في دورة تعليمية غريبة من نوعها تدور حول «مهارة الغزل»، تنطلق الضحكات وتتعالى في أرجاء غرفة الدراسة داخل مبنى تابع لإدارة الصحة بمدينة فرانكفورت، ففي هذه الغرفة يسود جو من الود بين نحو 30 مشاركاً، وهي مخصصة للراغبين من الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم الستين عاماً، ومن المفترض أن يتعارف المشاركون بعضهم على بعض عن طريق تبادل عبارات المديح والثناء.
وتبادر امرأة رجلاً يرتدي حلة بعبارة إطراء قائلة: «إنك تبدو جذاباً»، وتتلقى أخرى عبارات الإعجاب بشعرها.
تقف كريستينه بمنأى إلى حدٍّ ما عن الجمع وتتجول بنظراتها في أنحاء المكان وتتفحص الموجودين، وتقول: «إنني لا أخشى من التعرف على الناس، فأنا لست خجولة». وتناهز كريستينه السبعين من العمر، وتبدو بشعر أشقر مصبوغ وهي تضع وشاحاً قرمزي اللون ليتماشى مع لون أحمر الشفاه الذي تضعه، وعملت هذه السيدة في صناعة الأزياء لمدة 50 عاماً.
تنظر كريستينه إلى المشاركين الآخرين في الدورة وتقول في أسى: «كنت أعتقد أنني سألتقي في هذه الدورة عدداً من الرجال العظام». وتهدف هذه الدورة إلى مزج التعليمات النظرية بالممارسة، بما يسمح لكبار السن بالتعرف بعضهم على بعض بطريقة يغلب عليها المزاح والمرح، حسب وكالة الأنباء الألمانية.
وتقول كلوديا هوهمان وهي معلمة للتربية الجنسية وتعمل في «الجمعية الألمانية لتنظيم الأسرة والتعليم الجنسي والاستشارات الجنسية»، وتدير هذه الدورات منذ 10 سنوات بدعم من إدارة الصحة بفرانكفورت: «لا تقلقوا، إن الأمر كله لا ضرر منه وهو مجرد نوع من المرح».
ولا يبدو أن معظم المسنين المشاركين بالدورة بحاجة إلى تطميناتها، فالأشخاص الذين يتقدمون بطلبات لحضور دورة لفنون الغزل من المرجح أنهم يتسمون بالحميمية والود والانفتاح على الآخرين، وتوضح هوهمان أنه على أي حال فإن أهم شيء هو أن تتعلم كيف تمنح نفسك التقدير اللازم بدلاً من الاهتمام بالعثور على شريك.
ويتعلق الجزء النظري من الدورة بعدم الاستمرار في العيش في عزلة مع التقدم في العمر، وأيضاً بكيفية الخروج من العزلة والسعي للاتصال مع أشخاص آخرين، وتصف هوهمان هذا الاتجاه بأنه «التحول إلى حب الحياة والابتعاد عن الحزن».
وأشارت دراسة أجرتها عام 2014 جامعة روستوك بألمانيا إلى أن ما نسبته 91% من الرجال الذين تناهز أعمارهم 74 عاماً، و81% من النساء في نفس العمر يعدون الحنان جزءاً مهماً من العلاقة مع الجنس الآخر، ومع ذلك يفقد كثير من الرجال والنساء الذين يعيشون من دون شريك هذا الشعور مع تقدمهم في العمر، وفقاً لما تقوله هوهمان.
وتضيف هوهمان أنه من المفترض أن تساعد هذه الدورة على انبعاث مشاعر الحنان والعطف لديهم مرة أخرى، وتؤكد أنه «توجد فينا جميعاً رغبة في الغزل».
ويتضمن الجزء العملي من الدورة أن يسير كل مشارك على شكل دائرة يصطف فيها بقية المشاركين، ويقدم كل منهم نفسه لكل فرد من الآخرين على خلفية الاستماع إلى الموسيقى الخفيفة وأنغام الجاز.
وتوضح هوهمان أنه من العناصر المهمة في الغزل هو أن ينفتح الشخص على الآخرين، وبعد ذلك تأتي عبارات المجاملة والثناء أو ما تطلق عليها «خطوط تجميع الغزل» وهي عبارة مشتقة من وحدات الإنتاج الصناعي، كما توضح أن كل فرد من كبار السن يسير في دائرة ويواجه كل فرد آخر من المشاركين، ويوجه إليه كلمات المديح ثم يتلقى منه مثلها.
وتشير هوهمان معلمة التربية الجنسية، إلى أن الكثير من الأشخاص يجدون صعوبة في تقبل عبارات المديح، ومع ذلك يبدو أن هذه مجموعة من المشاركين في الدورة تحب الاستماع إلى هذه العبارات، ويتساءل أحد الرجال المشاركين ضاحكاً: «هل هناك ما هو أجمل من توجيه عبارات المجاملة والثناء إلى سيدة؟».
ومع ذلك يبدو أن ثمة شيئاً لافتاً للنظر، فهناك أربعة رجال فقط وسط مجموعة المشاركين التي تضم نحو 30 شخصاً، وتعلق هوهمان على هذا الأمر بقولها «هذا المعدل أمر معتاد للأسف». ويتمثل أحد الأسباب في الاختلاف في متوسط العمر المتوقع بين الجنسين.
وعلاوة على ذلك، فإن الرجال لا يعودون نشطين اجتماعياً مثل النساء مع تقدمهم في العمر، وغالباً ما تكون المرأة الشريكة هي المسؤولة عن استمرار ورعاية حياتهما الاجتماعية وفقاً لما تقوله هوهمان، كما أن كثيراً من الرجال المسنين لا يقومون بالواجبات الاجتماعية بأنفسهم.
وتوضح هوهمان أن هناك أبحاثاً كافية تثبت أن الأشخاص يتمتعون بصحة أفضل عندما يقيمون علاقات، وتقول إن «هذه العلاقات يجب ألا تكون رومانسية بالضرورة، بل تتمثل في أن كبار السن يحتاجون فقط إلى مزيد من التشجيع إلى حد ما للذهاب للبحث عن شخص آخر يقيمون معه علاقة».
غير أن كلاوس لا ينتمي إلى هذه الفئة من الأشخاص، فهذه هي المرة الثالثة التي يشارك فيها هذا الرجل الذي يبلغ من العمر 70 عاماً في مثل هذه الدورة، ومع ذلك فهو لا يتوقع أن يلتقي مع أي شخص مناسب، ويقول: «لقد التقيت في وقت سابق مثل هذا الشخص، ولكن الآن أصبحت أدرك أن مقابلة شخص سيكون مصادفة كبرى سعيدة». بينما تقول هوهمان: «يوجد رجال يستطيعون ممارسة الغزل بشكل جيد، ولكن معظمهم غير بارعين»، ومع ذلك يبدو أن الرجال الأربعة المشاركين في هذه الدورة يتمتعون بهذه المهارة.
وفي نهاية الدورة يقف كل واحد من الرجال الأربعة مع شريكة له أمام طاولات المطعم الصغير ويتبادلون الحديث بحماس. وينتهي المطاف بكريستينه التي أبدت في البداية دهشتها لانخفاض نسبة مشاركة الرجال في الدورة، بأن تقف لفترة لا بأس بها مع رجل أنيق يرتدي حُلّة.
12:21 دقيقه
دورات في ألمانيا لتعليم كبار السن فنون «الغَزَل»
https://aawsat.com/home/article/1289031/%D8%AF%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%83%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86-%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%8E%D8%B2%D9%8E%D9%84%C2%BB
دورات في ألمانيا لتعليم كبار السن فنون «الغَزَل»
للتعارف والانفتاح على الآخرين بعبارات المجاملة والمديح
مشاركون في دورة تعليمية تدور حول «مهارة الغزل»
دورات في ألمانيا لتعليم كبار السن فنون «الغَزَل»
مشاركون في دورة تعليمية تدور حول «مهارة الغزل»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

