لوحات ومنحوتات لـغوغان ورودان ورينوار وديلاكروا ومونيه رهينة متاحف مغلقة

ثروة فنية لدى مصر تعاني من الإهمال

«لوحة زهرة الخشخاش» لفان غوخ التي ما زالت مسروقة
«لوحة زهرة الخشخاش» لفان غوخ التي ما زالت مسروقة
TT

لوحات ومنحوتات لـغوغان ورودان ورينوار وديلاكروا ومونيه رهينة متاحف مغلقة

«لوحة زهرة الخشخاش» لفان غوخ التي ما زالت مسروقة
«لوحة زهرة الخشخاش» لفان غوخ التي ما زالت مسروقة

أكثر من 500 عمل فني نادر وفريد لفنانين عالميين تملكها الدولة المصرية، لكنها حبيسة مخازن وزارة الثقافة المصرية ومتاحفها المغلقة. ومن بينها أعمال نحتية للفرنسي أوغست رودان، ولوحات شهيرة مهمة لأكبر فناني العالم، ومن بينهم بول غوغان وأوجست رينوار وأوجين ديلاكروا وغوستاف كوربيه وكلود مونيه وإدغار ديجا وهنري تلوز لوتريك ودوميه وإنجرز وميلي ومورو ولاتور ودياز وسانتير.
ولم يشفع للوحة مثل «الحياة والموت» الشهيرة لبول غوغان، بما تحمل من مفارقة حادة بين المرأة التي تنبض بالحياة والأخرى الزرقاء الباهتة الباكية، أو «ذات ربطة العنق» لرينوار، برقتها التي تخطف العين، كونهما من أيقونات القرن التاسع، لتبقيا بعيداً عن الأعين (إلا فيما ندر) بمتحف محمد محمود خليل المغلق من عام 2010، بحجة إعادة تطويره، عقب سرقة لوحة «زهرة الخشخاش» لفان غوخ. والحال نفسه كان مصير منحوتة شهيرة مثل «بلزاك»، وغيرها من منحوتات رودان، ولوحات أخرى لكبار رواد التشكيل في العالم، القابعة بمتحف محمد محمود خليل ومتحف الجزيرة بالقاهرة، المغلقين للتجديد من سنوات.
ومن بين أشهر هذه الأعمال الفنية لوحات «الرجل والغليون» و«صورة شخصية للفنان» ولوحة «عارية» لكوربيه، ولوحة «الزينة» و«وجه الفنان» لديجا، و«سالومي في الحديقة» لمورو، و«المسيح بعد الصلب» و«نمر نائم» و«أسد يلتهم حصاناً» لديلاكروا، و«نبات مائي» و«كوبري على ممر مائي» لمونيه، و«الغسالات» و«لعبة الكريكيت في بدفور» لكميل بيسارو، و«زهور الداليا» لرينوار، و«أطفال يخافون الكلب» لديكامب، و«السامري الصالح» لريبوت، و«المستحمة» لتريون، و«الببغاء» لستيفنز، وغيرها من أعمال خالدة تحمل توقيع فنانين مؤثرين في حركة الفن العالمين، بالأخص خلال القرن التاسع عشر.
لكن ما قصة هذه اللوحات، وكيف وصلت إلى مصر، ولماذا آلت إلى هذا المآل؟ تبدأ القصة من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1994، في قلب العاصمة الفرنسية باريس، حين كان عشاق الفنون والشغوفون بها في العالم كله على موعد مع ما يمكن تسميته باكتشاف كنز هائل مجهول قادم من العاصمة المصرية القاهرة. هذا الكنز كان 116 لوحة وتمثالاً فريداً لأهم فناني القرن التاسع عشر، احتواها معرضٌ أقيم بمتحف أورسي (محطة القطارات التي تقع على الضفة الغربية لنهر السين، التي أصبحت أحد أهم المتاحف في العالم).
ولم يكن هذا المعرض الذي حمل عنوان: «القاهرة في باريس... أعمال منسية من القرن التاسع عشر» كغيره، فالحدث الذي حمل بوستره لوحة غوغان «الحياة والموت»، وتم بالتعاون بين وزارتي الثقافة في مصر والحكومة الفرنسية، واستمر من 3 أكتوبر حتى أول يناير (كانون الثاني) 1995، سرعان ما جذب الأنظار، وأحدث دوياً هائلاً، وحاز متابعات كثيرة، وأصبح حديث الصحافة الفنية في العاصمة الفرنسية، بما يليق بمعرض يضم 116 لوحة نادرة تعرض لأول مرة في باريس منذ اقتنائها، وتحمل توقيعات أهم فناني القرن التاسع عشر، الذين يزداد الشغف بأعمالهم يوماً بعد يوم، ويقصد متاحفهم ويرى لوحاتهم الملايين.
ووثق الفنان الناقد التشكيلي حسن عثمان لمعرض «الأورسي» في كتابه الأرشيفي التوثيقي، الصادر بعنوان «القاهرة في باريس... أعمال منسية من القرن التاسع عشر»، عن الهيئة العامة للكتاب، عام 1994. ووفق ما جمعه حسن عثمان من متابعات صحافية وبيانات صدرت عن هذا المعرض ضمنها كتابه التوثيقي، يتضح أن هذه الأعمال، التي قدرت قيمتها التأمينية آنذاك بمليار ومائتين وواحد وثلاثين مليون جنيه لدى عرضها في باريس، نبهت الأوساط الفنية والثقافية المصرية لما تحويه متاحف القاهرة من كنوز وأعمال نادرة تجذب أنظار عاشقي الفنون، وطالبوا بضرورة عرضها في مصر العرض اللائق، بل وتشدد البعض في رفضه سفر هذه الأعمال إلى باريس من الأصل، خشية تعرضها للتبديل أو التقليد لتعود لمصر النسخ المقلدة، وهو ما لم يحدث بالطبع، بل حدث العكس، فلوحة «زهرة الخشاش» لفان غوخ، التي تنازلت باريس عن استعارتها، بعدما قدر ثمنها التأميني بخمسين مليون دولار، هي التي سرقت، فيما عادت باقي اللوحات والتماثيل غير منقوصة، بل بصورة أبهى، حيث تم ترميم اللوحات التي تحتاج لذلك، وفق جهود مصرية فرنسية مشتركة.
وسرعان ما انتهت الضجة التي أثارتها الأوساط المصرية آنذاك، وذهبت مطالبهم أدراج الرياح، وخفتت الأصوات المتحدثة عن امتلاك مصر كنزاً فنياً لا يقدر بثمن، والمنادية بضرورة العرض الجيد لهذه الأعمال الفنية التي عادت إلى القاهرة من باريس، لتدخل في حقب متتالية من النسيان.
أما كيف استقرت هذه الأعمال النادرة الفريدة في القاهرة؟ كما يوثق كتابُ حسن عثمان، يعود تاريخ ذلك للنصف الأول من القرن العشرين، خلال الحقبة الملكية، والفضل في أغلبه لرئيس مجلس الشيوخ المصري رئيس جمعية محبي الفنون الجميلة محمد محمود خليل (1877 - 1953)، الذي اقتنى أغلب هذه اللوحات، ما استلزم منه سنوات طوالاً قضاها دائراً في صالات ومزادات الفنون في كبرى العواصم الأوروبية، وعلى رأسها باريس، مقتنياً هذه اللوحات النادرة، ليحول منزله المطل على النيل إلى متحف يضم 304 لوحات وأعمال نحتية، بينها المجموعة الفريدة لأوغست رودان.
وبعد وفاة محمد محمود خليل، آلت هذه الأعمال إلى زوجته أميلين هكتور، التي نفذت وصية زوجها بأن يؤول منزله (المتحف)، بما فيه من مقتنيات، إلى الدولة المصرية كمنفعة عامة، بحيث تتاح هذه اللوحات لعاشقي الفنون، وهو ما لم يتحقق فيما عدا فترات زمنية قليلة، إذ راوح المتحف بين الفتح والإغلاق، كما نجا من محاولة الرئيس الأسبق محمد أنور السادات ضمه إلى منزله المجاور، بعد نقل ما فيه عام 1972 إلى قصر البرنس عمرو في المنيل، وعادت المقتنيات مرة أخرى في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، بعد تطوير المتحف على يد الفنان أحمد نوار، رئيس قطاع الفنون التشكيلة الأسبق، وأعيد افتتاحه بحضور الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
واستمر المتحف مفتوحاً حتى وقع الحادث المؤسف في عام 2010، بسرقة لوحة «زهرة الخشاش» لفان جوخ، التي لم تظهر حتى الآن. وعليه، تم غلق المتحف على ما فيه من مقتنيات، وأودع الراحل الفنان محسن شعلان، رئيس قطاع الفنون التشكيلية آنذاك، السجن. ومن يومها حتى الآن، لم يعد افتتاح المتحف بحجة عدم انتهاء أعمال تطويره وتأمينه التأمين الكافي، وإن كانت قد عرضت بعض لوحات متحف محمود خليل خلال العام الفائت في قصر عائشة فهمي (مجمع الفنون)، ضمن معرض بعنوان «كنوز متاحفنا»، لكن أغلب مقتنياته بقيت حبيسة جدران المتحف المطل على نيل الجيزة.
ومتحف الجزيرة هو الآخر، ومخازنه التي تحفظ عدداً كبيراً من هذه الأعمال النادرة، بينها لوحات لديلاكروا وكوربيه ومانيه، لم يكن أفضل حالاً من متحف محمود خليل، فالمتحف الذي خصص ليضم مقتنيات عدد من باشاوات الحقبة الملكية، ومقتنيات جمعية محبي الفنون الجميلة، المعروضة آنذاك في سراي متحف الفن الحديث، الذي أسسته رائدة النسوية العربية هدى شعراوي، إلى جانب الأعمال التي تمت مصادرتها في الحقبة الناصرية، مغلقٌ من سنوات طويلة على ما فيه من أعمال، يقال إن بعضها يتعرض للتلف بسبب سوء التخزين.
وكما يكشف الفنان أحمد نوار، الرئيس الأسبق لقطاع الفنون التشكيلية المسؤول (سابقاً) عن المتاحف الفنية في مصر، فإن متحف الجزيرة الذي يضم أكثر من 4 آلاف عمل فني لمدارس متنوعة، ما بين أوروبية وإسلامية وقبطية، بدأ العمل في تطويره خلال فترة ترؤسه القطاع في التسعينات، وتم الانتهاء من تطوير سقفه وعزله لضمان عدم تسرب المياه حفاظاً على ما به من مقتنيات، وتم الانتهاء من جميع الأعمال الإنشائية والدور الأرضي المخصص للمخزن المتحفي، بوسائل حديثة وأمن إلكتروني، وتم إنشاء مركز خاص للترميم، وتم تخزين جميع المقتنيات الخاصة بالمتحف بعد ترميمها وصيانتها تمهيداً لاستكمال الشركة المنفذة أعمال الترميم وافتتاح المتحف.
وأشار نوار، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه بعدما ترك قطاع الفنون التشكيلة، توقف العمل بالمتحف، ولم يستكمل المشروع، مرجعاً ذلك لعدم تخصيص ميزانية من قبل الدولة تكفي كل مرحلة، بالإضافة لكثرة تغيير رؤساء القطاع.
ونوه المسؤول الأسبق عن المتاحف الفنية إلى أن عدم توفير الدولة الميزانية المطلوبة أدى إلى ارتفاع تكلفة تنفيذ المراحل الأخيرة، موضحاً أن تكلفة المشروع كانت في أوائل التسعينات نحو عشرين مليوناً، والآن تتخطى مئات الملايين في ضوء متغيرات العملة.
بدوره، أكد الدكتور خالد سرور، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المسؤول الحالي عن المتاحف الفنية، أن أعمال تطوير المتحفين جارية تمهيداً لإعادة افتتاحهما. ورفض رئيس قطاع الفنون التشكيلية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، تحديد موعد معين لافتتاح متحف محمود خليل، وكذلك متحف الجزيرة، مشدداً على أن العمل مستمر من قبل المقاولين المسؤولين عن أعمال الصيانة والتأمين.وحدد سرور عدداً من العقبات التي حالت دون افتتاح المتحفين في المواعيد التي حددت لذلك سابقاً، ومن بينها طبيعة عمل المقاولين، وأزمات مثل تعويم الجنيه التي ضاعفت تكاليف الأعمال، لكنه أكد سلامة الأعمال الفنية، سواء في متحف الجزيرة أو محمود خليل، وعدم إصابتها بأي تلف نتيجة التخزين، حيث يراعى توفير الظروف المناسبة لذلك.



«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
TT

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ليست الصورة الأكثر رسوخاً في الذاكرة لمارك زوكربيرغ، تلك التي يظهر فيها مرتدياً نظاراته الشهيرة المميَّزة، بل صورة مارك المتخيَّلة التي تُختتم بها أحداث «الشبكة الاجتماعية»، فيلم عام 2010 الذي تناول ظروف تأسيس «فيسبوك» المشحونة بالتوتر. عند تلك النقطة، يكون مارك قد حوَّل أصدقاء إلى أعداء، وغرباء إلى أصدقاء، وبات على وشك أن يصبح أصغر ملياردير عصامي في العالم. والآن، يجلس وحيداً أمام حاسوب محمول، ويرسل طلب «صداقة» إلى حبيبته السابقة التي لا تستجيب. فيواصل تحديث صفحته على «فيسبوك» مرة تلو أخرى، في لحظة تجسِّد على نحو مثالي حال الفتى الثري المسكين، وتوحي بكل ما خسره.

جيريمي سترونغ في دور مارك زوكربيرغ (imdb)

حظي «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) بإشادة واسعة، وفاز ببعض جوائز الأوسكار، من بينها جائزة لكاتبه آرون سوركين، الذي واصل منذ ذلك الحين العمل في السينما والتلفزيون والمسرح. وسارت الأمور على نحو جيد أيضاً بالنسبة إلى زوكربيرغ، الذي تحوَّلت شركته الناشئة، التي انطلقت من غرفة في سكن جامعي، إلى عملاق للتواصل الاجتماعي يُقدَّر عدد مستخدميه بنحو 3 مليارات.

وبين الدفاع عن تأثير «فيسبوك»، بما في ذلك تأثيره في الأطفال والانتخابات، وتقديم اعتذارات علنية باسم الشركة، تزوَّج زوكربيرغ، وأنجب أطفالاً. كما غيَّر اسم «فيسبوك» إلى «ميتا»، وتضاعفت ملياراته مرات كثيرة، إذ تُقدَّر ثروته الصافية بنحو 250 مليار دولار، بل زار البيت الأبيض للقاء الرئيس دونالد ترمب.

يعود سوركين إلى تناول زوكربيرغ في فيلمه الجديد «المحاسبة الاجتماعية» (The Social Reckoning)، الذي يحمل عنواناً مفعماً بالأمل، وهذه المرة بصفته كاتباً ومخرجاً معاً. لا ينصبُّ التركيز هنا على البدايات أو الصداقات أو حتى زوكربيرغ، وإنما على الكيفية التي أعادت بها منصات التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك»، تشكيل أدمغتنا، معرِّضةً الأجساد والكيان السياسي الأميركي للخطر. ولا يزال مارك المتخيَّل، الذي يؤديه جيريمي سترونغ على نحو يبعث على القلق، يخيِّم على الأحداث، لكنه يظهر إلى حد كبير بوصفه تجسيداً رمزياً. أما الشخصيتان اللتان تضخّان الحياة في هذا الجزء الثاني، فهما فرانسيس هوغن (مايكي ماديسون)، الموظفة الحقيقية في «فيسبوك» التي تحوَّلت إلى كاشفة للمخالفات، وجيف هورويتز (جيريمي ألين وايت)، صحافي «وول ستريت جورنال» الذي كشفت سلسلة تحقيقاته المنشورة عام 2021 ما أفصحت عنه هوغن من أن الشركة اختارت «الربح على حساب السلامة»، وكانت على علم بالأضرار التي تتسبَّب فيها.

تدور أحداث الفيلم على مدى سنوات عدة، خلال عام 2021 والسنوات المحيطة به، وترصد تحوُّل فرانسيس من مؤمنة بـ«فيسبوك» إلى متشكِّكة فيه، ثم خارجة عن عقيدته. تبدأ صحوتها حين تشاهد مقطع فيديو مقلقاً، وتتواصل في مقرّ «فيسبوك» في مينلو بارك بولاية كاليفورنيا. هناك، وسط مساحات عمل مفتوحة وأفواه مطبقة بإحكام، تعمل ضمن فريق النزاهة المدنية في الشركة، وتدرك أن خللاً خطيراً يحدث. ويقودها ذلك إلى جيف، الذي لا يملك حساباً على «فيسبوك»، لكنه لا يتورَّع عن شرح الديمقراطية بنبرة ذكورية متعالية، ويتمتَّع بإصرار صحافي يُشبه تشبُّث كلب بعظمة، وقادر على تحويل معلومات أولية إلى أخبار تتصدَّر العناوين. وقد وضع «فيسبوك» نصب عينيه، ويخوض مواجهته معه بدعم قوي من إدارة التحرير، تؤدي بيتي غيلبين دور رئيسته، ثم، مع مرور الوقت، بمساعدة فرانسيس المتردِّدة.

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت بدورَي فرانسيس هوغن وجيف هورويتز في «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ومن أذكى قرارات سوركين هنا الجمع بين وايت وماديسون، اللذين يتكامل حضورهما على الشاشة، وتجعلهما وسامتهما المميَّزة وغير التقليدية، وما يوحيان به من صدق عفوي، بطلين طبيعيين في مواجهة قوة أكبر منهما. يميل وايت إلى المبالغة في التعبير بعينيه، فيمنح نظراته حدَّة زائدة بسرعة، وقد تبدو التقطُّعات في صوته متدرَّباً عليها، سواء عن قصد أم لا. الشخصية ليست غنية بالتفاصيل، لكن وايت يضيف إليها ملمساً وظلالاً. أما قدرته على الظهور بصورة تُشبه على نحو لافت ابناً يجمع ملامح روبرت ريدفورد وداستن هوفمان في «كل رجال الرئيس» (1976)، فهي ميزة إضافية.

يُحسن سوركين التعامل مع فرانسيس أكثر؛ فهي نابغة مهووسة بالتقنية، حادّة الطباع، تتفوَّق قدراتها الذهنية على مهاراتها في التعامل مع الناس. وتؤدي الشخصية وظائف درامية متعددة، إذ تشكِّل مدخل القصة ومرآة المشاهد في آنٍ واحد. ولأن فرانسيس معزولة نسبياً في العمل، لا يبدو أن أحداً يحبها كثيراً، وتكاد حياتها الشخصية تكون معدومة، ويتعيَّن عليها أيضاً أن تنبض بالحياة من دون الكمّ الهائل من الحوارات التي تميِّز سوركين. تمنح ماديسون فرانسيس نظرة باحثة، ومتسائلة أحياناً، تزداد تركيزاً وقوة، وتتباين بوضوح مع تحفُّظ الشخصية الجسدي في البداية. وبعد العمل، حين تستقرّ فرانسيس في العتمة التي تغلِّف شقتها، تضمُّ جسدها إلى نفسه كما لو كانت تطوي خيمة. ترى وحدتها، لكنك ترى أيضاً استقلاليتها.

من كواليس تصوير «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

بمجرد أن تتواصل فرانسيس وجيف، يتحوَّل الفيلم إلى ما يُشبه فيلم تشويق أكثر اعتماداً على الحوار، مع لقاءات سرية وتهديدات تنذر بالخطر، وحتى بعض التنكُّر. وخلال ذلك، يتلاعب سوركين بالتسلسل الزمني، متنقِّلاً بين السنوات واللحظات الحاسمة. ويطلّ مارك بين حين وآخر، مرتدياً أحياناً بدلة وربطة عنق، فيما يُعدّه مساعدوه، وهنا تظهر وونمي موساكو، للمثول أمام الكونغرس. وبغرّة قصيرة تنسدل على جبينه، يؤدي سترونغ الدور بنظرة جامدة تُحدق في البعيد، ووجه غالباً ما يكون خالياً من التعبير بالقدر نفسه، وصوت قريب جداً من صوت زوكربيرغ، إلى حد أنني ضحكت حين سمعته للمرة الأولى. إنه تقليد متقن تقنياً لكائن بشري لم يعد سوركين، بوضوح، يُكنّ له أي تعاطف.

في «المحاسبة الاجتماعية»، لا يكتفي سوركين باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية. ولا شكَّ في صدق هذا التحذير، لكن سوركين يطلقه في عالم يظلّ في نهاية المطاف، رغم أشراره وتهديداته، الخوارزمية وغيرها، مألوفاً على نحو مطمئن، شأنه شأن أي عالم في مواقع التصوير الخارجية بهوليوود القديمة. ورغم كل ما يتناوله الفيلم من قضايا راهنة، فإنه يستحضر تلك الأفلام الكلاسيكية التي ترسَّخت في الحمض النووي الأميركي؛ الأفلام التي ينتصر فيها البسطاء، ويتحدَّث فيها شخص مثالي بشغف عن الديمقراطية من قاعة مجلس الشيوخ، من دون أن يتدفَّق إليها مثيرو الشغب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

انتهت مصر وإيطاليا من مشروع ترميم لوحة «الأخوين»، إحدى أبرز روائع فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني، وذلك في إطار مشروع شارك فيه فريق من المرممين المصريين والإيطاليين.

وأعلن وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن انتهاء مشروع الترميم مع ترتيبات للعرض الأول للوحة ضمن معرض بروما، فمن المقرر أن تسافر هذه اللوحة من مصر لأول مرة لعرضها في معرض مؤقت بمتحف «آرا باسيس» بالعاصمة الإيطالية روما، ضمن معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم»، والمقرر في المدة من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 وحتى 2 مايو (أيار) 2027، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

ويشهد المعرض، لأول مرة، عرض مجموعة من بورتريهات الفيوم من مقتنيات متاحف الآثار المصرية، تضم قطعاً مختارة من المتحف المصري بالتحرير، ومتحف كوم أوشيم، ومتحف الغردقة، وتتصدرها لوحة «الأخوين» بوصفها إحدى أبرز القطع المصرية المشاركة.

وأكد فتحي أن مشروع الترميم الذي استغرق نحو 3 أسابيع يعكس عمق علاقات التعاون الثقافي بين مصر وإيطاليا، ويبرز الدور المهم للتراث الثقافي في تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الشعوب، مشيراً خلال مؤتمر صحافي إلى أن ترميم بورتريه «الأخوين» يمثل نموذجاً متميزاً للتعاون الدولي في مجال صون ودراسة التراث الثقافي، بما أتاح تبادل الخبرات بين المتخصصين المصريين والإيطاليين، والاستفادة منها في ترميم هذا العمل الفني الاستثنائي والحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

وأضاف فتحي أن «عرض هذه اللوحات ضمن معرض مؤقت في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الدولي بأحد الجوانب المتميزة للحضارة المصرية، وإلقاء الضوء على التفاعل الثقافي والفني الفريد الذي شهدته مصر خلال العصر الروماني، كما يعكس حرص الدولة المصرية على إتاحة تراثها الثقافي أمام الجمهور حول العالم».

الإعلان عن ترميم اللوحة الأثرية تمهيداً لعرضها بروما (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعد لوحة «الأخوين» لوحة خشبية دائرية يبلغ قطرها نحو 62 سم، ولا يتجاوز سُمكها سنتيمتراً واحداً، ورُسمت باستخدام تقنية «الإنكوستيك»، التي تعتمد على مزج الأصباغ بالشمع المنصهر، وتصور شابين جنباً إلى جنب. وتتميز اللوحة بشكلها الدائري غير المعتاد، وحجمها الكبير، فضلاً عن تصوير شخصين معاً في تكوين فني واحد، وهو ما يجعلها نموذجاً استثنائياً بين بورتريهات الفيوم المعروفة بتصوير الشخصيات فرادى.

وتُعد بورتريهات الفيوم من أبرز نماذج التصوير الشخصي الباقية من العالم القديم. وقد رُسمت في معظمها على ألواح خشبية رقيقة، وكانت توضع فوق وجه المتوفى بين لفائف المومياء، في تجسيد للتفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والتأثيرات الفنية اليونانية والرومانية.

وأكد الدكتور هشام الليثي، على الأهمية الأثرية والفنية الاستثنائية للوحة، موضحاً أن أهميتها لا تقتصر على جودة ودقة أسلوبها الفني فحسب، بل تمتد إلى شكلها وتقنية تنفيذها وحالتها، بما يوفر معلومات مهمة لدراسة فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني.

وتضمنت أعمال الترميم تدعيم الطبقة اللونية المحيطة بالأجزاء المفقودة بعناية، وتثبيت المناطق الضعيفة، إلى جانب معالجة الأنفاق التي خلفتها الحشرات أسفل بعض مناطق الطبقة اللونية. كما قام فريق الترميم بتسوية وتدعيم الأجزاء التي سبق تثبيتها بصورة غير صحيحة، قبل إعادتها إلى مواضعها الأصلية باستخدام دعامات دقيقة.

ومن المنتظر أن يضم معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم» أكثر من 110 قطع أثرية وفنية، من بينها ألواح مرسومة، وأكفان جنائزية، وأقنعة، وبورتريهات رخامية، وقوالب جصية، ومجموعة من الحُلي القديمة. ويضم المعرض نحو 60 بورتريهاً مرسوماً من مصر، بما يتيح للزائر التعرف بصورة أعمق على التفاعلات الفنية والثقافية التي شهدتها مصر خلال العصر الروماني، وفق تصريحات لتوماسو رادايلي، رئيس المؤسسة المنظمة للمعرض.

وأوضح الدكتور كلاوديو باريزي، المشرف على التراث الثقافي في روما، أن القطع المصرية ستُعرض إلى جانب عدد من الأعمال من مجموعات ومتاحف دولية، من بينها متحف اللوفر، ومتحف جيه بول جيتي، ومتحف ولاية فورتمبيرغ في شتوتغارت، ومتحف المتروبوليتان للفنون، إلى جانب عدد من المجموعات الإيطالية.

وتمثل عملية ترميم لوحة «الأخوين» خطوة مهمة في صون أحد الشواهد الفنية النادرة التي تكشف عن خصوصية الحضارة المصرية خلال العصر الروماني. وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «اللوحة لا تكتسب أهميتها من قيمتها الجمالية فحسب، وإنما من قدرتها على توثيق التفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والأساليب الفنية اليونانية والرومانية، مع احتفاظها بملامح مميزة لفن التصوير في مصر القديمة».

وترى سليمان أن «عرض اللوحة في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الأوروبي بأحد جوانب الإبداع الفني المصري، ويعزز الدبلوماسية الثقافية بوصفها جسراً للتواصل بين الحضارات، شريطة أن يقترن عرض الآثار بالخارج بضمانات دقيقة لحمايتها وصونها».


«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)

يحتفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ47 بمرور نصف قرن على تأسيسه، جاء ذلك في الوقت الذي أثار فيه الملصق الدعائي للمهرجان جدلاً بسبب تصميمه وطريقة استحضاره تاريخ السينما المصرية، مع اختيار الفنانة الراحلة شادية لتتصدر واجهته بالألوان، أمام خلفية تضم صوراً من أفلام وشخصيات سينمائية بالأبيض والأسود.

وتم الكشف عن الملصق الخاصة بالدورة التي تحتفي بمرور 50 عاماً على انطلاق المهرجان عام 1976، ويجمع بين عرض إنتاجات حديثة واستعادة أعمال مصرية مرممة، إلى جانب تكريم سينمائيين وإقامة لقاءات متخصصة حول صناعة الأفلام، وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في القاهرة، الأحد، شرح الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، الفكرة التي يقوم عليها التصميم، مؤكداً أن الخلفية تستعيد الأفلام المصرية المرممة، وما تمثله من تاريخ سينمائي حاضر باستمرار في ذاكرة الجمهور.

وأوضح أن حضور الأبيض والأسود يرتبط بهذه الذاكرة، بينما تشير الألوان إلى مرحلة دخول السينما الملونة، وهو ما يجمع في الملصق صور تنتمي إلى مراحل مختلفة من تطور الفيلم المصري، موضحاً أن اختيار شادية جاء بوصفها رمزاً للحضارة السينمائية المصرية؛ ولذلك ظهرت بالألوان في مقدمة الملصق، إلى جانب الشخصيات الموجودة في الخلفية، التي قدمت «سينما متميزة».

وقال الناقد الفني طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط» إن «إدارة المهرجان اختارت صورة غير موفقة للفنانة الراحلة شادية ومغايرة للانطباع الذي تركته عند الجمهور عبر مسيرتها السينمائية الممتدة بشخصية الفتاة الدلوعة، ومن ثم كان من الأفضل استخدام صورة تعبر عن البهجة، فضلاً عن عدم جودة التقنيات المستخدمة في الملصق الترويجي».

وأرجع الشناوي جزءاً من الاهتمام بالجدل الذي صاحب الملصق الترويجي إلى برنامج المهرجان الذي جرى الكشف عن تفاصيله لكون الصورة تعد المعادل الموضوعي لما يحدث على السجادة الحمراء، ومن ثم تحظى باهتمام كبير. وهنا يشير الناقد محمد عبد الرحمن لتوضيحات رئيس المهرجان حول شرح فكرة الملصق الترويجي واهتمام «القاهرة السينمائي» بترميم الأفلام القديمة كأحد الفعاليات الهامة التي ينجزها المهرجان كل عام، مشيراً إلى أن «تنفيذ الفكرة التي تحدث عنها حسين فهمي لم يكن على المستوى المتوقع».

ليلى علوي ولبلبة وعدد من حضور المؤتمر (إدارة المهرجان)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك حساسية لدى الجمهور من تغيير ملامح الفنانين بالذكاء الاصطناعي، ومن ثم جاءت كثير من الردود الفعل سلبية، وتطالب بتعديل الملصق الترويجي خصوصاً أن شادية لها مجموعة من الصور الجيدة التي تظهر فيها معالمها بوضوح دون الحاجة لتغييرات الملامح التي ظهرت في الملصق الرسمي».

وتُقام الدورة الجديدة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، اختيرت بعد استقبال المهرجان 5600 طلب مشاركة في مختلف البرامج والمسابقات، بينها 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 للأفلام القصيرة. ويصل مجموع العروض الأولى إلى 109 أفلام، بينما يعرض المهرجان 27 فيلماً مصرياً مرمماً، بينها «البوسطجي» و«المتمردون» و«معبودة الجماهير» و«القاهرة 30» و«الحرام» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف».

وعلى مستوى التكريمات، يمنح المهرجان الفنان آسر ياسين جائزة «فاتن حمامة للتميز»، تقديراً لمسيرته وإسهاماته في السينما المصرية، وتنوع الشخصيات التي قدمها وقدرته على التعبير عن أبعادها النفسية والإنسانية. كما يكرم مدير التصوير سعيد شيمي والسيناريست والشاعر مدحت العدل بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، تقديراً لإسهامات شيمي في تشكيل الصورة السينمائية المصرية عبر مسيرة تجاوزت 5 عقود، ولأعمال العدل التي ارتبطت بوجدان الجمهور، وأسهمت في انطلاق جيل من النجوم.

ويكرم المهرجان أيضاً المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي»، تقديراً لتجربته في تطوير لغة السينما الأفريقية، وتعزيز حضورها عالمياً كما يكرّم المهرجان الموزع السينمائي أنطوان زند تقديراً لمسيرة تجاوزت 6 عقود، أسهم خلالها في إتاحة الأفلام العالمية للجمهور المصري، وتطوير قطاعي التوزيع والعرض. ويشارك فيلمان مصريان في المسابقة الرسمية، هما «برلين» و«البرانية»، من بين 12 فيلماً أعلن المهرجان عنها. ويعود أحمد عبد الله السيد بفيلم «برلين»، بطولة منة شلبي ويسرا اللوزي، متتبعاً حيوات 3 مهاجرين عرب خلال يوم سريالي في العاصمة الألمانية.

أما «البرانية»، أول أفلام المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص الروائية الطويلة، فسبق أن شهد عرضه العالمي الأول ضمن برنامج «أيام المؤلفين» في «فينيسيا السينمائي»، وتدور قصته حول امرأة حامل تعيش بقرية تحيط بها حقول الياسمين، وتواجه عائلتها انقساماً بسبب عرض لشراء أرضها، بينما تنمو داخلها أحلام الانتقال إلى المدينة.

بينما يشارك الفيلم السعودي «جحيم العابرين»، للمخرجة هناء العمير، ضمن برنامج «عروض منتصف الليل» على أن يُعرض قبل أيام من طرحه تجارياً في صالات السينما السعودية، ويأتي ضمن 4 أعمال يضمها القسم، إلى جانب الفيلم الأرجنتيني «جلد الطبل»، والفيلمين الفرنسيين «حبيبي» و«حفلة عيد الميلاد».