الحرب الدعائية ضد «كيماوي» دوما... نموذج كلاسيكي للتضليل الروسي

TT

الحرب الدعائية ضد «كيماوي» دوما... نموذج كلاسيكي للتضليل الروسي

بعد الضربات الأميركية - الفرنسية - البريطانية على أهداف سورية محددة، يتحدث البعض عن اقتراب صدام عسكري مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا، إلا أن هناك حقيقة واحدة يجري تجاهلها وهي أن القوتين في حالة حرب فعلية، لكن في ميدان المعركة الدعائية. واعتمد الخصمان، حتى الآن، في ميدان هذه المعركة، أساليب مختلفة، سعياً وراء تحقيق أهدافهما المختلفة.
وتُعتَبَر خطة الحرب الدعائية الروسية من الأمثلة الكلاسيكية على التضليل الذي عمل خبراء الدعاية في الاستخبارات الروسية القديمة على تطويره، إبان حقبة الحرب الباردة. وتهدف خطة الحرب الروسية هذه إلى تقويض مصداقية الخطاب الأميركي المتعلّق باستخدام الرئيس بشار الأسد للأسلحة الكيماوية ضد أبناء شعبه.
وينطلق الخطاب الروسي المناوئ عبر شبكة إعلامية واسعة النطاق يسيطر عليها الكرملين مع جماهير كبيرة داخل الاتحاد الروسي وحول العالم.
ويجري تضخيم الرسالة الدعائية عن طريق ما يُقدَّر بنحو 60 ألف جندي من جنود وسائل الإعلام الاجتماعية المتفرغين تماماً، الذين يُعرفون في وسائل الإعلام العالمية وفي الفضاء الإلكتروني باسم «المتصيدون»، والذين يعملون باستخدام أكثر من 12 لغة أجنبية مختلفة.
ويروج الخطاب الروسي المنطلق من موسكو إلى «تيمات» مختلفة:
الأولى هي أن الهجوم الكيماوي على دوما في الغوطة الشرقية، لم يحدث بالأساس، وأن الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة عبر الإنترنت من إنتاج قوات المعارضة لنظام الأسد باستخدام ممثلين على الأرض، من بينهم الأطفال الصغار، لمحاكاة هذه الكارثة المروِّعة.
ولأن هذه المزاعم عصية على الترويج والتسويق انتقل الروس فوراً إلى التيمة الثانية: نحن لا نعلم على وجه اليقين إن كان الهجوم قد وقع من عدمه، وإن كان هناك هجوم، فمَن هو المسؤول المباشر عنه...؟!
ومع التشكيك الكبير في هذه المزاعم أيضاً، خرج علينا الروس بالتيمة الثالثة: لماذا لا يتم إجراء تحقيق مستقل على الأرض في دوما؟ ويجب تذكير الجانب الروسي بأنهم قد استخدموا بالفعل حق النقض (فيتو) ضد إجراء مثل هذا التحقيق على الأرض، ومن ثم تحولت خطة الكرملين الدعائية إلى التيمة الرابعة: أن الهجوم على قوات بشار الأسد قد يسفر عن اندلاع حرب واسعة النطاق، وربما تكون هي الحرب العالمية الثالثة. وبعبارة أخرى، فإن الخيار الذي نحن بصدده إما أن يكون عدم اتخاذ أي إجراءات على الإطلاق أو المخاطرة بحريق عالمي هائل. وحقيقة أن كثيراً من الخيارات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية لن تتجاوز إلا هذين الخيارين المتطرفين هي حقيقة لا يلتفت إليها من أحد في واقع الأمر.
وهناك التيمة الخامسة، التي تتعلق بالتيمة الرابعة من حيث إن التدخل من جانب الديمقراطيات الغربية قد يؤدي إلى كارثة على نحو ما حدث من قبل في أفغانستان والعراق. ولقد تلاشت من الأجواء تماماً، حقيقة أن الشعبين الأفغاني والعراقي سوف يكونون أكثر أماناً وسعادة وتفاؤلاً مما كانوا عليه تحت حكم طالبان أو صدام حسين. كما توارت في طي النسيان أيضاً حقيقة أن عدم التدخل الغربي في الأزمة السورية لم يمنع مقتل أكثر من نصف مليون مواطن، وهو أكثر من ضعف عدد الذين قُتِلوا في التدخلات الغربية المشار إليها في أفغانستان والعراق.
ومن ثم تحوَّلت خطة الدعاية الروسية إلى محاولات تجميل القبح الظاهر على نظام الأسد. قيل لنا إن الأسد حاكم علماني يقوم مقام الجدار الصلب في وجه التطرف والإرهاب. ومع ذلك، فإن الدستور السوري، الذي صاغه حافظ السد والد بشار الأسد، يقر ويعترف بأن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، ولقد استخدم النظام السوري الحاكم، خلال السنوات السبع العجاف الماضية، سلاح الطائفية القميء في وجه معارضيه المسلحين وغير المسلحين.
وتأتينا التيمة الأخرى التي تدور حول أن الخيار القائم في سوريا هو القبول بين الأسد أو تنظيم «داعش» الإرهابي، وأن الأسد يستحق الدعم والتأييد بسبب أنه كان يقاتل الخلافة المتطرفة الموهومة. ورغم ذلك، هناك حقيقة واقعة تفيد بأن قوات بشار الأسد لم تواجه قوات «داعش» على الأرض إلا في أربعة اشتباكات كبيرة فقط، وكان من أبرزها تلك المعركة التي دارت حول مدينة تدمر الأثرية القديمة. وعلى مدار السنوات الماضية، عاش الأسد و«داعش» جنباً إلى جنب، وكانت تتركز الجهود على محاربة قوات المعارضة المناهضين للحكم البعثي من غير الموالين لـ«داعش». ولم تلعب روسيا وحلفاؤها في طهران أي دور يُذكر في سحق عناصر «داعش» هناك، التي تعرضت للهزائم والتدمير على أيدي القوات العراقية والكردية والغربية الذين قضوا على سيطرة التنظيم على 90 في المائة من الأراضي التي استولى عليها داخل كل من سوريا والعراق.
أما التيمة التالية، فتقول إن الهجوم الغربي على الأهداف الموالية لنظام الأسد من شأنه أن يلحق الضرر بالقوات والأصول العسكرية الروسية في سوريا، الأمر الذي قد يدفع موسكو إلى الانتقام.
ومع ذلك أيضاً، هناك آلية لدى الولايات المتحدة وروسيا تُعرف باسم «قناة اتصالات الطوارئ»، ومن خلالها يمكن للدولتين تنسيق الإجراءات التي من المرجَّح لها التأثير على أي من قواتهما العاملة في سوريا. ولقد استخدمت هذه الآلية قبل ما يقرب من عام كامل عندما هاجمت الولايات المتحدة إحدى القواعد الجوية التابعة لجيش بشار الأسد بعدما أصدرت إنذاراً بهذا الشأن إلى الجانب الروسي لأجل نقل القوات الروسية من الموقع المستهدف. وعلى أي حال، لم تصدر عن موسكو أي استجابة تُذكر عندما أسقطت الدفاعات الأرضية التركية إحدى المقاتلات الروسية. كما لم تندفع موسكو إلى إعلان الحرب عندما أودى الهجوم الأميركي بحياة العشرات من العسكريين الموالين لروسيا، ومن المفترَض أنهم يعملون وفق تعاقد خاص مع روسيا داخل سوريا.
وعلى الرغم من ولعه الشديد بالاستعراض والمباهاة، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من لاعبي السياسة الكارهين لخوض المخاطر الكبيرة، وهو يتوقف على الفور، إن كان في مواجهة خضم عسير وصعب.
وننتقل إلى التيمة الأخرى، من تيمات الدعاية الروسية المضادة وهي تنبني على الادعاء بأن الخطة الروسية التي وضعها بوتين لإرساء الأمن والاستقرار في سوريا قد بدأت تؤتي أُكُلها. وأن موسكو - وبمرور الوقت - سوف تدفع بشار الأسد، وبكل هدوء، نحو مغادرة مسرح الأحداث في نهاية المطاف. ولذا، ما الداعي إلى التصعيد الكبير عن طريق مهاجمة مختلف الأهداف الحكومية السورية الآن؟ إن هذا الطرح يعني ببساطة خلع عباءة السلام الباهتة على سنوات الفظاعة والتوحش السبع المنقضية التي اشتملت على 14 محاولة للهجوم بالأسلحة الكيماوية المهلكة من قبل قوات بشار الأسد على المدنيين العزل.
أما التيمة الأخيرة، فهي تتعلق بزميلتها السابقة في أن روسيا سوف تكبح جماح بشار الأسد وتمنعه تماماً من مواصلة استخدام الأسلحة الكيميائية في المستقبل. بيد أن هذا بالضبط كان التعهد الذي قطعته موسكو في عام 2013، مع التأكيد وقتها على تدمير جميع مخزونات الأسلحة الكيماوية ومرافق الإنتاج ذات الصلة في سوريا.
وفي الوقت الذي ابتلع فيه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما هذه المزاعم، أو تظاهر بأنه كذلك، كانت النتيجة تشجيع بشار الأسد على كسر «الخط الأحمر» المعلَن آنذاك وشنّ الهجمات الكيميائية مراراً وتكراراً.
اعتقد جوزيف غوبلز، المستشار الإعلامي لأدولف هتلر، أن استراتيجية التضليل الجيدة تهدف بالأساس إلى تدمير الحقائق الواقعية عن طريق طرح النسخ المتكررة من أية حادثة كانت. ومن شأن ذلك، كما قال غوبلز، أن يحول أية حقيقة إلى «قرص فوار»، ذلك الذي بمجرد وضعه في الماء يتحول إلى فقاعات كثيرة لا حصر لها تتلاشى إلى العدم بعد وقت وجيز. وتهدف خطة التضليل الحالية التي وضعها الكرملين إلى تحويل أية رواية بشأن الهجوم الكيماوي الأخير في دوما إلى «قرص فوار». ولقد حققت تلك الخطة قدراً من النجاح على النحو الواضح من معارضة جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال البريطاني المعارض، من اتخاذ أية إجراءات تُذكر ضد الأسد، وهو يدعو إلى إجراء تحقيق مستقل، وقرار من مجلس الأمن الدولي قبل المضي قدماً نحو أي إجراء على الأرض. ويحذر نظير كوربين، وهو السياسي الفرنسي جان لوك ميلونشون، من مخاطر اندلاع حرب كبيرة في سوريا، وربما تكون الحرب العالمية الثالثة.
وكلاهما يقول إنه من الأفضل عدم القيام بأي شيء على الإطلاق. وتكمن المشكلة في أن هذا الموقف ذاته قد اعتبره الأسد بمثابة الضوء الأخضر لمواصلة الفظائع التي كان يفعلها في بلاده وشعبه منذ سبع سنوات كاملة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.