البحرية الصينية وصلت إلى شواطئ البحر الأحمر وقاتلت إرهابيين وأنقذت رهائن... ألم تسمع بالخبر؟
ربما لا لأنّ ما حدث جرى في فيلم وليس في الواقع، لكن كم من الأفلام هي طموحات واقعية؟
الفيلم هو «عملية البحر الأحمر» الذي يتربّع كواحد من الأفلام الأعلى إيراداً في العروض العالمية هذا الأسبوع بحكايته التي حقّقها المخرج الهونغ كونغي دانتي لام الذي كان لسنوات غير بعيدة، مكتفياً بتحقيق أفلام محلية إلى أن قرّر إنجاز إنتاجات كبيرة تتجاوز الواقع ولا تبتعد كثيراً عمّا توفره هوليوود من أشكال وأعمال مشابهة.
«عملية البحر الأحمر» لا يُـسمي البلد الذي تقع فيه الأحداث، بل يتركها طليقة، ولو أنّ التصوير جرى في المغرب، وبين ممثلاته سناء العلوي المولودة في الدار البيضاء، التي كانت قد أدّت دوراً رئيسياً قبل أكثر من عشر سنوات في فيلم بعنوان «الخبز الحافي» أتبعته سنة 2007 بفيلم «عود الورد». هذا قبل أن تؤم بطولة فيلم بلجيكي بعنوان «بلاك» قبل عامين.
لقد تناهى للمسؤولين الصينيين أنّ صينياً واحداً اختطف من قِبل إرهابيين في منطقة البحر الأحمر ما دعا البحرية الصينية لإرسال أفضل مقاتليها لإنقاذه، وبالمرّة، تدمير معاقل وشوارع ومنشآت، فالحرب على الإرهاب لا يمكن لها أن تنأى عن توظيف المؤثرات المختلفة لمشاهد كبيرة صادمة ومثيرة حتى وإن لم يكن بينها ما هو مختلف عمّا سبقه من هذه الأفلام.
السينما الصينية ذاتها أوردت في العام الماضي فيلماً مشابهاً هو «Wolf Warrior 2» لهونغ كونغي آخر هو جينغ وو. ذلك أيضاً كان عن رهائن ينطلق الصينيون بقيادة جينغ وو نفسه لإنقاذ رهائن آخرين، ولو أنّ التصوير جرى في جنوب أفريقيا.
ليس في كلا الفيلمين، «عملية البحر الأحمر» و«وولف ووريَر 2» ما يمكن تقدير مستواه في المضمون أو التنفيذ. كلاهما يعمل على نحو ميكانيكي، ولو أنّ هذا الفيلم الجديد لا يخلو من دلالة مفادها أنّ الحرب (أي حرب)، هي وبال كما هي طريقة لتحقيق أرباح سينمائية.
أب مفقود وشاب مولود
على صعيد أكثر هدوءاً، توفر ديزني فيلماً جديداً بعنوان «تجعيدة في الزمن» (A Wrinkle in Time) ينتمي إلى الفانتازيات الغرائبية. لكن ما ينتمي إليه الفيلم ليس الأهم في وضعه، بل حقيقة أنّ مخرجته هي أفا بوفرناي تلك التي سبق لها أن قدّمت فيلماً واقعياً جاداً مأخوذاً عن أحداث حقيقية هو «سلما» دخل ترشيحات الأوسكار قبل عامين.
ذاك كان مأخوذاً عن حادثة عنصرية مشهودة وقعت في مطلع الستينات. الفيلم الجديد مأخوذ عن رواية وُضعت في مطلع الستينات من كتابة مادلين لانغل، عن رحلة فتاة صغيرة عبر أبعاد متعدّدة زماناً ومكاناً في نطاق بحثها عن أبيها المفقود. الفتاة ذات الثلاثة عشرة سنة، لها من يساعدها على ولوج تلك الرحلات الميتافيزيقية: ثلاث نساء (أوبرا وينفري، وميندي كولينغ، وريز وذرسبون) اللواتي يخبرنها أنّها هي فقط من يستطيع كشف النقاب عن مكان والدها والعودة به.
تتزوّد الفتاة بالعزيمة وبصديقين صغيرين وبمشاهدين يتوقعون إثارة تأتي مع تلك الرحلة، لكنّهم يحصدونها في محطات دون أخرى.
وبين أفلام الأسبوع الجديدة أيضاً، فيلم فانتازي آخر عنوانه «كل يوم». هو بدوره مأخوذ عن رواية هي تلك التي وضعها مايكل سوكسي تمزج العاطفي بالغرائبي. بطلته فتاة مراهقة تقع في الحب كل يوم مع الشاب نفسه، لكنّ هذا الشاب يتغير شكلاً إلى شاب (أو فتاة) جديد كل يوم. هذا يتم بتأثير من حكاية رديئة أو من تنفيذ رديء أو من كليهما معاً. ما هو مؤكد أنّ الرواية عكست، كما كتب النقاد عنها، نزوع الكاتب إلى البحث عن هوية لشخص شاب، بينما يعكس الفيلم هنا لهفة الفتاة لمصاحبة هذا الشاب الذي تتعدد أشكاله (غالباً شاب أبيض، لكن ذات مرّة يصبح أسود البشرة وفي مرّة أخرى يتحوّل إلى فتاة)، وتوزيع القبل على وجهه بمصاحبة أغانٍ من تلك التي لا لون لها. النقلة المذكورة تدلف بالفيلم إلى كثير من اللااتزان الناتج عن أنّنا لا نكترث، بعد ربع الساعة الأولى، لما يحدث لها، وما إذا كان الشاب سيبقى بشراً أو ربما يتحوّل إلى ديك رومي في المشهد التالي.
تهديد بالقتل
باقي الأفلام الهاطلة هذا الأسبوع على شاشات السينما المختلفة في عواصم عربية أو غربية، هي غالباً من النوع التشويقي.
لدينا مثلاً «رغبة موت» الذي يتحدث عن الطبيب الجراح الذي ينقل مهمته من إنقاذ الأرواح إلى إخمادها مستفيداً من أدواته الطبية من حين لآخر. هذا الفيلم هو إعادة صنع لفيلم من العام 1974 كان قد لعب بطولته تشارلز برونسون. حينها كان مصمماً معمارياً لم يستطع تجيير المسطرة لتنفيذ عمليات القتل، لكنّ بروس ويليس في الفيلم الجديد يستخدم أدوات الجراحة في التعذيب. في كلا الفيلمين دعوة للانتقام الفردي على نحو «ما حك جلدك مثل ظفرك».
أفضل منه قليلاً «غرينغو» الذي هو ثاني إنتاج للممثلة تشارليز ثيرون في غضون سنة، بعد «أتوميك بلوند» الذي قامت ببطولته ولم يحقق النجاح المفترض له. هذا الفيلم الجديد يبدو أنّه سيلحق بسابقه أيضاً. أحداث ذلك الفيلم دارت في بريطانيا وألمانيا، أمّا هنا فتحط في المكسيك حيث لا يوجد شخص مكسيكي يمكن لأبطال الفيلم (ونصفهم شرير بدوره) الثقة به.
الممثل الأسود ديفيد أويلوو يؤدي شخصية نيجيري اسمه هارولد، يعمل في مؤسسة للكيماويات الطبية ومن دون علمه (في بدئ الأمر) يتّفق اثنان من زملائه هما تشارليز ثيرون وجووَل إدغرتون. همّا المسؤولان عن الشركة الذي عهد إليهما التصرف بمصيرها، واللذان يودان مزجها مع مؤسسة للاتجار بالمخدرات. هارولد لا يعرف ما يدور، ويريدانه أن يبقى في الظلام. لكنّهما سيأخذانه معهما إلى المكسيك. طبعاً ليس هناك من سبب لذلك، ولا يوضح الفيلم لماذا يريدانه في مباحثاتهما طالما أنّهما يرغبان في إبقائه مثل «الأطرش في الزفّة».
المسألة ليست بمثل هذه البساطة والأمور تتعقد وتصبح خطرة، لأنّ هناك شخصاً آخر كان يستفيد من صنع تلك الشركة لحبوب الماريوانا يتاجر بها، والآن سيخسر تجارته إذا ما اتفقت هذه المؤسسة الكيماوية مع سواه. تتجه شكوك تاجر المخدرات إلى هارولد معتقداً أنّه لا بد يعرف أكثر مما يبدي. هارولد لابد أنّه أكثر شخصية في أفلام الأسبوع مدعاة للبؤس. ففوق أنّه بات شريكاً لجريمة متعددة، ولجانب أنّه بات مهدداً بالقتل، يكتشف أن زوجته (ثاندي نيوتن) تريد الانفصال عنه، وأنّها على علاقة بزميله إدغرتون الذي كان على علاقة بزميلته ثيرون في الوقت ذاته. هذه الأخيرة تجد نفسها آخر من يعلم ويستطيع المرء رسم خريطة طريق لكل هذه المواقف إذا أراد. سيكون ذلك إنجازاً مهمّاً لأنّ الفيلم متشابك أكثر مما يجب وتمثيله أقل مما يجب.
«شمشوم الجبار»
بإضافة أفلام مثل «سرقة العاصفة» و«الغرباء: صيد في الليل» و«سامسون»، فإنّ وجهة الباحث عن فيلم جيد لا تزال متوفرة في «بلاك بانثر» في مستهل أسبوع الفيلم الثالث. الفيلم المأخوذ عن مجلات الكوميكس ليس فقط جديداً في خلق شخصية سوبر هيرو أفرو - أميركية، بل في معالجتها فنياً ودرامياً أيضاً وبمستوى جيد وجاد من الاهتمام بحيث يستحق الفيلم (الذي سنتناوله منفرداً) كل النجاح الذي ما يزال يحققه، والذي نتج عنه حتى الآن أكثر من 900 مليون دولار في عروضه العالمية نصفها - تقريباً - حُقّقت في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
إذا ما كان «بلاك بانثر» هو القمة في الإجادة فإن «سامسون» (شمشوم) هو القعر في الرداءة. هذا الفيلم الذي يحاول بث الرّوح في الملاحم التاريخية ذات الفحوى الديني، يصيغ حكاية حب وحرب بطلها شمشوم (تايلور جيمس) الذي يفقد قواه حين يقع في حب دليلة (تؤديها فرنسيس شولتو دوغلاس). لكنّ الفيلم فقد قواه قبل ذلك بفترة طويلة. الحكاية التي يؤديها هي كيف واجه سامسون أعداءه الساميين دفاعاً عن اليهود (الساميين أيضاً)، في سلسلة من المعارك غير المتكافئة، حيث ينجرف وحده (أحياناً) لمقاتلة جيش بكامله.
يُظهر الفيلم أنّ سامسون لم يكن يريد مثل هذه النزاعات، ويرغب في شق حياة طبيعية مع حبيبته لولا أنّه اختير لمثل هذه المهمّة الشاقة، أو لولا أنّ السيناريو نص على ذلك. وبينما تتحرك الحكاية بصعوبة، يفتقد الفيلم عناصر تقنية تتيح له اللحاق بأفلام «كوفاديس» و«كليوباترة» و«سبارتاكوس» السابقة. أيام ما كان شرط هذه الأفلام التاريخية التأكد من أن كل عناصر الإنتاج متوفرة مهما ارتفع سعرها. الأمر المعاكس لما قام به منتجو هذا الفيلم الذين افتقدوا التمويل، وآثروا التغلب على ذلك بكثير من مؤثرات الدجيتال الرخيصة.

