موسكو تراقب تحركات أميركا وتستعد لـ«تداعيات» الضربات

TT

موسكو تراقب تحركات أميركا وتستعد لـ«تداعيات» الضربات

فور أن أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تغريدته على موقع «تويتر» التي طلب فيها من روسيا أن تستعد للصواريخ «الذكية والحديثة والجميلة» التي سيلقيها على سوريا، انهال سيل من التوقعات والتنبؤات في وسائل الإعلام الروسية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي حول طبيعة الرد الروسي المنتظر، وماذا ستفعل موسكو في حال نفذت واشنطن وعيدها، ووجهت ضربة كبيرة قد تصيب شظاياها، ولو بشكل غير مقصود منشآت فيها عسكريون روس.
كان واضحاً منذ فشل مجلس الأمن في إقرار أي من مشروعات القرار المقدمة ليلة الأربعاء، أن الوضع يتجه نحو ضربة عسكرية أميركية، لكن الترجيحات في موسكو انصبت على محاولات تقدير حجمها والتكهن بطبيعة بنك الأهداف الذي سوف يكون مشمولاً بها، مع استبعاد أن تلجأ واشنطن إلى «استفزاز مباشر» للروس. لكن كلمات ترمب قلبت النقاشات؛ لأنها خاطبت روسيا مباشرة، في تحدٍ واضح للكرملين. وهي أصابت جزءاً من الأوساط الروسية بصدمة، وفقاً لتعليقات إعلاميين روس. وإن كان بعضهم حاول التقليل من شأنها بالإشارة إلى «زلات لسان ترمب الكثيرة على توتير».
تزامن صخب السجالات مع تصريحات سفير روسيا لدى لبنان ألكسندر زاسيبكين التي تناقلتها بقوة وسائل إعلام عربية وغربية، وقال فيها إن الدفاعات الروسية «ستواجه الصواريخ التي تطلق على سوريا، وسوف تستهدف منصات إطلاقها». هذه العبارة أيضاً استخدمت بشكل واسع في إطار هستيريا التأجيج الإعلامي التي بدأت تتحدث عن «حرب عالمية ثالثة» محتملة، أو تعقد على الأقل مقاربات مع الوضع الدولي خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 عندما حبس العالم أنفاسه متوقعاً اندلاع مواجهة نووية في أي لحظة.
تجاهل كثيرون وهم يتناقلون كلمات السفير الروسي العبارة الأصلية التي نسبها زاسيبكين إلى الرئيس فلاديمير بوتين وإلى قيادة الأركان الروسية، في إشارة إلى تصريحات سابقة للطرفين (بعد ضربة الشعيرات) لوّحت بأن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت منشآتها أو عسكريوها لخطر مباشر. بينما لم تعد موسكو في أي مرحلة بأنها ستواجه ضربة موجهة ضد منشآت الجيش السوري أو قواعد يتواجد فيها إيرانيون.
وكان ملاحظاً أمس، مع ضجيج التصريحات النارية أن الكرملين التزم الصمت ولم يوجه تهديدات، كما لم يدع بوتين مجلس الأمن القومي للانعقاد خلافاً لعادته في ظروف مماثلة. وحتى وزارة الدفاع تجنبت إطلاق تصريحات نارية خلال ساعات النهار. مع أن مصادر دبلوماسية قالت، إنه لا يمكن استبعاد أن تتحرك الدوائر الروسية في وقت لاحق لمواجهة الموقف. إنما «بعد دراسة المعطيات المتسارعة بشكل دقيق».
في غضون ذلك، جاءت تصريحات الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أهدأ من المتوقع، وهو قال إن الوضع القائم حول سوريا «متوتر للغاية، ولا سيما في ظل الهجوم الكيماوي المزعوم في مدينة دوما»، وأعرب عن أمل في أن «تتفادى جميع الأطراف الخطوات المزعزعة».
وشدد المتحدث الرئاسي، إن تطورات الوضع في سوريا تتطلب مراقبة دقيقة، مؤكداً الموقف الروسي الداعم لإجراء تحقيق مفصل في مزاعم استخدام السلاح الكيماوي.
ولفت إلى «خلافات عميقة بين موسكو وواشنطن»، موضحاً أن الطرف الروسي يعارض بشدة التصريحات الأميركية حول «الجرائم الوحشية للسلطات السورية»، وقال: إن التصريحات لا تستند إلى حقائق.
ولوحظ أن بيسكوف عندما سئل عن الرد الروسي المحتمل على الضربة الأميركية المنتظرة، قال: «نريد أن نأمل في أن تتفادى جميع الأطراف الخطوات غير المبررة، التي في الواقع من شأنها زعزعة الوضع الهش أصلاً في المنطقة». مضيفاً أن جدول أعمال الرئيس الروسي للفترة المقبلة لا يتضمن اتصالات مع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الأميركية أنجيلا ميركل.
لكن لهجة الكرملين الهادئة لا تعني عدم وجود مخاوف جدية لدى موسكو من انزلاق الأمور نحو سيناريوهات لا ترغب فيها موسكو ولا واشنطن. والإشارة هنا إلى صِدام غير مقصود بسبب نقص أو خطأ في التنسيق، رغم أن المستوى العسكري الأميركي أبلغ وكالة «تاس» الروسية أمس، بأن «قنوات التنبيه لتفادي وقوع أخطاء غير مقصودة ما زالت تعمل رغم تردي العلاقات وانقطاع الاتصالات على مستويات مختلفة».
في هذه الأجواء، برزت التساؤلات عن طبيعة الرد الروسي المحتمل على أي ضربة أميركية مهما كان حجمها وأهدافها. وتناقلت وسائل إعلام روسية تصريحات لمسؤولين عسكريين تطوعوا لـ«تحليل موازين القوى» في البحر المتوسط الذي يعج حالياً بالمدمرات والسفن الحربية والغواصات.
ونسبت صحيفة «كوميرسانت» الرصينة إلى مصدر عسكري دبلوماسي تقليله من خطورة تحرك مجموعة من السفن الحربية الأميركية في البحر الأبيض المتوسط على العسكريين الروس.
لكنه أوضح، أن «كل تعزيز للقوات في منطقة البحر المتوسط سيؤدي إلى تصعيد التوتر»، وزاد: إن العسكريين الروس يقومون بمتابعة تطورات الوضع وتقييمها، وهي مهمة تنفذها، منذ أيام عدة، طائرات الاستطلاع الروسية من طراز A - 50 التي تراقب سير مدمرة «دونالد كوك» الأميركية.
وأكد المصدر، أن الأسطول البحري الروسي «قادر على رد سريع عند الضرورة، وسيكون هناك من ينتظرهم عند قدومهم»، في إشارة إلى المجموعة الأميركية الضاربة.
وأوضح المصدر في أجهزة الإدارة العسكرية، أن القوى البحرية الروسية المتواجدة في مياه المتوسط لا تقتصر على السفن العادية بل تشمل أيضاً غواصات، بما فيها الغواصات النووية المزودة بطوربيدات وصواريخ «كاليبر» المخصصة لتدمير الأهداف البحرية والبرية. بالإضافة إلى ذلك، تملك قاعدة حميميم الجوية الروسية بريف اللاذقية في سوريا صواريخ من نوع مضادة للسفن من طراز «كياك».
من جانبه، ذكّر الرئيس السابق لهيئة أركان القوات المسلحة الروسية، الجنرال يوري بالوييفسكي، بأن قدرات الأسطولين الروسي والأميركي تغنيهما عن ضرورة تقارب مباشر بين الطرفين في البحر. وأعرب بالوييفسكي عن قناعته بأن الأمر لن يذهب إلى توجيه ضربات مباشرة من قبل هذا الطرف أو ذاك.
ولفت مصدر آخر في لجنة الدفاع التابعة لمجلس الفيدرالية (الشيوخ) الروسي، إلى أن موسكو قد تستخدم ترسانتها من صواريخ «إس 400» و«بانتسير» المنصوبة على مقربة من قاعدتي حميميم وطرطوس إذا دعت الحاجة إلى حماية منشآتها.
لكن الملاحظ مع غياب التصريحات الرسمية المباشرة من المستوى العسكري، أن كل المتحدثين عن قدرات المواجهة الروسية تعمدوا إضافة عبارات مثل «إذا دعت الحاجة» أو «عند الضرورة»؛ ما عكس قناعة بأن الأمور «لن تتطور في الغالب إلى هذا المستوى» وفقاً لمصدر تحدثت إليه «الشرق الأوسط».
وقال المصدر، إن موسكو تقوم بوضع عدد من السيناريوهات لمواجهة التطورات المحتملة، بينها أن تكون الضربة الأميركية المحتملة محدودة، وتستهدف بعض المنشآت التي يستخدمها الجيش السوري أو الوحدات الإيرانية في سوريا، وفي هذه الحال، فإن موسكو «سوف تتعامل بهدوء، لكنها سوف تستخدم الهجوم الأميركي لتوفير إدانة سياسية للولايات المتحدة». وفي حال قررت الولايات المتحدة مع حلفائها توجيه ضربة أوسع تهدف إلى تقويض البنى التحتية للنظام، فإن موسكو قد تعمل على مساعدته بطريقة غير مباشرة عبر توفير الدفاعات الجوية اللازمة وتكثيف تحركاتها العسكرية والدبلوماسية للتضييق على واشنطن ومحاولة تفكيك التحالف الذي تقوم بتشكيلة حاليا لدعم الضربة.
وشدد المصدر، إن موسكو «لن تتعامل في أي حال بشكل عدواني» بمعنى أنها لن تبدأ بعمل استفزازي، لكنها ستواجه الموقف وفقاً لتطوره.
ولفت مصدر آخر إلى أن روسيا قد تجد نفسها مضطرة إلى إجراء تغييرات رئيسية على تحركاتها في سوريا، بينها التراجع عن فكرة تقليص وجودها العسكري وزج وحدات وتقنيات إضافية، بالإضافة إلى مراجعة خطط تحركاتها مع حلفائها الميدانيين.
لكن أوساطاً دبلوماسية بدأت تتحدث عن تداعيات ربما تخرج عن إطار «ضربة عسكرية مهما كانت طبيعتها محدودة أو واسعة» وقال لـ«الشرق الأوسط» دبلوماسي روسي، إن السؤال المطروح هل ستذهب واشنطن نحو توجيه ضربة تكتيكية يكون الهدف منها إظهار جدية التعامل مع الملف الكيماوي فقط، أم أن ترمب بدأ يهيئ لمحاولة تغيير قواعد اللعبة في سوريا، لجهة تجاوز خطوط التفاهم الضمني الذي ساد خلال الفترة الماضية، حول مناطق النفوذ والتحرك لكل طرف. ورأى أن تطوراً من هذا النوع سيعني محاولة قلب الموازين التي نشأت خلال الفترة الماضية؛ ما يستدعي رداً روسياً قوياً ليس بالضرورة أن يكون عبر مواجهة مباشرة.
ولفت المصدر إلى أن موسكو تعمل على تنشيط اتصالاتها مع الأطراف المعنية، وخصوصاً حلفاءها لمواجهة التداعيات المحتملة.
وكان لافتاً أمس، الإعلان عن زيارة المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف إلى طهران، وأن موضوع التهديدات الغربية بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا كان محور محادثاته وفقاً لوكالة «إرنا» الإيرانية التي أشارت إلى محادثات معمقة حول الوضع في سوريا مع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، ومسؤولين آخرين، مضيفة: إن المحادثات تناولت «تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل عسكرياً» في سوريا.
ورغم أن توقيت الزيارة التي وصفت بأنها مفاجئة للفت الأنظار، لكن مصادر روسية قالت: إنها «منسقة في وقت سابق، وإن كان ملف التحضيرات لضربة أميركية طغى عليها». وأشار إلى أن «التنسيق السياسي والعسكري بين موسكو وطهران متواصل ولم ينقطع في أي لحظة».



«لا شبهة جنائية» في وفاة عسكري يمني بارز بأسوان

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيرته اليمنية في القاهرة (الخارجية اليمينة)
لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيرته اليمنية في القاهرة (الخارجية اليمينة)
TT

«لا شبهة جنائية» في وفاة عسكري يمني بارز بأسوان

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيرته اليمنية في القاهرة (الخارجية اليمينة)
لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيرته اليمنية في القاهرة (الخارجية اليمينة)

أعلنت السفارة اليمنية في القاهرة وفاة العميد محمد علي مهدي هادي في أحد فنادق مدينة أسوان (جنوب مصر)، واستبعدت «أي شبهة جنائية في الحادث».

ونفى المستشار الإعلامي للسفارة اليمنية في القاهرة، بليغ المخلافي، أن تكون «الوفاة بسبب حادث جنائي أو محاولة اغتيال»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «العميد مهدي هادي كان في جولة سياحية رفقة زوجته بأسوان»، مشيراً إلى أنه «متفرغ للدراسة في مصر منذ أكثر من عام».

وقالت السفارة اليمنية في القاهرة إنها «تتابع ملابسات وفاة العميد مهدي هادي في أحد فنادق مدينة أسوان مع كافة الجهات المعنية في مصر، وأن المتابعة الأولية تشير إلى عدم وجود أي شبهة جنائية»، بحسب إفادة لها الأحد.

ويعد العميد محمد علي مهدي هادي سالمين، المعروف بـ«سقراط»، أحد أبرز القيادات العسكرية التي برزت في الساحة اليمنية، وهو من القيادات «الجنوبية» وكان يشغل مؤخراً منصب «قائد اللواء الثاني دعم وإسناد».

وأوضح بيان السفارة اليمنية بالقاهرة أن «ممثل السفارة يوجد في مدينة أسوان لمتابعة نتائج التحقيقات».

وأعادت واقعة وفاة العميد مهدي هادي إلى الأذهان حادث مقتل اللواء حسن العبيدي وهو مسؤول عسكري يمني، في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، في شهر مايو (أيار) الماضي، وذلك إثر محاولة سرقته بالمسكن الذي كان يقطن فيه، حسبما كشفت سلطات التحقيق المصرية.

غير أن المستشار الإعلامي للسفارة اليمنية في القاهرة، بليغ المخلافي، نفى وجود تشابه ما بين حادث وفاة العميد مهدي هادي، وحادث اللواء العبيدي في فيصل، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «وفاة هادي طبيعية ولا توجد أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أن «السفارة اطلعت على تقرير الطب الشرعي بمصر الذي أشار إلى عدم وجود محاولة قتل أو اغتيال».

وأوضح المخلافي، أن «العميد هادي كان رفقة زوجته في جولة سياحية بمدينة أسوان جنوب مصر»، وقال إن «الوفاة جرت في السابعة مساء السبت»، مشيراً إلى أن «السفارة تتابع إجراءات نقل الجثمان إلى القاهرة، لاستكمال ترتيبات تشييع الجثمان لمثواه الأخير، بالتنسيق مع أسرته».

ووفق المسؤول بالسفارة اليمنية بالقاهرة، فإن «العميد هادي كان متفرغاً للدراسة في (أكاديمية ناصر العسكرية) بمصر، وكان من المقرر أن ينهي دراسته ليعود لمباشرة مهامه الرسمية في المؤسسة العسكرية اليمنية».

وهناك إجراءات متبعة دبلوماسياً، حال وقوع حالة وفاة لمسؤول من دولة أجنبية، منها إخطار السفارة المعتمدة، وتنسيق الإجراءات المشتركة، كما فعلت السلطات المصرية، وفق سفير مصر الأسبق لدى اليمن، يوسف الشرقاوي، وقال إن «مثل هذه الحالات من الوارد أن تحدث في أي دولة بالعالم».

ولا يمكن أن تتأثر العلاقات المصرية اليمنية بحالة وفاة أحد المسؤولين، وفق الشرقاوي، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «علاقات مصر مع اليمن متميزة، وهناك تواصل على مختلف المستويات».


مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

ذلك اللقاء الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون راتكليف، بحضور رئيس المخابرات المصرية، الوزير حسن رشاد، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنه يأتي لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة، وتفادي تداعياته.

محادثات بتوقيت حرج

وأفادت الرئاسة المصرية، في بيان، بأن السيسي وراتكليف بحثا الوضع في الشرق الأوسط وأزمتي إيران والسودان ومستجدات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

وفي هذا الصدد، أكد السيسي «دعم مصر الكامل للجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق شامل ينهي الأزمة الإيرانية، بما يسهم في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة وضمان حرية الملاحة الدولية، رافضاً أي اعتداء على الدول العربية». وشدّد على «ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وحماية المدنيين، وضمان النفاذ الكافي والمستدام للمساعدات الإنسانية إلى القطاع، فضلاً عن تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف العملية السياسية، وصولاً إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية».

كما تطرق اللقاء إلى الأزمة السودانية. وأكد السيسي «موقف مصر الراسخ الداعم لوحدة السودان واستقراره والحفاظ على مؤسساته الوطنية الشرعية». وشدد على أن «سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه تمثلان ثوابت لا يمكن المساس بها».

بدوره، أكّد مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية «حرص واشنطن على مواصلة العمل والتنسيق الوثيق مع مصر لتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط». وأشاد «بالدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم الجهود الرامية إلى التوصل لتسويات سلمية وشاملة لأزمات المنطقة».

وأكد «أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين الجهات المعنية في البلدين، ولا سيما ما يتعلق بالأزمة السودانية والأوضاع في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي وأمن الملاحة الدولية، بما يدعم جهود مواجهة التحديات الأمنية والجيوسياسية والتنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة، فضلاً عن تعزيز تبادل الرؤى والتقديرات»، بحسب بيان «الرئاسة المصرية» .

قضايا غزة والسودان والحرب الإيرانية على رأس نقاشات السيسي مع مدير وكالة الاستخبارات الأميركية (الرئاسة المصرية)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير علي الحفني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة «تأتي في توقيت حرج تفرض فيه التطورات الإقليمية الملتهبة نفسها على الساحة الدولية»، لافتاً إلى أن المباحثات بين الجانبين «اكتسبت أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المؤثر للإدارة الأميركية ولأجهزتها في رسم السياسات الخارجية، وشهدت تبادلاً لوجهات النظر على أعلى مستوى حول ملفات عديدة تؤرق المجتمع الدولي والعديد من الأطراف الفاعلة».

ويعتقد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن لقاء السيسي مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «يعكس أهمية التنسيق المصري - الأميركي في مواجهة التوترات الإقليمية».

ويشير اللقاء، بحسب حجازي، «إلى تنامي دور القنوات الأمنية والاستخباراتية في دعم الاتصالات السياسية وتبادل التقديرات لمنع اتساع دائرة الصراع. ويمكن أن يركز هذا التنسيق خلال المرحلة المقبلة على تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، واحتواء التصعيد المرتبط بالأزمة الإيرانية، وحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب دعم استقرار السودان ولبنان والصومال».

احتمالات للتصعيد

ويأتي ذلك تزامناً مع دعوة الولايات المتحدة رعاياها الموجودين في المنطقة إلى توخي الحذر، ومن هم خارجها لإعادة النظر في السفر إليها أو عبرها، مع تحذيرها من احتمال «تصعيد غير متوقع للصراع العسكري في الشرق الأوسط»، وفق ما أوردته وزارة الخارجية الأميركية، الأحد، في تحذير أمني على موقعها الرسمي.

ويرى الحفني أن التطورات بالمنطقة، وما تحمله هذه الزيارة في هذا الوقت الحرج، «تؤكد أن القاهرة تظل لاعباً محورياً لا غنى عنه في إدارة الأزمات الإقليمية وتحديد المستقبل الأمني للمنطقة»، متوقعاً «أن يسفر هذا التنسيق والتشاور المستمر عن تقارب أكبر في التقديرات والتفاهمات المشتركة بين القاهرة وواشنطن خلال الفترة المقبلة».


الجيش اليمني يوقف محاولات التوغل الحوثي غرب تعز

عنصر من الجيش اليمني في غرب تعز يمسك مدفعاً رشاشاً على متن عربة عسكرية (أ.ف.ب)
عنصر من الجيش اليمني في غرب تعز يمسك مدفعاً رشاشاً على متن عربة عسكرية (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني يوقف محاولات التوغل الحوثي غرب تعز

عنصر من الجيش اليمني في غرب تعز يمسك مدفعاً رشاشاً على متن عربة عسكرية (أ.ف.ب)
عنصر من الجيش اليمني في غرب تعز يمسك مدفعاً رشاشاً على متن عربة عسكرية (أ.ف.ب)

تمكَّنت القوات الحكومية اليمنية، فجر الأحد، من استعادة جبل نعمان الاستراتيجي غرب محافظة تعز، في وقت تخوض فيه معارك عنيفة مع الحوثيين المتحالفين مع إيران على سلسلة المرتفعات الممتدة جنوب غربي المحافظة، في محاولة لمنع الجماعة من التوغل أكثر نحو الجبال المطلة على باب المندب، والوصول إلى الطريق البري الوحيد المتبقي الذي يربط مدينة تعز بمدينة التربة ثم لحج وصولاً إلى عدن.

وقالت مصادر عسكرية ومحلية، إن قوات محور تعز تمكنت مع الساعات الأولى من صباح الأحد من تأمين جبل نعمان، الواقع غرب جبل حبشي، بعد مواجهات مع الحوثيين، مشيرة إلى أن استعادة الموقع تعيد وصل جبهة بني بكاري بجبهة الكدحة، وتؤمِّن طريق بني بكاري- الأشروح- البيرين.

وحسب المصادر، فإن السيطرة على الجبل تجعل ما تبقى من مواقع الحوثيين في عزلة الشراجة مكشوفاً نارياً، وتمنح القوات الحكومية موقعاً مرتفعاً في منطقة تتصل جبهاتها بالطرق المؤدية نحو الساحل الغربي.

الجيش اليمني استعاد مواقع جبلية استراتيجية كان الحوثيون قد توغلوا فيها غرب تعز (إعلام محلي)

وتأتي استعادة جبل نعمان في وقت يحاول فيه الحوثيون تثبيت مكاسبهم التي حققوها خلال هجومهم الأخير على الساحل الغربي، بعدما سيطروا قبل نحو 10 أيام على حيس والخوخة والمخا، وتقدموا إلى مضيق باب المندب وجزيرة ميون وعدد من الجزر اليمنية في جنوب البحر الأحمر، وفق المعطيات الميدانية الواردة من المنطقة.

وتتركز المعارك الحالية في غرب تعز وجنوب غربيِّها على المرتفعات التي تتحكم في طرق الحركة بين الداخل والساحل، وفي مقدمتها راسن ونمان وجرداد والكدحة والوازعية؛ حيث يحاول الحوثيون دفع قواتهم إلى مواقع أكثر ارتفاعاً، بهدف حماية المناطق الساحلية التي سيطروا عليها حديثاً، وتأمين خطوط إمدادها، وتحرك قواتهم جنوباً.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية إضافية بالنسبة إلى مدينة تعز؛ إذ تسعى الجماعة -وفق المصادر الميدانية- إلى الاقتراب من الطريق الذي لا يزال يوفر للمدينة اتصالها البري بمناطق التربة ولحج وعدن، بما قد يتيح لها الضغط على هذا المسار، وتهديد أحد أهم خطوط الحركة والإمداد المتبقية للقوات والسكان.

الحوثيون يسعون لتأمين مكاسبهم في الساحل اليمني بالسيطرة على المرتفعات غربي تعز (إعلام محلي)

وفي جنوب غربي تعز، أفادت المصادر بأن القوات الحكومية ورجال القبائل المساندين لها تصدوا لهجمات حوثية عنيفة في الدمدم وشريرة والوازعية، بينما فشلت محاولات أخرى للجماعة للتقدم باتجاه جبل راسن.

وأكدت المصادر عدم حدوث تغيير في خطوط السيطرة حول جبل جرداد في بني عمر، منذ فشل الهجوم الحوثي الأول، موضحة أن الجماعة دفعت لاحقاً بتعزيزات وشنَّت هجوماً باتجاه راسن، إلا أن القوات الحكومية وأبناء المنطقة تصدوا له بعد اشتباكات استمرت ساعات.

وفي جبهات الكدحة وراسن والعلقمة وجبل نمان وبني عمر وجرداد، عاود الحوثيون خلال ليلة السبت- الأحد محاولات لإحداث اختراقات أو تنفيذ التفافات، غير أن القوات الحكومية وقوات محور طور الباحة تمكنت من احتواء الهجمات؛ حسب المصادر.

وقالت المصادر إن خطوط السيطرة في هذه المناطق لم تشهد تغييراً جوهرياً خلال اليومين الأخيرين، رغم استمرار محاولات الحوثيين الضغط على المواقع المرتفعة واختبار دفاعاتها.

سعي حوثي لتأمين المكاسب

وتأتي هذه المعارك في سياق أوسع يحاول فيه الحوثيون تأمين سيطرتهم الجديدة على الساحل الغربي وباب المندب، عبر التقدم من المناطق الساحلية نحو المرتفعات الشرقية المطلة عليها.

وكانت الجماعة قد استولت خلال هجومها الأخير على حيس والخوخة والمخا، قبل أن تمتد سيطرتها إلى باب المندب وجزيرة ميون ومواقع وجزر أخرى في جنوب البحر الأحمر. وأدى ذلك إلى انتقال مركز الثقل العسكري من القتال على الساحل إلى المرتفعات المشرفة عليه؛ حيث يمكن للقوات المسيطرة على الجبال مراقبة الطرق الساحلية وتهديد خطوط الإمداد والتحرك.

دخان يتصاعد في غرب تعز خلال مواجهات سابقة ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت، عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا وباب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

وقال المصدران إن الخبراء قدموا من الحديدة، ونفذوا زيارات منفصلة خلال الخميس والجمعة، في حين أفادت مصادر حكومية يمنية للوكالة بأن المعارك اشتدت حول جبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وكانت جبهات كهبوب والوازعية قد شهدت خلال الأيام الماضية قتالاً عنيفاً، مع محاولات حوثية للتقدم نحو مواقع جبلية استراتيجية. وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية أحبطت محاولة تسلل في قطاع الأغبرة بالمضاربة، بينما استهدفت قوات العمالقة تجمعات وآليات حوثية في كهبوب بضربات جوية ومُسيَّرة ومدفعية وصاروخية.

وفي الوازعية، تصدَّت القوات الحكومية لهجوم حوثي، واستعادت مواقع في جبل الشهداء المطل على وادي الغيل، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جبهة الكدحة غرب تعز.

خسائر متصاعدة

وكانت مصادر عسكرية قد أبلغت «وكالة الصحافة الفرنسية» السبت، بمقتل 48 شخصاً على الأقل خلال 24 ساعة، في المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين على الحدود بين تعز ولحج، بينهم 17 من القوات الحكومية، و31 من مقاتلي الجماعة، وفق روايات الطرفين.

كما أعلنت قيادة محور طور الباحة الحكومي مقتل 13 من جنودها خلال اليومين السابقين، في جبهات التماس بين لحج وتعز، في حين شيعت الجماعة الحوثية، السبت، نحو 75 عنصراً بينهم نحو 25 ينتحلون رتباً عسكرية عليا، وينتمون لعشر محافظات يمنية.

الحوثيون يدفعون بتعزيزات كبيرة إلى جبهات غرب تعز رغم خسائرهم البشرية (أ.ف.ب)

وتزامنت معارك تعز ولحج مع عمليات عسكرية في جبهات أخرى؛ إذ استهدفت قوات العمالقة تجمعات وآليات حوثية في جبهة البيضاء، بينما قصفت مدفعية القوات الحكومية مواقع وآليات للجماعة في الجبهة الغربية لمحافظة مأرب.

وفي مأرب، استمرت الضربات الجوية والبرية ضد تجمعات الحوثيين في معسكر أم ريش وعقبة ملعاء، مع إعلان القوات الحكومية إحباط 3 محاولات تسلل، وصد هجوم للجماعة، بينما تحدث الإعلام العسكري عن مقتل 12 من عناصرها.