طفرة جينية مذهلة أثناء الحمل تعطل نمو الدماغ

أم وباحثة طبية أميركية تدرسها لدى ابنتها

الباحثة الأميركية سوو ــ كيونغ مع ابنتها يونا لي المصابة بطفرة جينية نادرة عطلت نمو دماغها
الباحثة الأميركية سوو ــ كيونغ مع ابنتها يونا لي المصابة بطفرة جينية نادرة عطلت نمو دماغها
TT

طفرة جينية مذهلة أثناء الحمل تعطل نمو الدماغ

الباحثة الأميركية سوو ــ كيونغ مع ابنتها يونا لي المصابة بطفرة جينية نادرة عطلت نمو دماغها
الباحثة الأميركية سوو ــ كيونغ مع ابنتها يونا لي المصابة بطفرة جينية نادرة عطلت نمو دماغها

عندما وصلت الطفلة «يونا لي» الأميركية، التي تعاني من حالة طبية غامضة ومخيفة، إلى عامها الثاني عندما تلقّت والدتها رسالة إلكترونية خطيرة من الطبيب. وتعجز هذه الطفلة عن الكلام والسير والوقوف بسبب معاناتها من تشنج جسدي واضح وبكاء مستمرّ لا حلّ له.
وتتساءل «سوو - كيونغ لي»، والدة الصغيرة بكرب: «لماذا تعاني ابنتي إلى هذه الدرجة؟ ولم تقدم صور المسح الدماغي، والفحوصات الجينية، والاختبارات العصبية أي إجابة عن سؤالها.
- طفرة جينية
ولكن رسالة إلكترونية تلقّتها ترجح أنّ «يونا» تعاني ربّما من طفرة في جين يعرف بالرمز «إف أو إكس جي 1» FOXG1 أصابت الوالدة بالذهول. وقالت الأم وهي باحثة طبية: «أنا أعرف ما هو هذا الجين».
لعلّ أحداً في هذا العالم لا يملك فكرة عن هذا الجين، إلّا سوو - كيونغ، المتخصصة في علم وراثة الدماغ، والتي تعتبر «نجمة في مجالها» على حدّ وصف روبرت ريدل، مدير برنامج خاص بعلم الجينات العصبية في المعهد الوطني للاضطرابات الجينية العصبية والجلطات الدماغية في بورتلاند. ولسنوات كثيرة، عملت سوو - كيونغ، المتخصصة في علم الأحياء النمائي في جامعة أوريغون للصحة والعلوم، في أبحاث على مع عائلة: «فوكس FOX» الجينية.
وقالت في حديث صحافي: «أعي تماماً مدى أهميّة جين (FOXG1) لنمو الدماغ». وعرفت الأمّ أيضاً أنّ الطفرات المؤذية لهذا الجين هي حالة شديدة الندرة ولا تنتج عادة عن العامل الوراثي: يمرّ هذا الجين بتحوّلات عفوية خلال الحمل. يعاني نحو 300 شخص فقط حول العالم من ما يعرف بمتلازمة «FOXG1»، والتي لم يمض الكثير من الوقت على تصنيفها كاضطراب قائم بحدّ ذاته. فقد كانت احتمالات إصابة ابنة العالمة بهذه المتلازمة طفيفة جداً.
وقال ريدل: «إنها قصة مذهلة. أن تعمل باحثة على حالة معيّنة بهدف مساعدة البشرية، ليتضح لاحقاً أنّ هذه الحالة ستصيب ابنتها».
- طفرات غامضة
فجأة، اضطرّت سوو - كيونغ (42 عاماً)، وزوجها غاي لي (57 عاماً)، باحث آخر متخصص في علم الوراثة في جامعة أوريغون للصحة والعلوم، إلى التحوّل من عالمين هادئين إلى والدين لطفلة مريضة، يتوقان للحصول على إجابات.
غرق الباحثان في سيل من الطفرات الجينية الحديثة الاكتشاف، والتشخيصات الجديدة، والإجابات التي تثير أسئلة كثيرة. وتدفع القدرات الجديدة المكتشفة لتحديد الأطلس الوراثي (الجينوم) بعلم الوراثة بسرعة إلى مرحلة ذهبية لربط الأمراض الغامضة بطفرات محدّدة، غالباً ما تكون فيها الطفرات عشوائية غير متناقلة من الوالدين.
وقد وجدت دراسة جديدة أنّ نحو 400 ألف طفل حول العالم يصابون سنوياً باضطرابات عصبية ناتجة عن طفرات عشوائية، حسب ما أفاد ماثيو هورليز، رئيس قسم علم الوراثة البشرية في معهد «ويلكام تراست سانغر». ويقول الأطباء إنّه ومع انخفاض تكلفة تحديد التسلسل الجيني، سيتمّ التوصّل إلى تشخيصات أكثر دقّة في الحالات التي تصيب الأطفال، كمتلازمة «FOXG1». وقال غاي، والد الصغيرة المصابة إنّ «يونا اليوم أصبحت في سن الثمانية، ولكنّها لا تزال ترتدي ملابس أطفال بعمر السنتين وتضع حفاظات، لأنّ قدراتها الإدراكية لم تتجاوز سنّ الـ18 شهراً».
وقالت سوو - كيونغ: «حين تستطيع يونا تحديد متى يكون حفاظاتها مبللة، أو أن تكون قادرة على الوقوف مستندة إلى زاوية في المطبخ أو أن تحرّك يديها لجزء من الثانية، سيكون بمثابة إنجاز علمي كبير. أن تستطيع التحرّك دون السقوط أرضاً على الفور، يمكن اعتباره نجاحاً».
بعد فترة قصيرة من إتمام ابنتها لسنتها الثانية، سافرت سوو - كيونغ إلى واشنطن للمشاركة في مراجعة طروحات قدمها باحثون متخصصون بنمو الدماغ لمعاهد الصحة الوطنية الأميركية. وعلى إحدى موائد العشاء، وجدت نفسها تجلس إلى جانب الدكتور دايفيد رويتش، عالم متخصص بطبّ حديثي الولادة وطبّ الأعصاب كانت قد سمعت الكثير عنه.
استذكر رويتش، البروفسور ورئيس قسم طبّ الأطفال في جامعة كمبريدج الحديث الذي دار بينه وبين سوو - كيونغ، التي بدأت تروي له ما يحصل مع ابنتها. عندها، أصابته الحيرة ولكنّه عرض أن يرسل المسح الدماغي الخاص بالصغيرة إلى الدكتور جيم باركوفيتش، خبير عالمي في علم الأشعة العصبي من جامعة كاليفورنيا، سان فرنسيسكو.
وقال باركوفيتش إنّ المسح الدماغي الخاص بالطفلة يونا كشف عن «نمط غير مألوف»، لم يره خلال عقود أمضاها في تقييم صور المسح الدماغي المرسلة إليه من حول العالم. وأضاف أنّ القشرة المخية في دماغ يونا تحتوي على كمية كبيرة من المادّة البيضاء، ما يشير إلى «احتمال موت بعض الخلايا»، وأنّ الصوار (أو الجسم) الثفني corpus callosum، أي الممرّ الذي تتواصل عبر الخلايا من نصفي الدماغ الأيسر والأيمن، كان «رقيقاً جداً».
- جين دماغي
وقال رويتش إنّه وبعد بحثه في المنشورات العلمية، وجد جينا موجودا في هذه المنطقة، سبب بعد طفرته نمطاً مشابهاً جداً لما عثر عليه في المسح الدماغي الخاص بالفتاة الصغيرة. وتبيّن أنّ الجين هو «FOXG1».
يتمتّع «FOXG1» بأهمية كبيرة جدّاً إلى حدّ أنّ اسمه الأصلي كان «عامل الدماغ 1»، بحسب ما أفاد ويليام دوبينز، بروفسور في طبّ الأطفال والأعصاب من جامعة واشنطن، نشر عام 2011 دراسة أوصى فيها بتشخيص جديد جاء على الشكل التالي: متلازمة FOXG1 «إنها واحدة من أهمّ الجينات في نمو الدّماغ».
يفرز جين «FOXG1» نسخاً مطابقة لبروتين يساعد جينات أخرى على العمل أو التوقف عن العمل. كما أنّه يساهم في ثلاث مراحل أساسية في نمو دماغ الجنين: ترسيم المناطق العليا والسفلى، تحديد عدد الخلايا العصبية التي يتمّ إنتاجها، و«ضبط تنظيم القشرة المخيّة بالكامل».
قبل ولادة ابنتها بفترة طويلة، صادفت سوو - كيونغ دراسة اعتبرتها مذهلة، تظهر كيف أنّ الفئران التي تفتقر إلى نسختي جين الـ«FOXG1» لا ينمو لها دماغ. هذا الأمر يمكن أن يحصل لدى البشر أيضاً. يقول ريدل، من المعهد الوطني للاضطرابات الجينية العصبية والجلطات الدماغية: «لا يوجد إنسان يفتقر إلى نسختي هذا الجين. فمن يفتقر إلى الاثنتين لا يمكن أن يعيش».
قالت سوو - كيونغ لزوجها إنّها ترغب يوماً ما بدراسة كيفية إدارة جين «FOXG1» لنمو الدماغ. بعدها، ولدت الطفلة، بحسب ما أفاد الزوج.
اليوم، وأثناء دراسة أدمغة الفئران، حدّد الوالدان العالمان جينات تتفاعل مع الـ«FOXG1»، مما ساعد في تفسير سبب الضرر الذي تلحقه نسخة مشوّهة من الجين بقدرة الصوار الثَفَني على نقل الإشارات بين قسمي الدماغ. وقالت سوو - كيونغ: «لقد فهمنا اليوم كيف يعمل هذا الجين ولماذا».
ولكن الخفايا لا تزال كثيرة، فالطفرات الفردية في الجين تؤثر على وظيفته بشكل مختلف، أي أنّ العوارض قد تختلف بين مريض وآخر يعاني من المتلازمة. وعلى سبيل المثال، قيّم تشارلز نيلسون الثالث، خبير في نمو الطفل والاضطرابات العصبية النمائية في مستشفى بوسطن للأطفال وكلية الطب في جامعة هارفارد، حالتي طفلين في العاشرة من عمرهما، يعاني كلاهما من طفرات في أماكن مختلفة، بدت عليهما مستويات مختلفة من العطب.
تتساءل سوو - كيونغ عن ما إذا كان العلاج الجيني قد يساعد يوماً في ترميم بعض البروتينات أو زيادة نشاط النسخة الصحيحة من الجني، على اعتبار أنّ المرضى مثل الطفلة يونا، الذين يملكون جينا صحيحا وجينا مشوها، ينتجون نصف بروتينات FOXG1 الضرورية للنمو.
ولكن حقيقة أنّ هذا الجين يلعب دوراً مهماً جداً في مراحل نمائية مبكّرة، دفعت رويتش للقول: «لا أظنّ أنّه يمكن العودة ببساطة إلى فترة ولادة الطفل، وإعادة بناء الدماغ من جديد». نادراً ما تأتي العالمة الأم على ذكر ابنتها أمام زملائها، ولكنّها بدأت أخيراً تتوجّه بالشكر ليونا خلال العروض التي تقدّمها. فقالت سوو - كيونغ خلال أحدها بصوت متقطّع: «كلّ يوم، كنت أشعر بالخوف من ألا تكون ابنتي معي في اليوم التالي، ولكنّها قامت بالكثير من الأمور الرائعة التي لم نجرؤ يوماً على الحلم بها. إذن، لماذا يمكن لأحدهم أن يقول إنها لا يمكنها أبدا أن تفعل هذا الأمر، أو أنّها لن تكون يوماً قادرة على فعل ذاك الأمر؟».
في المساء، يحمل الوالدان يونا إلى مهدها الكبير، وجسدها شديد التقوس والليونة. يزداد حملها ونقلها صعوبة يوماً بعد يوم، لهذا السبب، يعتزم الزوجان الانتقال من منزلها المكوّن من ثلاث طبقات إلى منزل آخر قريب من المستشفى ومختبريهما، لأجل مصلحة ابنتهما.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.