تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي

عدم الاستقرار يجهض النموذج الحداثي والتجربة الأولى عربياً للانتقال الديمقراطي السلمي

تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي
TT

تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي

تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي

بينما كان وزراء في «حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة يوسف الشاهد يستعرضون مؤشرات خروج تونس من أزمتها الاقتصادية الاجتماعية المتراكمة منذ 7 سنوات، فجّرت تصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي من جهة، وقيادات سياسية ونقابية من جهة ثانية، أزمة سياسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد كشفت احتدام المعارك مجددا حول قصر الرئاسة في قرطاج. وبخلاف كل المعارك السياسية السابقة، يبدو أن من بين أسلحة المتصارعين على الحكم، أو حلفائهم، الدفع في اتجاه شلل البلاد من خلال عمليات تخريب متزامنة... أدت إلى سلسلة من الإضرابات وعمليات قطع الماء والكهرباء وحركة النقل وإضرام النيران في الغابات والمزارع وغير ذلك من أعمال التخريب.
في الأثناء تعالت أصوات سياسيين بارزين مطالبة بحل البرلمان، واستقالة «رأسي» السلطة التنفيذية، وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها. فإلى أين تسير تونس؟ وهل تنجح مرة أخرى في الخروج من أزمتها بالطرق السياسية السلمية... أم تدفع نحو العنف والعنف المضاد فتفشل جهود البرهنة على قابلية نجاح الانتقال الديمقراطي السلمي في بلد عربي؟
لعل من أغرب ما في أزمات تونس المتعاقبة منذ الانهيار المفاجئ للدولة المركزية القوية في يناير (كانون الثاني) 2011. دوران غالبية قيادات الأحزاب والزعامات السياسية التقليدية في حلقات مفرغة، وعجز كل منها عن استقطاب أكثر من ربع أو ثلث الناخبين.
ولقد أكدت نتائج الانتخابات البلدية العامة التي نظمت في مايو (أيار) الماضي هذه الحقيقة، عندما فاز حزب «النداء» – أو «نداء تونس» - الذي أسسه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بنحو 22 في المائة فقط من المقاعد، مقابل 28 في المائة فقط لشريكه في الحكم حزب «حركة النهضة» (الإسلامي)، وذهب ثلث المقاعد لعشرات الأحزاب والقوائم المستقلة القريبة من اليسار الاجتماعي والليبراليين.
وكانت حصة أكبر الأحزاب في الانتخابات البرلمانية والبلدية التي شهدتها تونس منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2011 في حدود ثلث الناخبين، بينما كرّست بقية النتائج تصدع الطبقة السياسية وعمق صراعات «الإخوة الأعداء» داخل معظم التيارات الليبرالية والوطنية والإسلامية واليسارية. ومن ثم، مع اقتراب الموعد الرسمي لانطلاق الحملة الانتخابية لانتخابات 2019 البرلمانية والرئاسية، انفجرت شظايا الصراعات في كل الاتجاهات، وشارك فيها لأول مرة رئيسا الجمهورية قائد السبسي وأنصاره والحكومة يوسف الشاهد والموالون له.
- استهداف مؤسسة الرئاسة
خلافاً لكل الأزمات السابقة منذ مطلع 2011، وبصفة أخص منذ انتخاب الباجي قائد السبسي رئيسا للجمهورية في أواخر 2014 وهو في الـ88 من عمره، استهدفت المعركة الجديدة المؤسسة التي يعتبرها الساسة والمثقفون والإعلاميون في تونس مؤسسة عليا وسلطة تحكيم. والقصد هنا مؤسسة رئاسة الجمهورية... و«الأب» الرمز ونجله حافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي للحزب الحاكم، الذي ترشحه أوساط كثيرة منذ 3 سنوات للعب دور سياسي وطني أكبر بعد والده.
في المقابل يستهدف تيار عريض من الزعماء النقابيين والسياسيين، بينهم الأمين العام لاتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي والمدير التنفيذي للحزب الحاكم حافظ قائد السبسي وأنصاره «الرأس الثاني» للسلطة التنفيذية أي رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي يحمله منتقدوه مسؤولية كل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية في البلاد ويطالبون منذ سنة بإقالته.
بل إن بعض زعماء حزب «نداء تونس»، مثل الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة سابقاً خالد شوكات، باتوا يتسابقون على الإدلاء بتصريحات صحافية توجّه اتهامات خطيرة لرئيس الحكومة، من بينها الانحياز إلى حزب «حركة النهضة» باعتباره صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان راهناً، ضد رئيس الجمهورية والحزب الذي كان من بين مؤسسيه وزعمائه قبل 4 سنوات.
- الابن والأب
إلا أن رئيس الحكومة الشاهد والمقرّبين منه، مثل الوزير المكلف بالعلاقة بالبرلمان والعلاقات مع المجتمع المدني المهدي بن غربية - الذي استقال من منصبه قبل أيام - يحرصون على إبلاغ الرأي العام وصنّاع القرار بمعلومات تفصيلية عن النجاح الاقتصادي والمالي والأمني غير المسبوق الذي حققته الحكومة خلال النصف الأول من العام الجاري. وفي الوقت عينه، يحمِّل هؤلاء مسؤولية الأزمة السياسية التي يمر بها الحزب الحاكم إلى نجل رئيس الجمهورية المدير التنفيذي للحزب وليس إلى والده.
وفي سابقة نوعية، نُقل عن الشاهد أنه انتقد علناً في أكثر من مناسبة، داخل قصر قرطاج (الرئاسي) نجل الرئيس بحضور والده وزعيم «حركة النهضة» وقيادات نقابات العمال ورجال الأعمال. وذهب رئيس الوزراء إلى حد تحميل قائد السبسي الابن مسؤولية الأزمة السياسية التي يواجهها الحزب الحاكم والتي تسببت في تراجع شعبيته بنسبة 70 في المائة خلال انتخابات مايو الماضي مقارنة بانتخابات أواخر 2014. ويعتقد مراقبون بارزون مثل الإعلامي عبد اللطيف الفراتي والوزير السابق والجامعي الطيب اليوسفي ورجل الأعمال رؤوف الخماسي أن اصطفاف السياسيين والنقابيين والوزراء وراء جناحين متصارعين في السلطة، أحدهما بزعامة رئيس الجمهورية وابنه والثاني بزعامة رئيس الحكومة والموالين له، سيزيد من تعميق الأزمة السياسية في مؤسسات الحكم والمعارضة. وقد تستفحل هذه الأزمة في صورة انسحاب يوسف الشاهد وأنصاره من مؤسسات الحكم والبرلمان، وإعلانهم رسمياً تأسيس حزب سياسي جديد يخوض انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية تحت شعارات مثيرة من نوع «معارضة توريث» رئيس الجمهورية الحكم وقيادة حزب «النداء» إلى ابنه حافظ.
- سباق نحو قصري قرطاج والقصبة
في هذا المناخ العام، الذي يذكّر قطاعاً من التونسيين والتونسيات بدور العائلات الحاكمة والأصهار والأبناء في الصراعات على الحكم إبان عهدي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، برزت أزمات سياسية جديدة داخل الحزب الحاكم والمعارضة. وتحرّك مقربون من رأسي السلطة التنفيذية للاستفادة من الأزمة وإعادة خلط الأوراق. إذ تصالح رئيس الجمهورية مع المنشقين عن حزبه والمتمرّدين السابقين عن ابنه مثل الوزير مدير الديوان الرئاسي السابق رضا بالحاج زعيم حزب «تونس أولاً»، والوزير المستشار السياسي السابق محسن مرزوق الذي أسس حزب «مشروع تونس» وأصبح يتزعم عملياً الكتلة الثالثة في البرلمان بعد «النهضة» و«النداء».
في الطرف المقابل بدأ رئيس الحكومة يوسف الشاهد وفريقه يستقطبون مزيداً من الأنصار ويخوضون معارك سياسية انتخابية على جبهتين: الأولى، إبراز نجاحات حكومتهم اقتصاديا وأمنياً (في الداخل والخارج) مقارنة بسابقاتها. والثانية، التلويح بخوض حملة جديدة ضد المتهمين بالرشوة والفساد والإثراء غير المشروع... والإيحاء بكون نسبة من المقرّبين من نجل الرئيس قد تشملهم الحملة، بمن فيهم بعض الرسميين والبرلمانيين وكبار الشخصيات العمومية. ويعتقد هؤلاء أن صغر سن الشاهد (44 سنة) مقارنة بمنافسيه، قد يكون ورقة رابحة جداً في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة لعام 2019. سواءً خاضها باسم «نداء تونس» أو باسم حزب جديد يؤسسه مع منشقين عنه وعن الحكومة. وفي كل الحالات تكشف الحملات الإعلامية المتبادلة بين رأسي السلطة التنفيذية وحلفاء الشقّين المتنافسين أن المعركة الانتخابية نحو قصري قرطاج والقصبة... بدأت بالفعل.
- دعوة إلى الاستقالة
من ناحية أخرى، لعل من بين ما أثار انزعاجاً في صفوف المراقبين، داخل تونس وخارجها، أن انخراط القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف في السباق الانتخابي السابق لأوانه بين «الإخوة الأعداء» اقترن بدعوة رئيس الجمهورية رئيس حكومته إلى الاستقالة أو التوجه إلى البرلمان لطلب تجديد الثقة فيه وكسب حزام سياسي لحكومته. وفي المقابل، تعالت داخل بعض الصالونات ووسائل الإعلام أصوات مثقفين، منهم الإعلامي زياد كريشان، رئيس تحرير جريدة «المغرب» اليومية، تدعو رئيس الجمهورية إلى الاستقالة والدعوة إلى تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها قبل نهاية العام الجاري، وتنظيم الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر العام المقبل.
أصحاب هذا الموقف وزعماء سياسيون آخرون، مثل المحامي أحمد نجيب الشابي المرشح السابق للانتخابات الرئاسية في 2014. يدعون البرلمان إلى تعديل سريع للدستور بهدف توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، ومنحه حق اختيار رئيس حكومته ووزرائه من دون اللجوء إلى البرلمان، على غرار ما ينص عليه الدستور الحالي الذي يصف النظام الجمهوري التونسي بأنه «نظام جمهوري معدّل». وتلتقي مع هذا الموقف نسبياً مواقف عدد من كبار خبراء القانون الدستوري مثل العميد الصادق بلعيد والجامعي هيكل بن محفوظ والخبير القانوني ووزير التربية في الحكومة الحالية حاتم بن سالم.
- المسكوت عنه
في مطلق الأحوال، يتضح أن المسكوت عنه بالنسبة لمحاور الصراع بين زعامات الحكم والمعارضة أكثر من المتفق عليه. وتكشف الحملات الإعلامية المتبادلة بين قيادات من حزب نجل الرئيس قائد السبسي وخصومها ومنافسيها في قيادات أحزاب وكتل «حركة النهضة» و«التيار الديمقراطي» و«مشروع تونس» و«الجبهة الشعبية» أن أوراقاً كثيرة اختلطت، وأن المسكوت عنه هو مطالبة أطراف كثيرة في الحكم والمعارضة للرئيس الباجي قائد السبسي ونجله حافظ ولزعماء «حركة النهضة» بإعلان زهدهم في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. بل لقد انطلقت حملات عنف لفظي بالجملة داخل المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام تستهدف قيادات «النهضة» وزعمائه التاريخيين... في أعقاب تصريحات أدلى بها بعضهم أوحت باحتمال ترشحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة. وانخرط في هذه الحملات مقرّبون من حافظ قائد السبسي من بين رموز الدولة والحزب الحاكم قبل 2011... مثل برهان بسيس، المدير السياسي لحزب نداء تونس، وعياض الودرني الوزير مدير الديوان الرئاسي في عهد زين العابدين بن علي. كذلك انخرط فيها معارضون سابقون لبن علي مثل ناجي جلول الوزير في حكومة الشاهد السابقة والقيادي سابقاً في «الحزب الديمقراطي التقدمي». وينحاز كل هؤلاء إلى الرئيس قائد السبسي ونجله حافظ والمقربين منها، ويطالبون بفك التحالف الذي يجمع «النداء» بـ«النهضة» في البرلمان والحكومة لأنهم يعتبرونه سبباً في تراجع شعبيتهم في الانتخابات البلدية الماضية.
- «حكومة النهضة»؟
ولم تقف بعض الصفحات الاجتماعية ووسائل الإعلام عند هذا الحد، بل انطلقت في حملة واسعة ضد قيادات «حركة النهضة» مع المطالبة بطردها من مواقعها في الحكم والمعارضة وإقصائها مجددا من اللعبة السياسية، مع تحميلها المسؤولية السياسية لانتشار العنف والإرهاب في البلاد وهجرة مئات الشباب المتطرف دينياً وسياسيا نحو ليبيا وسوريا والعراق.
وكانت من بين مفاجآت الحديث التلفزيوني المثير للجدل الذي أدلى به الرئيس قائد السبسي إلى قناة تلفزيونية خاصة مساء الأحد 15 يوليو (تموز) الجاري أنه انتقد بقوة حكومة الشاهد، وأورد «أن كثيرين أصبحوا يعتبرونها حكومة حزب حركة النهضة»، رغم انتماء نحو 15 من وزرائها إلى حزب «النداء» الذي أسسه قائد السبسي في 2012 ويتزعمه حاليا نجله. وتبنى مثل هذا التقييم إعلاميون كبار بينهم الصحافي الهاشمي نويرة الذي اتهم مع رئيس الجمهورية رئيس الحكومة الشاهد «بالتضحية بالحزام السياسي السابق الذي كان يتمتع به مقابل حصوله على دعم من حزب النهضة بهدف تعطيل التصويت على سحب الثقة من الحكومة في البرلمان». ولقد اعترض برلمانيون ووزراء مقرّبون من حزب «حركة النهضة» على تلك الانتقادات وذكّروا بكون يوسف الشاهد من بين أبرز قيادات «نداء تونس» منذ تأسيسه... وكان مرشحه ومرشح الرئيس قائد السبسي لرئاسة الحكومة في 2016.
- الدعم الدولي للشاهد
في هذه الأثناء، بحكم البُعد الدولي للتغييرات التي وقعت في أعلى هرم السلطة في تونس طوال العقود الماضية، تجري بعض حلقات الصراع على السلطة في تونس مجدداً في مقرات السفارات الأجنبية ومؤسسات صنع القرار الأوروبية والدولية. وعلى هذا المستوى، حصل رئيس الحكومة يوسف الشاهد مجدداً على دعم معنوي ومالي غير مسبوق من مؤسسات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية. وكانت الحصيلة ظفر الحكومة في وقت قياسي بمليارات من الدولارات لتغطية حاجاتها المالية واحتواء مطالب النقابات التي تضخم دورها والتي تخوض بدورها منذ أشهر حملة للمطالبة بإقالة الشاهد وكامل فريقه الحكومي.
- «الكل ضد الكل»
هذا، وفي حين يبدو أن معظم التونسيات والتونسيين منشغلون بأجواء الإجازات الصيفية والشواطئ وحفلات الزفاف، وبالتأقلم مع غلاء الأسعار وتدهور خدمات الصحة والتعليم والنقل في القطاع العام ومع ظاهرة انقطاع الماء والكهرباء، يحذّر سياسيون من الأحزاب الحاكمة والمعارضة من تورّط النخب النقابية والسياسية التونسية مجدداً من تفجّر انتفاضة اجتماعية سياسية غامضة النتائج على غرار ما جرى في أواخر 2010 ومطلع 2011.
وحقاً، كشفت استطلاعات الرأي نزوع غالبية الشباب المهمّشين إلى دعم الأحزاب الصغيرة، مثل «التيار الديمقراطي» بزعامة محمد عبو وغازي الشواشي، و«الجبهة الشعبية» بزعامة حمة الهمامي، وحزب «حراك الإرادة» بزعامة الرئيس السابق المنصف المرزوقي، التي ترفع كلها شعارات راديكالية تعارض في آن معاً كلاً من حزبي النداء والنهضة.
لكن ما يخشاه الجميع هو تطوّر معركة رموز قصري الرئاسة والحكومة إلى معركة «الكل ضد الكل»، عوض خوض تنافس حول البرامج... من شأنه أن يفيد البلد والشعب بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وينقذ المشروع الحضاري التقدمي وما يُعتبر أول نموذج للانتقال الديمقراطي السلمي في دول ما عُرف بـ«الربيع العربي».
- الخريطة السياسية الجديدة في تونس
> حزب «نداء تونس»، بزعامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ونجله حافظ قائد السبسي، ولقد أعلن عدد من المنشقين عنه عودتهم إليه لضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة.
ويقترح بعض مؤسسي هذا الحزب الآن انسحاب نجل الرئيس حافظ قائد السبسي إلى الصف الثاني كي يتمكن الحزب من استيعاب عدد أكبر من الكفاءات والشخصيات الوطنية والسياسية.
> حزب «مشروع تونس» الذي يتزعمه الوزير السابق محسن مرزوق مدير الحملة الانتخابية لحزب «نداء تونس» سابقاً. وهو يحتل المرتبة الثالثة (من الحجم التمثيلي) في البرلمان، واستقطب تياراً عريضاً من المنشقين. غير أنه لم يفز في الانتخابات البلدية في مايو الماضي إلا بنسبة ضعيفة من المقاعد.
> حزب «حركة النهضة» الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البلدية خلال مايو الماضي – حاصلاً على 28 في المائة من المقاعد ـ وبات صاحب الكتلة الأولى في البرلمان بـ68 مقعدا من بين 217.
> حزب «التيار الديمقراطي» بزعامة المعارض السابق المحامي محمد عبو، ولقد فاز بنحو 5 في المائة من المقاعد في الانتخابات البلدية. وهو حزب يساري يعارض بقوة كلاً من حزبي «النداء» و«النهضة».
> كتلة «الجبهة الشعبية» اليسارية بزعامة حمه الهمامي وزياد الأخضر. تضم هذه الكتلة 15 حزبا يساريا وقوميا عربيا صغيراً ولديها في البرلمان 15 نائباً، واحتلت المرتبة الرابعة في الانتخابات البلدية خلال مايو الماضي. ولدى هذه الكتلة السياسية تأثير كبير في النقابات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.



إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»
TT

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات إلى أن إسرائيل تخبئ أهدافاً خفيّة من هذه الخطوة، تتمثل في التموضع استراتيجياً وأمنياً في سواحل أرض الصومال والقرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر، مما يتيح لها مواجهة تهديدات جماعة «الحوثي» الموالية لإيران في اليمن داخل أراضيها، ويحقق لها البعد الحيوي الجيوبولتيكي للصومال أطماعاً قديمة تضع الإقليم على أعتاب مرحلة جديدة من صراع القوة والنفوذ.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشكل مفاجئ، اعتراف إسرائيل رسمياً بـ«أرض الصومال» -الكيان الانفصالي غير المعترف به دولياً- دولة مستقلة. وعلى الفور سارعت السلطات الصومالية في العاصمة مقديشو، ومعها كل من المملكة العربية السعودية ومصر والاتحاد الأفريقي والكثير الدول العربية والأفريقية إلى إدانة هذا الاعتراف.

مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ذكر، حينذاك، أن توقيع الاتفاق مع «أرض الصومال» جاء للاعتراف المتبادل. وأردف أن تل أبيب تعتزم توسيع علاقاتها فوراً، من خلال تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة بما يتضمّن فتح سفارات وتعيين سفراء.

وبعد نحو 10 أيام من هذا الاعتراف، زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر «أرض الصومال». وكما هو متوقع، ندّدت جمهورية الصومال بهذه الزيارة، ودعت دول الجوار الأفريقي إلى احترام سيادة الصومال ووحدة أرضيها. وكذلك إلى إعلان وقوفها خلف الدولة والشرعية ودعم «الصومال الموحد» في مواجهة مشروع التقسيم، وما قد يترتب عليه من فوضى تمزّق هذا البلد الأفريقي العربي، وتتعداه لتهدد الأمن والاستقرار في كل دول المنطقة.

حضور إسرائيلي قديم

جدير بالذكر أنه على الرغم من أن لإسرائيل حضوراً قديماً في منطقة «القرن الأفريقي»، وتربطها علاقات دبلوماسية مع كل من دول كينيا وإثيوبيا ومصر وأوغندا وجنوب السودان، ينظر خبراء ومتخصصون في شؤون السياسة الأفريقية والعربية، إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من إسرائيل لتوسيع نطاق نفوذها في «أرض الصومال». وتعد أوساط إقليمية معنية هذا التطوّر أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي محتمل، لا سيما أنه قد يغدو قريباً ورقة ضغط وابتزاز فعالة وخطيرة في مواجهة عديد من الدول العربية والأفريقية في «القرن الأفريقي» ومنطقة الشرق الأوسط.

أهمية استراتيجية لإسرائيل

يشدد الصحافي والباحث السياسي عبد المنعم أبو إدريس، على القول إن هذا الاعتراف يعزّز وجود إسرائيل الدبلوماسي في أفريقيا، وعلى وجه الخصوص في «القرن الأفريقي». ويضيف: «تبرز هنا أهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأرض الصومال، فهي تقع في واجهة ممرّين مهمّين، هما المحيط الهندي والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر عند مدخل مضيق باب المندب».

ويقول إدريس، وهو مؤلف كتاب بعنوان «مدخل إلى القرن الأفريقي... القبيلة والسياسة»، إن لدى إسرائيل اهتماماً قديماً بالمنطقة ومضيق باب المندب تحديداً. ولقد سعت منذ وقت مبكر لاستئجار جزيرة دهلك الإريترية، وتتردّد أيضاً أحاديث عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في الجزيرة.

ويتابع أبو إدريس سرده قائلاً: «الوجود الإسرائيلي راهناً في منطقة أرض الصومال -التي كانت تُعرف في الماضي الاستعماري بـ«الصومال البريطاني»- يقرّبها من اليمن، وتهديدات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران التي تشن هجمات متكرّرة على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر».

ثم يوضح أنه إبّان الحرب على قطاع غزة، أطلقت جماعة الحوثي المدعومة من إيران عشرات الصواريخ والمسّيرات، باتجاه إسرائيل، دعماً لحركة «حماس»، وأعلنت مسؤوليتها عن عدد من الهجمات. ووفقاً لتقديرات أبو إدريس، فإن إسرائيل من خلال حضورها في هذا الموقع الجغرافي المهم، ستستطيع أن تلعب أدواراً مهمة في مساندة أطراف في الإقليم لديها معها علاقات وطيدة، بما يرجّح كفتها.

كل شيء متصل

من جهته، يقول الدكتور عمر حمد الحاوي، أستاذ العلوم السياسية المقيم في فرنسا، إنه «لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولةً مستقلةً، بمعزل عن الحرب التي دارت في قطاع غزة وإيران، وسعيها بقوة للقضاء على حلفاء إيران، خصوصاً ذراعها (حزب الله) وجماعة الحوثيين في اليمن. إذ إنها -أي إسرائيل- ترى فيها بؤراً مهدِّدة لأمنها القومي». وللعلم، لأكثر من ثلاثة عقود امتنع المجتمع الدولي عن الاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً عن مقديشو، لكن تربطها علاقة قوية مع إثيوبيا التي خرجت منها «الحركة الوطنية الصومالية» بقيادة عبد الرحمن طور، أيام نظام الرئيس السابق منغستو هيلا مريام، وهي أول دولة تفتح بعد سنوات قليلة قنصلية هناك.

في لقاء مع «الشرق الأوسط» اتفق الدكتور الحاوي، مع ما ذهب إليه أبو إدريس، بأن الخطوة الإسرائيلية ترتبط باستراتيجية قديمة، كانت تخطط لها بحكم وجودها في منطقة «القرن الأفريقي» منذ بدايات الستينات، وأكد إن إسرائيل «درجت على استغلال الصراعات الداخلية، لتعظيم نفوذها أكثر في دول أفريقيا. ثم أردف: «لقد ظلت أرض الصومال تصارع لفترة طويلة للحصول على الاعتراف بها كياناً مستقلاً. وبالتالي، فإن أي اعتراف مهما كان حجم تأثيره يُعد مكسباً لها، ومقابل ذلك تعاني إسرائيل نفسها من عزلة في المنطقة».

ويستطرد الحاوي: «لذلك سعت للاعتراف باستقلال أرض الصومال، التي يمكِّنها موقعها من الوصول إلى مضايق مائية ذات أهمية استراتيجية، ومدخلاً إلى دول في منطقة الشرق الأوسط بعضها معادٍ لها». وهنا يشير خبراء آخرون إلى أن من أبرز دوافع إسرائيل وراء تقوية علاقتها بدول في القرن الأفريقي، زعمها الشعور «بالخطر والتهديد الأمني المستمر لوجودها»، ولذلك تبحث عن دول تطبّع معها العلاقات.

في هذا الصدد، يوضح الحاوي «هذا البعد الحيوي جداً، والحقيقة أنه يحقّق موقع الصومال الجيوسياسي لإسرائيل أطماعها في إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر، ويدنيها من خريطة الصراع في اليمن وإيران». ثم يقول: «إن أهم نيَّات إسرائيل هي تأسيس قواعد عسكرية في سواحل أرض الصومال... وهي عبر وجودها العسكري والأمني هناك ترى أنها ستستطيع حماية مصالحها في المنطقة، والقضاء على الجبهات المتحالفة أو المدعومة من إيران في لبنان وسوريا وغزة، وتدعم المقاومة في فلسطين». وحقاً، يُجمع المحللون على أن الوجود العسكري الإسرائيلي في «القرن الأفريقي» ومدخل البحر الأحمر، يُشكل خطورة متعاظمة، من استخدام القواعد البحرية في المهام العسكرية المختلفة، ويرون أن الخطر الأكبر يبرز، بالذات، في استغلالها محطّات متطوّرة تقنياً لأغراض استخباراتية تجسّسية على دول المنطقة.

خيارات صفرية

من ناحية ثانية، لا يرى الدكتور الحاوي أن وجود إسرائيل في «أرض الصومال» والبحر الأحمر، مجرد تهديد عسكري وأمني، بل يرى أنه يمتد إلى الاقتصاد وأمن الملاحة والتجارة في أهم المضايق العالمية... ويوضح: «هذا الوجود يبعث بمخاوف من أن يمتد ذلك لخنق وحصار المنطقة».

في السياق عينه، يستبعد الحاوي وجود القدرة عند دول المنطقة على وقف التوسّع الإسرائيلي واحتوائه. وبناءً عليه، يقترح أن «الخيار المتاح أمامها -أي دول المنطقة العربية- هو الاعتراف بـ(أرض الصومال)، وتبادل السفارات معها كدولة مستقلة، كأقوى ورقة ضغط يمكن أن تدفعها للحد من نفوذ إسرائيل على أراضيها». غير أن الحاوي يستدرك ليقول إن هذا الخيار «قد يفتح، في المقابل، أبواباً واسعة أمام طموحات بعض الأقاليم التي ترغب في الانفصال عن دولها الأم».

«مشروع تآمري»... في حرب المياه

بالتوازي، يعتقد البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، أن «دخول إسرائيل يزيد الوضع الإقليمي تعقيداً، وقد يقطع الطريق أمام أي ترتيبات لعودة أرض الصومال، سواءً كان ذلك في إطار نظام كونفدرالي للوحدة مع جمهورية الصومال، مسنودةً بالتعاون الوثيق بين إسرائيل وإثيوبيا».

ومن ثم، يلفت مكي في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «أرض الصومال» لم تكن تحت سيادة الصومال -الصومال الإيطالي سابقاً- قبل عام 1961، بل كانت تحت الاستعمار البريطاني، ونالت استقلالها قبل فترة وجيزة من الصومال الذي كان تحت الحكم الإيطالي. ثم ذكّر بأن «إثيوبيا فتحت لها قنصلية في هرجيسة، عاصمة أرض الصومال وكبرى مدنها. وكان هذا أول تمثيل دبلوماسي أجنبي في (أرض الصومال)، وهدفه بالنسبة إلى أثيوبيا -المعزولة عن البحار- الاستفادة من ميناء بربرة ذي الأهمية الاستراتيجية على المحيط والبحر الأحمر».

مكي أشار، من جانب آخر، إلى أن «اعتراف إسرائيل بـ(أرض الصومال) يهدف أيضاً إلى تقليص الوجود المصري الكبير، وإمكانية انتزاع اعتراف من الدول الأفريقية بـ(أرض الصومال) دولةً مستقلة، تمهيداً لحرب المياه المقبلة... بالتزامن مع عزم إثيوبيا على بناء مزيد من السدود والخزانات على الأنهار والخيران التي تغذّي نهر النيل، والقادمة من الهضبة الإثيوبية».

وألمح البروفسور مكّي، وهو خبير متخصص، إلى وجود «مشروع تآمري» جارٍ التخطيط له، وهو يهدف إلى حصار المنطقة وتطويقها، وأن بعض أطرافه أفريقية وعربية. إذا قال: «هذا المشروع يبدأ من (أرض الصومال) لشغل الجيش المصري بحرب المياه». وأردف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاعتراف الإسرائيلي ستكون له تأثيرات على صراع المواني والجيوسياسة، على البحر الأحمر... وبالتالي، لا بد من القول: دعونا ننتظر منذ الآن لمعرفة هوية الدولة (العربية) الثانية التي ستعترف علناً بـ(أرض الصومال)».

«أرض الصومال»... في سطور

الجدير بالإشارة أنه يرأس «أرض الصومال» اليوم، عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم «عرو»، وكان قد انتُخب للمنصب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مرشحاً عن حزب «وطني». وفي موضوع المطلب الاستقلالي، في 2001 أجرى في «أرض الصومال» استفتاءً على مشروع دستور للانفصال عن الصومال، صوّت فيه 97.1 في المائة لصالح الاستقلال. أما بشأن الانتخابات النيابية، فتجرى انتخابات تعدّدية بانتظام في البلاد منذ عام 2003.

«عرو» هو سادس رئيس لـ«أرض الصومال» منذ انفصال الإقليم عن جمهورية الصومال في مايو (أيار) 1991، ومن أبرز التحديات التي طرحها خلال الحملة الانتخابية: البحث عن الاعتراف الدولي لتحديد شكل العلاقة مع الصومال. والنظر في مذكرة التفاهم التي أبرمها النظام السابق مع إثيوبيا... التي أثارت الكثير من الجدل في منطقة القرن الأفريقي. ومعالجة بعض التوترات في مناطق محدودة بإقليم «سول». هذا بالإضافة إلى تعهده بانضمام «أرض الصومال» إلى كلٍّ من الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، ومنظمة الكومنولث، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد).

هذا، وفي مطلع 2024، كان موسى بيحي عبدي، الرئيس السابق لـ«أرض الصومال»، قد وقّع مذكّرة تفاهم مع إثيوبيا، حصلت بموجبه الأخيرة على مَنفذ بحري يتضمّن ميناء تجارياً وقاعدة عسكرية في بربرة، لمدة 50 سنة.

جغرافياً تقع «أرض الصومال» في الجزء الشمالي من الصومال، تحديداً في البر الرئيسي لشمال شرقي أفريقيا (المعروف بـ«القرن الأفريقي») على شاطئ خليج عدن. وتحدّها إثيوبيا من الغرب، وجيبوتي (الصومال الفرنسي، ثم أرض العفر والعيسى سابقاً) من الشمال الغربي، وخليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن. وعقب سقوط العاصمة مقديشو في عام 1991، أعلن الجزء الشمالي المُسمى حالياً «أرض الصومال» (صومالي لاند)، استقلاله عن البلاد.

يبلغ عدد سكان «أرض الصومال» اليوم نحو 6 ملايين نسمة، وكبرى مدنها العاصمة هرجيسة، تليها بورعو وبربرة، التي هي الميناء الرئيسي على خليج عدن. أوساط إقليمية تعد علاقات إسرائيل و«أرض الصومال» أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي


جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
TT

جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر

قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه يخوض معركتين في آنٍ واحد: الأولى ضد خصم جمهوري أعاد تعريف السياسة الأميركية على إيقاع شعار «أميركا أولاً»، والثانية ضد ارتباكه الداخلي المزمن في الإجابة عن سؤال الناخب البسيط: ما الذي ستفعله لنا غداً؟ في هذا الفراغ بين القلق الانتخابي وأزمة الرسالة، يتقدم اسم حاكم ولاية إلينوي، جاي بي بريتزكر، بوصفه واحداً من أكثر «البدائل التنفيذية» جاهزية، أو على الأقل أكثرها اختباراً. وهذا، ليس لأنه الأكثر شعبوية أو الأكثر جاذبية أمام الكاميرا، بل لأنه يمثل نموذجاً نادراً داخل الحزب: رجل ثريّ لم يأتِ ليعتذر عن ثروته، وحاكمٌ يحاول أن يحول «ولاية صعبة» إلى منصّة وطنية، وسياسيٌّ يتقن المواجهة مع دونالد ترمب من دون أن يصبح نسخةً منه.

يُختصر جاي روبرت (جي بي) بريتزكر غالباً في كلمة واحدة: «ملياردير». إلا أنه، في سرديته الشخصية، أقرب إلى ابن سلالة أميركية تقليدية صعدت من الهجرة إلى القمة الاقتصادية ثم إلى العمل العام.

وُلد بريتزكر يوم 19 يناير (كانون الثاني) 1965 في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا، ونشأ في أثيرتون، داخل عائلة بريتزكر ذات الجذور اليهودية الأوكرانية التي ارتبط اسمها تاريخياً بشيكاغو والأعمال والفنادق والعمل الخيري.

تاريخ العائلة اليهودية الثرية نفسه جزء من «الحلم الأميركي»: هجرة من كييف أواخر القرن التاسع عشر إلى شيكاغو. ثم بناء ثروة عبر المحاماة والاستثمار والعقار، وصولاً إلى تأسيس سلسلة فنادق «حياة» (هايات) التي بدأت عام 1957 عندما اشترى عمه جاي بريتزكر فندقاً قرب مطار لوس أنجليس، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أشهر العلامات في الضيافة العالمية. وفي بيت كهذا، يصبح الاسم رأس مالٍ قبل أن تكون الثروة مالاً.

إلا أن نشأة جاي بي حملت أيضاً وجهاً أكثر قسوة مما توحي به الأرقام. فوالده دونالد بريتزكر (كان رئيس «حياة») توفي بنوبة قلبية، وهو في التاسعة والثلاثين عام 1972، ثم توفيت والدته في حادث عام 1982، وهو ما دفعه – وفق سيرته – إلى الانتقال للعيش مع عمته، سيندي بريتزكر، في سن الثانية عشرة.

هذه التفاصيل لا تُذكر عادة في السياسة الأميركية إلا بوصفها مادةً عاطفية، لكنها تساعد على فهم جانب من شخصية الرجل التي تقوم على انضباط شخصي وحذر إعلامي، وميل إلى تحويل السيرة الخاصة إلى «خلفية»، لا إلى «قصة بطولة».

تعليم قانوني وتكوين سياسي مبكر

درس بريتزكر المحاماة، لكنه قبل المسيرة الجامعية، أكمل دراسته المتوسطة والثانوية في أكاديمية ميلتون، إحدى أعرق وأرقى المدارس الخاصة في الولايات المتحدة، ومن ثم تخرّج في اثنتين من أرقى الجامعات الأميركية وأغناها، إذ حصل على البكالوريوس من جامعة ديوك، ثم إجازة الحقوق من جامعة نورثويسترن.

هذا التكوين القانوني في بلدٍ تحكمه النصوص والمؤسسات بقدر ما تحكمه المشاعر، سيظهر لاحقاً في طريقة إدارته الصدام مع السلطة الفيدرالية، وفي لغته حين يتحدث عن صلاحيات الولايات وحدود البيت الأبيض.

قبل ترشّح بريتزكر وفوزه في انتخابات حاكم ولاية إلينوي، تحرّك طويلاً داخل عالم السياسة من الصفوف الخلفية... دعمٌ مالي للحزب الديمقراطي، وعملٌ تنظيمي، ومحاولات مبكرة للترشّح (منها محاولة لسباق الكونغرس أواخر التسعينات). ثم لعب أدواراً في مؤسسات ولاية إلينوي.

في الوقت نفسه، صنع لنفسه هوية رجل أعمال «يُؤَسِّس» و«يموِّل» و«يدير»، لا يكتفي بأنه مجرد وريثٍ يتنقل بين مجالس الإدارة.

وبالفعل، انخرط في الاستثمار ورأس المال المخاطر، وأسهم في مبادرات مرتبطة بريادة الأعمال في شيكاغو. وساهم في تأسيس العديد من شركات رأس المال الاستثماري، بما في ذلك مجموعة «بريتزكر كابيتال» الخاصة، حيث يشغل منصب الشريك الإداري.

كذلك شارك في تأسيس شركة «شيكاغو فينتشرز»، وموّل شركتي «تيك ستارز شيكاغو» و«بيلت إن شيكاغو» الناشئتين. ووفقاً لمجلة «فوربس»، بلغ صافي ثروته التقديرية 3.9 مليار دولار أميركي اعتباراً من أغسطس (آب) 2025، في حين صنفت العائلة من بين أغنى العائلات في أميركا. وبصفته اليوم حاكم ولاية، فإنه يمتلك ثروة أكبر من ثروة أي حاكم آخر على مدار التاريخ الأميركي. ويُعد ثاني أغنى سياسي يشغل منصباً في الولايات المتحدة، بعد عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ.

الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه

«أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

«الولاية المختبر»...وصعوبة الحكم

حين فاز جاي بي بريتزكر بحاكمية إلينوي (2018)، ثم تولّى منصبه عام 2019، كان يعرف أن الولاية ليست «منصة جاهزة» للنجومية الوطنية. فإلينوي خليط متناقض: مدينة شيكاغو الكبرى بمشاكل العنف والسلاح، والضواحي الليبرالية، والأرياف المحافظة التي تُحسن قراءة خطاب الجمهوريين.

في مثل هذا المكان، يصبح النجاح التنفيذي أكثر قيمة من الخطابة.

على مستوى السياسات، سعى بريتزكر إلى تقديم نفسه كديمقراطي «عملي». وحقاً رفع الحد الأدنى للأجور عبر قانون قاد إلى 15 دولاراً بحلول 2025، وطرح نفسه حليفاً للنقابات عبر تشريعات تعزز حقوق التفاوض الجماعي. وهذه العناوين لخّصت «مدرسته» السياسو – اقتصادية... أي «اقتصادٌ يميل إلى حماية العمال، ولكن من دون قطعٍ كامل مع منطق السوق».

ومن ناحية ثانية، بريتزكر لا يدير ولاية في فراغ.

ولايته كغيرها، كانت مسرحاً لاختبار جائحة «كوفيد-19»، ثم اختبار الانقسام الثقافي الأميركي، ثم اختبار «عودة ترمب» إلى البيت الأبيض، وما تبعها من شدٍّ في علاقة واشنطن بالولايات الديمقراطية. وهنا بالذات، بدأ الرجل يتحوّل من حاكم محلي إلى لاعب مؤثر في مشهد وطني.

حضور وطني

بلغ حضور بريتزكر الوطني ذروته في صيف 2025، حين تصاعدت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بإرسال «الحرس الوطني» إلى شيكاغو بذريعة مكافحة الجريمة، في ما اعتبره الديمقراطيون محاولة لاستعراض القوة وتسييس الأمن.

يوم 25 أغسطس (آب) 2025، أعلن بريتزكر صراحة أنه سيحاول منع أي نشر للقوات، واصفاً الخطوة بأنها تعدٍّ غير دستوري على صلاحيات الولاية. وبعد أيام، صعّد ترمب لهجته معلناً «نحن داخلون» إلى شيكاغو، في واحدة من أكثر لحظات التوتر بين البيت الأبيض وولاية ديمقراطية منذ سنوات.

المثير للاهتمام أن بريتزكر لم يواجه ترمب بلغة اليسار الثقافية، بل بلغة القانون والسيادة... متسائلاً: مَن يملك سلطة استدعاء الحرس؟ ومتى تتحوّل «مكافحة الجريمة» إلى ذريعة لتطويع خصوم سياسيين؟

موقفه هذا حصل على غطاء حزبي أوسع عبر بيانات «رابطة حكّام الحزب الديمقراطي» التي رأت في نشر القوات من دون طلب الحاكم «إساءة استخدام للسلطة» واعتداءً على سيادة الولايات.

بل إن المعركة أخذت بُعداً قضائياً عندما أشارت تقارير إلى قرار قضائي في خريف 2025 يقيّد (يوقف مؤقتاً) نشر قوات في محيط شيكاغو، في إشارة إلى حساسية التوازن بين الأمن والفيدرالية.

في الوقت نفسه، حرص بريتزكر على ضرب السردية الجمهورية من داخلها، قائلاً نعم، هناك جريمة، لكن شيكاغو ليست «مدينة خارجة عن السيطرة». وبالفعل، بيّن تقرير لـ«أسوشييتد برس» انخفاض العنف هناك في النصف الأول من 2025 مقارنة بالعام السابق، مع بقاء تحدياتٍ قائمة في بعض المناطق.

كانت هذه النقطة مهمة سياسياً: فبريتزكر أراد نقل النقاش من «قوات ودبابات» إلى «قدرة الدولة المحلية على الإصلاح».

أزمة الديمقراطيين

مع هذا النجاح، لا يراهن الديمقراطيون على الأشخاص وحدهم. فالأزمة أعمق من سؤال «مَن يترشح؟». فالحزب يواجه 3 تحديات متداخلة:

- تآكل الثقة لدى شرائح من الطبقة العاملة والناخبين غير الجامعيين، حيث يرى كثيرون أن الديمقراطيين يتحدثون عن قيمٍ كبرى أكثر مما يقدمون حلولاً يومية قابلة للمس. وثمة تقارير وتحليلات عدة بعد انتخابات 2024 ركّزت على فجوة الثقة في «القدرة على الإنجاز» حتى لدى ناخبين يوافقون على سياسات الحزب من حيث المبدأ.

- الاستقطاب الثقافي الذي نجح الجمهوريون في جرّ الديمقراطيين إليه: التعليم، الكتب، الهوية، الشرطة... وهي ملفات تُدار غالباً بلغة «مع أو ضد»، وتُضعف قدرة الحزب على بناء رسالة اقتصادية جامعة.

- معضلة الأمن والهجرة التي أعادها ترمب إلى صدارة النقاش عبر تكثيف سياسات إنفاذ الهجرة، ما خلق ملفاً مزدوج الحدّ: فرصة للديمقراطيين لمهاجمة «التشدد» إذا أدى إلى تجاوزات، وخطرٌ عليهم إذا بدا الحزب متساهلاً أو منقسماً بين «الإصلاح» و«الإلغاء».

في خلفية ذلك، تقدّم قراءات تاريخية للانتخابات النصفية – مثل قراءة «بروكينغز» لمسار 2026 – أن الحزب الحاكم غالباً ما يواجه رياحاً معاكسة في منتصف الولاية، ما يرفع سقف الرهان لدى الديمقراطيين على أن 2026 قد تكون بوابة العودة السياسية إذا أحسنوا صياغة المعركة.

هنا يظهر بريتزكر باعتباره «ترجمة سياسية» لفكرة الخروج من الحرب الثقافية عبر العودة إلى الاقتصاد والحوكمة.

الرجل لا يتخلى عن ملفات تقدمية (الحقوق الفردية، حماية الأقليات...)، لكنه يحاول ألا يجعلها محور الرسالة الانتخابية. وبدلاً من ذلك، يكرر ثلاثية أقرب إلى «قاموس الطبقة الوسطى»، كالقدرة على العيش وتكلفة المعيشة، والتعليم بوصفه مصعداً اجتماعياً، والأمن كوظيفة دولة، لا كمسرح استعراض.

المفارقة أن ثروته، التي قد تكون عبئاً داخل حزب يرفع خطاب العدالة الاجتماعية، يمكن أن تكون أيضاً سلاح دفاعه. فبريتزكر لا يحتاج إلى مموّلين، بل يستطيع تمويل حملة وطنية، ويتقن لغة الأعمال التي يخاطب بها الأميركيين في زمن القلق الاقتصادي.

«أميركا أولاً» والبحث عن رد غير نخبوي

في مطلق الأحوال، الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه «أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

حتى الآن، يبدو بريتزكر أقرب إلى تقديم ردٍّ يقوم على إعادة تعريف «الأولوية» بأن أميركا القوية لا تغلق الباب وتلوّح بالقوة داخل المدن، بل التي تستثمر في العمال، وتحمي المؤسسات، وتخفف قلق العائلات من الصحة والتعليم والتكلفة.

نجاح هذا الردّ ليس مضموناً، لأن ترمب لا يطرح شعاراً فقط، بل يطرح هوية سياسية كاملة: غضب، وعدو واضح، ووعد سريع.

بريتزكر لم يعلن بعد نية الترشح، ويحرص على إظهار نفسه «حاكماً أولاً». لكن منطق السياسة الأميركية يقول إن «التحضير» يبدأ قبل الإعلان بسنوات... عبر شبكة علاقات، وحضور وطني، وتموضع داخل معارك الحزب الكبرى. ومع كل مواجهة جديدة مع ترمب حول شيكاغو أو صلاحيات الولايات، تتسع مساحة الرجل داخل النقاش الديمقراطي.

في المحصلة، بريتزكر ليس جواباً نهائياً على أزمة الديمقراطيين، لكنه نموذجٌ لجوابٍ محتمل عنوانه: إدارة صارمة، ولغة قانونية في مواجهة «القوة الفيدرالية»، وبرنامجٌ يحاول أن يُقنع الناخب المتردد بأن البديل ليس «خطاباً أجمل»، بل «دولة تعمل». وفي زمنٍ انقسام شعبي عميق، قد يكون حاكم إلينوي أحد المرشحين القلائل القادرين على تحويل تجربة الولاية إلى سردية وطنية...


أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)
TT

أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)

إلى جانب جاي بي بريتزكر، تتداول الأوساط الديمقراطية مجموعة أسماء مرشحة لـ«البيت الأبيض» تمثل مدارس واتجاهات مختلفة داخل الحزب، ما يعكس حيوية مشوبة بالارتباك.

وبينما يتحسس الحزب الديمقراطي طريقه نحو المستقبل، تبرز شخصيات يعدها البعض «فرقة النخبة» المؤهلة لخوض سباق 2028، محملة بخبرات تنفيذية من ولايات محورية:

غافن نيوسوم (حاكم كاليفورنيا): يظل المنافس الأبرز والوجه الإعلامي الأكثر حضوراً. إنه يتمتع بقدرة فائقة على السجال التلفزيوني وتمثيل كاليفورنيا كنموذج مضاد للسياسات المحافظة. ولكن بجانب انتقادات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة في ولايته، قد تكون قوته في ولايته أيضاً نقطة ضعفه أمام ناخبين مترددين تجاه «النموذج الكاليفورني».

بيت بوتيجيج - بو دجاج (أ.ب)

رام إيمانويل: رئيس بلدية شيكاغو السابق، ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، والسفير الأميركي السابق لدى اليابان (انتهت مهمته في يناير (كانون الثاني) 2025). يرشحه البعض ليس فقط لأنه اسم «ثقيل» داخل المؤسسة الديمقراطية، بل أيضاً لأن هناك مؤشرات إعلامية حديثة تتحدث عن أنه يختبر فعلياً فكرة حملة 2028 عبر جولات وخطاب يركز على «إصلاح التعليم» في محاولة للاقتراب من الناخبين المتأرجحين الذين يحمّلون الحزب جزءاً من مسؤولية الفوضى السياسية والارتباك البرامجي، وتقديم نفسه كصوت «تجديدي» داخل الحزب في مواجهة ما يصفه بعض الديمقراطيين بجناح «المقاومة» الذي يطغى عليه الصدام الرمزي مع ترمب.

جوش شابيرو (حاكم بنسلفانيا): يمثل الجناح المعتدل والذكي سياسياً. قدرته على الفوز في ولاية متأرجحة وحاسمة تجعله مرشحاً مثالياً لاستعادة أصوات الطبقة العاملة في «حزام الصدأ»، وهو يتبع نهجاً يركز على «الإنجازات الملموسة» بعيداً عن الصراعات الآيديولوجية الحادة.

كمالا هاريس (أ.ب)

غريتشن ويتمر (حاكمة ميشيغان): «قائدة حازمة» صقلتها الأزمات، وتحظى بشعبية هائلة في ولاية حاسمة. تجيد مخاطبة الناخبات في الضواحي، وهي كتلة تصويتية يرى الديمقراطيون أنها مفتاح العودة للبيت الأبيض.

ويس مور (حاكم ماريلاند): النجم الصاعد وأول حاكم أسود للولاية. بخلفيته العسكرية وقدراته الخطابية، يُنظر إليه بوصفه «أوباما القادم»، حيث يقدم خطاباً يمزج بين الأمل والوطنية والعدالة الاجتماعية، ما قد يساعد في استنهاض القاعدة التصويتية للشباب والأقليات.

بيت بوتيجيج - بو دجاج - (وزير النقل السابق): بذكائه الحاد وقدرته على اختراق وسائل الإعلام المحافظة، يظل بوتيجيج خياراً قوياً للجناح المثقف في الحزب، رغم التحديات التي تواجهه في كسب تأييد أوسع بين الناخبين الملوّنين.

كمالا هاريس: نائبة الرئيس السابقة، والمرشحة التي خسرت السباق الرئاسي أمام ترمب العام الماضي. تمتلك خبرة وطنية ودولية، غير أن إرث الإدارة السابقة يفرض عليها تحدياً في إعادة تقديم نفسها.

غريتشن ويتمر (أ.ب)

تتفق هذه الشخصيات على ضرورة «تحديث» الخطاب الديمقراطي، لكنها تتباين في الأسلوب، ما يمهد لانتخابات تمهيدية قد تكون الأشرس في تاريخ الحزب. ومع أن اللائحة تبقى مفتوحة على مفاجآت، لكن القاسم المشترك بين معظم الأسماء هو إدراكهم أن سباق 2028 لن يُحسم بالشخصية وحدها.