تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي

عدم الاستقرار يجهض النموذج الحداثي والتجربة الأولى عربياً للانتقال الديمقراطي السلمي

تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي
TT

تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي

تونس أمام أخطر أزماتها السياسية منذ إزاحة بن علي

بينما كان وزراء في «حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة يوسف الشاهد يستعرضون مؤشرات خروج تونس من أزمتها الاقتصادية الاجتماعية المتراكمة منذ 7 سنوات، فجّرت تصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي من جهة، وقيادات سياسية ونقابية من جهة ثانية، أزمة سياسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد كشفت احتدام المعارك مجددا حول قصر الرئاسة في قرطاج. وبخلاف كل المعارك السياسية السابقة، يبدو أن من بين أسلحة المتصارعين على الحكم، أو حلفائهم، الدفع في اتجاه شلل البلاد من خلال عمليات تخريب متزامنة... أدت إلى سلسلة من الإضرابات وعمليات قطع الماء والكهرباء وحركة النقل وإضرام النيران في الغابات والمزارع وغير ذلك من أعمال التخريب.
في الأثناء تعالت أصوات سياسيين بارزين مطالبة بحل البرلمان، واستقالة «رأسي» السلطة التنفيذية، وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها. فإلى أين تسير تونس؟ وهل تنجح مرة أخرى في الخروج من أزمتها بالطرق السياسية السلمية... أم تدفع نحو العنف والعنف المضاد فتفشل جهود البرهنة على قابلية نجاح الانتقال الديمقراطي السلمي في بلد عربي؟
لعل من أغرب ما في أزمات تونس المتعاقبة منذ الانهيار المفاجئ للدولة المركزية القوية في يناير (كانون الثاني) 2011. دوران غالبية قيادات الأحزاب والزعامات السياسية التقليدية في حلقات مفرغة، وعجز كل منها عن استقطاب أكثر من ربع أو ثلث الناخبين.
ولقد أكدت نتائج الانتخابات البلدية العامة التي نظمت في مايو (أيار) الماضي هذه الحقيقة، عندما فاز حزب «النداء» – أو «نداء تونس» - الذي أسسه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بنحو 22 في المائة فقط من المقاعد، مقابل 28 في المائة فقط لشريكه في الحكم حزب «حركة النهضة» (الإسلامي)، وذهب ثلث المقاعد لعشرات الأحزاب والقوائم المستقلة القريبة من اليسار الاجتماعي والليبراليين.
وكانت حصة أكبر الأحزاب في الانتخابات البرلمانية والبلدية التي شهدتها تونس منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2011 في حدود ثلث الناخبين، بينما كرّست بقية النتائج تصدع الطبقة السياسية وعمق صراعات «الإخوة الأعداء» داخل معظم التيارات الليبرالية والوطنية والإسلامية واليسارية. ومن ثم، مع اقتراب الموعد الرسمي لانطلاق الحملة الانتخابية لانتخابات 2019 البرلمانية والرئاسية، انفجرت شظايا الصراعات في كل الاتجاهات، وشارك فيها لأول مرة رئيسا الجمهورية قائد السبسي وأنصاره والحكومة يوسف الشاهد والموالون له.
- استهداف مؤسسة الرئاسة
خلافاً لكل الأزمات السابقة منذ مطلع 2011، وبصفة أخص منذ انتخاب الباجي قائد السبسي رئيسا للجمهورية في أواخر 2014 وهو في الـ88 من عمره، استهدفت المعركة الجديدة المؤسسة التي يعتبرها الساسة والمثقفون والإعلاميون في تونس مؤسسة عليا وسلطة تحكيم. والقصد هنا مؤسسة رئاسة الجمهورية... و«الأب» الرمز ونجله حافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي للحزب الحاكم، الذي ترشحه أوساط كثيرة منذ 3 سنوات للعب دور سياسي وطني أكبر بعد والده.
في المقابل يستهدف تيار عريض من الزعماء النقابيين والسياسيين، بينهم الأمين العام لاتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي والمدير التنفيذي للحزب الحاكم حافظ قائد السبسي وأنصاره «الرأس الثاني» للسلطة التنفيذية أي رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي يحمله منتقدوه مسؤولية كل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية في البلاد ويطالبون منذ سنة بإقالته.
بل إن بعض زعماء حزب «نداء تونس»، مثل الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة سابقاً خالد شوكات، باتوا يتسابقون على الإدلاء بتصريحات صحافية توجّه اتهامات خطيرة لرئيس الحكومة، من بينها الانحياز إلى حزب «حركة النهضة» باعتباره صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان راهناً، ضد رئيس الجمهورية والحزب الذي كان من بين مؤسسيه وزعمائه قبل 4 سنوات.
- الابن والأب
إلا أن رئيس الحكومة الشاهد والمقرّبين منه، مثل الوزير المكلف بالعلاقة بالبرلمان والعلاقات مع المجتمع المدني المهدي بن غربية - الذي استقال من منصبه قبل أيام - يحرصون على إبلاغ الرأي العام وصنّاع القرار بمعلومات تفصيلية عن النجاح الاقتصادي والمالي والأمني غير المسبوق الذي حققته الحكومة خلال النصف الأول من العام الجاري. وفي الوقت عينه، يحمِّل هؤلاء مسؤولية الأزمة السياسية التي يمر بها الحزب الحاكم إلى نجل رئيس الجمهورية المدير التنفيذي للحزب وليس إلى والده.
وفي سابقة نوعية، نُقل عن الشاهد أنه انتقد علناً في أكثر من مناسبة، داخل قصر قرطاج (الرئاسي) نجل الرئيس بحضور والده وزعيم «حركة النهضة» وقيادات نقابات العمال ورجال الأعمال. وذهب رئيس الوزراء إلى حد تحميل قائد السبسي الابن مسؤولية الأزمة السياسية التي يواجهها الحزب الحاكم والتي تسببت في تراجع شعبيته بنسبة 70 في المائة خلال انتخابات مايو الماضي مقارنة بانتخابات أواخر 2014. ويعتقد مراقبون بارزون مثل الإعلامي عبد اللطيف الفراتي والوزير السابق والجامعي الطيب اليوسفي ورجل الأعمال رؤوف الخماسي أن اصطفاف السياسيين والنقابيين والوزراء وراء جناحين متصارعين في السلطة، أحدهما بزعامة رئيس الجمهورية وابنه والثاني بزعامة رئيس الحكومة والموالين له، سيزيد من تعميق الأزمة السياسية في مؤسسات الحكم والمعارضة. وقد تستفحل هذه الأزمة في صورة انسحاب يوسف الشاهد وأنصاره من مؤسسات الحكم والبرلمان، وإعلانهم رسمياً تأسيس حزب سياسي جديد يخوض انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية تحت شعارات مثيرة من نوع «معارضة توريث» رئيس الجمهورية الحكم وقيادة حزب «النداء» إلى ابنه حافظ.
- سباق نحو قصري قرطاج والقصبة
في هذا المناخ العام، الذي يذكّر قطاعاً من التونسيين والتونسيات بدور العائلات الحاكمة والأصهار والأبناء في الصراعات على الحكم إبان عهدي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، برزت أزمات سياسية جديدة داخل الحزب الحاكم والمعارضة. وتحرّك مقربون من رأسي السلطة التنفيذية للاستفادة من الأزمة وإعادة خلط الأوراق. إذ تصالح رئيس الجمهورية مع المنشقين عن حزبه والمتمرّدين السابقين عن ابنه مثل الوزير مدير الديوان الرئاسي السابق رضا بالحاج زعيم حزب «تونس أولاً»، والوزير المستشار السياسي السابق محسن مرزوق الذي أسس حزب «مشروع تونس» وأصبح يتزعم عملياً الكتلة الثالثة في البرلمان بعد «النهضة» و«النداء».
في الطرف المقابل بدأ رئيس الحكومة يوسف الشاهد وفريقه يستقطبون مزيداً من الأنصار ويخوضون معارك سياسية انتخابية على جبهتين: الأولى، إبراز نجاحات حكومتهم اقتصاديا وأمنياً (في الداخل والخارج) مقارنة بسابقاتها. والثانية، التلويح بخوض حملة جديدة ضد المتهمين بالرشوة والفساد والإثراء غير المشروع... والإيحاء بكون نسبة من المقرّبين من نجل الرئيس قد تشملهم الحملة، بمن فيهم بعض الرسميين والبرلمانيين وكبار الشخصيات العمومية. ويعتقد هؤلاء أن صغر سن الشاهد (44 سنة) مقارنة بمنافسيه، قد يكون ورقة رابحة جداً في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة لعام 2019. سواءً خاضها باسم «نداء تونس» أو باسم حزب جديد يؤسسه مع منشقين عنه وعن الحكومة. وفي كل الحالات تكشف الحملات الإعلامية المتبادلة بين رأسي السلطة التنفيذية وحلفاء الشقّين المتنافسين أن المعركة الانتخابية نحو قصري قرطاج والقصبة... بدأت بالفعل.
- دعوة إلى الاستقالة
من ناحية أخرى، لعل من بين ما أثار انزعاجاً في صفوف المراقبين، داخل تونس وخارجها، أن انخراط القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف في السباق الانتخابي السابق لأوانه بين «الإخوة الأعداء» اقترن بدعوة رئيس الجمهورية رئيس حكومته إلى الاستقالة أو التوجه إلى البرلمان لطلب تجديد الثقة فيه وكسب حزام سياسي لحكومته. وفي المقابل، تعالت داخل بعض الصالونات ووسائل الإعلام أصوات مثقفين، منهم الإعلامي زياد كريشان، رئيس تحرير جريدة «المغرب» اليومية، تدعو رئيس الجمهورية إلى الاستقالة والدعوة إلى تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها قبل نهاية العام الجاري، وتنظيم الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر العام المقبل.
أصحاب هذا الموقف وزعماء سياسيون آخرون، مثل المحامي أحمد نجيب الشابي المرشح السابق للانتخابات الرئاسية في 2014. يدعون البرلمان إلى تعديل سريع للدستور بهدف توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، ومنحه حق اختيار رئيس حكومته ووزرائه من دون اللجوء إلى البرلمان، على غرار ما ينص عليه الدستور الحالي الذي يصف النظام الجمهوري التونسي بأنه «نظام جمهوري معدّل». وتلتقي مع هذا الموقف نسبياً مواقف عدد من كبار خبراء القانون الدستوري مثل العميد الصادق بلعيد والجامعي هيكل بن محفوظ والخبير القانوني ووزير التربية في الحكومة الحالية حاتم بن سالم.
- المسكوت عنه
في مطلق الأحوال، يتضح أن المسكوت عنه بالنسبة لمحاور الصراع بين زعامات الحكم والمعارضة أكثر من المتفق عليه. وتكشف الحملات الإعلامية المتبادلة بين قيادات من حزب نجل الرئيس قائد السبسي وخصومها ومنافسيها في قيادات أحزاب وكتل «حركة النهضة» و«التيار الديمقراطي» و«مشروع تونس» و«الجبهة الشعبية» أن أوراقاً كثيرة اختلطت، وأن المسكوت عنه هو مطالبة أطراف كثيرة في الحكم والمعارضة للرئيس الباجي قائد السبسي ونجله حافظ ولزعماء «حركة النهضة» بإعلان زهدهم في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. بل لقد انطلقت حملات عنف لفظي بالجملة داخل المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام تستهدف قيادات «النهضة» وزعمائه التاريخيين... في أعقاب تصريحات أدلى بها بعضهم أوحت باحتمال ترشحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة. وانخرط في هذه الحملات مقرّبون من حافظ قائد السبسي من بين رموز الدولة والحزب الحاكم قبل 2011... مثل برهان بسيس، المدير السياسي لحزب نداء تونس، وعياض الودرني الوزير مدير الديوان الرئاسي في عهد زين العابدين بن علي. كذلك انخرط فيها معارضون سابقون لبن علي مثل ناجي جلول الوزير في حكومة الشاهد السابقة والقيادي سابقاً في «الحزب الديمقراطي التقدمي». وينحاز كل هؤلاء إلى الرئيس قائد السبسي ونجله حافظ والمقربين منها، ويطالبون بفك التحالف الذي يجمع «النداء» بـ«النهضة» في البرلمان والحكومة لأنهم يعتبرونه سبباً في تراجع شعبيتهم في الانتخابات البلدية الماضية.
- «حكومة النهضة»؟
ولم تقف بعض الصفحات الاجتماعية ووسائل الإعلام عند هذا الحد، بل انطلقت في حملة واسعة ضد قيادات «حركة النهضة» مع المطالبة بطردها من مواقعها في الحكم والمعارضة وإقصائها مجددا من اللعبة السياسية، مع تحميلها المسؤولية السياسية لانتشار العنف والإرهاب في البلاد وهجرة مئات الشباب المتطرف دينياً وسياسيا نحو ليبيا وسوريا والعراق.
وكانت من بين مفاجآت الحديث التلفزيوني المثير للجدل الذي أدلى به الرئيس قائد السبسي إلى قناة تلفزيونية خاصة مساء الأحد 15 يوليو (تموز) الجاري أنه انتقد بقوة حكومة الشاهد، وأورد «أن كثيرين أصبحوا يعتبرونها حكومة حزب حركة النهضة»، رغم انتماء نحو 15 من وزرائها إلى حزب «النداء» الذي أسسه قائد السبسي في 2012 ويتزعمه حاليا نجله. وتبنى مثل هذا التقييم إعلاميون كبار بينهم الصحافي الهاشمي نويرة الذي اتهم مع رئيس الجمهورية رئيس الحكومة الشاهد «بالتضحية بالحزام السياسي السابق الذي كان يتمتع به مقابل حصوله على دعم من حزب النهضة بهدف تعطيل التصويت على سحب الثقة من الحكومة في البرلمان». ولقد اعترض برلمانيون ووزراء مقرّبون من حزب «حركة النهضة» على تلك الانتقادات وذكّروا بكون يوسف الشاهد من بين أبرز قيادات «نداء تونس» منذ تأسيسه... وكان مرشحه ومرشح الرئيس قائد السبسي لرئاسة الحكومة في 2016.
- الدعم الدولي للشاهد
في هذه الأثناء، بحكم البُعد الدولي للتغييرات التي وقعت في أعلى هرم السلطة في تونس طوال العقود الماضية، تجري بعض حلقات الصراع على السلطة في تونس مجدداً في مقرات السفارات الأجنبية ومؤسسات صنع القرار الأوروبية والدولية. وعلى هذا المستوى، حصل رئيس الحكومة يوسف الشاهد مجدداً على دعم معنوي ومالي غير مسبوق من مؤسسات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية. وكانت الحصيلة ظفر الحكومة في وقت قياسي بمليارات من الدولارات لتغطية حاجاتها المالية واحتواء مطالب النقابات التي تضخم دورها والتي تخوض بدورها منذ أشهر حملة للمطالبة بإقالة الشاهد وكامل فريقه الحكومي.
- «الكل ضد الكل»
هذا، وفي حين يبدو أن معظم التونسيات والتونسيين منشغلون بأجواء الإجازات الصيفية والشواطئ وحفلات الزفاف، وبالتأقلم مع غلاء الأسعار وتدهور خدمات الصحة والتعليم والنقل في القطاع العام ومع ظاهرة انقطاع الماء والكهرباء، يحذّر سياسيون من الأحزاب الحاكمة والمعارضة من تورّط النخب النقابية والسياسية التونسية مجدداً من تفجّر انتفاضة اجتماعية سياسية غامضة النتائج على غرار ما جرى في أواخر 2010 ومطلع 2011.
وحقاً، كشفت استطلاعات الرأي نزوع غالبية الشباب المهمّشين إلى دعم الأحزاب الصغيرة، مثل «التيار الديمقراطي» بزعامة محمد عبو وغازي الشواشي، و«الجبهة الشعبية» بزعامة حمة الهمامي، وحزب «حراك الإرادة» بزعامة الرئيس السابق المنصف المرزوقي، التي ترفع كلها شعارات راديكالية تعارض في آن معاً كلاً من حزبي النداء والنهضة.
لكن ما يخشاه الجميع هو تطوّر معركة رموز قصري الرئاسة والحكومة إلى معركة «الكل ضد الكل»، عوض خوض تنافس حول البرامج... من شأنه أن يفيد البلد والشعب بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وينقذ المشروع الحضاري التقدمي وما يُعتبر أول نموذج للانتقال الديمقراطي السلمي في دول ما عُرف بـ«الربيع العربي».
- الخريطة السياسية الجديدة في تونس
> حزب «نداء تونس»، بزعامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ونجله حافظ قائد السبسي، ولقد أعلن عدد من المنشقين عنه عودتهم إليه لضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة.
ويقترح بعض مؤسسي هذا الحزب الآن انسحاب نجل الرئيس حافظ قائد السبسي إلى الصف الثاني كي يتمكن الحزب من استيعاب عدد أكبر من الكفاءات والشخصيات الوطنية والسياسية.
> حزب «مشروع تونس» الذي يتزعمه الوزير السابق محسن مرزوق مدير الحملة الانتخابية لحزب «نداء تونس» سابقاً. وهو يحتل المرتبة الثالثة (من الحجم التمثيلي) في البرلمان، واستقطب تياراً عريضاً من المنشقين. غير أنه لم يفز في الانتخابات البلدية في مايو الماضي إلا بنسبة ضعيفة من المقاعد.
> حزب «حركة النهضة» الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البلدية خلال مايو الماضي – حاصلاً على 28 في المائة من المقاعد ـ وبات صاحب الكتلة الأولى في البرلمان بـ68 مقعدا من بين 217.
> حزب «التيار الديمقراطي» بزعامة المعارض السابق المحامي محمد عبو، ولقد فاز بنحو 5 في المائة من المقاعد في الانتخابات البلدية. وهو حزب يساري يعارض بقوة كلاً من حزبي «النداء» و«النهضة».
> كتلة «الجبهة الشعبية» اليسارية بزعامة حمه الهمامي وزياد الأخضر. تضم هذه الكتلة 15 حزبا يساريا وقوميا عربيا صغيراً ولديها في البرلمان 15 نائباً، واحتلت المرتبة الرابعة في الانتخابات البلدية خلال مايو الماضي. ولدى هذه الكتلة السياسية تأثير كبير في النقابات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.