موسكو تراقب تحركات أميركا وتستعد لـ«تداعيات» الضربات

TT

موسكو تراقب تحركات أميركا وتستعد لـ«تداعيات» الضربات

فور أن أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تغريدته على موقع «تويتر» التي طلب فيها من روسيا أن تستعد للصواريخ «الذكية والحديثة والجميلة» التي سيلقيها على سوريا، انهال سيل من التوقعات والتنبؤات في وسائل الإعلام الروسية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي حول طبيعة الرد الروسي المنتظر، وماذا ستفعل موسكو في حال نفذت واشنطن وعيدها، ووجهت ضربة كبيرة قد تصيب شظاياها، ولو بشكل غير مقصود منشآت فيها عسكريون روس.
كان واضحاً منذ فشل مجلس الأمن في إقرار أي من مشروعات القرار المقدمة ليلة الأربعاء، أن الوضع يتجه نحو ضربة عسكرية أميركية، لكن الترجيحات في موسكو انصبت على محاولات تقدير حجمها والتكهن بطبيعة بنك الأهداف الذي سوف يكون مشمولاً بها، مع استبعاد أن تلجأ واشنطن إلى «استفزاز مباشر» للروس. لكن كلمات ترمب قلبت النقاشات؛ لأنها خاطبت روسيا مباشرة، في تحدٍ واضح للكرملين. وهي أصابت جزءاً من الأوساط الروسية بصدمة، وفقاً لتعليقات إعلاميين روس. وإن كان بعضهم حاول التقليل من شأنها بالإشارة إلى «زلات لسان ترمب الكثيرة على توتير».
تزامن صخب السجالات مع تصريحات سفير روسيا لدى لبنان ألكسندر زاسيبكين التي تناقلتها بقوة وسائل إعلام عربية وغربية، وقال فيها إن الدفاعات الروسية «ستواجه الصواريخ التي تطلق على سوريا، وسوف تستهدف منصات إطلاقها». هذه العبارة أيضاً استخدمت بشكل واسع في إطار هستيريا التأجيج الإعلامي التي بدأت تتحدث عن «حرب عالمية ثالثة» محتملة، أو تعقد على الأقل مقاربات مع الوضع الدولي خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 عندما حبس العالم أنفاسه متوقعاً اندلاع مواجهة نووية في أي لحظة.
تجاهل كثيرون وهم يتناقلون كلمات السفير الروسي العبارة الأصلية التي نسبها زاسيبكين إلى الرئيس فلاديمير بوتين وإلى قيادة الأركان الروسية، في إشارة إلى تصريحات سابقة للطرفين (بعد ضربة الشعيرات) لوّحت بأن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت منشآتها أو عسكريوها لخطر مباشر. بينما لم تعد موسكو في أي مرحلة بأنها ستواجه ضربة موجهة ضد منشآت الجيش السوري أو قواعد يتواجد فيها إيرانيون.
وكان ملاحظاً أمس، مع ضجيج التصريحات النارية أن الكرملين التزم الصمت ولم يوجه تهديدات، كما لم يدع بوتين مجلس الأمن القومي للانعقاد خلافاً لعادته في ظروف مماثلة. وحتى وزارة الدفاع تجنبت إطلاق تصريحات نارية خلال ساعات النهار. مع أن مصادر دبلوماسية قالت، إنه لا يمكن استبعاد أن تتحرك الدوائر الروسية في وقت لاحق لمواجهة الموقف. إنما «بعد دراسة المعطيات المتسارعة بشكل دقيق».
في غضون ذلك، جاءت تصريحات الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أهدأ من المتوقع، وهو قال إن الوضع القائم حول سوريا «متوتر للغاية، ولا سيما في ظل الهجوم الكيماوي المزعوم في مدينة دوما»، وأعرب عن أمل في أن «تتفادى جميع الأطراف الخطوات المزعزعة».
وشدد المتحدث الرئاسي، إن تطورات الوضع في سوريا تتطلب مراقبة دقيقة، مؤكداً الموقف الروسي الداعم لإجراء تحقيق مفصل في مزاعم استخدام السلاح الكيماوي.
ولفت إلى «خلافات عميقة بين موسكو وواشنطن»، موضحاً أن الطرف الروسي يعارض بشدة التصريحات الأميركية حول «الجرائم الوحشية للسلطات السورية»، وقال: إن التصريحات لا تستند إلى حقائق.
ولوحظ أن بيسكوف عندما سئل عن الرد الروسي المحتمل على الضربة الأميركية المنتظرة، قال: «نريد أن نأمل في أن تتفادى جميع الأطراف الخطوات غير المبررة، التي في الواقع من شأنها زعزعة الوضع الهش أصلاً في المنطقة». مضيفاً أن جدول أعمال الرئيس الروسي للفترة المقبلة لا يتضمن اتصالات مع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الأميركية أنجيلا ميركل.
لكن لهجة الكرملين الهادئة لا تعني عدم وجود مخاوف جدية لدى موسكو من انزلاق الأمور نحو سيناريوهات لا ترغب فيها موسكو ولا واشنطن. والإشارة هنا إلى صِدام غير مقصود بسبب نقص أو خطأ في التنسيق، رغم أن المستوى العسكري الأميركي أبلغ وكالة «تاس» الروسية أمس، بأن «قنوات التنبيه لتفادي وقوع أخطاء غير مقصودة ما زالت تعمل رغم تردي العلاقات وانقطاع الاتصالات على مستويات مختلفة».
في هذه الأجواء، برزت التساؤلات عن طبيعة الرد الروسي المحتمل على أي ضربة أميركية مهما كان حجمها وأهدافها. وتناقلت وسائل إعلام روسية تصريحات لمسؤولين عسكريين تطوعوا لـ«تحليل موازين القوى» في البحر المتوسط الذي يعج حالياً بالمدمرات والسفن الحربية والغواصات.
ونسبت صحيفة «كوميرسانت» الرصينة إلى مصدر عسكري دبلوماسي تقليله من خطورة تحرك مجموعة من السفن الحربية الأميركية في البحر الأبيض المتوسط على العسكريين الروس.
لكنه أوضح، أن «كل تعزيز للقوات في منطقة البحر المتوسط سيؤدي إلى تصعيد التوتر»، وزاد: إن العسكريين الروس يقومون بمتابعة تطورات الوضع وتقييمها، وهي مهمة تنفذها، منذ أيام عدة، طائرات الاستطلاع الروسية من طراز A - 50 التي تراقب سير مدمرة «دونالد كوك» الأميركية.
وأكد المصدر، أن الأسطول البحري الروسي «قادر على رد سريع عند الضرورة، وسيكون هناك من ينتظرهم عند قدومهم»، في إشارة إلى المجموعة الأميركية الضاربة.
وأوضح المصدر في أجهزة الإدارة العسكرية، أن القوى البحرية الروسية المتواجدة في مياه المتوسط لا تقتصر على السفن العادية بل تشمل أيضاً غواصات، بما فيها الغواصات النووية المزودة بطوربيدات وصواريخ «كاليبر» المخصصة لتدمير الأهداف البحرية والبرية. بالإضافة إلى ذلك، تملك قاعدة حميميم الجوية الروسية بريف اللاذقية في سوريا صواريخ من نوع مضادة للسفن من طراز «كياك».
من جانبه، ذكّر الرئيس السابق لهيئة أركان القوات المسلحة الروسية، الجنرال يوري بالوييفسكي، بأن قدرات الأسطولين الروسي والأميركي تغنيهما عن ضرورة تقارب مباشر بين الطرفين في البحر. وأعرب بالوييفسكي عن قناعته بأن الأمر لن يذهب إلى توجيه ضربات مباشرة من قبل هذا الطرف أو ذاك.
ولفت مصدر آخر في لجنة الدفاع التابعة لمجلس الفيدرالية (الشيوخ) الروسي، إلى أن موسكو قد تستخدم ترسانتها من صواريخ «إس 400» و«بانتسير» المنصوبة على مقربة من قاعدتي حميميم وطرطوس إذا دعت الحاجة إلى حماية منشآتها.
لكن الملاحظ مع غياب التصريحات الرسمية المباشرة من المستوى العسكري، أن كل المتحدثين عن قدرات المواجهة الروسية تعمدوا إضافة عبارات مثل «إذا دعت الحاجة» أو «عند الضرورة»؛ ما عكس قناعة بأن الأمور «لن تتطور في الغالب إلى هذا المستوى» وفقاً لمصدر تحدثت إليه «الشرق الأوسط».
وقال المصدر، إن موسكو تقوم بوضع عدد من السيناريوهات لمواجهة التطورات المحتملة، بينها أن تكون الضربة الأميركية المحتملة محدودة، وتستهدف بعض المنشآت التي يستخدمها الجيش السوري أو الوحدات الإيرانية في سوريا، وفي هذه الحال، فإن موسكو «سوف تتعامل بهدوء، لكنها سوف تستخدم الهجوم الأميركي لتوفير إدانة سياسية للولايات المتحدة». وفي حال قررت الولايات المتحدة مع حلفائها توجيه ضربة أوسع تهدف إلى تقويض البنى التحتية للنظام، فإن موسكو قد تعمل على مساعدته بطريقة غير مباشرة عبر توفير الدفاعات الجوية اللازمة وتكثيف تحركاتها العسكرية والدبلوماسية للتضييق على واشنطن ومحاولة تفكيك التحالف الذي تقوم بتشكيلة حاليا لدعم الضربة.
وشدد المصدر، إن موسكو «لن تتعامل في أي حال بشكل عدواني» بمعنى أنها لن تبدأ بعمل استفزازي، لكنها ستواجه الموقف وفقاً لتطوره.
ولفت مصدر آخر إلى أن روسيا قد تجد نفسها مضطرة إلى إجراء تغييرات رئيسية على تحركاتها في سوريا، بينها التراجع عن فكرة تقليص وجودها العسكري وزج وحدات وتقنيات إضافية، بالإضافة إلى مراجعة خطط تحركاتها مع حلفائها الميدانيين.
لكن أوساطاً دبلوماسية بدأت تتحدث عن تداعيات ربما تخرج عن إطار «ضربة عسكرية مهما كانت طبيعتها محدودة أو واسعة» وقال لـ«الشرق الأوسط» دبلوماسي روسي، إن السؤال المطروح هل ستذهب واشنطن نحو توجيه ضربة تكتيكية يكون الهدف منها إظهار جدية التعامل مع الملف الكيماوي فقط، أم أن ترمب بدأ يهيئ لمحاولة تغيير قواعد اللعبة في سوريا، لجهة تجاوز خطوط التفاهم الضمني الذي ساد خلال الفترة الماضية، حول مناطق النفوذ والتحرك لكل طرف. ورأى أن تطوراً من هذا النوع سيعني محاولة قلب الموازين التي نشأت خلال الفترة الماضية؛ ما يستدعي رداً روسياً قوياً ليس بالضرورة أن يكون عبر مواجهة مباشرة.
ولفت المصدر إلى أن موسكو تعمل على تنشيط اتصالاتها مع الأطراف المعنية، وخصوصاً حلفاءها لمواجهة التداعيات المحتملة.
وكان لافتاً أمس، الإعلان عن زيارة المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف إلى طهران، وأن موضوع التهديدات الغربية بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا كان محور محادثاته وفقاً لوكالة «إرنا» الإيرانية التي أشارت إلى محادثات معمقة حول الوضع في سوريا مع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، ومسؤولين آخرين، مضيفة: إن المحادثات تناولت «تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل عسكرياً» في سوريا.
ورغم أن توقيت الزيارة التي وصفت بأنها مفاجئة للفت الأنظار، لكن مصادر روسية قالت: إنها «منسقة في وقت سابق، وإن كان ملف التحضيرات لضربة أميركية طغى عليها». وأشار إلى أن «التنسيق السياسي والعسكري بين موسكو وطهران متواصل ولم ينقطع في أي لحظة».



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.