الكاتب والقس تشاندلر: كتابي إبحار في روحانية جبران خليل جبران

يرى أن فلسفته تتوافق مع نظرة الشباب للعالم اليوم

المؤلف في محاضرة عن جبران
المؤلف في محاضرة عن جبران
TT

الكاتب والقس تشاندلر: كتابي إبحار في روحانية جبران خليل جبران

المؤلف في محاضرة عن جبران
المؤلف في محاضرة عن جبران

بول غوردون تشاندلر، مؤلف وأمين معارض فنية، وهو قس أيضاً، عرف بدعواته للحوار بين الأديان. ولتحقيق هذا الغرض، أسس ورأس منظمة «كارافان للفنون الداعمة للسلام»، وهي منظمة غير حكومية، تستخدم الفن، كما هو واضح من اسمها، أداةً لبناء جسور بين الشرق الأوسط والغرب. وقد قضى بول الجزء الأكبر من حياته في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ مما جعله مهتماً بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين. وقد أصدر تشاندلر حديثاً كتاباً يتناول فيه جبران خليل جبران حمل عنوان «بحثاً عن نبي: رحلة روحانية مع خليل جبران». هنا حوار معه:
• تصف عملك بأنه «بناء السلام بين معتقدات وثقافات الشرق والغرب من خلال الفنون. كيف تمكنت من تحقيق ذلك في كتابك الجديد عن خليل جبران «بحثاً عن نبي»؟
- كتابي هو رحلة وإبحار في حياة وأعمال وروحانية خليل جبران، محاولاً استكشاف تأثير طفولته ونشأته، ومتتبعاً مسار حياته، وكيف وصل إلى تلك الحالة من التقبل الكوني والاحتواء للأطياف والأشكال كافة.
لقد اكتشفت أن خليل جبران شخصية مميزة تجمع بين الشرق والغرب؛ لذا يمكن الاسترشاد بشخصيته الفريدة وسيرته في زمننا هذا فيما يتعلق بالسلام والتناغم، وبناء الجسور بين ثقافات ومعتقدات الشرق والغرب. كذلك، هناك علاقة بين حياته ونهجه وأعماله، والكثير من الموضوعات المهمة في يومنا هذا، مثل سعيه لتجسير الهوة بين المعتقدات والثقافات المختلفة، والاهتمام بالبيئة، والمساواة بين الجنسين، والاهتمام بالروحانية، والهجرة، ووضع اللاجئين، والصراع في منطقة الشرق الأوسط.
وتم تسليط الضوء على هذا من خلال معرضين فنيين مهمين لبناء السلام أقيما في البحرين ومصر لعرض أعمال 36 فناناً معاصراً من الشرق الأوسط مستلهمة من رسالة السلام والتآلف التي حملها جبران. من المقرر دمج الأعمال الفنية التي تم تقديمها في المعرضين في معرض واحد أكبر يتم إقامته في دار «سوثبيز» بلندن في الصيف المقبل خلال الفترة من 6 حتى 10 أغسطس (آب) 2018.
• تم التركيز في كتاب «بحثاً عن نبي» على الجانب الروحاني لجبران. هل كان من الصعب إماطة اللثام عن أسرار روحانية جبران؟
- نظراً لوجود الكثير من الكتب التي تناولت سيرة جبران، أردت الغوص بشكل أعمق في التكوين الروحاني الداخلي له، والانغماس في كتاباته والبيئات التي شكلته. ساعد ذلك في أن تخرج أعماله إلى الحياة بالنسبة لي فقد كانت روحانيته منسوجة ومتغلغلة في كل ما فعله. بشكل أكثر تحديداً، لقد سعيت وراء فهم ما أدى إلى تحوله من شخص مولود في مجتمع مسيحي طائفي غير متسامح في ذلك الوقت إلى شخص متسامح متقبل لكل ما في عالمنا؛ مما جعله مقبولاً لدى الجميع. دفعني هذا إلى أن أجوب المتاحف والمعارض الفنية، والكنائس، والمساجد حول العالم، وكذلك إلى تأمل الثورات والثورات المضادة، كما أنه قاد خطاي نحو نقاط تأثير يصعب الوصول إليها ذهبت إليها كتاباته وأعماله الفنية.
لقد بدأت بقرية بشري حيث ولد، التي تقع في مكان مرتفع في قلب جبال لبنان المغطاة بالثلوج، ثم إلى بوسطن حيث هاجر هو وأسرته، وباريس حيث كان يتدرب على الفن، ونيويورك حيث قضى الجزء الأكبر من حياته المهنية، وصولاً إلى المكسيك في متحف «سمية» الذي يحتوي على أكبر مجموعة من أعمال جبران الفنية والأدبية في الغرب. وكذلك، ذهبت إلى الكثير من الأماكن الواقعة بين نصفي الكرة الأرضية مثل القاهرة في مصر، حيث تم نشر أكثر كتاباته باللغة العربية في الشرق الأوسط للمرة الأولى، ومدينة سافاناه في ولاية وجورجيا، حيث متحف «تيلفير»، الذي يضم أكثر أعماله في الولايات المتحدة الأميركية، ومدينة ديترويت، حيث «المتحف العربي - الأميركي الوطني» الذي يركز على إرثه، فضلاً عن أماكن كثيرة أخرى حول العالم توجد بها آثار، أو شوارع، أو مدارس، أو متنزهات تحمل اسمه.
• يضعك عملك في بناء السلام وسط تنوع عرقي وديني هائل يكون أحياناً دقيقاً وحسّاساً للغاية. فيما يتعلق بجبران، ما العقبات المماثلة التي واجهتها أثناء تأليفك الكتاب، وكيف تغلبت عليها وتجاوزتها؟
- بصراحة كانت أكبر عقبة واجهتها عند تأليفي للكتاب هي انتقاء أجزاء من مادة علمية هائلة متاحة عن جبران، واختيار ما ينبغي التركيز وتسليط الضوء عليه وهو عمق رحلته الروحانية.
تناول جبران الكثير من المسائل والأمور الحسّاسة في كتاباته، لكنه فعل ذلك بإبداع وشاعرية وبطريقة تحفز التأمل العميق، وتلهم القرّاء، وتحثّهم على الارتحال في قلب العالم الروحاني. وقد ساعدت الصور التي رسمها جبران من خلال أشعاره، وعمق حكاياته الرمزية وأمثولاته في كسر الحواجز، وجذبنا نحو ما أطلق عليه «أنفسنا العليا». لم يكن لدي أدنى فكرة عن مدى تأثيره على مستوى العالم، سواء من حيث انتشاره جغرافياً، أو مدى تنوع واتساع الفئات والجماعات التي تعرفه. فوجئت أثناء إقامتي وعملي في الشرق الأوسط بمشاعر الحب والإعجاب الفيّاضة تجاه جبران في أنحاء الشرق الأوسط ومناطق كثيرة من الغرب؛ فهو مدعاة فخر الشرق ومثار إعجاب الغرب؛ لذا كان شخصية تجمع وتوحد، حتى أن كل جماعة يمكن تصورها أياً كان دينها تتبارى على نسبه إليها. أعتقد أن هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الاستماع إلى الأصوات التي تدعونا إلى الوحدة والاحترام، والاتجاه نحو العيش بعمق وكرم فكراً وقولاً وعملاً فيما يتعلق بالآخر أياً كانت هويته؛ وما جبران سوى ذلك الصوت، حيث تقدم لنا تبصراته العميقة في زمننا هذا حكمة وإرشاداً نحن في أمسّ الحاجة إليهما، وهذا هو سبب تأليفي الكتاب.
• وصفت عملك بين معتنقي الأديان المختلفة، وبخاصة بين المسيحيين والمسلمين بأنه «البناء على الجانب المظلم من القمر». هل لك أن توضح لنا معنى هذه الصورة، ودور الفن في هذا الأمر تحديداً؟
- أنجح طريقة في تجربتي لبناء علاقات يسودها السلام والوئام هي الاستناد إلى الأمور المشتركة التي تجمع بين المسلمين والمسيحيين. تعجبني صورة «البناء على الجانب المظلم من القمر»؛ لأني أرى الهلال الرفيع من القمر، وهو أحد رموز الديانة الإسلامية، باعتباره الجزء الذي يمكننا رؤيته من القمر بسبب انعكاس ضوء الشمس، لكن عندما ترى هلالاً، يكون الجزء الأكبر من القمر مظلماً؛ لذا شبهت هذا الهلال الرفيع بالأمور المختلفة بيننا، والجانب المظلم الكبير (الجزء الأكبر من القمر) بالأمور المشتركة. من المهم بناء علاقاتنا على «الجانب المظلم من القمر». كثيراً ما تعمي الإضاءة المستمرة لاختلافاتنا أبصارنا إلى حد لا نستطيع معه رؤية كل ما يجمعنا من أمور مشتركة.
• لم يكن يُعرف عن خليل جبران ارتباطه بعلاقات وثيقة بشخصيات دينية، لكنك قسّ أسقفي، تمكنت من الوصول إلى تأويل روحاني رائع للكاتب، كيف فعلت ذلك؟
- قضيت الثمانية عشر عاماً الأولى من عمري في السنغال في مجتمع ذي أغلبية مسلمة، وجعلتني نشأتي في أسرة مسيحية تنتمي إلى الأقلية متحمساً تجاه بناء الجسور مع أخوتي المسلمين، وأخواتي المسلمات الذين كنت أعدهم من أصدقائي المقربين منذ البداية. وقد وجدت في جبران رفيقاً روحانياً يسعى وراء الهدف نفسه، كما توضح كلماته بشدة: «إنك أخي وأنا أحبك. أحبك وأنت تتعبد في كنيستك، أو تجثو على ركبتيك في معبدك، أو تصلي في مسجدك. أنا وأنت أبناء دين واحد لأن مسارات الدين المختلفة ما هي إلا أصابع ليد القوة العليا المحبة الممتدة إلى الجميع والتي تقدم كمال الروح إلى الجميع، وتود استقبال الجميع» (من كتاب «دمعة وابتسامة»، فصل «صوت شاعر»).
تناولت كتابات جبران في بداية مسيرته المهنية الظلم والنفاق الذي لمسه لدى الشخصيات والرموز الدينية في شبابه؛ مما أدى إلى تهديده بالحرمان الكنسي. مع ذلك، بمرور الوقت أصبحت نبرته أقل حدة، وتحولت نحو النهج الشمولي المتقبل، لكن المفارقة أنه قد تم تكريمه من كل الأديان في نهاية حياته، واستقبال جثمانه بالترحاب في وطنه لبنان كابن شهير محتفى به. وقع على كاهل جبران العثور على سبيل لتوصيل نسخة غير طائفية من الروحانية.
• هل تعتقد أن جبران قادر على جذب الجيل الجديد من الشباب، وإذا كان الأمر كذلك فما السبب في ذلك برأيك؟
- أعتقد أن أكثر الشباب قد نشأوا في مجتمعات تتسم بالتعدد والتنوع، وكوّنوا صداقات تمثل بشكل تلقائي وعفوي جسراً عابراً بين الانقسامات التي عادة ما تكون نظرية بطبيعتها بالنسبة إلى جيل الآباء والأجداد. لذا؛ أعتقد أن نظرة جبران للعالم ذات الطابع الكوني الشمولي وفلسفته تتوافق مع نظرة الكثير من الشباب للعالم اليوم، لكنهم لا يعرفونه. ومن الأسباب التي دفعتني إلى تأليف هذا الكتاب هو تعريف الجيل الجديد بجبران؛ وقد أهديت الكتاب إلى طفلي الاثنين.
من المؤكد أن الانتباه إلى حكمته سوف يساعد كثيراً في شفاء عالمنا اليوم، في زمن أصبح فيه من الصعب الإصغاء إلى أصواتنا الداخلية، وأرواحنا، أو حتى احتياجاتنا الروحية، يقدم جبران نموذجاً لشخص شيّد غرفة للصمت من أجل الإصغاء إلى وكز روحه الهادئة بنية السماح للحظات السعادة والشقاء في حياته بالامتزاج معاً مكونة صوتاً واحداً، وهذا هو «الصوت داخل الصوت» الذي أراد جبران أن يسمعه قراؤه عند قراءة كتاباته.
• لقد زرت لبنان، وتحديداً بلدة ومسقط رأس جبران. ما ذكرياتك عن هذه الزيارة، وهل ساعدتك في فهم الشاعر بشكل أفضل وأعمق؟
- لبنان من الأماكن المفضلة لي والمحببة إلى قلبي في العالم، حيث يمثل شعبه وطعامه وتاريخه وجماله مصدر إلهام لي في كل مرة أزوره فيها. لقد بدأت رحلتي في بلدة بشري، ونفخت تلك الرحلة الحياة في الكثير من الصور التي نجدها في كتابه الشهير «النبي»، مثل الجبال، والقرويين، والحكماء، وثروة جمال الطبيعة. وعلى الرغم من أنه عاش اثني عشر عاماً فقط من حياته وسط هذه الجبال الساحرة، مثلت تلك الفترة أساس جانبه الروحاني، ونظرته للعالم حتى نهاية حياته. على عكس الأجواء الهادئة الرائعة المحيطة به، ولد جبران لأسرة مسيحية مارونية إبّان فترة سادتها الاضطرابات والصراعات السياسية والدينية، وكذلك كانت من الفترات التي هيمن فيها فساد السلطة الدينية خلال النصف الثاني من حقبة الاحتلال العثماني، الذي دام 1400 عام، وكان لكل تلك الظروف تأثير على حياته وأعماله لسنوات.
عندما بلغ جبران الثانية عشرة من العمر هاجر مع أسرته إلى أميركا، وهناك قضى فترة مراهقته وبلوغه كمهاجر. من المثير للاهتمام اكتشاف جبران امتلاكه حرية الكتابة على نحو لم يكن ليتاح له في العالم العربي آنذاك. وكان قادراً بفضل خلفيته المتفردة المميزة على تحقيق الالتقاء بين الشرق والغرب الذي كان تجسيداً له، واستكشاف وحدة البشر والتحول إلى جسر طبيعي حي بين المعتقدات والثقافات المختلفة. كما قال كلود براغدون، المعماري والكاتب الأميركي البارز، وصديق جبران المقرب عنه: «تنبع قوته من مخزون هائل من الحياة الروحية، الذي لولاه لما كان عالمياً وقوياً إلى هذا الحد. لكن جمال وجلال لغته التي كانت تكسو تلك المعاني نابعان من هبة متفردة تمتع بها».


مقالات ذات صلة

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.