الجمالي: الغرب يتدخل بشكل سافر في ليبيا... وخلافات المتصارعين ليست جوهرية

مبعوث الجامعة العربية قال لـ {الشرق الأوسط} إن الدولة الليبية الجديدة قد تضطر إلى سن دستور آخر

صلاح الدين الجمالي
صلاح الدين الجمالي
TT

الجمالي: الغرب يتدخل بشكل سافر في ليبيا... وخلافات المتصارعين ليست جوهرية

صلاح الدين الجمالي
صلاح الدين الجمالي

17 شهراً تقريباً هي مدة عمل السفير صلاح الدين الجمالي، مبعوث الأمين العام للجامعة العربية لدى ليبيا، منذ تعيينه سنة 2016، قضى غالبيتها ما بين مقر البعثة في تونس، وفي جولات محدودة إلى شرق ليبيا وغربها، لكنها لم تمكّنه إلى الآن، وفقاً لأطراف ليبية، من إحراز أي تقدم في «تفكيك الأزمة» المستحكمة منذ إسقاط النظام السابق عام 2011، لكن رغم ذلك يبدي الجمالي تفاؤله بشأن تحسن الأوضاع في البلاد، ويرى أن الخلافات بين أطراف الصراع الرئيسية في ليبيا «ليست جوهرية»، لكنه يؤكد ضرورة «إحالة القرار إلى الشعب صاحب السيادة ليختار قياداته».
ودافع الجمالي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن الغياب العربي هناك، متهماً «الغرب بإسقاط الدولة الليبية بدلاً من إسقاط القذافي».
كما تحدث الجمالي، وهو دبلوماسي تونسي عُين خلفاً للفلسطيني الدكتور ناصر القدوة، عن الانتخابات الليبية المرتقبة، وقال إن «تأجيلها أو رفضها يزيد من الانقسام»، لافتاً إلى أن الدولة الجديدة قد تضطر إلى سن دستور آخر يتلاءم مع متطلبات المرحلة»... وإلى نص الحوار:
- بدايةً... ما تقييمكم للدور العربي في ليبيا؟
- الأداء العربي تجاه الأزمة الليبية لم يكن مقنعاً في السنوات الأولى للأزمة، لأن عدداً من الدول العربية كانت تعيش مخاضاً سياسياً بسبب ما يسمى «الربيع العربي»، ولم يكن بوسعها اتخاذ مواقف قوية تجاه ما حدث في ليبيا... لكن أعتقد أن الموقف العربي اليوم بات أفضل تجاه هذه الأزمة، وهو قابل للتطور والتفعيل لمساعدة الإخوة الليبيين، الذين ما زالوا يثقون بالدور العربي أمام تنامي المطامع الأجنبية، وتدخلها السافر في شؤون بلادهم.
- كيف يكون الدور العربي أفضل وهناك من يرى أنه غائب تماماً مقارنةً بالجهود الأممية؟
- الدور العربي لم يعد غائباً في ليبيا على كل المستويات، على الرغم من أنه لم يبلغ حركية الدور الأممي هناك، ربما لأسباب مادية، فالأمين العام للجامعة التقى في مناسبات عديدة، (السيد) فائز السراج رئيس حكومة الوفاق، وعدداً من المسؤولين الليبيين، كما أن الملف الليبي كان في صدارة اهتماماته في جولاته الأوروبية وفي القمم الأفريقية والعربية... الجامعة العربية تبذل كل الجهود وفقاً لإمكانياتها، وهي مقتنعة بأن الدور ما زال دون آمالها لأسباب عديدة وموضوعية يدركها الجميع.
- ما هذه الأسباب؟
- أتفهم عدم ارتياح الإخوة في ليبيا لدور الجامعة العربية، فهم يريدون أن تكون في طليعة الفاعلين على الساحة الليبية، لأن ثقتهم بالمتدخلين أصبحت مهزوزة، وباتوا يشعرون بأن العرب هم الأقرب، لكنّ هناك مجتمعاً دولياً ومصالح متشابكة لقوى عظمى، لها كلها علاقات تقليدية بليبيا. وتفادياً للتضارب في الأدوار والمبادرات تسعى الجامعة العربية لتفعيل دور التنسيقية الرباعية، وتوظيفها كأداة دفع لمسار العملية السلمية... والجامعة تحافظ على المصلحة العربية العليا، لذلك أرجو من الإخوة الليبيين الذي ينتقدون دور الجامعة تفهم الواقع.
- ماذا أنجزتم في هذا الملف بعد فترة عمل اقتربت من 17 شهراً؟
- يصعب أن يقاس العمل السياسي في فترة الأزمات بالإنجازات الفورية، فالإنجاز الأكبر هو انتهاء الأزمة ونجاح الانتخابات وقيام الدولة الجديدة، ووضع حد لمعاناة الشعب. نحن نسعى الآن لدى مختلف الأطراف الليبية لتذليل الصعوبات، وتقريب وجهات النظر، وتجاوز بعض العقبات. كما أننا لا نتوقف عن الاتصالات بكبار المسؤولين ومكونات المجتمع المدني وشيوخ القبائل، وبالسفارات العربية والأجنبية، ومبعوثي الدول الغربية والآسيوية إلى ليبيا. كما أن التنسيق مستمر مع مبعوث الأمم المتحدة الدكتور غسان سلامة.
- لكن لا توجد أي نتائج ملموسة على الأرض.
- القضية لا تكمن في البحث عن نتائج فورية بقدر ما هي سعي مستمر لدعم المسار السلمي، وتجاوز بعض الأزمات. والعمل السياسي عبارة عن مساعٍ مستمرة لتهيئة الظروف للحل الدائم.
- هل لك أن تطلعنا على الأطراف المعرقلة للعملية السياسية؟
- الإرهاب والميليشيات المسلحة الإجرامية تسعى لاستمرار إضعاف الدولة من خلال نشر الفوضى. وهناك جهود جبارة من حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي لفرض القانون، وهذه الجهود حققت نتائج ملموسة.
- ذكرتَ الميلشيات... ماذا عن الشخصيات؟
- هناك أيضاً تخوف من بعض الفئات المتنفذة حالياً من العملية السياسية، ومن مدى تأثيرها سعياً لتحقيق مصالحها ودورها على الساحة.
- كيف تقيِّم أداء الدول الغربية في التعاطي مع الأزمة الليبية؟
- الغرب استغل الثورة الليبية وغيّر مسارها، وبدلاً من إسقاط نظام معمر القذافي أسقط الدولة، وأحدث فراغاً بتفكيك الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو الآن يبحث عن الحل هناك من خلال تحقيق مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية في ظل تهافت على إعادة بناء ليبيا، وتزاحم الشركات الغربية على ذلك. ومن هذا المنطلق أدعو الليبيين للانتباه إلى خطر هذه التحركات.
- يتحدث قطاع كبير من الليبيين عن صراع نفوذ على الأرض بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.
- الدول الأوروبية تحاول توحيد مواقفها تجاه ليبيا. لكن نلاحظ أن دورها مشوب بالأنانية والمصلحة الذاتية والآنية، فضلاً عن ذلك نحن نرى تحركات مكثفة ومتقاطعة للدبلوماسية الغربية في ليبيا، واتصالات مباشرة من مسؤولي هذه الدول الثلاث مع كبار الشخصيات ومختلف المؤسسات الليبية لخدمة مصالحها، وضمان حضورها على الساحة الليبية أيام الأزمة وبعدها.
- وكيف تقيّمون تجربة البعثة الأممية لدى ليبيا بعد تعثر اتفاق الصخيرات؟
- قد يتعين التذكير بأن اتفاق الصخيرات صاغته مجموعة من الخبرات الليبية، وقد جاء تعديله بناء على طلب من الإخوة الليبيين لجعله يتلاءم مع المرحلة التي تجتازها المسيرة السياسية في البلاد. لذلك فإن تعثر المسيرة يعد مؤقتاً ومسؤولية جماعية، وليس قضية المبعوث الأممي، الذي يبذل جهوداً مكثفة للوصول إلى حل ينهي معاناة الشعب الليبي. علاوة على ذلك فإن مبادرة الأمم المتحدة جاءت بأفكار ليبية، ومن المنتظر أن تأخذ وقتها الكافي، وطبيعي أن تشهد أحياناً بعض العقبات.
- وهل تتوقعون نجاح مهمة غسان سلامة؟
- خلال لقاءاتي مع المسؤولين بالبعثة الأممية أشعر أن التعثر قد لا يستمر طويلاً، فـ(السيد) سلامة يتواصل مع رئيسي لجنة الحوار عن مجلسي النواب والأعلى للدولة، وطرح بدائل لتقريب وجهات النظر مع كل المسؤولين، وأنا متفائل، ولا أتوقع فشل مهمته، رغم أنها تتطلب نفَساً طويلاً من الوسطاء، ومزيداً من الشجاعة والجرأة من الإخوة الليبيين.
- البعثة الأممية تأمل في إجراء انتخابات في البلاد قبل نهاية العام؟ كيف تقيّمون هذه الخطوة؟
- يجب إعطاء الفرصة للشعب لاختيار قياداته لكي تتحمل أعباء المرحلة الجديدة... وهذا لا يتم إلا عن طريق انتخابات حرة ونزيهة.
- هناك من يرى أن الأوضاع الأمنية قد تمنع إجراء الانتخابات.
- التحجج بالأوضاع الأمنية أو بعدم وجود دستور، أمور يمكن معالجتها، وإجراء الانتخابات أمر مصيري لليبيا وللمنطقة.
- وعلى أي أرضية قانونية ستُجرى هذه الانتخابات ولم يتم التوافق على الدستور أو شكل وتقسيم السلطة التنفيذية؟
- رفض الانتخابات أو تأجيلها يعني استمرار حالة عدم الاستقرار والانقسام البلاد، بالإضافة إلى سيطرة المجموعات المسلحة على أجزاء من التراب الليبي، وخصوصاً الجنوب. وبالتالي فهي ضرورية، خصوصاً مع وجود فئات قليلة تستغل الوضع المتردي لتحقيق منافع خاصة على حساب الشعب، فضلاً عن أنها ستحبط كل المؤامرات التي تُحاك ضد مصالح الشعب الليبي.
- لكن مجلس النواب لم ينتهِِ من قانون الاستفتاء على الدستور.
- أعتقد أن فئات كثيرة من الشعب غير موافقة على بعض مضامين مسودة الدستور... ومن الطبيعي أن النواب الذين يمثلونهم ستكون لهم تحفظات حول بعض فقراتها. وتدارك هذا الوضع ممكن، لكن طرح مسودة الدستور بوضعها الحالي للاستفتاء قد يزيد الأوضاع توتراً، وقانون الاستفتاء شيء جديد في الحياة السياسية الليبية، وأعتقد أن الدولة الليبية الجديدة قد تضطر إلى سن دستور آخر يتلاءم مع الأوضاع الجديدة ومتطلبات المرحلة.
- البعض يرى أن التجاذبات بين حفتر والسراج من جهة، وبين السويحلي وعقيلة صالح من جهة ثانية، تؤخر الحل في ليبيا.
- الخلافات القائمة ليست جوهرية، وهناك اتفاق حول الثوابت الأساسية مثل إجراء انتخابات والاعتماد على الحوار لحل كل الخلافات، ورفض استعمال القوة، وهذا لا يمنع وجود بعض الاختلافات في الرأي بشأن تعديلات الاتفاق السياسي، وبعض تفاصيل الإعداد للانتخابات، وهذه مواقف يمكن تداركها، والمبعوث الأممي يقوم بهذه المهمة.



توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.


رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
TT

رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)

كشف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، عن حزمة من ثلاث خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال «صومالي لاند»، مشيراً إلى التنسيق الوثيق مع شركائهم، بقيادة السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وقال الرئيس الصومالي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن هناك دولاً في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، دون أن يسميها: «لا أود تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض، ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».

واستدرك محمود قائلاً: «لكن رسالتنا واضحة للجميع بأن وحدة الصومال خط أحمر، وأن الصومال اتخذ مواقف لحماية الوحدة والسيادة الوطنية. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

وشدد على أهمية التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة لفوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره، مشيراً إلى أن السعودية، تعد شريكاً استراتيجياً محورياً لبلاده في دعم الاستقرار والوحدة، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.

ثلاث خطوات

وحول الخطوات التي تتخذها الحكومة الصومالية إزاء اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة، قال محمود: «أؤكد، وبأقصى درجات الوضوح والحزم، أن أي اعتراف بإقليم أرض الصومال – أو ما يُعرف بـ(صومالي لاند) – دولةً مستقلة يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة جمهورية الصومال الفيدرالية».

وزاد: «كما أن هذا الاعتراف الإسرائيلي، بإقليم أرض الصومال، يعد مخالفة جسيمة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الاتحاد الأفريقي التي تُجمع على احترام الحدود الموروثة للدول الأفريقية. وعلى هذا الأساس، اتخذ الصومال، وسيتخذ حزمة من الخطوات المتوازية».

وعدد الرئيس الصومالي، عدة خطوات بهذا الشأن، تبدأ من التحرك الدبلوماسي الفوري عبر الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، لرفض هذا الاعتراف وإبطاله قانونياً وسياسياً.

ولفت إلى أن بلاده، دعت بالفعل إلى عقد جلسة رسمية في مجلس الأمن الدولي بشأن هذا «الانتهاك الإسرائيلي السافر لسيادتنا ووحدتنا الوطنية»، مبيناً أنه تم عقد الجلسة، وكانت نصراً دبلوماسياً مهماً للصومال، لا سيما في ظل عضوية الصومال الحالية في مجلس الأمن الدولي.

وأضاف: «نُعرب هنا عن بالغ امتناننا لمواقف التضامن والتنديد التي صدرت عن الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنظمة الإيقاد، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من الشركاء الدوليين».

الخطوة الثانية من الخطة الصومالية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق الرئيس الصومالي، تتمحور في العمل على تنسيق موقف عربي وإسلامي وأفريقي موحد «ونثمّن عالياً أن السعودية كانت سبّاقة في إصدار بيان واضح وصريح استنكر أي مساس بوحدة الصومال».

مشيراً إلى أن «الموقف السعودي، هو موقف يعكس التزام المملكة الراسخ باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، زاد هذا الموقف رسوخاً ما أكده مجلس الوزراء السعودي من دعم ثابت ومبدئي للصومال في هذا الظرف الدقيق».

وزاد محمود: «نشير بتقدير بالغ إلى أن دولاً عربية وإسلامية وأفريقية عديدة، إضافة إلى دول من أميركا اللاتينية وآسيا، أصدرت بيانات تضامن وتنديد. ومن خلال صحيفتكم المرموقة، نتقدم إليهم جميعاً بالشكر والتقدير، مؤكدين أن الذاكرة الوطنية الصومالية ستحتفظ بهذا التضامن التاريخي».

الخطوة الثالثة من المسعى الصومالي لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق محمود، يتمحور في تعزيز الحوار الوطني الداخلي لمعالجة جميع القضايا السياسية في إطار الدولة الصومالية الواحدة، بعيداً عن أي إملاءات أو تدخلات خارجية.

السلم الإقليمي والدولي

وحول التخوف من أن يعيد هذا الاعتراف الإسرائيلي تشكيل الديناميكيات الإقليمية، وما يترتب عليه من مخاطر على أمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، قال محمود: «إن هذا الاعتراف – إذا لم يُواجَه بموقف حازم – ربما يفتح الباب أمام سابقة خطيرة ستزعزع الأمن والسلم الإقليميين والدوليين».

وفسّر ذلك بأن هذا الاعتراف، سيعمل على تشجع النزعات الانفصالية ليس فقط في القرن الأفريقي، بل في أفريقيا والعالم العربي عموماً، بما يهدد الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن ما تشهده بعض «الدول الشقيقة»، مثل السودان واليمن، خير دليل على كلفة تفكك الدول وانهيار بنيتها الوطنية.

أما فيما يتعلق بأثر هذا الاعتراف، بأمن بالبحر الأحمر، فقال الرئيس الصومالي: «نحن نتحدث عن شريان ملاحي عالمي وأمن قومي عربي بامتياز. وأي توتر سياسي أو أمني على السواحل الصومالية سينعكس مباشرة على أمن التجارة الدولية، وأمن الطاقة».

وأضاف: «سيمتد هذا الأثر الخطير، إلى استقرار الدول المشاطئة، وفي مقدمتهم السعودية ومصر والسودان وإريتريا واليمن والأردن. ومن هنا، فإن الحفاظ على وحدة الصومال يمثل ركيزة أساسية من ركائز أمن البحر الأحمر الجماعي».

مقدمة لهيمنة على المنطقة

وحاول الرئيس الصومالي قراءة الهدف الحقيقي لإسرائيل من هذا الاعتراف، ومدى اختبار ذلك لمعارضة الصومال التاريخية للانفصال، وقال: «نرى أن الهدف يتجاوز مجرد اعتراف سياسي».

وأضاف: «إن الهدف يتجاوز الهدف السياسي، ليشمل السعي إلى إيجاد موطئ قدم استراتيجي لإسرائيل في القرن الأفريقي وعلى مقربة مباشرة من البحر الأحمر، بما يتيح لها التأثير على مضيق باب المندب وتهديد الأمن القومي لكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر».

وأوضح أن هذا التحرك، يمثل محاولة لاختبار صلابة الموقف الصومالي، والعربي، والأفريقي تجاه قضايا السيادة ووحدة الدول، «هنا أؤكد بجلاء أن معارضة الصومال للانفصال ليست موقفاً ظرفياً أو تكتيكياً، بل هي مبدأ وطني راسخ، يحظى بدعم عربي وأفريقي واسع، وفي طليعته دعم السعودية».

ولفت الرئيس الصومالي إلى أن المخطط الإسرائيلي بالاعتراف، ينقل الصراع في الشرق الأوسط إلى الأراضي الصومالية، «أقول بوضوح أننا لن نسمح بتحويل الصومال إلى ساحة لتصفية صراعات دولية أو إقليمية لا تخدم مصالح شعبنا ولا أمن منطقتنا».

وشدد على أن الصومال يتطلع إلى السلام، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة، وليس إلى استيراد أزمات الشرق الأوسط أو عسكرة سواحله ومياهه الإقليمية، «ونحن ننسق بشكل وثيق مع شركائنا العرب، وفي مقدمتهم السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب».

وأضاف: «إن التجارب أثبتت أن تفتيت الدول لا يصنع استقراراً، بل يخلق فراغات أمنية خطيرة لا تقتصر آثارها على دولة واحدة، بل تمتد إلى الإقليم بأسره. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

ودعا الرئيس الصومالي، الدول العربية، لا سيما المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، إلى إدراك أن الصومال يمثل البوابة الجنوبية لأمنها القومي، مجدداً دعوته للدول الأفريقية، خصوصاً دول الجوار الصومالي، إلى التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة إلى فوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (سفارة الصومال بالرياض)

العلاقات السعودية الصومالية

وعلى صعيد العلاقات السعودية – الصومالية، وأهميتها في تأمين البحر الأحمر، قال محمود: «إن العلاقات الثنائية، علاقات تاريخية واستراتيجية عميقة الجذور، تقوم على الأخوة، والدين، والمصير المشترك، حيث تُعد السعودية شريكاً استراتيجياً محورياً للصومال في دعم استقراره ووحدته، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية».

وأضاف: «ينظر الصومال بإعجاب وتقدير كبيرين إلى رؤية المملكة 2030، وما حققته من إنجازات تنموية واقتصادية غير مسبوقة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء. ونحن بصدد الاستفادة من الخبرات السعودية في هذه المجالات».

وتابع: «في الظرف الحالي أيضاً نحن على ثقة تامة بأن حكمة القيادة السعودية، وقوتها، وثقلها الإقليمي والدولي، تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في مساعدة الصومال على النهوض مجدداً قوياً، وموحداً، وعزيزاً».

وزاد: «نتطلع لأن تلعب الدبلوماسية السعودية، دوراً محورياً ورئيسياً، لحشد التأييد والتضامن للصومال بين الدول والمنظمات الدولية. وكما تعلمون، مرّ الصومال بظروف قاسية، لكنه اليوم يتعافى بوتيرة متسارعة».

وقال محمود: «في هذا السياق، نشعر بآلام الشعوب التي تمر اليوم بما مرّ به الصومال سابقاً، ونعرب عن تضامننا الصادق معها، ونشيد ونقف مع الدور الأخوي الصادق والمخلص، الذي تضطلع به السعودية تجاه اليمن، والسودان، وسوريا، وبإسهامها البارز في تعزيز استقرار المنطقة والعالم».

وعن انطباعه عند تلقيه، قرار مجلس الوزراء السعودي، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز أخيراً، الرافض لأي تقسيم لوحدة جمهورية الصومال، قال محمود: «تلقَّت الحكومة الفيدرالية في جمهورية الصومال قرار مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتقدير بالغ وارتياح كبير».

وأضاف: «نعدّ هذا الموقف امتداداً للدعم التاريخي الذي تقدمه المملكة لوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها. إن التأكيد الواضح من القيادة السعودية على رفض أي محاولات للمساس بوحدة الصومال يعكس عمق العلاقات الأخوية بين بلدينا، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويبعث برسالة مهمة إلى المجتمع الدولي حول أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».