الكاتب والقس تشاندلر: كتابي إبحار في روحانية جبران خليل جبران

يرى أن فلسفته تتوافق مع نظرة الشباب للعالم اليوم

المؤلف في محاضرة عن جبران
المؤلف في محاضرة عن جبران
TT

الكاتب والقس تشاندلر: كتابي إبحار في روحانية جبران خليل جبران

المؤلف في محاضرة عن جبران
المؤلف في محاضرة عن جبران

بول غوردون تشاندلر، مؤلف وأمين معارض فنية، وهو قس أيضاً، عرف بدعواته للحوار بين الأديان. ولتحقيق هذا الغرض، أسس ورأس منظمة «كارافان للفنون الداعمة للسلام»، وهي منظمة غير حكومية، تستخدم الفن، كما هو واضح من اسمها، أداةً لبناء جسور بين الشرق الأوسط والغرب. وقد قضى بول الجزء الأكبر من حياته في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ مما جعله مهتماً بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين. وقد أصدر تشاندلر حديثاً كتاباً يتناول فيه جبران خليل جبران حمل عنوان «بحثاً عن نبي: رحلة روحانية مع خليل جبران». هنا حوار معه:
• تصف عملك بأنه «بناء السلام بين معتقدات وثقافات الشرق والغرب من خلال الفنون. كيف تمكنت من تحقيق ذلك في كتابك الجديد عن خليل جبران «بحثاً عن نبي»؟
- كتابي هو رحلة وإبحار في حياة وأعمال وروحانية خليل جبران، محاولاً استكشاف تأثير طفولته ونشأته، ومتتبعاً مسار حياته، وكيف وصل إلى تلك الحالة من التقبل الكوني والاحتواء للأطياف والأشكال كافة.
لقد اكتشفت أن خليل جبران شخصية مميزة تجمع بين الشرق والغرب؛ لذا يمكن الاسترشاد بشخصيته الفريدة وسيرته في زمننا هذا فيما يتعلق بالسلام والتناغم، وبناء الجسور بين ثقافات ومعتقدات الشرق والغرب. كذلك، هناك علاقة بين حياته ونهجه وأعماله، والكثير من الموضوعات المهمة في يومنا هذا، مثل سعيه لتجسير الهوة بين المعتقدات والثقافات المختلفة، والاهتمام بالبيئة، والمساواة بين الجنسين، والاهتمام بالروحانية، والهجرة، ووضع اللاجئين، والصراع في منطقة الشرق الأوسط.
وتم تسليط الضوء على هذا من خلال معرضين فنيين مهمين لبناء السلام أقيما في البحرين ومصر لعرض أعمال 36 فناناً معاصراً من الشرق الأوسط مستلهمة من رسالة السلام والتآلف التي حملها جبران. من المقرر دمج الأعمال الفنية التي تم تقديمها في المعرضين في معرض واحد أكبر يتم إقامته في دار «سوثبيز» بلندن في الصيف المقبل خلال الفترة من 6 حتى 10 أغسطس (آب) 2018.
• تم التركيز في كتاب «بحثاً عن نبي» على الجانب الروحاني لجبران. هل كان من الصعب إماطة اللثام عن أسرار روحانية جبران؟
- نظراً لوجود الكثير من الكتب التي تناولت سيرة جبران، أردت الغوص بشكل أعمق في التكوين الروحاني الداخلي له، والانغماس في كتاباته والبيئات التي شكلته. ساعد ذلك في أن تخرج أعماله إلى الحياة بالنسبة لي فقد كانت روحانيته منسوجة ومتغلغلة في كل ما فعله. بشكل أكثر تحديداً، لقد سعيت وراء فهم ما أدى إلى تحوله من شخص مولود في مجتمع مسيحي طائفي غير متسامح في ذلك الوقت إلى شخص متسامح متقبل لكل ما في عالمنا؛ مما جعله مقبولاً لدى الجميع. دفعني هذا إلى أن أجوب المتاحف والمعارض الفنية، والكنائس، والمساجد حول العالم، وكذلك إلى تأمل الثورات والثورات المضادة، كما أنه قاد خطاي نحو نقاط تأثير يصعب الوصول إليها ذهبت إليها كتاباته وأعماله الفنية.
لقد بدأت بقرية بشري حيث ولد، التي تقع في مكان مرتفع في قلب جبال لبنان المغطاة بالثلوج، ثم إلى بوسطن حيث هاجر هو وأسرته، وباريس حيث كان يتدرب على الفن، ونيويورك حيث قضى الجزء الأكبر من حياته المهنية، وصولاً إلى المكسيك في متحف «سمية» الذي يحتوي على أكبر مجموعة من أعمال جبران الفنية والأدبية في الغرب. وكذلك، ذهبت إلى الكثير من الأماكن الواقعة بين نصفي الكرة الأرضية مثل القاهرة في مصر، حيث تم نشر أكثر كتاباته باللغة العربية في الشرق الأوسط للمرة الأولى، ومدينة سافاناه في ولاية وجورجيا، حيث متحف «تيلفير»، الذي يضم أكثر أعماله في الولايات المتحدة الأميركية، ومدينة ديترويت، حيث «المتحف العربي - الأميركي الوطني» الذي يركز على إرثه، فضلاً عن أماكن كثيرة أخرى حول العالم توجد بها آثار، أو شوارع، أو مدارس، أو متنزهات تحمل اسمه.
• يضعك عملك في بناء السلام وسط تنوع عرقي وديني هائل يكون أحياناً دقيقاً وحسّاساً للغاية. فيما يتعلق بجبران، ما العقبات المماثلة التي واجهتها أثناء تأليفك الكتاب، وكيف تغلبت عليها وتجاوزتها؟
- بصراحة كانت أكبر عقبة واجهتها عند تأليفي للكتاب هي انتقاء أجزاء من مادة علمية هائلة متاحة عن جبران، واختيار ما ينبغي التركيز وتسليط الضوء عليه وهو عمق رحلته الروحانية.
تناول جبران الكثير من المسائل والأمور الحسّاسة في كتاباته، لكنه فعل ذلك بإبداع وشاعرية وبطريقة تحفز التأمل العميق، وتلهم القرّاء، وتحثّهم على الارتحال في قلب العالم الروحاني. وقد ساعدت الصور التي رسمها جبران من خلال أشعاره، وعمق حكاياته الرمزية وأمثولاته في كسر الحواجز، وجذبنا نحو ما أطلق عليه «أنفسنا العليا». لم يكن لدي أدنى فكرة عن مدى تأثيره على مستوى العالم، سواء من حيث انتشاره جغرافياً، أو مدى تنوع واتساع الفئات والجماعات التي تعرفه. فوجئت أثناء إقامتي وعملي في الشرق الأوسط بمشاعر الحب والإعجاب الفيّاضة تجاه جبران في أنحاء الشرق الأوسط ومناطق كثيرة من الغرب؛ فهو مدعاة فخر الشرق ومثار إعجاب الغرب؛ لذا كان شخصية تجمع وتوحد، حتى أن كل جماعة يمكن تصورها أياً كان دينها تتبارى على نسبه إليها. أعتقد أن هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الاستماع إلى الأصوات التي تدعونا إلى الوحدة والاحترام، والاتجاه نحو العيش بعمق وكرم فكراً وقولاً وعملاً فيما يتعلق بالآخر أياً كانت هويته؛ وما جبران سوى ذلك الصوت، حيث تقدم لنا تبصراته العميقة في زمننا هذا حكمة وإرشاداً نحن في أمسّ الحاجة إليهما، وهذا هو سبب تأليفي الكتاب.
• وصفت عملك بين معتنقي الأديان المختلفة، وبخاصة بين المسيحيين والمسلمين بأنه «البناء على الجانب المظلم من القمر». هل لك أن توضح لنا معنى هذه الصورة، ودور الفن في هذا الأمر تحديداً؟
- أنجح طريقة في تجربتي لبناء علاقات يسودها السلام والوئام هي الاستناد إلى الأمور المشتركة التي تجمع بين المسلمين والمسيحيين. تعجبني صورة «البناء على الجانب المظلم من القمر»؛ لأني أرى الهلال الرفيع من القمر، وهو أحد رموز الديانة الإسلامية، باعتباره الجزء الذي يمكننا رؤيته من القمر بسبب انعكاس ضوء الشمس، لكن عندما ترى هلالاً، يكون الجزء الأكبر من القمر مظلماً؛ لذا شبهت هذا الهلال الرفيع بالأمور المختلفة بيننا، والجانب المظلم الكبير (الجزء الأكبر من القمر) بالأمور المشتركة. من المهم بناء علاقاتنا على «الجانب المظلم من القمر». كثيراً ما تعمي الإضاءة المستمرة لاختلافاتنا أبصارنا إلى حد لا نستطيع معه رؤية كل ما يجمعنا من أمور مشتركة.
• لم يكن يُعرف عن خليل جبران ارتباطه بعلاقات وثيقة بشخصيات دينية، لكنك قسّ أسقفي، تمكنت من الوصول إلى تأويل روحاني رائع للكاتب، كيف فعلت ذلك؟
- قضيت الثمانية عشر عاماً الأولى من عمري في السنغال في مجتمع ذي أغلبية مسلمة، وجعلتني نشأتي في أسرة مسيحية تنتمي إلى الأقلية متحمساً تجاه بناء الجسور مع أخوتي المسلمين، وأخواتي المسلمات الذين كنت أعدهم من أصدقائي المقربين منذ البداية. وقد وجدت في جبران رفيقاً روحانياً يسعى وراء الهدف نفسه، كما توضح كلماته بشدة: «إنك أخي وأنا أحبك. أحبك وأنت تتعبد في كنيستك، أو تجثو على ركبتيك في معبدك، أو تصلي في مسجدك. أنا وأنت أبناء دين واحد لأن مسارات الدين المختلفة ما هي إلا أصابع ليد القوة العليا المحبة الممتدة إلى الجميع والتي تقدم كمال الروح إلى الجميع، وتود استقبال الجميع» (من كتاب «دمعة وابتسامة»، فصل «صوت شاعر»).
تناولت كتابات جبران في بداية مسيرته المهنية الظلم والنفاق الذي لمسه لدى الشخصيات والرموز الدينية في شبابه؛ مما أدى إلى تهديده بالحرمان الكنسي. مع ذلك، بمرور الوقت أصبحت نبرته أقل حدة، وتحولت نحو النهج الشمولي المتقبل، لكن المفارقة أنه قد تم تكريمه من كل الأديان في نهاية حياته، واستقبال جثمانه بالترحاب في وطنه لبنان كابن شهير محتفى به. وقع على كاهل جبران العثور على سبيل لتوصيل نسخة غير طائفية من الروحانية.
• هل تعتقد أن جبران قادر على جذب الجيل الجديد من الشباب، وإذا كان الأمر كذلك فما السبب في ذلك برأيك؟
- أعتقد أن أكثر الشباب قد نشأوا في مجتمعات تتسم بالتعدد والتنوع، وكوّنوا صداقات تمثل بشكل تلقائي وعفوي جسراً عابراً بين الانقسامات التي عادة ما تكون نظرية بطبيعتها بالنسبة إلى جيل الآباء والأجداد. لذا؛ أعتقد أن نظرة جبران للعالم ذات الطابع الكوني الشمولي وفلسفته تتوافق مع نظرة الكثير من الشباب للعالم اليوم، لكنهم لا يعرفونه. ومن الأسباب التي دفعتني إلى تأليف هذا الكتاب هو تعريف الجيل الجديد بجبران؛ وقد أهديت الكتاب إلى طفلي الاثنين.
من المؤكد أن الانتباه إلى حكمته سوف يساعد كثيراً في شفاء عالمنا اليوم، في زمن أصبح فيه من الصعب الإصغاء إلى أصواتنا الداخلية، وأرواحنا، أو حتى احتياجاتنا الروحية، يقدم جبران نموذجاً لشخص شيّد غرفة للصمت من أجل الإصغاء إلى وكز روحه الهادئة بنية السماح للحظات السعادة والشقاء في حياته بالامتزاج معاً مكونة صوتاً واحداً، وهذا هو «الصوت داخل الصوت» الذي أراد جبران أن يسمعه قراؤه عند قراءة كتاباته.
• لقد زرت لبنان، وتحديداً بلدة ومسقط رأس جبران. ما ذكرياتك عن هذه الزيارة، وهل ساعدتك في فهم الشاعر بشكل أفضل وأعمق؟
- لبنان من الأماكن المفضلة لي والمحببة إلى قلبي في العالم، حيث يمثل شعبه وطعامه وتاريخه وجماله مصدر إلهام لي في كل مرة أزوره فيها. لقد بدأت رحلتي في بلدة بشري، ونفخت تلك الرحلة الحياة في الكثير من الصور التي نجدها في كتابه الشهير «النبي»، مثل الجبال، والقرويين، والحكماء، وثروة جمال الطبيعة. وعلى الرغم من أنه عاش اثني عشر عاماً فقط من حياته وسط هذه الجبال الساحرة، مثلت تلك الفترة أساس جانبه الروحاني، ونظرته للعالم حتى نهاية حياته. على عكس الأجواء الهادئة الرائعة المحيطة به، ولد جبران لأسرة مسيحية مارونية إبّان فترة سادتها الاضطرابات والصراعات السياسية والدينية، وكذلك كانت من الفترات التي هيمن فيها فساد السلطة الدينية خلال النصف الثاني من حقبة الاحتلال العثماني، الذي دام 1400 عام، وكان لكل تلك الظروف تأثير على حياته وأعماله لسنوات.
عندما بلغ جبران الثانية عشرة من العمر هاجر مع أسرته إلى أميركا، وهناك قضى فترة مراهقته وبلوغه كمهاجر. من المثير للاهتمام اكتشاف جبران امتلاكه حرية الكتابة على نحو لم يكن ليتاح له في العالم العربي آنذاك. وكان قادراً بفضل خلفيته المتفردة المميزة على تحقيق الالتقاء بين الشرق والغرب الذي كان تجسيداً له، واستكشاف وحدة البشر والتحول إلى جسر طبيعي حي بين المعتقدات والثقافات المختلفة. كما قال كلود براغدون، المعماري والكاتب الأميركي البارز، وصديق جبران المقرب عنه: «تنبع قوته من مخزون هائل من الحياة الروحية، الذي لولاه لما كان عالمياً وقوياً إلى هذا الحد. لكن جمال وجلال لغته التي كانت تكسو تلك المعاني نابعان من هبة متفردة تمتع بها».


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

أسد بحر بوزن طنّين يتحوّل إلى نجم على رصيف سان فرانسيسكو

لا يطلب الانتباه... لكنه يحصل عليه (أ.ب)
لا يطلب الانتباه... لكنه يحصل عليه (أ.ب)
TT

أسد بحر بوزن طنّين يتحوّل إلى نجم على رصيف سان فرانسيسكو

لا يطلب الانتباه... لكنه يحصل عليه (أ.ب)
لا يطلب الانتباه... لكنه يحصل عليه (أ.ب)

تحوَّل أسد بحر ضخم يُعرف باسم «تشونكرز» إلى أحد أبرز عوامل الجذب في رصيف 39 بمدينة سان فرانسيسكو، مستقطباً أعداداً متزايدة من السياح وسكان منطقة الخليج الراغبين في مشاهدة هذا الكائن اللافت.

وذكرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أنّ وزن «تشونكرز»، وهو من فصيلة أُسود البحر «ستيلر»، يبلغ نحو 2000 رطل، ممّا يجعله أكبر بكثير من أسود البحر في كاليفورنيا، التي لا يتجاوز وزنها عادة 850 رطلاً، ويصل طولها إلى 7 أقدام.

ومنذ وصوله إلى الرصيف قبل نحو شهر، أثار الحيوان تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول مستخدمو «ريديت» صوره ومقاطع فيديو له خلال استرخائه تحت أشعة الشمس.

ويقدّم «تشونكرز» مشهداً لافتاً؛ إذ يطلّ برأسه من مياه خليج سان فرانسيسكو، مثيراً حالة من الارتباك بين أُسود البحر الأخرى التي تسارع إلى الابتعاد عن طريقه.

ومع تعالي أصوات النباح، يقفز هذا العملاق إلى المنصّة الخشبية، ممّا يدفع باقي الفقميات إلى التدافع بحثاً عن مساحة جديدة تحت الشمس أو العودة سريعاً إلى المياه.

وفي رصيف 39، يفرض «تشونكرز» حضوره كأنه «الملك» بلا منازع؛ إذ أسهم حجمه الضخم وقربه من مركز سياحي رئيسي في تحويله إلى ظاهرة محبوبة على الإنترنت، تضاهي شهرة حيوانات أخرى لاقت انتشاراً واسعاً مثل «موو دينغ» و«بي-22».

وقال أحد الزوار لشبكة «سي بي إس نيوز»: «شاهدت تقريراً عن (تشونكرز) بينما كنت في أتلانتا بولاية جورجيا، فجئتُ خصيصاً إلى سان فرانسيسكو لرؤيته». وأضاف آخر: «أنا أبحث عن الكبير... أبحث عن (تشونكرز)».

وينتمي «تشونكرز» إلى نوع «ستيلر» من أُسود البحر، وهو نوع أكبر حجماً مقارنة بنظرائه في كاليفورنيا.

ووفق خبراء في «مركز الثدييات البحرية»، فقد وصل هو وبقية أُسود البحر إلى الخليج في منتصف مارس (آذار) الماضي، متتبِّعةً فرائس مثل الأنشوجة وأسماك الصخر.

وأوضحت لورا جيل، مديرة البرامج العامة في «مركز الثدييات البحرية»: «لقد أدركت هذه الحيوانات أنها في الخليج تكون بعيدة عن مفترساتها، مثل القرش الأبيض الكبير وحيتان الأوركا». وأضافت: «كما أن الأرصفة نفسها عامل جذب كبير، فهي بمثابة محطة توقف مثالية خلال هجرتها على طول الساحل».

ووفق الموقع الإلكتروني للمركز، يمكن لذكور أُسود البحر من نوع «ستيلر» أن يصل وزنها إلى 2500 رطل وطولها إلى 11 قدماً، مع متوسّط عمر يتراوح بين 20 و30 عاماً، بينما يمكن للإناث أن يبلغ طولها 9 أقدام ويصل وزنها إلى 1000 رطل.

ثقلٌ جميل يُشبه هيبة البحر (أ.ب)

وأشار المركز إلى أنّ «تشونكرز» ينتمي إلى المجموعة السكانية الشرقية من هذا النوع على سواحل الولايات المتحدة وكندا، ويُعدّ وجوده مميزاً؛ إذ لم تُرصد أسود البحر من نوع «ستيلر» في رصيف 39 منذ عام 2023.

ولا تختلف الشهرة الجديدة لهذا الحيوان البحري كثيراً عن كائنات أخرى تحولت إلى ظواهر ثقافية. ففي عام 2024، استحوذ فرس النهر القزم «موو دينغ» في تايلاند على قلوب الناس حول العالم، بحركاته المرحة التي انتشرت على «تيك توك» ومنصات أخرى. وقبل ذلك بعقد، جذبت صور «بي-22»، أسد الجبال في جنوب كاليفورنيا، اهتمام الجمهور بوجهه المميز وخلفيته الحضرية في لوس أنجليس.

وأوضحت جيل أنّ أسود البحر اكتسبت تسميتها بسبب «اللبدة» الشبيهة بلبدة الأُسود التي يطوّرها نوع «ستيلر». كما أن الذكور البالغة من هذا النوع لا تمتلك نتوءاً كبيراً واضحاً أعلى الرأس، وهو ما يُلاحظ لدى ذكور أُسود البحر في كاليفورنيا، وفق «مركز الثدييات البحرية». وعادة لا يتجاوز وزن أسود البحر في كاليفورنيا 850 رطلاً، ولا يزيد طولها على 7 أقدام.

وتعيش أُسود البحر من نوع «ستيلر» في المياه الساحلية لشمال المحيط الهادئ، وكذلك قرب اليابان ووسط كاليفورنيا. ويحدث التكاثر في مناطق تمتدّ من جزيرة «أنيو نويفو» في وسط كاليفورنيا إلى جزر الكوريل شمال اليابان، مع أكبر تجمُّع لمناطق التكاثر في خليج ألاسكا وجزر ألوشيان.

وينقسم هذا النوع إلى مجموعتين، شرقية وغربية، تختلفان في الخصائص الجسدية والوراثية.

وتولد صغارها بين منتصف مايو (أيار) ومنتصف يوليو (تموز)، ويبلغ وزنها عادة بين 35 و50 رطلاً، وفق المركز؛ إذ تبقى الأمهات معها لمدة تصل إلى أسبوعين قبل أن تخرج للصيد في البحر.

ويحدث التزاوج بعد نحو أسبوعين من الولادة، ولا تأكل الذكور خلال موسم التزاوج، لكنها تتغذَّى لاحقاً على الأسماك واللافقاريات وغيرها من الفقميات، في حين تُعدّ الحيتان القاتلة وأسماك القرش البيضاء أبرز مفترساتها.


خالد كمال: الشغف يقود اختياراتي الفنية... لا الحسابات

خالد كمال قدَّم أكثر من عمل سينمائي (صفحته في فيسبوك)
خالد كمال قدَّم أكثر من عمل سينمائي (صفحته في فيسبوك)
TT

خالد كمال: الشغف يقود اختياراتي الفنية... لا الحسابات

خالد كمال قدَّم أكثر من عمل سينمائي (صفحته في فيسبوك)
خالد كمال قدَّم أكثر من عمل سينمائي (صفحته في فيسبوك)

أبدى الممثل المصري خالد كمال سعادته بحصول الفيلم القصير «آخر المعجزات» على جائزة «أفضل فيلم قصير» في النسخة الماضية من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، مؤكداً أنّ هذا التتويج جاء بعد رحلة طويلة من العمل والتجهيز؛ إذ انتظر فريق الفيلم كثيراً حتى يرى المشروع النور، ممّا جعل لحظة الفوز مختلفة ومؤثّرة، لكونها تُمثّل أول جائزة للفيلم الذي راهنوا عليه منذ البداية.

وأرجع خالد كمال أسباب حماسته للمشاركة في الفيلم إلى إيمانه بقيمته الفنية، وبرؤية مخرجه عبد الوهاب شوقي، الذي تعامل مع المشروع بحسّ مختلف وقدرة واضحة على بناء عالمه الخاص. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «وجود ممثلين معروفين في فيلم قصير يمنحه قوة إضافية؛ لأنه يرسل رسالة للجمهور بأنّ هذه الأعمال ليست تجارب هامشية، بل مشاريع فنية حقيقية تستحقّ المشاهدة والتقدير».

الفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة لأديب «نوبل» نجيب محفوظ بعنوان «المعجزة»، صدرت ضمن مجموعته القصصية «خمارة القط الأسود» عام 1969، وكتب المخرج السيناريو والحوار مع مارك لطفي. ويروي الفيلم قصة صحافي أربعيني يتلقى مكالمة هاتفية من شخص ميت يخبره برغبته في لقائه، ممّا يقوده إلى رحلة روحية لاستكشاف ما يصفها بـ«معجزة»، قبل أن يكتشف أن ما حدث مجرّد خداع. وتُشارك في بطولته إلى جانب خالد كمال، غادة عادل، وأحمد صيام، وعلي الطيب، وعابد عناني.

وأكد كمال أنّ «التجربة لم تكن سهلة؛ إذ احتاجت إلى وقت طويل من التحضير والتنفيذ، وهو ما انعكس في النهاية على جودة العمل»، مشيراً إلى أنّ النجاح الذي تحقَّق لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة طبيعية لهذا الجهد، خصوصاً مع تفاعل الجمهور والنقاد مع الفيلم في المهرجانات، وهو ما أكد له أنّ «الرهان على الأعمال القصيرة يمكن أن يكون مجدياً ومؤثراً».

الفنان المصري تحدَّث عن أعماله الدرامية (صفحته في فيسبوك)

وعن مشاركته في الدراما الرمضانية بالموسم الماضي من خلال مسلسل «حد أقصى»، أكد خالد كمال أنّ «تكرار العمل مع روجينا جاء امتداداً لتجارب سابقة جمعتنا، فهي من الممثلات اللاتي يمتلكن حساسية فنية عالية واهتماماً بالتفاصيل، والعمل معها يوفّر دائماً مساحة جيّدة للتفاعل، مما ينعكس على الأداء داخل المَشاهد ويمنحها قدراً من الصدق».

وأوضح أنّ «المفاجأة الكبرى في هذا العمل كانت التعاون مع المخرجة مايا أشرف زكي في أولى تجاربها الإخراجية، التي أثبتت امتلاكها أدوات مهمّة، سواء في إدارة الممثلين أو في صياغة المَشاهد»، لافتاً إلى أنه خرج من هذه التجربة بانطباع إيجابي.

وأكد كمال أنّ التحدي الأساسي خلال تصوير «حد أقصى» تمثَّل في التزامه بأكثر من عمل في التوقيت عينه، ممّا تطلّب منه مجهوداً مضاعفاً في التنقّل بين مواقع التصوير، لكنه أشار إلى أنّ هذه الضغوط لم تؤثّر في استمتاعه بالتجربة، بل زادت من حماسته، خصوصاً مع ردود الفعل الإيجابية التي لمسها من الجمهور خلال عرض العمل في رمضان.

وتطرق إلى الانتقادات التي طالت مسلسل «سوا سوا»، مؤكداً أنه يتعامل مع النقد بوصفه جزءاً أساسياً من العملية الفنية، لافتاً إلى حرصه على الاستماع الجيد لآراء الجمهور، لما لذلك من دور في فهم نقاط الضعف في العمل، ومراجعته لنفسه للاستفادة من أي ملاحظات حقيقية تُسهم في تطوير أدائه مستقبلاً.

وأضاف أن اختياراته الفنية لا تعتمد على حسابات تقليدية، بقدر ما ترتكز على إحساسه الداخلي بالدور، فقد يعتذر عن أعمال مضمونة النجاح إذا لم يشعر بالحماسة تجاهها، بينما يوافق على أعمال أخرى لأنها تُمثّل له تحدّياً أو إضافة حقيقية، مشدّداً على أنّ الشغف يظلّ العامل الأهم في اتخاذ قراراته الفنية.

الفنان المصري خالد كمال يراهن على الفيلم القصير (صفحته في فيسبوك)

وتحدَّث عن مشاريعه السينمائية الجديدة، التي كان أحدثها مشاركته في فيلم «أحلام دندرة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» وحصد الجائزة الذهبية، إلى جانب مشاركته في فيلم قصير آخر سيصوّره قريباً، وهو مشروع تخرج لطالب في معهد السينما، مؤكداً: «هذه التجربة تحديداً تحمل طابعاً خاصاً، لأنها تأتي في إطار دعمي المباشر لجيل جديد من صنّاع السينما».

وأرجع كمال استمراره في خوض تجارب الأفلام القصيرة إلى إيمانه بحماسة الشباب ورغبتهم في التعبير، مشيراً إلى أنّ هذه المشاريع تمنحه طاقة مختلفة وتُبقيه على تماس مع أشكال جديدة من السرد، وهو ما يراه «ضرورياً لأي فنان يسعى إلى التطور والاستمرار».

وأضاف أنه يواصل العمل أيضاً على فيلم سينمائي من المقرَّر عرضه قريباً، يشارك في بطولته إلى جانب مجموعة كبيرة من الفنانين، من بينهم سيد رجب، وانتصار، ومصطفى غريب، وحاتم صلاح، وآية سماحة، ودنيا ماهر، ودنيا سامي، موضحاً أن العمل ينتمي إلى الكوميديا السوداء.


جائزة «الأوسكار» تُصنَّف «سلاحاً»... وتختفي في مطار نيويورك

ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)
ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)
TT

جائزة «الأوسكار» تُصنَّف «سلاحاً»... وتختفي في مطار نيويورك

ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)
ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)

قال المُخرج المُشارك لفيلم «مستر نوبادي أجينيست بوتين» الفائز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل هذا العام، ديفيد بورنستاين، إنّ تمثال الجائزة الخاص ببافيل تالانكين، المُخرج الروسي المساعد في الفيلم، فُقد بعد اضطراره إلى وضعه ضمن الأمتعة المُسجّلة في رحلة جوّية من نيويورك إلى ألمانيا.

ووفق «رويترز»، أوضح بورنستاين أنّ تالانكين كان مسافراً من مطار جون إف. كينيدي الدولي إلى مطار فرانكفورت في ألمانيا على طائرة تابعة لشركة «لوفتهانزا». لكنّ موظّفي إدارة أمن النقل (تي إس إيه) أخبروه أنّ التمثال، الذي يزن 3.8 كيلوغرام، يُشكّل تهديداً أمنياً مُحتملاً.

وقال بورنستاين عبر «إنستغرام»: «في المطار، أوقفه أحد موظفي إدارة أمن النقل، وقال له إنّ جائزة (الأوسكار) يمكن استخدامها سلاحاً».

وأضاف: «لم يكن لدى بافيل حقيبة لتسجيلها، لذا وضعت إدارة أمن النقل الجائزة في صندوق وأرسلتها إلى مؤخّرة الطائرة»، ونشر مجموعة من الصور، من بينها صورة الصندوق.

وتابع: «ولم يصل (الصندوق) أبداً إلى فرانكفورت».

ورداً على منشور بورنستاين، قالت شركة «لوفتهانزا» إنها تتعامل مع المسألة بجدّية. وعلَّق متحدث باسم الشركة: «نأسف بشدّة لهذا الموقف».

وأضاف: «فريقنا يتعامل مع هذه المسألة باهتمام بالغ وعجلة، وننفّذ بحثاً داخلياً شاملاً للتأكد من العثور على تمثال (الأوسكار) وإعادته في أسرع وقت».

وفي حديثه إلى مجلة «ديد لاين» الإلكترونية بعد وصوله إلى ألمانيا، قال تالانكين: «من المُحيّر جداً كيف يعدُّون جائزة (الأوسكار) سلاحاً».

وأضاف أنه استقلَّ رحلات سابقة مع شركات طيران مختلفة، وحمل الجائزة «في المقصورة، ولم تكن هناك أي مشكلة على الإطلاق».