بلدية طرابلس تعلق عملها احتجاجاً على خطف عميدها

بوادر مصالحة بين المجالس العسكرية للزنتان ومصراتة

جانب من لقاء المجالس العسكرية لمدينتي الزنتان ومصراتة لعقد اجتماع للمصالحة بينهما أول من أمس في طرابلس (أ.ف.ب)
جانب من لقاء المجالس العسكرية لمدينتي الزنتان ومصراتة لعقد اجتماع للمصالحة بينهما أول من أمس في طرابلس (أ.ف.ب)
TT

بلدية طرابلس تعلق عملها احتجاجاً على خطف عميدها

جانب من لقاء المجالس العسكرية لمدينتي الزنتان ومصراتة لعقد اجتماع للمصالحة بينهما أول من أمس في طرابلس (أ.ف.ب)
جانب من لقاء المجالس العسكرية لمدينتي الزنتان ومصراتة لعقد اجتماع للمصالحة بينهما أول من أمس في طرابلس (أ.ف.ب)

أعلن المجلس البلدي للعاصمة الليبية طرابلس، أمس، تجميد نشاطه مؤقتاً؛ احتجاجاً على تعرض عميد البلدية عبد الرءوف حسن بيت المال للاختطاف من منزله، مساء أول من أمس على أيدي مسلحين مجهولين، في أحدث عملية خطف من نوعها يتعرض لها مسؤول رفيع المستوى قريب من حكومة الوفاق الوطني، المدعومة من بعثة الأمم المتحدة.
واتهم مسؤول محلي مجموعة تعمل في نطاق سلطة الدعم المركزي وتابعة لوزارة الداخلية في الحكومة، التي يترأسها فائز السراج، بمسؤوليتها عن الحادث، لافتاً إلى أن مكتب التنسيق الأمني في البلدية ترافقه مجموعة مساندة تابعة للداخلية، بدأت التحرك لفك أسر عميد البلدية من خاطفيه. كما نفى المسؤول في تصريحات له أمس صدور أمر اعتقال أو توقيف قانوني من أي جهة عدلية بحق بيت المال.
وقال مجلس بلدية طرابلس في بيان، إنه قرر وقف العمل في ديوان البلدية حتى إشعار آخر؛ احتجاجاً على خطف بيت المال، محذراً من أن «هذه الأفعال تهدد بشكل مباشر قيام الدولة ومدنيتها، وتجرّ العاصمة إلى ما لا تحمد عقباه».
وكان المجلس الذي أعلن اختطاف بيت المال من قِبل من وصفها بـ«جهات عبثية» بعد اقتحام بيته في العاصمة طرابلس بقوة السلاح واقتياده إلى جهة مجهولة، قد طالب المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق وجميع المسؤولين باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة والفورية للإفراج عن العميد المختطف. وطبقاً لرواية محمد الزياني، مسؤول الإعلام في بلدية طرابلس، فإن مسلحين مجهولين اقتحموا منزل العميد المختطف، وأصابوا أحد أبنائه في رأسه.
وطالب أصحاب المحال في العاصمة طرابلس عبد السلام عاشور، وزير الداخلية في حكومة السراج، بالتدخل وتوجيه كلمة عبر وسائل الإعلام إلى سكان المدينة حول الحادث، كما حملوا الجهات المسؤولة عن الحادث مسؤولية سلامة بيت المال.
وقال أعضاء في المجلس الأعلى للدولة، الذي يوجد مقره في العاصمة طرابلس، في بيان أمس، إنهم يطالبون المجلس الرئاسي لحكومة السراج والجهات الأمنية والضبطية بتحمل مسؤولياتهم في ضمان سلامة العميد والإسراع بإطلاق سراحه. وبعدما اعتبروا أن «تكرار مثل هذه العمليات التي طالت الكثير من المواطنين وموظفي الدولة والسياسيين، يعد اعتداء على أمن العاصمة واستقرارها». أكدوا أنه «لا سبيل لوقف مثل هذه الممارسات إلا بفرض سيادة القانون وعدم الإفلات من العقاب».
بدورها، أعربت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عن إدانتها واستنكارها الشديدين إزاء تصاعد وتيرة حوادث الاختطاف، والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، التي تقوم بها بعض المجموعات والتشكيلات المسلحة بالعاصمة طرابلس، التابعة لوزارة الداخلية والدفاع بحكومة السراج.
وأكدت اللجنة، أن وقوع الجرائم والانتهاكات اللاإنسانية في العاصمة، يدل دلالة قطعية على أن الأوضاع الأمنية بمدينة طرابلس سيئة للغاية نتيجة تصاعد مؤشرات الاختطاف والاعتقال التعسفي وغير القانوني، والإخفاء القسري، مشيرة إلى عدم جدية تحرك المجلس الرئاسي لحكومة السراج والسلطات، والأجهزة الأمنية لوقف هذه الظاهرة، التي باتت تمثل هاجساً ومخاوف أمنية كبيرة لدى المواطنين وتهدد سلامتهم في طرابلس.
وفى أول رد فعل غربي، أعرب فرانك بيكر، سفير بريطانيا لدى ليبيا، عن قلقه حول اختطاف عميد بلدية طرابلس، وقال في تغريده له عبر موقع «تويتر»: «أتمنى عودته بسلامة لأهله وذويه»، قبل أن يعتبر أن الجريمة المنظمة «خطر كبير يهدد أمن وسلامة الليبيين».
من جهتها، أدانت السفارة الفرنسية لدى ليبيا بأشد العبارات كل أعمال العنف، وتحديداً اختطاف عميد بلدية طرابلس من قبل من أسمتها بـ«مجموعة مسلحة مجهولة الهوية». وطالبت في بيان لها بالإفراج عنه، مشددة على التزام فرنسا بالحل السلمي لتجاوز الأزمة السياسية، وبدعمها وساطة الأمم المتحدة. أما بعثة الأمم المتحدة، فقد أكدت بدورها أنها تدين اختطاف بيت المال، وحذرت في بيان مقتضب لها من تزايد حالات الاختطاف في المدينة، كما دعت جميع الأطراف المعنية إلى اتخاذ موقف واضح يدين هذا التوجه المثير للقلق في طرابلس وغيرها من المدن.
في المقابل، تجاهلت حكومة السراج الحادث ولم تعلق عليه رسمياً، بينما قال مكتب السراج إنه اجتمع مع وفد من نقابتي النقل الجوي والمراقبين الجويين بالتزامن مع قيام وزير الداخلية العميد عبد السلام عاشور بجولة تفقدية لجهاز الشرطة السياحية.
وكان عميد بلدية طرابلس المختطف، أحد المشاركين في الاجتماع الثاني من نوعه، الذي نظمته بعثة الأمم المتحدة خلال الأسبوع الماضي في طرابلس لعمداء ورؤساء البلديات في ليبيا. ولم تعلن أي جهة بعد مسؤوليتها عن الحادث، كما لم يتضح على الفور سبب خطف بيت المال، الذي يمثل مؤشراً على الصعوبات التي تواجهها حكومة السراج في فرض الأمن والقانون في طرابلس.
وجاء الحادث في حين أعلنت المجالس العسكرية لمدينتي الزنتان ومصراتة عقد اجتماع تاريخي للمصالحة بينهما أول من أمس، وذلك بعد سنوات من الحرب التي اندلعت عام 2014.
وشارك في الاجتماع المفاجئ، الذي استضافه المجلس العسكري للزنتان، التي تبعد نحو 180 كلم جنوب شرقي العاصمة طرابلس، ممثلو الكتائب المسلحة والمجالس البلدية والحكماء ونواب البرلمان وشيوخ القبائل عن المدينتين.
وقال مصطفى الباروني، عميد بلدية الزنتان، إن «الزنتان ومصراتة تعلمتا الدرس جيداً، ولن تسمحا لأحد التفريق بينهما مستقبلاً، ولا مجال للسلاح في حل أي نزاع، بل نحل خلافاتنا بالحوار السلمي».
ويعتقد على نطاق واسع أن مخاوف الميلشيات المسلحة في الزنتان ومصراتة من احتمال تقدم قوات الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، باتجاه العاصمة طرابلس لتحريرها من قبضة الميلشيات المسلحة التي تهيمن عليها بقوة السلاح، كان الدافع على بروز بوادر مصالحة بين مدينتي الزنتان ومصراتة.
وهذا هو الاجتماع الأول من نوعه بين المدينتين منذ تاريخ الانقسام السياسي الحاد، الذي بدأ في يوليو (تموز) 2014، إثر شن تحالف ميلشيات ما كان يعرف باسم عملية «فجر ليبيا»، المكون من قوات المجلس العسكري مصراتة، حرباً ضد قوات الزنتان التي خسرت مواقعها في جنوب طرابلس، عقب معارك طاحنة استمرت لشهر ونصف الشهر، وسقط خلالها المئات بين قتيل وجريح في صفوف الطرفين.
وتسببت الاشتباكات الدامية آنذاك بين مصراتة والزنتان، في رحيل البعثات والسفارات الأجنبية من العاصمة طرابلس، إضافة إلى بعض الشركات الأجنبية، التي كانت تنفذ مشروعات في قطاع الكهرباء.
عسكرياً، قصفت قوات الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير حفتر، متمردين تشاديين متمركزين في جنوب ليبيا في نهاية الأسبوع الماضي.
وقال مسؤول في الجيش، إن «سلاح الجو نفذ نهاية الأسبوع الماضي غارات على حاجز لحركة التمرد التشادية على بعد أكثر من 400 كيلومتر جنوب شرقي سبها، وعلى مواقع أخرى للمتمردين التشاديين في واحة بمنطقة تربو على بعد نحو 400 كيلو جنوبي سبها».
وأكدت مجموعة «مجلس القيادة العسكري لإنقاذ الجمهورية» المسلحة التشادية استهدافها بطائرات قوات حفتر، بحسب ما أفاد المتحدث باسمها في المنفى كينغابي اغوزيمي دو تابول، مشيراً إلى عدم سقوط ضحايا. واعتبر أن غارات حفتر تشير إلى أن نظام الرئيس التشادي إدريس ديبي اتفق مع المشير حفتر على القضاء على المتمردين التشاديين في ليبيا.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.