طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

عاش يوما آخر ليخوض معركة أخرى

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم
TT

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

ثلاثة أسابيع فقط، منذ دخلت القوات التي أعاد تشكيلها العميد طارق صالح نجل شقيق الرئيس اليمني السابق، خط النار، في معركة الثأر لمقتل عمه، من قتلته الحوثيين، يبدو أنها كانت كافية لإثبات قدرته على نقل المعارك في جبهة الساحل الغربي، إلى طور جديد تتعاظم فيه خسائر الميليشيات الميدانية كل يوم. وعلى رغم أن الإجابة عن ماهية النتائج التي يمكن أن تتمخض في النهاية جراء دخول طارق صالح، في خضم المواجهة العسكرية ضد حلفاء الأمس وأعداء اليوم، إلا أن إلقاء الضوء على التعقيدات المتنوعة التي شكلت شخصيته المثيرة للجدل، يمكن أن يعزز من ترجيح أقرب المآلات المتوقعة.
فإلى جانب شخصيته الصارمة التي اكتسبها بحكم تكوينه العسكري وابتعاده في الأغلب عن ممارسة الأنشطة المدنية والاحتكاك بالشأن العام، يؤكد مقربون منه، أنه صاحب إصرار عنيد، فهو حين يضع في ذهنه أمرا ما، فإنه لا يتوقف عن إثبات وجهة نظره بشأنه، دون مراعاة لأي تبعات، حتى لو كان من بينها الاصطدام بأوامر عمه الرئيس صالح.
وربما كان هذا الإصرار، هو الذي جعله بعيدا عن الوقوع في أسر تلك الشخصيات التي تنكسر لخسارة المعركة الأولى، فلا تقوم لها قائمة، بل كان على النقيض من ذلك، ميالا ليكون من الطراز الذي باستطاعته أن يتسامى على جراحه المثخنة وعلى الواقع الذي رأى فيه في لحظة غير متخيلة، دماء عمه وهي تسفك وأقاربه وهم يقادون إلى المعتقلات وأفراد أسرته من النساء والأطفال وهم ينكل بهم في الأصقاع، بعد أن كانوا حكاما لصنعاء لأكثر من ثلاثة عقود.
لم يكن أمام العسكري المتمرس، والعقائدي المتدين الذي لا يفوته أن يؤدي صلواته بانتظام، كما يقول اللصيقون به، سوى أن يعيش يوما آخر، ليبدأ معركة أخرى، حيث يلقي كرة النار التي يؤمل أن تتعاظم إلى جحيم يتلقف بصلابته وروحه الثأرية ما يأفكه الحوثي، ولا يزال، من مشروع طائفي لاستنساخ التجربة الخمينية الإيرانية في لبوس يمني.
خسر «أبو عفاش» كما هي كنيته المستمدة من اسم أكبر أولاده، المعركة غير المتكافئة مع الحوثيين، في العدة والعتاد، لكنه لم يخسر الحرب حين كافح ليبقى على قيد الحياة، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يستبسل حتى النهاية لينال المصير الذي اختاره عمه صالح ورفاقه بكبرياء المحاربين الشجعان، لكنه اختار أن ينجو، أو ربما قدر له ذلك، لينهض من جديد، تدفعه روح الانتقام ودوافع الفرسان المكلومين الذين أوغرت صدورهم، حالة الهوان التي ذاقوها ومرارة الهزيمة التي تجرعوها على يد خصم متنمر، لكنهم يعرفون جيدا مكامن قوته ومنافذ ضعفه.
ويميل المحللون إلى أن روحه العنيدة، وعقيدته القتالية، هي التي حالت دون تفكيره في لزوم طريق الصمت ومغادرة المشهد بعد نجاته، وعدم الاستمرار في تحدي الجماعة المتنمرة، على الأقل، من باب الحرص على حياة أقاربه المعتقلين لديها، وفي مقدمهم نجله الأكبر عفاش، الذي أراده من خلال إطلاق هذا الاسم عليه التيمن بلقب الجد الأكبر للعائلة، وهو اللقب الذي كان أغلب العامة لا يعرفون عنه شيئا، حتى العام 2011 حين حاول خصوم عمه أن يجعلوا من إشاعته بابا للتحقير والاستنقاص وهو ما فشلوا فيه حينها، لجهة أن صالح، ابتداء، معتز بلقب عائلته والدليل هو أنه بارك إطلاقه على النجل الأكبر لطارق.
وفي معرض التدليل على عدم انقياد طارق وراء عواطفه وتمسكه برباطة الجأش، أفادت مصادر ضمن الدائرة القريبة منه بأن الميليشيات الحوثية أبلغته تهديدا صريحا بتصفية نجله عفاش وشقيقه الأصغر، محمد، ونجلي عمه صالح، صلاح ومدين، إذا قرر إعادة بناء قواته للمواجهة، إلا أنه - طبقا للمصادر - أبلغ الوسيط القبلي الذي نقل له التهديد، بتهديد مماثل، مفاده أن الانتقام لدم عمه صالح ورفاقه والمساهمة في معركة القضاء على الجماعة، هو بالنسبة له قرار لا رجعة فيه وسيضحي في سبيله بكل شيء حتى لو كانت أرواح أقاربه ونجله.
وبخلاف أشقائه الآخرين، لازم طارق صالح والده، منذ صغره، في ثكنات الجيش، وقوات الأمن، بحسب ما يقوله مقربون منه، لذلك كانت نشأته العسكرية وإرادته المقاتلة تتشكل بثبات، منذ نعومة أظافره، مرورا بكلية الشرطة التي تخرج منها رفقة عدد من القيادات الأمنية والعسكرية، التي برزت لاحقا، أمثال العميد عبد الله قيران، وانتهاء بتوليه قيادة الحرس الخاص لعمه صالح وكذا قيادة اللواء الثالث حرس جمهوري، وهو أحد أقوى الألوية العسكرية اليمنية حينها تسليحا وتدريبا.
وربما كان تأثره بالجانب المتدين من والده الراحل محمد عبد الله صالح، هو دافعه الآخر، للاقتراب من الجماعة السلفية، التي أشيع أنه كان يقدم لها الدعم المادي، منذ وجودهم في مركز دماج الديني الذي تأسس علي يد الشيخ الراحل مقبل الوادعي في الثمانينات من القرن الماضي في الجنوب الشرقي لمدينة صعدة، وهو الجانب الذي جعل بعض الخصوم السياسيين بمن فيهم جماعة الحوثي لاحقا يلمزونه بالقول بأنه من رعاة الجماعات المتشددة.
ولعله بسبب روح الجفاف والغلظة التي تشكلت جراء تنشئته العسكرية المبكرة، كان أقل أشقائه في القدرة على المراوغة السياسية أو المداهنة، ما جعله إبان حكم عمه صالح، أكثر أقارب الرئيس السابق، حدة ومواجهة مع الخصوم المفترضين للعائلة، لا سيما من أوساط الشخصيات المحورية المحيطة بدائرة الحكم والشريكة فيه كما كان الحال مع الجنرال علي محسن الأحمر (نائب الرئيس الحالي).
إذ تتداول الأوساط الحزبية والسياسية المطلعة على أروقة حكم صالح، قصصا عن مواقف، كان فيها طارق صالح المجابه الشديد للخصوم والمتحفز الأول في وجوه من يعتقد أنهم خطر وشيك على كرسي الحكم، لدرجة أنه بات شائعا في أوساط النخب اليمنية القول بأن طارق صالح هو السبب الحقيقي لضرب علاقات عمه الجيدة مع الشخصيات العسكرية والحزبية والقبلية، لا سيما مع الجنرال علي محسن الأحمر، الذي كان يوصف بأنه الرئيس الظل تعبيرا عن مدى نفوذه العسكري والحزبي والقبلي.
كما كانت هذه الروح المتوثبة نحو الاستقلالية، وعدم الانقياد السهل والتبعية، لدى نجل شقيق الرئيس الراحل، واحدا من المبررات التي وجد فيها الحوثيون مدخلا لاتهامه بأنه السبب الرئيسي لتوتر علاقة التحالف والشراكة بين جماعتهم وعمه صالح وحزبه «المؤتمر»، وصولا إلى جعله، لاحقا، السبب الرئيسي لانهيار العلاقة وبدء المواجهات المسلحة بين الطرفين، طبقا لما كانت تردده الآلة الإعلامية الحوثية وناشطو الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
بل صرح قياديون حوثيون بأنهم شاهدوا عناصر من السلفيين الذين كانوا طردوهم بقوة السلاح من دماج ونكلوا بهم رفقة طارق صالح في صنعاء، ضمن الجنود الذين كان يحاول أن يشكل منهم قوته الخاصة بعد أن ابتلعت الجماعة الحوثية كل مقدرات الجيش السابق وأسلحته والكثير من قياداته التي كان صالح يراهن على ولائها له.
وامتدادا للصرامة نفسها التي اكتسبها عبر سنوات تنشئته، لم يكن أيضا ذلك القائد المحبوب، للعامة من جنوده، فضلا عن كون جل ثقافته العامة التي اكتسبها منحصرة في مجال اختصاصه العسكري، مبتعدا عن كل ما له علاقة النشاط المدني والسياسي أو الظهور الإعلامي أو الانخراط في العمل التجاري، كما كان الحال مع شقيقه الأكبر يحيى الذي زاوج في شخصيته بين كل تلك الصفات في آن واحد.
وفيما يتداول مقربون من عمه صالح روايات عن أن الأخير كان حريصا على نجاة نجل شقيقه طارق وقائد حراسته من بين كل أقاربه الآخرين، ربما لأنه كان يستشعر فيه تلك الصلابة والإرادة اللازمتين للإعداد لمعركة الثأر والانتقام، وهذه النقطة تحديدا، هي التي سوقها فيما بعد خصوم عائلة صالح السابقين واللاحقين، على أنها مثلبة في حق طارق الذي قالوا إنه ترك عمه لمصيره وفضل النجاة بنفسه، جبنا وخنوعا، على أنه قائد حراسته.
- إدراك متأخر لخطأ كارثي
أدرك العميد الذي طوى أربعينات عمره، كعمه متأخرا، الخطأ الكارثي الذي وقع فيه الرئيس السابق، وزعيم الحزب الأكثر شعبية وتغلغلا في مفاصل الدولة العميقة التي حكمها لأكثر من ثلاثة عقود، بتحالفه مع الميليشيات الحوثية، نكاية بخصومه الآخرين.
إذ كانت ثلاث سنوات من هيمنة الجماعة على مؤسسات الدولة ومواردها المالية وشحنها الطائفي والعقائدي واستقطابها لقيادات الجيش وزعماء القبائل بالترغيب والترهيب وإيهامهم برفع راية الدفاع عن الوطن ضد ما تزعم أنه عدوان خارجي، كفيلة بتمكين الجماعة من كل شيء، المال والسلاح والنفوذ والولاءات، لدرجة أنها باتت قادرة على التخلص من صالح ونفوذه للاستفراد بتمثيل صنعاء ومناطق سيطرتها بعيدا عن صالح وألاعيبه التي يجيدها في ميدان السياسة وأدواتها الناعمة.
حاول طارق إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن بدأت علاقة الصدام بين الحليفين تظهر إلى الواجهة، عبر السعي لإعادة بناء قوة عسكرية موالية له بعيدا عن الحوثيين، بعد أن باتت بقايا وحدات الحرس الجمهوري ومخازن أسلحته بيد الجماعة الحوثية التي صارت صاحبة الكلمة الفصل، استنادا إلى ما بيدها من قوة، وما أحدثته من تجريف عميق لولاءات صالح وتحالفاته القبلية والسياسية.
ولإنجاح هذا المسعى، استحدث طارق في العام 2017 معسكرا لتدريب جيشه الذي لم يكتمل مطلقا عليه اسم معسكر «الملصي» نسبة لضابط في الحرس الجمهوري لقي مصرعه بعد أن كانت استقطبته الجماعة لقيادة ميليشياتها على الحدود الشمالية، وربما كان الدافع وراء إطلاق الاسم هي محاولته إيهام الجماعة، أن هدفه من بناء هذه القوات التي يشرف عليها هو إعدادها للقتال على الحدود، سيرا على نهج الملصي، غبر أن الأمر لم ينطل على الجماعة التي كانت اخترقت أقرب الدوائر من صالح وباتت تحصي عليه معظم حركاته وسكناته.
وبحسب ما يرجحه المطلعون على تفاصيل العلاقة التي جمعت الحليفين اللدودين، أصبح طارق صالح ومعسكره هو الهاجس الأول لدى الميليشيات، فكان هدفا لآلتها الإعلامية وحملات ناشطيها، وبابا للتشكيك في صدق إخلاص صالح لتحالفه، معها.
فمنذ ذلك الحين الذي رفض فيه تفكيك معسكره التدريبي الواقع في منطقة ريمة حميد، جنوبي صنعاء، حيث مسقط رأس عمه وفي قلب قبيلته سنحان، كانت اتخذت الجماعة قرارها للتنكيل بصالح قبل أن تتعاظم قوة نجل شقيقه طارق عبر إعادة بناء قوات الحرس الجمهوري، وتوجيه الضربة الأولى للقضاء عليها.
لم يكن صالح في وضعية تتيح له المناورة، إذ يقول مقربون منه إنه كان يبحث عن منفذ لاستعادة ثقة المحيط الإقليمي، ليكون مجددا فرس الرهان لوضع حد للمشروع الحوثي، في مقابل إنهاء شرعية الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي وحلفائه، إلا أنه لم يجد ذلك المنفذ أو بالأحرى، لم يكن عرضه مقنعا أو مطمئنا بالشكل الذي يمنحه ثقة المحيط العربي ودول الجوار، لذلك طال انتظاره واستنفد خياراته، وكان من الحتمي أن تكون النهاية كما حذر منها أغلب المراقبين، على ذلك النحو الذي شهدته صنعاء في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
قاد طارق صالح المئات من عناصره، للدفاع عن المربع الأخير للعائلة، حيث منازلها ومنطقة نفوذها، قاتلوا بضراوة، قبل أن يحشد الحوثي قواته ويستخدم الأسلحة الثقيلة، القلة ممن دربهم طارق أو استعاد تجميعهم، كانوا إلى جواره، وأغلبهم كانوا في جبهات القتال، إلى جانب الميليشيات، أو في منازلهم يفتقدون للدافع الحقيقي للاشتراك في معركة لم يخطط لها، وغير مضمونة النتائج.
ألقى صالح خطابه الأخير في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) داعيا على نحو مفاجئ إلى فض الشراكة مع الجماعة والاندفاع إلى مواجهتها في كل مكان، وفتح صفحة جديدة مع دول التحالف الداعمة للشرعية من أجل وقف الحرب وإعادة اليمن إلى محيطه العربي، وفي الرابع من الشهر نفسه أعلن مقتله مع العشرات من حراسه، وكان طارق في عداد القتلى، بالنسبة لأغلب المتابعين، باستثناء الحوثيين الذين كانوا ينقبون صنعاء بحثا عن الرجل الذي كان بالنسبة لها يفوق عمه أهمية وخطرا باعتباره القائد الميداني للانتفاضة الموؤودة.
وبينما أكد شقيقه الأكبر يحيى صالح، أنه أصيب في يده وبطنه وقدمه بشظايا حوثية وأنه يتلقى العلاج في مكان آمن، كانت قصة هروبه من البطش الحوثي، لغزا غامضا، رغم ما قيل عنه من روايات، بيد أن الرواية الدقيقة للتفاصيل لا تزال على الأرجح، حكرا على طارق نفسه مع عدد محدود جدا من أصدقائه المقربين.
كانت نجاته رغم تأكدها، لا تزال موضع تشكيك لدى البعض، لم يحسمه غير ظهوره العلني الأول في 11 يناير (كانون الثاني) في محافظة شبوة، معزيا في مقتل عارف الزوكا، وهو القيادي في حزب عمه ورفيقه الذي بات في نظر طارق وأنصار حزب «المؤتمر»، الأكثر وفاء وشجاعة لتفضيله القتال إلى جواره ولزومه حتى الموت معه في منزله المعروف بقصر الثنية في شارع حدة.
غير أن الجزء المهم في قصة نجاته في ظل إلحاح الملاحقة الحوثية والتشديد الأمني، يشي بأنه كان لا يزال يمتلك وهو في عمق النفوذ الجغرافي للجماعة بعضا من أسباب القوة والعلاقات الشخصية والولاءات المتعددة التي ساهمت في إخراجه من صنعاء، وصولا إلى غربي مأرب، حيث يرجح أنه وجد فيها الحماية القبلية لدى حلفاء عمه من آل معيلي.
- إعلان الموقف العام والإعداد لمعركة الثأر
> اختار نجل شقيق صالح مكان ظهوره الأول بعناية شديدة، رفقة زعماء قبليين شاركوه تقديم العزاء في الزوكا، بالتنسيق مع دول تحالف دعم الشرعية، حيث كانت الرسالة واضحة، بأن الانتقام من قتلته الحوثيين سيكون هو عنوانه للمرحلة اللاحقة، وهو ما أكده وسط هتافات أنصاره، باختصار، شديد وبكلمات مقتضبة: «السير على نهج عمه في وصيته الأخيرة، والتي تتلخص في نقطتين، الأولى قتال الجماعة، والثانية فتح صفحة جديدة مع دول التحالف لإنهاء الحرب وإعادة اليمن إلى محيطه العربي».
كان هذا الإعلان عن تحديد الموقف كافيا لأنصار صالح وقيادات حزبه، لكنه فتح عليه النار من قبل القوى المساندة للشرعية، التي رأت إعلانه ناقصا لأنه لم يعترف بها، ولا بشرعية الرئيس هادي، كما فعل بعض أقاربه، والكثير من القادة العسكريين والحزبيين الذين أفلتوا من قبضة الميليشيات.
في وقت قياسي استطاع، نجل شقيق صالح، بدعم من تحالف دعم الشرعية وبمباركة وتأييد من القوى الجنوبية الأكثر فاعلية في عدن، أن يعيد تجميع قوة ضاربة من أتباعه ومؤيدي عمه الراحل وحزبه، يقدرون بالآلاف ومعظمهم من عناصر الحرس الجمهوري وقوات الأمن الخاصة السابقة، وينتسبون لمختلف المناطق اليمنية.
ولكي يوائم بين هدفه الانتقامي من الميليشيات، في سياق المعركة ذاتها التي تخوضها القوات الحكومية التابعة للشرعية، وبين بقائه خارج نطاق الولاء لقيادة الشرعية، اتساقا كما يبدو مع موقف عمه منها ومع موقف الكثير من قيادات حزبه وأنصاره، وأقاربه، فضل أن يطلق على قواته «المقاومة الوطنية» بعيدا عن الهيكلية الرسمية لجيش الشرعية، كما أطلق على أول ثلاثة ألوية منها «حراس الجمهورية».
ومع أول ظهور لقواته على خط النار في 19 أبريل (نيسان) الماضي، كان طارق صالح مجردا من رتبه الرسمية مع كبار ضباطه، إذ أفاد مقربون منه بأنه تعهد بعدم تعليق الرتب هو وضباطه، حتى يتم تحرير صنعاء من قبضة الحوثيين، كما أمر بعدم تسليط أضواء الإعلام على أداء قواته خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، مفضلا العمل في صمت، وشعاره كما يقول المقربون منه «نريد أن تتحدث الإنجازات على الأرض».
ولأن الهدف المعلن لقواته التي باتت ملتحمة مع قوات «ألوية العمالقة» (المقاومة الجنوبية) ومع قوات «المقاومة التهامية» هو تحرير محافظة الحديدة، اختار نجل صالح أن يحمي ظهره قبل التقدم شمالا في الساحل الغربي، عبر تأمين مناطق غربي تعز، وقطع خطوط الإمداد التي يمكن أن يستغلها الحوثيون، للالتفاف عليه من الخلف.
وبالنظر إلى ما أنجزته القوات التي يقودها حتى الآن بمنطق التقييم العسكري المحايد، يرى مراقبون كثيرون أنها حققت في مدة وجيزة تقدما ميدانيا استراتيجيا، لجهة تأمينها مع قوات المقاومة الأخرى، تقاطعات رئيسية من طرق الإمداد، المتجهة نحو مناطق غربي تعز وجنوبها الغربي.
ففي الوقت الذي تمكنت من تأمين مناطق مفرق المخا ومعسكر خالد بن الوليد وصولا إلى مفرق الوازعية ومنطقة البرح، فإن ذلك يعني عمليا، تسهيل إنهاء جيوب الميليشيات في الوازعية وكهبوب وموزع ومقبنة، وقطع الإمدادات القادمة لها من جهة إب عبر مناطق العدين.
وعلى إثر هذه الإنجازات الميدانية أعلنت قوات طارق صالح بعد 20 يوما من العمليات أنها أنجزت مهمة تدمير النسق الأول للحوثيين ضمن الإعداد لمعركة تحرير الساحل الغربي واستعادة الحديدة، في الوقت الذي بث ناشطون صورا له من قلب الميدان، وهو يتابع ويخطط ويشرف على تحقيق انتصاره الأول في معركة الثأر الذي لا ينسى من الحليف السابق.
وفيما يأمل نجل شقيق صالح أن تسير رياح المواجهة لمصلحة قواته في قادم الأيام، نقل عنه مقربون استياءه من إذكاء أي نار للصراع السياسي في التوقيت الراهن بين القوى اليمنية المناهضة للميليشيات، وتأكيده أن الأولوية ينبغي أن تكون لتوحيد كل الجهود وتنسيقها، من أجل تخليص البلاد من شر الجماعة الحوثية.
وبحسب ما يرجحه كثير من المراقبين، فإن نجل شقيق صالح، وضع نفسه أمام اختبار وجودي، إن شاءت الأقدار أن تمنحه، فرصة النجاح فيه، فلا يستبعد أن يكون هذا العسكري الصلب والمقاتل العنيد، هو الجسر المتين لعودة عائلة الرئيس اليمني السابق وحزبه (المؤتمر الشعبي) مجددا إلى صدارة الواجهة السياسية والعسكرية في البلاد.


مقالات ذات صلة

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

القطاع الصحي الخاضع للحوثيين مهدد بالانهيار الشامل

تعيش مناطق سيطرة الحوثيين كارثة صحية بعد اضطرار الأطباء للإضراب احتجاجاً على انقطاع الرواتب في ظل انسحاب الدعم الدولي وتسارع انهيار القطاع الصحي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

اجتماع دولي في الرياض يؤكد دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز قدراته في حماية المواني والملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات البحرية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.