قانون القومية اليهودية يكرسّ إسرائيل {دولة أبرتايد}

السلطة الفلسطينية تعتبره إعلان حرب على كل مكونات الشعب... ونواب {القائمة المشتركة} يمزقونه

نواب «القائمة المشتركة» يتوسطهم رئيسها أيمن عودة يمزقون نسخ «قانون القومية» قبل إخراجهم من الكنيست (أ.ب)
نواب «القائمة المشتركة» يتوسطهم رئيسها أيمن عودة يمزقون نسخ «قانون القومية» قبل إخراجهم من الكنيست (أ.ب)
TT

قانون القومية اليهودية يكرسّ إسرائيل {دولة أبرتايد}

نواب «القائمة المشتركة» يتوسطهم رئيسها أيمن عودة يمزقون نسخ «قانون القومية» قبل إخراجهم من الكنيست (أ.ب)
نواب «القائمة المشتركة» يتوسطهم رئيسها أيمن عودة يمزقون نسخ «قانون القومية» قبل إخراجهم من الكنيست (أ.ب)

في الوقت الذي خرج فيه نواب ووزراء اليمين الإسرائيلي عن المألوف، وراحوا يصفقون احتفالا بإقرار قانون «القومية اليهودية» في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، فجر أمس الخميس، خرج نواب القائمة المشتركة غاضبين ومحتجين، ومزقوا النص الورقي للقانون، وقذفوا به نحو مقعد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وهم يصيحون «إنه قانون عنصري يثبت وضع إسرائيل كدولة أبرتايد ». فقرر رئيس الجلسة إخراجهم من القاعة.
وقد صادق الكنيست على القانون بأغلبية 62 نائبا مقابل 55 نائبا معارضين. وينص القانون على أن «دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي»، و«حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على اليهود»، و«الهجرة التي تؤدي إلى المواطنة المباشرة هي لليهود فقط»، و«القدس الكبرى والموحدة عاصمة إسرائيل إلى الأبد»، و«الحكومة تعمل على تشجيع الاستيطان اليهودي في كل مكان في أرض إسرائيل»، و«اللغة العبرية هي لغة الدولة الرسمية الوحيدة»، وأما اللغة العربية فقد فقدت مكانتها كلغة رسمية.
واعتبرت القائمة المشتركة القانون، من أخطر القوانين التي سنت في العقود الأخيرة، ويؤسس لنظام الأبرتايد ، حيث يتألف من بنود تؤكد التفوق العرقي لليهود، ويجعل التمييز ضد العرب مبررا وشرعيا، وسيطغى على أي تشريع عادي، وسيؤثر على تفسير القوانين في المحاكم، لأنه يحدّد الهوية الدستورية للنظام، التي تحّدد من هو صاحب السيادة، وتعتبر «الشعب اليهودي وحده صاحب السيادة في الدولة وفي البلاد». وجاء في البيان، أن القائمة المشتركة تعتبر قانون القومية قانوناً كولونيالياً معاديا للديمقراطية، عنصري الطابع والمضمون، ويحمل خصائص الأبرتايد المعروفة. وقال البيان «إذا كانت إسرائيل تعرف نفسها حتى الآن كدولة يهودية وديمقراطية، فقد جاء هذا القانون لينسف أي مظهر للديمقراطية، ويحسم ما وصف بالتوتر بين الطابع اليهودي والطابع الديمقراطي للدولة، بحيث يصبح التعريف وفق القانون الجديد دولة يهودية غير ديمقراطية». ولفتت القائمة المشتركة إلى أنه لا يوجد ذكر في القانون الجديد للديمقراطية والمساواة، وهو بمجمله مجموعة من البنود التي تؤكّد التفوق العرقي لليهود كأفراد وكشعب في كل المجالات، وهو لا يترك مجالاً للشك بأن هناك نوعين من المواطنة: لليهود مواطنة درجة أولى وللعرب درجة ثانية.
وأكدت القائمة المشتركة على أن جعل حق تقرير المصير حصريا لليهود، يعني نفي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ويبرر التفرقة في تحقيق الحقوق بين اليهود والعرب، ويحولها إلى تمييز شرعي على أساس عرقي عنصري. والمساواة، وفق هذا القانون، تنطبق على جميع اليهود في أي مكان، لكونهم يهودا. أما العربي فهو مستثنى، ويصبح التمييز ضده مبررا وشرعيا، وبحسبه يصبح الفلسطينيون غرباء في وطنهم. وأشار البيان إلى أن البند الخاص بتشجيع الاستيطان اليهودي، يعني عملياً منح أولوية للبلدات اليهودية في مجال الخدمات والتطوير وتخصيص الأراضي والإسكان، ويبرر التمييز ضد البلدات العربية. كما أن هذا البند يمنح شرعية للاستيطان على طرفي الخط الأخضر.
وفي رام الله، أكد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية د. صائب عريقات، أن إسرائيل نجحت في قوننة «الأبارتايد» وجعل نفسها نظام «أبارتايد» بالقانون، مدينا بشدة إقرار الكنيست لقانون القومية العنصري. واعتبر عريقات القانون، ترسيخا وامتدادا للإرث الاستعماري العنصري، الذي يقوم على أساس التطهير العرقي وإلغاء الآخر، والتنكر المتعمد لحقوق السكان الأصليين على أرضهم التاريخية، وإعطاء الحصرية في تقرير المصير على أرض إسرائيل وتشريع السيادة «للشعب اليهودي» وحده. وقال إن إسرائيل عزلت نفسها عن المنظومة الدولية، واختارت أن تكون الدولة النشاز من بين الدول في القرن الحادي والعشرين. وأضاف: «لقد تفوقت إسرائيل في تعزيز العنصرية على حساب مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية، من خلال تعريف نفسها على أساس عرقي وديني، الأمر الذي كشف زيف ادعاءاتها بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
وقال المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية يوسف المحمود: «إن ما اقترفته أيدي المسؤولين الإسرائيليين، من خلال سنهم مثل هذا القانون العنصري المعادي لكافة قيم الحرية والديمقراطية والإنسانية، يعتبر شن حرب على أبناء شعبنا وأرضنا، في محاولة أخرى لاستهداف وجود شعبنا وطمس تراثه المجيد، الذي يمتد إلى بدايات فجر التاريخ». وأضاف المحمود، إن «القانون يتحدث عن إبقاء الاحتلال على عاصمتنا الأبدية مدينة القدس الشرقية، والتي تعتبرها القوانين والشرائع الدولية ضمن أرضنا المحتلة إثر عدوان عام 67. وتعترف بها أكثر من 138 دولة على أنها عاصمة دولة فلسطين. إضافة إلى الحض على تشجيع الاستيطان واعتباره قيمة عليا، وذلك في الوقت الذي تعتبر فيه دولة الاحتلال مستوطناتها الاحتلالية المقامة على أرضنا وعلى ممتلكات أبناء شعبنا جزءً منها، وهذا تحريض وتشريع باستمرار العدوان الاحتلالي الاستيطاني». وشدد المتحدث الرسمي على أن ما تقوم به دولة الاحتلال يهدد القيم والأصول والشرائع، ويهدد الأمن والسلام. وجدد مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك من أجل وقف الإجراءات الاحتلالية الخطيرة.
وقد أجمعت الفصائل الفلسطينية على أن مصادقة الكنيست على «قانون القومية» يقونن للأبارتهايد وللتطهير العرقي، ويرسخ العداء ويشرع الاستيطان والعدوان على الشعب الفلسطيني. وصرح قادة حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، بأن إقرار الكنيست «قانون القومية» طافح بالعنصرية بالكراهية، ويعد استهدافا خطيرا للوجود الفلسطيني. وأكد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، د. يوسف الحساينة، أن القانون يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن إسرائيل ماضية في طريقها للقضاء على الوجود الفلسطيني في 1948. كما أنه يمهد لمصادرة وضم مزيد من أراضي الضفة الغربية إلى الكتل الاستيطانية هناك. وبين أنه في حال دخل هذا القانون حيز التنفيذ، فإننا أمام مرحلة جديدة من مراحل التهجير «الترانسفير» لأهلنا في القدس والداخل، والتغول الاستيطاني، وهو ما يستوجب توحيد الجهود الوطنية والإقليمية لمواجهة هذا المخطط الإجرامي الخطير. واعتبر الحساينة هذا القانون من أخطر القوانين التي صادق عليها الكنيست في السنوات الأخيرة، حيث يحمل في طياته عناصر عنصرية، تساعد على تفوق اليهود وتمنحهم مزيدا من الامتيازات، فيما يعتبر العرب أصحاب الأرض الحقيقيين من الدرجة الثانية تمهيدا لمحاصرتهم ودفعهم للهجرة. ودعا السلطة الفلسطينية بتدارك خطورة هذا الأمر، والإسراع في وقف التنسيق الأمني الذي يصب في خدمة الاحتلال وجعل منه احتلالا مريحا وبلا كلفة.
بدورها، أكدت حركة حماس أن إقرار «قانون القومية» شرعنة رسمية للعنصرية الإسرائيلية، واستهداف خطير للوجود الفلسطيني وحقه التاريخي في أرضه، وسرقة واضحة لممتلكاته ومقدراته. وقال الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم إنه ما كان لهذه القوانين والقرارات المتطرفة أن تتخذ لولا حالة الصمت الإقليمي والدولي على جرائم الاحتلال وانتهاكاته، وكذلك الدعم الأميركي اللامحدود للنهج العنصري الإسرائيلي المتطرف. وشدد برهوم في تصريح صحافي على أن كل هذه القرارات والقوانين الباطلة لن تمر ولن تغير من الواقع شيئا، وسيبقى الشعب الفلسطيني صاحب الحق والسيادة على هذه الأرض.
وفي إسرائيل، اعتبر مركز «عدالة» سن «قانون القومية» تكريسا للفصل العنصري والتمييز ضد المواطنين العرب في إسرائيل. وأصدر «عدالة» ورقة موقف حول قانون الأساس الذي يكرس الفصل العنصري، واعتبر أنه معادٍ للديمقراطية ويدعم التمييز ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، والفلسطينيين في القدس الشرقية، والسوريين في الجولان المحتل، ويشرعنه دستورياً. وأكد المركز في ورقة الموقف، على أن قانون أساس القومية يقع ضمن حدود المحظورات المطلقة بموجب القانون الدولي، وبالتالي فهو غير شرعي كقانون استعماري له خصائص الفصل العنصري (أبرتايد ).
وقال «عدالة» إن «هذا القانون المناهض للديمقراطية سيضمن دستورياً، لأول مرة، هوية إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي. سيضمن طابعها العرقي - الديني الخالص كدولة يهودية ويرسخ الامتياز الذي يتمتع به المواطنون اليهود، بالمقابل، سيجري ترسيخ التمييز ضد المواطنين الفلسطينيين وإضفاء الشرعية على الإقصاء والعنصرية والتمييز المتأصل، وهذا القانون يبرز العناصر الأساسية للفصل العنصري، مثل الفصل في السكن، وإنشاء مسارين منفصلين للمواطنة على أساس الهوية العرقية والدينية». وشدد على أن «يهودية الدولة الإسرائيلية ستتجاوز أي مبدأ دستوري أو أي قانون آخر، وستتجاوز حتى إرادة الكنيست نفسها. من المفترض أن يضمن الدستور دولة لجميع مواطنيها، يجب ألا تستبعد صراحة المواطنين الفلسطينيين والأقليات غير المهاجرة الذين يشكلون 20 في المائة من سكان إسرائيل».
وفي تركيا، نددت وزارة الخارجية بالقانون، مؤكدة أنه «يطيح بمبادئ القانون الدولي، وينسف حقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل».
وأبدى الاتحاد الأوروبي «قلقه» حيال إقرار القانون، قائلاً إنه يهدد بـ«تعقيد» حل الدولتين مع الفلسطينيين.



عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إيران «تستخدم لبنان ورقة ضغط» في إطار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب «حزب الله»، يشنان «حرباً عبثية» لن تؤدي أبداً إلى «النتيجة المرجوة».

وقال عون في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية إن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل هي من خلال المفاوضات، وعلى نتنياهو والإسرائيليين و(حزب الله) أن يفهموا أنهم يخوضون حرباً لا جدوى منها، وأن الاستراتيجية التي يتبعونها هي قصيرة النظر، وتؤدي إلى نتائج عكسية».

وشدد على أنه «لا يمكن التعامل مع (حزب الله) إلا محلياً، وهذا هو واجب الدولة والحكومة، إنما بشرط واحد وهو إزالة جذور أسباب وجود سلاحه؛ أي الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل».

وأعلن أنه «يرفض تماماً تصريح (الحرس الثوري) الإيراني الذي يملك تأثيراً كبيراً على (حزب الله)، لجهة عدم موافقتهم على الاتفاق وما حصل، وإنهم يستعملون لبنان ورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية».

وأضاف: «سئمنا هذا الوضع منذ عام 1969، نريد أن نعيش في سلام، ويستحق اللبنانيون عدم رؤية منازلهم تدمّر كل 5 أو 10 سنوات، لقد ملّوا وهم يعتمدون عليّ ومن واجبي تجاه شعبي. هم الشعب اللبناني وليسوا شعب (الأمين العام لحزب الله) نعيم قاسم».

وأضاف: «لدينا فرصة جيدة لإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، لدينا فرصة للشعبين اللبناني والإسرائيلي للعيش في حالة من الأمن والأمان. إنها فرصة هائلة وعليهما أن يختارا (نتنياهو وحزب الله): الحرب أو المفاوضات أو الدبلوماسية، والدبلوماسية هي أفضل طريقة. وكرجل عسكري، فإنني أفهم وقد عشت فظائع الحرب، وأفضل طريقة هي عبر الدبلوماسية، فالحروب بشكل عام، وعبر التاريخ، تنتهي بمنتصر ومهزوم أو من خلال المفاوضات، ولن يتمكن الطرفان من تحقيق أهدافهما من خلال الحرب».

وعن إمكان اقتناع «حزب الله» بالمفاوضات واتفاق وقف إطلاق النار، أعرب عون عن أمله في أن يتم إقناعهم في نهاية المطاف، لكنه أضاف: «إنما الثمن سيكون مرتفعاً للأسف. سأحاول، فليس هناك من مستحيل، وسأدفع نحو هذا الأمر».

وأوضح أن «رئيس مجلس النواب نبيه بري يؤيد المفاوضات وإنهاء هذه الحرب، وقد سئم من الحرب بعد أن شاهد تدمير الجنوب، وأعتمد عليه».

أما عن تصريح «الحرس الثوري» الإيراني الذي أعلن فيه عدم موافقته على الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، شدد عون على رفضه لهذا الكلام، وقال: «هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا، وواجبنا، وعملكم ليس التدخل في بلدنا، وأنا أرفض هذا التصريح بشكل تام، لأن شعبنا هو الذي يقتل، وبيوتنا هي التي تدمّر، هم يستعملون لبنان ورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية. هذا أمر غير مقبول».


الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

اتهمت الحكومة اليمنية الجماعةَ الحوثية بالوقوف وراء اغتيال أحد أبرز المسؤولين التنمويين في البلاد، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً نظراً لمكانة الضحية ودوره في إدارة واحد من أهم البرامج التنموية التي عملت لعقود على دعم المجتمعات المحلية، والتخفيف من آثار الأزمات الإنسانية.

وجاءت هذه الاتهامات خلال مباحثات أجراها وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، حيث استعرض الوزير مستجدات التحقيقات المتعلقة باغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، والإجراءات التي نفَّذتها الأجهزة الأمنية منذ وقوع الحادثة. وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد الوزير اليمني أنَّ التحقيقات أسفرت عن ضبط عدد من المشتبه بهم، مشيراً إلى وجود أدلة قالت السلطات إنَّها تثبت تورُّط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ للجريمة، في تطوُّر يضيف بُعداً جديداً إلى الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والجماعة بشأن استهداف الكوادر المدنية والعاملين في المجالات الإنسانية والتنموية.

وبحسب وزارة الداخلية اليمنية، فإنَّ مسار التحقيقات قاد إلى نتائج وصفتها بالحاسمة، دفعتها إلى تحميل الحوثيين المسؤولية عن عملية الاغتيال التي استهدفت المسؤول التنموي البارز الذي كان يقود مؤسسةً لعبت دوراً محورياً في تنفيذ مشروعات تنموية وخدمية في مختلف المحافظات اليمنية.

وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان (إعلام حكومي)

وأبلغ الوزير السفير الأوروبي أنَّ الأجهزة الأمنية تواصل استكمال إجراءات التحقيق وجمع الأدلة وملاحقة المتورطين، مؤكداً أنَّ الجريمة لا يمكن فصلها عن المناخ الأمني المُعقَّد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

كما ربط حيدان بين هذه القضية، واستمرار الجماعة الحوثية في احتجاز عدد من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية، عادّاً أنَّ تلك الممارسات تعكس نهجاً متصاعداً في التضييق على العمل الإنساني والتنموي.

وتنظر الأوساط الحكومية إلى الحادثة بوصفها ضربةً موجعةً للجهود التنموية في اليمن، لا سيما أنَّ الصندوق الاجتماعي للتنمية يُعدُّ من أهم المؤسسات التي حافظت على نشاطها خلال سنوات الحرب، وأسهمت في توفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر احتياجاً.

تعاون أمني مع أوروبا

جاء ملف الاغتيال ضمن مباحثات أوسع تناولت التعاون الأمني بين اليمن والاتحاد الأوروبي، حيث أشاد وزير الداخلية بالدعم الذي يُقدِّمه الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية، وبرامج بناء قدرات الأجهزة الأمنية.

وأكد حيدان تطلع وزارته إلى توسيع مجالات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملفات مكافحة الهجرة غير الشرعية والتحديات الأمنية العابرة للحدود، مشدداً على أهمية التنسيق المشترك لحماية المصالح المتبادلة وتعزيز الاستقرار.

من جانبه، جدَّد سفير الاتحاد الأوروبي دعم الاتحاد لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة باليمن، مؤكداً استمرار التعاون مع وزارة الداخلية في مختلف المجالات الأمنية بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار. بحسب ما نقله الإعلام الرسمي.

ويأتي هذا الدعم في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد مزيد من المساندة الدولية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، وسط استمرار الصراع وتراجع مستويات التمويل الدولي للبرامج الإغاثية والتنموية.

انتهاكات واسعة بحق الأطفال

بالتزامن مع الاتهامات الحكومية بشأن عملية الاغتيال، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريراً جديداً وثَّقت فيه ما قالت إنها «انتهاكات واسعة» ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق الأطفال منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية مارس (آذار) 2026.

ووفق التقرير، بلغ عدد الانتهاكات الموثقة نحو 29 ألفاً و891 حالة، شملت القتل، والإصابة، والاختطاف، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاعتداءات الجنسية، والتجنيد القسري للأطفال.

وأشار التقرير الحقوقي إلى مقتل أكثر من 5 آلاف طفل وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن تهجير عشرات الآلاف وتشريدهم، بينما حُرم ملايين الأطفال من التعليم؛ نتيجة تداعيات الحرب وتحويل عدد من المدارس إلى مواقع عسكرية أو مراكز للتعبئة والتجنيد.

كما تحدَّث التقرير عن استمرار الحوثيين في تجنيد الأطفال وإشراكهم في العمليات القتالية، مؤكداً أنَّ هذه الممارسات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، وداعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لحماية الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.


السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
TT

السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

بينما يُنظر إلى أزمة السيولة التي تواجه الحكومة اليمنية على أنها نقص في الأوراق النقدية، يرى خبراء اقتصاديون أن المستجد الأبرز يتمثل في اتساع الفجوة بين البنوك والسوق، مع استمرار تركز جزء كبير من السيولة خارج القنوات المصرفية الرسمية؛ الأمر الذي حدّ من فاعلية السياسات النقدية وأبقى الأزمة قائمة رغم الإجراءات الأخيرة للبنك المركزي.

وفي حين لم يعلن البنك المركزي اليمني، بشكل مباشر، عن قرارات لمعالجة الأزمة التي تواجه القطاع المصرفي وتلقي بآثار ثقيلة على الاقتصاد والسكان، فإن الإجراءات المتخذة من طرفه خلال الفترة الماضية، غير قادرة على إنهاء معاناة البنوك اليمنية في الحصول على الأوراق النقدية الكافية لإنجاز المعاملات اليومية.

ويرى الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن توصيف الأزمة بأنها نقص في النقد ليس دقيقاً بالكامل، موضحاً أن الأوراق النقدية لا تزال متوافرة في الأسواق ويتم تداولها خارج الجهاز المصرفي، في حين تكمن المشكلة الأساسية في عجز البنوك عن استقطاب هذه الأموال وإعادتها إلى الدورة المالية الرسمية.

ويوضح الآنسي لـ«الشرق الأوسط» أن القيود التنظيمية وآليات العمل التقليدية التي ما زالت تحكم القطاع المصرفي تقلص جاذبية البنوك وتجعلها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بشركات الصرافة.

تتصاعد المخاوف اليمنية من تأثيرات أزمات المنطقة على مستويات المعيشة (رويترز)

وتفرض البنوك حدوداً منخفضة على التحويلات وساعات عمل محدودة، في حين توفر شركات الصرافة خدمات أكثر مرونة وسرعة؛ الأمر الذي دفع شريحة واسعة من الأفراد والتجار إلى الابتعاد عن التعامل المصرفي التقليدي، وفقاً للآنسي.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي في اليمن انكماشاً حاداً ومستمراً خلال العقد الممتد من 2015 إلى 2025 (عقد الانقلاب الحوثي والحرب)، بانكماش وصل إلى نحو 43 في المائة، ووصل إجمالي الخسائر التراكمية للاقتصاد اليمني إلى أكثر من 126 مليار دولار، كما تنقل بيانات البنك الدولي ووزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية.

أزمة بنيوية

خلال الأسابيع الماضية، أجرى البنك المركزي اليمني اجتماعات مكثفة مع البنوك المحلية وبرنامج الغذاء العالمي، وسط مخاوف من تأثيرات عميقة للنزاعات في المنطقة على الأمن الغذائي في البلاد، وعدم القدرة على توفير السلع الأساسية للسكان.

ويرى عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن المشكلة تتجاوز الأدوات الفنية للبنك المركزي إلى بنية مؤسسية أكثر تعقيداً؛ إذ تفتقر السلطات النقدية إلى أدوات مالية جاذبة يمكن أن تستقطب السيولة المكتنزة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي ذات العوائد المناسبة، فضلاً عن تأثير الانقسام النقدي والمؤسسي الذي فرضته الحرب وأدى إلى تشظي المنظومة المالية وإضعاف مركزية القرار النقدي.

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» استبعد المساجدي وجود تأثير مباشر لممارسات الجماعة الحوثية في هذه الأزمة التي تواجهها مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، إلا أنه نبّه إلى وقوع تأثير بنيوي لإقدام الجماعة على خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على التعاملات غير المصرفية ويعيد إنتاج سلوكيات مالية مضطربة، ودفع السياسة النقدية إلى العمل في بيئة غير مكتملة السيطرة.

وتتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الحوثيين بضرب واستهداف الاقتصاد اليمني وموارد الدولة، والاعتداء على موانئ تصدير النفط والتهديد وإيقاف حركة تصدير الوقود والغاز؛ ما أدى إلى حرمان السكان من أهم مصادر الإيرادات والمرتبات والخدمات الأساسية.

من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي اليمني عبد السلام الأثوري أزمة السيولة بحالة تفكك أوسع طالت مؤسسات الدولة وآليات إدارة الموارد العامة. ويشير إلى أن جزءاً من الأموال المتداولة يتسرب خارج الدورة الاقتصادية الرسمية عبر قنوات غير مصرفية، في حين تتجه مبالغ أخرى نحو المضاربة بالعملات الأجنبية أو التحويل إلى الخارج؛ الأمر الذي يفاقم اختلالات السوق النقدية.

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بتدمير الاقتصاد واستهداف المنشآت الاقتصادية منذ بدء الحرب (أ.ب)

وطبقاً لما قاله الأثوري لـ«الشرق الأوسط»، فإن تراجع دور المؤسسات المالية الرسمية أدى إلى توسع الاقتصاد الموازي، حيث أصبحت شركات الصرافة تستحوذ على جزء كبير من السيولة وتوجهها نحو المضاربة والتحويلات الخارجية، كما عمّق الانقسام السياسي والنقدي تشظي المنظومة المالية؛ ما عطل الدورة النقدية وأحدث اختناقاً في السيولة، رغم وجود أموال كبيرة خارج الجهاز المصرفي.

إجراءات غير مجدية

على الرغم من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة على الودائع، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وتنظيم عمليات الاستيراد، فإن المراقبين يرون أن تأثير هذه الإجراءات لا يزال محدوداً ما لم تترافق مع إصلاحات أعمق تعيد الثقة بالقطاع المصرفي وتنشط الدورة النقدية.

ويؤكد الآنسي أن رفع أسعار الفائدة قد لا يحقق النتائج المرجوة؛ لأن البنك المركزي لا يسيطر فعلياً إلا على جزء محدود من الكتلة النقدية، بينما تبقى النسبة الأكبر خارج النظام المصرفي، كما يدعو إلى مراجعة بعض السياسات المتعلقة بتمويل الواردات لتخفيف الضغط على السيولة المحلية.

وطالب بتعديل القرار الملزم للمستوردين بتوريد 100 في المائة من قيمة الاعتمادات بالعملة المحلية لتخفيف الضغط عليها، منوهاً إلى أن البنك المركزي لا يستطيع إلزام البنوك بتجاوز ما يُعرف بمركز العملة؛ لأن البنوك لا تملك حق تغيير أموال المودعين من عملة إلى أخرى إلا بطلبهم.

على الرغم من تحسن سعر الريال اليمني فإنه يعاني ضعف القدرة الشرائية (أ.ب)

ويسعى البنك المركزي إلى إلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخها في الأسواق لتغطية العجز عن دفع الرواتب.

من جهته، يدعو الأثوري إلى إصلاح الرواتب من خلال تدقيق القوائم الوظيفية وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، ودمج جزء منها بالنظام المصرفي، والتحول للدفع الرقمي من خلال توسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد، ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة.

ومع استمرار اختناق السيولة رغم وجود كتل نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة توزيع وثقة وإدارة مالية منها إلى نقص فعلي في الأموال؛ وهو ما يجعل معالجتها مرهونة بإصلاحات مؤسسية أوسع تتجاوز الأدوات النقدية التقليدية.