رئيس البرلمان الليبي لـ {الشرق الأوسط}: حكومة الوفاق غير شرعية

عقيلة صالح دعا إلى توزيع عوائد النفط على المواطنين بشكل عادل ونزيه

عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (تصوير: عبد الستار حتيتة)
عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (تصوير: عبد الستار حتيتة)
TT

رئيس البرلمان الليبي لـ {الشرق الأوسط}: حكومة الوفاق غير شرعية

عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (تصوير: عبد الستار حتيتة)
عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (تصوير: عبد الستار حتيتة)

دعا المستشار عقيلة صالح، رئيس البرلمان الليبي، إلى توزيع عوائد النفط على الليبيين بشكل عادل ونزيه. وقال في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن حكومة الوفاق، التي يرأسها فائز السراج في العاصمة طرابلس، غير شرعية وهشَّة ولا تملك جيشاً. مبرزاً أن كل التعاقدات التي أبرمتها مع شركات، أو دول، لا قيمة لها.
ويتولى المستشار صالح، في الحقيقة، منصب رئيس البلاد المؤقت، بناءً على تعديل أدخل على الإعلان الدستوري المعمول به في البلاد سنة 2014، لكن المجتمع الدولي يصر على تناسي هذا الأمر لصالح السراج، الذي جاء بعد اتفاق جرى بين أطراف ليبية برعاية الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات المغربية سنة 2015. وحول هذا الاتفاق يقول المستشار صالح «لم نوقّع على هذا الاتفاق. ولا نعرف الجهة التي يتبعها من وقعوا عليه».
يدير السراج تسيير الدولة من طرابلس، وقد منح نفسه لقب القائد الأعلى للجيش الليبي. لكن صالح يعتبر هذا الأمر تجاوزاً كبيراً لصلاحياته بصفته رئيساً للبرلمان، حيث يتولى إدارته من مقره في طبرق. واليوم يظهر أن رئيس البرلمان حاز أكثر من ورقة رابحة بسبب التطورات العسكرية والنفطية في الشرق الليبي. وقد أصبحت لهجة صالح محددة أكثر من السابق في توجيه انتقادات لاذعة لمن ظلوا يتجاهلون حقيقة السلطة العليا، التي منحها له الإعلان الدستوري رئيساً لمجلس منتخب من الشعب، يقوم بمهام رئيس الدولة المؤقت. وفي هذا السياق، يقول صالح، إن البرلمان «لم يوقع على اتفاق الصخيرات من الأساس رغم مرور كل هذه السنين، لكن يبدو أن العالم لا يريد أن يتعامل مع هذه الحقيقة بشكل جاد. ومع ذلك لم نتوقف عن محاولة رأب الصدع. وكان آخرها تلبية دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لقاء عقد في باريس بين الأفرقاء الليبيين».
وبحكم منصبه، يعد صالح القائد الأعلى للجيش في البلاد أيضاً، وفي هذا الصدد يقول صالح، إن سلطة السراج في طرابلس «هشة لأن ليس لديه جيش فعلي حتى يعلن نفسه قائداً أعلى له، وإلا فبماذا نفسر هجوم الميليشيات الذي وقع الشهر الماضي على الهلال النفطي وموانئ التصدير؟». مضيفاً، أنه يملك «معلومات عن أن حكاماً في طرابلس منحوا ملايين الدولارات لميليشيات قصد تنفيذ هجمات على المنشآت النفطية... ونحن نريد أن نوزع إيرادات النفط هذه على جميع المواطنين بعدل ونزاهة».
وينظر صالح (74 عاماً) إلى السراج ومجلسه الرئاسي، وحكومة الوفاق التابعة له، باعتبارها «أجساماً غير شرعية». ويقول عنهم «إنهم دعموا الجماعات التي هاجمت الجيش في حقول النفط بالأموال المتحصلة من تصدير النفط نفسه، منها 40 مليون دينار لأحد قادة الميليشيات. وهذا أمر لا يمكن أن يستمر بهذه الطريقة. نحن نريد إدارة عادلة لعوائد تصدير البترول؛ لأنه يخص كل الليبيين».
ورغم كل شيء، يمتلك صالح في حديثه الغاضب قدرة على إظهار الدبلوماسية والدخول في حوار حتى مع ألد الأعداء، كما حدث مع خصومه، وبخاصة أنه ينتمي إلى قبيلة العبيدات الكبيرة، التي حيَّرت بمواقفها المرنة الاحتلال الإيطالي مطلع القرن الماضي. واليوم يحاول حفيد «العبيدات»، الذي انتخب قبل أربع سنوات رئيساً لأعلى سلطة في البلاد، إنهاء الفوضى في عموم ليبيا عن طريق جسمين يتبعانه: الجيش الذي يقوده حفتر، والحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني. وهو يسير في هذا الاتجاه بخطى حثيثة، ويحقق نتائج على الأرض، رغم الموقف الدولي غير المساند، الذي ظهر واضحاً في مسألة تصدير النفط.
وبدا قرار الجيش سحب مسؤولية إدارة الموانئ النفطية من حكومة السراج، ومنحها لحكومة الثني قراراً منعشاً للمستشار صالح، حتى لو كان الأمر قد استمر لبضعة أيام فقط. كما حقق حفتر انتصارات أخرى لافتة خلال الشهور القليلة الماضية، وعلى رأسها هزيمة الجماعات المسلحة والمتطرفة في الشرق، سواء تلك التي كانت تهيمن على مدينة بنغازي، أو مدينة درنة.
ويرى رئيس البرلمان، المتخصص في القانون وشؤون القضاء، وجود محاباة من دول غربية لحكام طرابلس، لكنه يبدو واثقاً من قدرة البرلمان والحكومة المؤقتة والجيش على استكمال التحرك انطلاقاً من الشرق قصد تحقيق مزيد من الخطوات في طريق توحيد الدولة، والقضاء على الجماعات المسلحة والانفلات الأمني. وفي هذا الشأن، يوضح صالح، أن الجيش هو من يحدد متى سيتحرك إلى الغرب، وكيف سيتعامل مع الأوضاع في تلك المدن، بعد أن انتهى من تحرير بنغازي ودرنة أخيراً. مشيراً إلى وجود دلائل لدى الجيش على وجود دعم تركي وقطري لجماعات إرهابية، كانت تنشط في هاتين المدينتين.
ورغم شعوره بالنصر بتحرير مدن الشرق، واستعادة الموانئ النفطية من الميليشيات، فإنه من السهل ملاحظة المرارة التي يتحدث بها المستشار صالح حين يتحدث عن إصرار زعماء بعض دول العالم على التمسك بالمجلس الرئاسي كـ«سلطة شرعية». ويقول، إن «هناك دولاً تريد استمرار الفوضى، ولا تريد الاستقرار في ليبيا. وبالتالي فهم لم يتعاملوا معنا، رغم كوننا سلطة منتخبة من الشعب».
ويعتقد المستشار صالح أنه بعد تشكيل المجلس الرئاسي أصبحت بعض الدول الغربية لا تريد أن تتعامل معه بصفته الممثل لأعلى سلطة في بلاده. إلا أنه يبدو مع ذلك واثقاً من قدرته على تطويع مثل هذه الظروف الصعبة.
وحول موقفه من «اتفاق الصخيرات»، يقول المستشار صالح، إن «ما يسمى بالمجلس الرئاسي لم تكن له أي شرعية في ليبيا، بدليل أنه جاء طبقاً لما يسمى بالاتفاق السياسي»، مشيراً في هذا الصدد إلى أن من وقّعوا على الاتفاق في الصخيرات «لم يكونوا مفوضين من الشعب الليبي، ولا من السلطات التشريعية في ليبيا... وما حدث هو أن السيد مارتن كوبلر، المبعوث الأممي السابق لليبيا، جمع 22 شخصاً، ليست لهم أي صفة. وليس لهم تفويض، ووقع بهم على هذا الاتفاق السياسي».
وكان يُفترض أن يتم تضمين اتفاق الصخيرات في الإعلان الدستوري خلال جلسة بالبرلمان منذ عام 2016؛ حتى تكون له حجة قانونية. لكن هذا الإجراء لم يتم أبداً. وحول هذه النقطة بالتحديد يقول صالح إن ذلك «دليل على أن هذا الاتفاق السياسي لا قيمة له؛ لأنه يتعارض مع الإعلان الدستوري، وطالما أنه لم يُضمن في الإعلان الدستوري، فإنه لا قيمة له قانوناً ولن يكون شرعياً».
مضيفاً، أن البرلمان «لم يمنح حكومة السراج الثقة... لكن الغريب هو أن المجتمع الدولي ما زال يقول إن هذه الحكومة شرعية، وإن الحكومة المعتمدة من مجلس النواب (المؤقتة) أصبحت هي الحكومة الموازية... سبحان الله... الحكومة المعتمدة من الشعب أصبحت هي الموازية، والحكومة التي جاءت من الخارج هي الحكومة الشرعية. هذا أمر غريب جداً».
وكان السراج قد تقدم عند بداية عمله قبل أكثر من عامين بأسماء لأعضاء حكومته لنيل الثقة، إلا أن البرلمان رفضها. وفي هذا الصدد، يوضح المستشار صالح «مع ذلك هناك دول تتعامل مع حكومة الوفاق، مع أنها لم تنل الثقة من البرلمان، بل رفضها مرتين. كما أنها لم تؤدِ اليمين الدستورية».
ومن أهم الخلافات التي عرقلت ضم الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري تحفظ البرلمان على مادة في الاتفاق، تمنح السراج منصب القائد الأعلى للجيش. وبعد أن يئس من حل الإشكال، نصّب السراج نفسه في هذا الموقع العسكري. وحول هذه الخطوة يقول صالح «هذا الإجراء اغتصاب للسلطة... السيد السراج ليست لديه أي سلطة... لا على قوات عسكرية، ولا على قوات غير عسكرية».
ويوضح صالح، أن حكومة الوفاق تعمل أيضاً بميزانية مالية غير معتمدة من مجلس النواب، مبرزاً أنه «لا يجوز صرف هذه الميزانية إلا بعد اعتمادها من المجلس. وغياب هذا الإجراء الدستوري أدى للفساد». ومع ذلك يستطرد قائلاً: «رغم كل هذه الظروف حاولنا من أجل مصلحة ليبيا أن نتعامل مع هذا الاتفاق السياسي. لكننا نرفض ما هو في غير مصلحة بلادنا».
وفي ثقة كبيرة يصف رئيس أعلى سلطة منتخبة في ليبيا مصير الاتفاقيات، التي وقعها المجلس الرئاسي عن طريق السراج أو غيره، سواء اتفاقيات نفط أو اتفاقيات عسكرية مع الدول الأجنبية، بأنها «لا قيمة لها لأنها من حكومة غير شرعية... ونحن أيضاً لم نعترف بهذه الالتزامات».
ومن بين علامات الاستفهام الأخرى، التي يطرحها المستشار صالح، مصير مليارات الدولارات من عائدات النفط، التي دخلت جيب حكومة الوفاق في طرابلس خلال الفترة الماضية. ويقول بهذا الخصوص «رغم أن دخل النفط تجاوز 1.2 مليون برميل يومياً. لكن لم يتغير الحال في ليبيا. فقيمة الدولار أصبحت تقارب العشرة دينارات (في السوق الموازية). الأسعار مرتفعة... والسيولة فيها نقص مستمر، وهذا دليل على إساءة استعمال السلطة، وإهدار المال العام، وصرفه على غير الليبيين».
ومع أن دولاً عدة أظهرت منذ البداية معارضتها لقرار حفتر بخصوص إحالة ملف النفط للشرق، وقيامها بالدعوة إلى تسوية النزاع بين غرب ليبيا وشرقها من أجل ضمان تدفق الصادرات النفطية. إلا أن المستشار صالح يبدي دهشته من التغاضي عن مآل مليارات الدولارات من عوائد النفط خلال الفترة الماضية. ويقول مستغرباً «لقد تبيَّن أن دخل النفط يذهب لدعم مجموعات إرهابية مسلحة. كما تم شراء أسلحة حديثة لجماعات في الغرب، منها دبابات ومدرعات... وحسب التحقيقات الأولية، فإن هناك دعماً من طرابلس لمثل هذه المجموعات. وبالتالي، فإن المطلوب من الجميع هو أن يكون هذا النفط في أيدٍ أمينة، ويوزع على الليبيين بالتساوي».
وتبدو العلاقة بين مجلس النواب، الذي يرأسه صالح، ومجلس الدولة الذي يرأسه خالد المشري، القيادي في جماعة الإخوان، كرسم غير واضح المعالم، مع العلم أن غسان سلامة، المبعوث الأممي الحالي إلى ليبيا، كان يعول على لجان حوار بين المجلسين لحل الأزمة الليبية. لكن الخطوط تداخلت. ويعلق المستشار صالح على مصير الحوار بين المجلسين بقوله، إنه «لا توجد نية واضحة لبعض أعضاء مجلس الدولة للحل في ليبيا».
فقد جرى في البداية الاتفاق على تقليص عدد أعضاء المجلس الرئاسي من تسعة أعضاء إلى ثلاثة أعضاء فقط، إلا أن مجلس الدولة لم يقر هذا الاتفاق.
وشارك صالح مع المشري والسراج وحفتر في لقاء باريس، برعاية ماكرون، حيث أعلن الرئيس الفرنسي وقتها أن الانتخابات في ليبيا ستكون قبل نهاية هذا العام. وبسؤاله عما إذا كان يرى أن هذا الأمر قابل للتطبيق، وفقاً للظروف الحالية في بلاده، أجاب رئيس البرلمان «بالنسبة لمهمتنا في مجلس النواب، الآن لدينا قانون الاستفتاء قيد الدراسة في المجلس، يكاد يكون قارب على الإنجاز... وأيضاً قانون انتخاب الرئيس. ومجلس النواب سيقوم بكل الاستحقاقات للمرحلة الانتخابية».
ويقف صالح مع انتخاب رئيس للبلاد قبل أي انتخابات أخرى. ويقول في هذا الصدد «أنا داعم بقوة لانتخاب الرئيس، بالتحديد، أولاً، لأننا في حاجة إلى رئيس تنفيذي لتوفير الغذاء والدواء وباقي المتطلبات. وعندما يُنتخب الرئيس ينتهي النزاع على الشرعية، وتتوحد المؤسسات، ويُعرف من هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. ووقتها سيعرف المجتمع الدولي مع من يتعامل. أعتقد أن المرجع الأساسي المهم هو «انتخاب الرئيس أولاً».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.