكنها قد تأخذ فترة أطول بكثير ما يرفع احتمال الموت غرقا أو بانخفاض درجة حرارة الجسم.
التحدي الكبير الثاني في عمليات الإنقاذ هو احتراق الركاب بخليط من الوقود ومياه البحر الحارقة. تحمل مراكب المهاجرين عادة خزاناً صغيراً أو اثنين من الوقود، الذي يتسرّب في المركب ويختلط بالمياه المالحة ليتحول إلى خليط حارق. ويشرح كليمان أن هذه الإصابة هي الأكثر شيوعا في عمليات الإنقاذ، وتصيب الركاب بدرجات متفاوتة. ويوضح: «إن تسرب الوقود في المركب والمهاجرون جالسون على متنه أو أطرافه، يحترق الجزء السفلي من أجسامهم. أما إن أصيبت ذراعهم، فينبغي على المنقذين توخي الحذر عند جرّهم إلى الأعلى لتفادي اقتلاع الجلد». ولا يُفلت المنقذون من احتمال الاحتراق عند إتمام عمليات الإنقاذ.
ويشرح كليمان أنه بمجرد نقل المهاجرين على متن السفينة، يغسل المصابون أجسامهم بالماء البارد والصابون، ويُعالج أسوؤهم بالأدوية والضمادات. كما يتعرض الأطفال الذي يستنشقون البنزين لفترة طويلة إلى حالات إغماء في البحر، ما يعقّد عملية إنقاذهم.
أما الحالة الطبية الشائعة الأخرى التي يعاني منها المهاجرون هي انخفاض درجات حرارة الجسم إلى مستويات خطيرة، تؤدي في الحالات المتقدمة إلى توقف نبضات القلب. ويُعِدّ طاقم الإنقاذ «بطانيات» خاصة وأكواب شاي ساخن يوزّع على جميع المهاجرين لاستعادة دراجة حرارة الجسم الطبيعية. وتشمل أنواع الإصابات الأخرى أطرافاً مكسورة وإصابات بالرصاص يتعرض لها في حالات نادرة بعض أفواج المهاجرين عند مغادرة السواحل الليبية.
- ولادة «معجزة»
بابتسامة عريضة تروي أموان، القابلة من ساحل العاج، مشاركتها في إحدى عمليات الإنقاذ الأخيرة عند السواحل الليبية، التي شهدت ولادة ناجحة على متن السفينة.
فعند إنقاذ ركاب القوارب، الذين يشملون في المتوسط 10 في المائة من النساء وبين 30 و40 في المائة من القاصرين، 80 في المائة منهم غير مرافقين، تُفصل النساء والأطفال تحت سن الـ14 عن الرجال، ويوضعون في «ملاجئ» خاصة. ويوزّع على جميع من تم إنقاذهم عدّة صغيرة، بها بطانيات إضافية وعصير وقنينة ماء، وملابس داخلية نظيفة و«بسكويتاً» مغذّياً.
تهتم أموان بجميع النساء والأطفال الموزعين بين غرفتين متوسطتي الحجم، تتخلل جدرانها لافتات مكتوبة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية توفّر رقماً هاتفياً يساعد في دعم ضحايا العنف الجنسي، وتدعو إلى احترام الجميع وتفادي العنصرية. «وعادة ما تنام النساء وباقي المهاجرين لساعات طويلة بمجرد الوصول إلى السفينة. والسبب هو الإنهاك»، وفق كليمان.
فتحت أموان، التي عملت أكثر من ثلاثة عقود في المجال الإنساني، صناديق خشبية رتّبت في داخلها «حفاضات» للأطفال وملابس داخلية حسب الحجم، ومعدّات تمريض أخرى. أشرفت الممرضة، التي تفحص جميع النساء والأطفال، على ولادة سادس طفل على متن «أكواريوس» منذ انطلاق عملياتها. سُمّي الطفل «معجزة»، واحتفى فيه الإعلام الدولي في مايو (أيار) الماضي، بقدر ما احتفى به المهاجرون الناجون بالرقص والغناء.
لم تُخفِ أموان كمّ الصعاب التي تواجهها على متن السفينة وحجم معاناة النساء اللائي مرّ أغلبهنّ بمحن يصعب توصيفها، خصوصاً الحوامل منهن اللواتي تعرّضن لحوادث اغتصاب. لكنها استعادت ابتسامتها، وقالت بتفاؤل إن «عملية الولادة مفرحة. فبعد عدة ساعات من المعاناة ونتيجة مجهولة، تُنسيك صرخة المولود الأولى، وابتسامة الأم كل التعب». وأضافت أنه رغم كل المعاناة، انتهى بنا الأمر خلال مهمة الإنقاذ الأخيرة إلى الرقص ببهجة.
تقدّم السفينة المساعدات الأولية لركابها، فهي تشمل «عيادتين» متواضعتين للنساء الحوامل أو المصابين، أو المهاجرين الذين هم بحاجة إلى محلول ملحي، لكنها غير مؤهلة لإجراء عمليات أو استخراج الرصاصات. ويوضح المنقذ كليمان أنه في الحالات الخطرة جدّاً التي لا تحتمل الانتظار، يتم الاتصال بمراكز تنسيق الإنقاذ لنقل المرضى بمروحية. وفي الحالات الأقل جدية، توزّع أدوية حسب الحاجة. وعادة ما يطالب المهاجرون بأدوية رغم عدم حاجتهم لها، فيوزّع عليهم أكواب ماء بسكر، «ما يفي بالغرض في غالب الأحيان».
يتلقى المهاجرون وجبتين في اليوم. الأولى عبارة عن خبز وشاي وبسكويت مغذٍّ، والثانية يضاف إليها كميات من الأرز. وفي حالات نادرة، مثل الأخيرة التي وجدت «أكواريوس» نفسها عالقة في المتوسط، يتم التنسيق مع أقرب الموانئ (إيطاليا ومالطا) لتزويد السفينة بمزيد من الغذاء، يشمل فواكه وخضراوات أحياناً.
يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

- وقف التنسيق الإيطالي
«المسؤولية الأولى لأي سفينة في البحر، مهما كانت طبيعتها، هي إنقاذ المستضعفين وإيصالهم إلى بر الأمان. إنها مسؤولية مشتركة بين السفن ومراكز تنسيق الإنقاذ».
من «كبينته» المغطّاة بخرائط الملاحة البحرية وصور مبهجة من عمليات إنقاذ ناجحة، كرّس نيكو ستالا، ثلاثة أرباع ساعة لم تتوقف خلالها المقاطعات لـ«الشرق الأوسط»، استعرض خلالها التحديات الجديدة التي أصبحت تواجه العاملين في مجال الإنقاذ قبالة السواحل الأوروبية.
بدأ ستالا مسيرته مع «أكواريوس» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بحاراً ومنقذاً، ليتولى بعدها تنسيق جميع عمليات البحث والإنقاذ في مارس (آذار) 2017. ويشمل نشاطه اليومي توزيع المهام على طاقم السفينة الذي يشمل نحو 17 جنسية، كما يقود جلّ عمليات الإنقاذ.
وكان وقع الرحلة الأخيرة على متن «أكواريوس» قاسياً بشكل خاص على ستالا. فبالإضافة إلى التحديات التي ترافق عمليات الإنقاذ عادة، يجد البحار الإيطالي صعوبة بالغة في تقبّل قرار حكومة بلاده قطع التنسيق عن سفن الإنقاذ ومطالبتها المنقذين السماح لخفر السواحل الليبية إعادة المهاجرين إلى أراضيها «قسراً». ووصف وزير الداخلية الإيطالي الجديد ماتيو سالفيني، الذي تسلَّم منصبه بعد تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب «الرابطة» وحركة «خمسة نجوم»، السفينة بـ«سيارة أجرة» للمهاجرين غير الشرعيين، ورفض استقبالها في موانئ صقلية.
في المقابل، استحضر ستالا السلاسة التي كانت تجري بها عمليات الإنقاذ قبل يونيو الماضي، بالقول: «كانت لدينا علاقة وثيقة بمركز التنسيق في روما، ولطالما اعتبرت إيطاليا سفينة (أكواريوس) جزءاً أساسياً من عمليات الإنقاذ. عندما كنا نتلقى رسالة استغاثة من مركز التنسيق، كانت أقرب سفينة لمكان المركب تسخّر القدرات المتاحة لها، لتنفيذ عملية إنقاذ في أقصر وأفضل ظرف زمني ممكن».
وأدان ستالا «التعليمات» التي تلقتها السفن بالابتعاد عن المراكب بحاجة إلى الإغاثة، «في انتظار وصول خفر السواحل الليبية». واعتبر أن هذا القرار منافٍ لجميع القوانين الدولية وأعراف البحر. «ما نراه في سياسة الدعم الأوروبي لعمليات البحث والإنقاذ الليبية في المياه الدولية يخدم تشديد مراقبة الحدود الأوروبية، على حساب إنقاذ المستضعفين وحقهم في الوصول إلى مكان آمن». واعتبر أن سياسة «الإعادة القسرية» منافية لقوانين اللجوء الدولية. وقد أُدينت إيطاليا في عام 2009 من طرف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لممارستها سياسة «الإعادة القسرية»، بعدما اعترضت قوارب لاجئين ومهاجرين في المياه الدولية وأعادتهم إلى ليبيا. وواصل: «ما تقوم به إيطاليا اليوم هو إعادة قسرية «بالوكالة»، وهو ما يتعارض مع حق الأشخاص في النزول في منطقة آمنة»، مشيراً إلى أن ليبيا تعاني اليوم من نزاع مسلح.
كما لفت إلى أن الحملة التي شهدتها أوروبا حديثاً ضد منظمات الإنقاذ، ورفض الموانئ الإيطالية والمالطية وغيرها من السلطات الأوروبية استقبال السفن، أدّيا إلى ارتفاع نسبة الوفيات في المتوسط، لافتاً إلى أن شهر يونيو سجّل أعلى مستوى وفيات في البحر منذ سنوات رغم انخفاض عدد الوافدين إلى إيطاليا بأكثر من 70 في المائة مقارنة مع 2017.
- توسيع صلاحيات خفر السواحل الليبي
تعترض «إس أو إس ميديتيراني»، مثل غيرها من منظمات الإنقاذ، على تسلُّم خفر السواحل الليبية مهمات الإنقاذ على المياه الدولية لعدة أسباب، وفق البحار الإيطالي. أهمها أنه ليس مؤهلاً للقيام بعمليات البحث والإنقاذ، ولا يرقى أسطوله لمستوى سفن الإنقاذ المتخصصة، «فهو لا يملك سوى زورقي دورية أو ثلاث في مساحة تصل إلى 150 ميلاً بحريّاً». وقد تبرعت إيطاليا في 2017 لليبيا بأربع زوارق دورية، لا يُسيّر إلا اثنان منهما في الوقت نفسه، وفق ستالا. فضلاً عن ذلك، يقول إن «أساليب ومعدّات الإنقاذ التي يستخدمونها غير مناسبة لإنجاز عمليات إنقاذ واسعة» لعشرات، وأحياناً مئات الأشخاص.
أما السبب الثالث، فيتعلق بالأوضاع في ليبيا نفسها. ويرى ستالا أن «هؤلاء الأشخاص (نسبة إلى المهاجرين) يهربون من ليبيا التي تشهد أحد أسوأ الظروف الإنسانية التي يعرفها العالم»، ولعل ذلك يبرّر سبب تفضيل المهاجرين المجازفة بحياتهم ومواصلة الإبحار رغم تحذيرات خفر السواحل الليبية، على العودة إلى ليبيا. ويقول إنه شهد بنفسه من على متن «أكواريوس» زورقاً ليبياً يطارد قارباً مطاطياً مكتظّاً بالمهاجرين في عرض البحر، لافتاً إلى وجود تقارير حول أخذ عملية «المطاردة» منحى عنيفاً أحياناً.
وانتقد ستالا كذلك «مراكز الاستقبال» في ليبيا، وقال إنها لا توفّر عملية تسجيل المهاجرين، وبالتالي يستحيل متابعة أوضاعهم أو معرفة مصيرهم.
ويحظى موقف ستالا ومنظمته بإجماع بين المنظمات غير الحكومية ووكالات أممية، وحتى لدى بعض المسؤولين الأوروبيين. وذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأسبوع الماضي، أن «عرقلة الاتحاد الأوروبي لعمليات الإنقاذ غير الحكومية وتسليم المسؤولية إلى خفر السواحل الليبي هي وصفة لخسائر أكبر في الأرواح في البحر الأبيض المتوسط، ودورة مستمرة من الانتهاكات للأشخاص العالقين في ليبيا».
وقالت جوديث سندرلاند، مديرة مشاركة لقسم أوروبا وآسيا الوسطى بـ«هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء الماضي في بيان، إن «جهود الاتحاد الأوروبي لمنع عمليات الإنقاذ والتردد بشأن أماكن إنزال الأشخاص الذين تم إنقاذهم، مدفوعة بنهج إيطاليا المتشدد ومقاربتها القاسية، تؤدي إلى مزيد من الوفيات في البحر، ومعاناة أكبر في ليبيا».
بدورها، دعت منظمة أطباء بلا حدود الإغاثية الدولية، إلى وضع حد لـ«الاحتجاز التعسفي للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في ليبيا»، معتبرةً أن «الأوضاع في مراكز الاحتجاز المكتظة أصلاً، تزداد سوءاً بعد الزيادة الهائلة في عدد الأشخاص الذين تم اعتراضهم في البحر الأبيض المتوسط ويتم استقدامهم إلى ليبيا من قبل خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي».
وقد تمّت إعادة ما لا يقل عن 11 ألف شخص إلى ليبيا من قوارب غير صالحة للإبحار في البحر المتوسط حتى الآن هذا العام وفقاً لـ«أطباء بلا حدود»، وتحدث عمليات الاعتراض في المياه الدولية بين إيطاليا ومالطا وليبيا بشكل يومي تقريباً.
وذكرت كارلين كليجير، مديرة برنامج الطوارئ في منظمة «أطباء بلا حدود» أنه «لا ينبغي نقل الأشخاص الذين لم يمضِ وقت طويل على معاناتهم من حياة مؤلمة وأوشكوا على الموت في البحر، إلى نظام احتجاز تعسفي مؤذٍ وقائم على الاستغلال. لقد عانى الكثيرون بالفعل من مستويات خطيرة من العنف والاستغلال في ليبيا، وأثناء الرحلات المروعة من بلدانهم الأصلية. وهنالك ضحايا للعنف الجنسي والاتجار والتعذيب وسوء المعاملة. ومن بين الفئات الضعيفة أطفال (في بعض الأحيان من دون أحد الوالدين أو وصي)، أو نساء حوامل أو مرضعات، أو كبار السن، أو أشخاص من ذوي الإعاقات العقلية، أو أشخاص يعانون من ظروف صحية خطيرة».
- عودة إلى البحر دون ضمانات
وفي «الجانب المشرق من المتوسط»، ترددت مخاوف مراراً حول مصير المهاجرين غير الشرعيين الذين نجحت «أكواريوس» في إنقاذهم. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الحلم الأوروبي مطابقاً لما كان يتصوَّرُه آلاف الحالمين بحياة كريمة وآمنة. «كثيراً ما نصطدم بحقيقة أن الرحلة الشاقة والمحفوفة بالمخاطر التي أسهمنا في إنهائها، لم تكن سوى بداية عملية طويلة ومؤلمة لكثيرين»، جملة تكررت في مختلف أرجاء السفينة وخارجها.
ويقول جوليان، سائق تاكسي يصطحب ركابه «الشرعيين» من وإلى مطار مرسيليا: «يتوافد الأفارقة والمغاربة إلى سواحل أوروبا، ويكتظون في ضواحي مدنها، ويشغلون وظائف تعيسة لا تضمن العيش الكريم، فيما يحترف بعضهم الجريمة. لو علموا بما ينتظرهم هنا، لما فكّروا بالمجيء».
لكن الصورة ليست دائماً قاتمة. يتذكّر ستالا، وهو جالس في مكتبه برفقة زميلين بحارين، قصة ثاني عملية إنقاذ يقوم بها على متن «أكواريوس»، ويقول: «وصلتني أخيراً رسالة من أحد الشباب الذي نجا من إحدى أصعب عمليات الإنقاذ. غرق مركب مطاطي وسقط العشرات في البحر. انتشلنا خمس جثث، بينهم ولد صغير نجحنا في إعادته إلى الحياة. كانت المرة الأولى التي أنتشل فيها جثثاً، وأُغلّفها في أكياس. لكن رسالة هذا الولد المتحدّر من غينيا أبهجتني. فهو اليوم في إيطاليا، بتعلّم اللغة ومنخرط في برنامج اندماج».
أصبحت سياسات الهجرة تحتل المراتب الأولى في أجندات الحكومات الأوروبية. ومع مرور كل يوم نسمع فيها أخباراً تفيد بغرق العشرات في مياه المتوسط، تزداد الضغوط على البلدان الأصلية لتحسين أوضاعها الاقتصادية وتوفير ظروف أفضل لشبابها، فيما تشدد الحكومات الأوروبية حراسة حدودها على حساب قواعد وقيم «التضام الأوروبي».
في خضمِّ هذا الجدل، تستعد «أكواريوس» للعودة إلى البحر بعد أيام، جاهلةً من سيسمح برسوّها واستقبال الناجين على متنها.


مقالات ذات صلة

مقتل 14 مهاجراً في اصطدام قاربهم بزورق لخفر السواحل اليوناني

أوروبا خفر السواحل اليوناني في ميناء بجزيرة خيوس بعد اصطدام قارب سريع لنقل المهاجرين بدورية تابعة لخفر السواحل (ا.ب)

مقتل 14 مهاجراً في اصطدام قاربهم بزورق لخفر السواحل اليوناني

قضى 14 مهاجراً مساء الثلاثاء إثر اصطدام بين زورق لخفر السواحل اليوناني وقارب كان يقلّهم قبالة جزيرة خيوس في بحر إيجه.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
شمال افريقيا  مهاجرون بعد توقيفهم في سبها الليبية 3 فبراير (مديرية أمن سبها)

«تطهير» وهدم مساكن... حملة أمنية استهدفت «مهاجرين مخالفين» بسبها الليبية

أوقفت أجهزة أمنية في الجنوب الليبي قرابة ألفي مهاجر غير نظامي بحوزتهم «أوراق مزورة»، وأقدمت على هدم مساكن كانوا يقيمون فيها، وسط انتقادات حقوقية واسعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)
أميركا اللاتينية عناصر فيدرالية يعتقلون متظاهراً خلال احتجاج ضد سياسات إدارة الهجرة في مدينة مينيابوليس الأميركية (أ.ف.ب)

قاض أميركي يأمر بالإفراج عن طفل عمره 5 سنوات احتجزته إدارة الهجرة

أظهرت وثائق قضائية يوم السبت أنه سيجري إطلاق سراح طفل يبلغ من العمر 5 سنوات كانت قد احتجزته عناصر اتحادية من من إدارة الهجرة والجمارك الأميركية إلى جانب والده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر (د.ب.أ)

مفوّض الهجرة الأوروبي: أفضِّل أسلوب «العصا والجزرة» مع دول العالم الثالث

قال المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، إنه يعتزم الاعتماد بشكل أكبر على مبدأ «العصا والجزرة» في التعامل مع دول العالم الثالث.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.