بوتين 2018 يتحدى العالم... لكن على طريقة كوريا الشمالية

تذكر الاتحاد السوفياتي وبدا مختلفاً عنه في 2008

الرئيس الروسي بوتين لدى زيارته قاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي بوتين لدى زيارته قاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

بوتين 2018 يتحدى العالم... لكن على طريقة كوريا الشمالية

الرئيس الروسي بوتين لدى زيارته قاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي بوتين لدى زيارته قاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

حمل المشهد في ملعب «لوجنيكي» الأحد الماضي، دلالات ستبقى طويلا في ذاكرة الروس. كان الرئيس فلاديمير بوتين محاطا بعشرات الألوف من أنصاره، وهو يلقي خطابا حماسيا، ويعدهم بـ«قرن من الانتصارات». كادت الهتافات الصاخبة وتظاهرة الإعلام والشعارات، أن تغطي على صوت الزعيم وهو يتحدث عن «روسيا القوية المجيدة»، وعن «بناء الدولة العظمى الساطعة». وامتزجت كلمات «زعيم الأمة» المتوج بمشاعر العنفوان القومي الهائج، الذي برز عندما وقف الجمع مشدودا وهو يردد النشيد الوطني لروسيا، ومطلعه «روسيا... القوة العظمى المقدسة». مشهد تبلورت ملامحه بعناية فائقة ليذكر بالتجمعات الحاشدة في العهود السوفياتية، رغم الفوارق الظاهرة بين الشعارات المرفوعة. لم يكن بمقدور ألوف من الحضور أن يلاحظوا اعتقال بضع عشرات استغلوا المناسبة لرفع شعار يطالب بالانسحاب من أوكرانيا. بكل تفاصيله وصخبه وتناقضاته وعنفوانه الوطني الجامح، عكس المشهد واقع روسيا 2018.
لم يعد الاهتمام في روسيا منصبا على تفاصيل حملة الانتخابات الرئاسية التي دخلت مراحلها الأخيرة. وبات واضحا أن الاستحقاق الانتخابي المقرر في 18 المقبل سيمر من دون مفاجآت تعكر صفو الفوز الكبير المتوقع للرئيس الروسي، الذي يستعد لفترة رئاسية جديدة تمتد إلى 6 سنوات. كما لا يهتم أحد باستثناء بعض أوساط المعارضة المهمشة بمسار التحضيرات و«الانتهاكات» الصغيرة أو الكبرى التي تشهدها، إذ لم يتوقف الإعلام الحكومي أمام شكاوى لجنة الانتخابات المركزية، من توظيف النفوذ الإداري والحكومي لطاقم الرئيس في خدمة حملته الانتخابية، وهو ما أظهره استخدام جيش الموظفين والإداريين والقدرات الإعلامية الحكومية الفائقة، للتركيز على تحركات الرئيس وتوظيفها انتخابيا. ويكفي أن القناة الحكومية الأولى ضربت بعرض الحائط تنبيهات لجنة الانتخابات، وأعلنت لجمهورها أنها تنوي بث فيلم «القرم» الوثائقي ليلة الانتخابات، أي في اليوم الذي يفترض بحسب القوانين الروسية أنه يوم «صمت انتخابي». والفيلم يبرز الدور الأساسي لبوتين في عملية ضم القرم، التي باتت إنجاز القرن بالنسبة إلى الرئيس، ما يحوله أداة دعاية انتخابية كبرى.
عشرات الملاحظات الأخرى التي تتحدث عنها مواقع إلكترونية للمعارضة، وتلتقطها وسائل إعلام غربية لتسليط الضوء عليها في سياق الحملات الدعائية المتبادلة بين روسيا والغرب؛ لكنها لا تحظى باهتمام داخلي، بعدما طغى عليها بقوة عنصران: أولهما الاهتمام الزائد بشخصية بوتين في «نسخته الجديدة» وهو يستعد لولاية رابعة، وحجم التغيير الذي طرأ على أدائه منذ أن تعرف عليه الروس والعالم للمرة الأولى في عام 1999. والعنصر الثاني يرتبط ببوتين أيضا، من خلال الاهتمام المنصب على الأولويات التي وضعها لروسيا على صعيد السياسة الداخلية والخارجية، وهو يستعد للتربع على عرش الكرملين في ولايته الجديدة. عندما قال الرئيس الروسي في رسالته السنوية إلى الهيئة الاشتراعية أخيرا، إن روسيا «أنجزت في عشرين عاما ما تعجز عن إنجازه بلدان أخرى في قرون»، كان يتحدث عن «قوة عسكرية خارقة تتحدى الغرب وتدافع عن البلاد»؛ لكن العبارة ذاتها يمكن أن تنسحب على التغيرات الكبرى التي طرأت على النظام السياسي وآليات الحكم في روسيا خلال عقدين، كان سيد الكرملين يمسك فيهما بكل مفاتيح القرار، وجمع بين يديه صلاحيات كان بعض القياصرة يحلم بها في عصور مضت.

بوتين بين 2000 و2018
الرجل الذي ارتبط اسمه خلال سنوات ظهوره الأولى بعمله السابق عميلا لجهاز المخابرات السوفياتية في ألمانيا، وشكل صعوده الصاروخي إلى سدة الحكم عام 1999 لغزا ما زال كثير من جوانبه غامضا حتى الآن، نجح خلال ولايتين بين 2000 و2008 في إعادة تركيب هياكل السلطة في روسيا، وإعادة بناء النظم الإدارية وأدوات السلطة التي كانت تقريبا مفقودة. إذ ليس سرا أن روسيا مع وصول الشاب النحيف قاسي الملامح إلى مقعد الرئاسة بعد تنازل الرئيس السابق بوريس يلتسن ليلة 13 ديسمبر (كانون الأول) 1999 عن الرئاسة، كانت أشبه بإقطاعيات منفصلة يحكم كل منها خليط من حيتان المال ورجال الدولة الفاسدين، وناشطي الجريمة المنظمة، ولا سلطة للمركز الفيدرالي عليها.
وفي واقع سياسي داخلي متخبط تأكله الفوضى، كانت روسيا تخسر سنويا مليون نسمة بسبب تردي الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية، وكانت تستجدي المنح المالية من الغرب. أما في مكاتب الـ«كي جي بي» والوزارات الرئيسية في البلاد، فقد جلس مستشارون أميركيون يديرون مقدرات الدولة العظمى السابقة. عندما تذكر بوتين هذه التفاصيل في خطابه السنوي الأخير، كان يتعمد تحفيز الروس لعقد مقارنات عن أحوال روسيا في عقدين كان فيهما صاحب القرار.
وبوتين الذي ركب موجة مكافحة الإرهاب في القوقاز، في السنوات الأولى من الألفية الثالثة، واستخدمها لضرب خصومه بقوة، انتقل سريعا إلى ترتيب البيت الداخلي بفرض سلطات مباشرة على الأقاليم وتطويعها، لينا في بعض الأحيان كما ظهر في تتارستان مثلا، أو قسرا في أحيان أخرى كما كان الحال في القوقاز؛ لكن في الحالين أنجز مهمته بسرعة قياسية. لكن المعضلة التي واجهت الرئيس طويلا كانت البحث عن هوية روسيا الجديدة. وفي هذا المجال انتقل بوتين من الرهان لسنوات على تعزيز الشعور القومي واستعادة أمجاد روسيا القيصرية، وتنشيط دور الكنيسة بهدف إعلاء الانتماء الوطني، إلى التغني بأمجاد الاتحاد السوفياتي أخيرا، بعدما استقر الوضع الداخلي الروسي، وعادت أحلام الإمبراطورية تسيطر على صناع القرار. في المرحلة الأولى كان الشعار الوطني المرفوع يتحدث عن روسيا كـ«قوة محافظة تعد النموذج الروسي البديل عن الليبرالية الغربية». وفي الثاني لم يعد الكرملين يخفي تطلعه إلى بسط نفوذ واسع على مناطق كانت تعد تاريخيا مساحة النفوذ الحيوي لروسيا.
واللافت في هذا السياق أن بوتين 2018 عندما تذكر أخيرا الاتحاد السوفياتي، بدا مختلفا عن بوتين 2008. وفي المرة الأولى أكد أن انهيار الاتحاد السوفياتي كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، ما عكس حرصا على إبراز الخسارة الكبرى التي مني بها العالم بسبب انهيار التوازن الدولي وبدء عهد القطبية الأحادية.
لكن حديث بوتين أخيرا عكس جانبا أخيرا لـ«الكارثة» يتعلق بخسائر روسيا ذاتها. فهو لم يعر اهتماما كبيرا بتداعيات انهيار الدولة العظمى على البلدان السوفياتية السابقة وشعوبها، بقدر ما ركز على أن «روسيا فقدت 23 في المائة جغرافيا، و41 في المائة من الناتج المحلي، و39 في المائة من قدراتها الصناعية، ونحو نصف قدراتنا العسكرية». هذه النظرة تعكس بشكل جلي الطموحات الجديدة لدى بوتين وهو يكرر الحديث عن أن «لو استطعت لمنعت انهيار الاتحاد السوفياتي». في وقت انشغلت وسائل الإعلام الحكومية بالحديث عن «حنين الشعوب السوفياتية للدولة العظمى»، وأن «كثيرين مستعدون حاليا للانخراط مجددا في دولة كبرى».

بوتين يتحدى العالم بنموذج كوريا الشمالية
لا بد أن خطاب بوتين السنوي أمام الهيئة الاشتراعية سيظل محفورا في ذاكرة كثيرين، بصفته شكّل نقطة تحول أساسية تمهد لسياسات الكرملين في المرحلة المقبلة. وكما حمل الخطاب الناري الذي ألقاه بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2008، عندما قال للغرب إن صبر روسيا نفد، وإنها لن تسمح بعد ذلك بالتعامل معها كدولة مهزومة في الحرب الباردة، مقدمات لتحولات كبرى في السياسة الروسية، بدأت من جورجيا في العام ذاته، ولم تنته في أوكرانيا، ثم في سوريا، فإن الخطاب الجديد يفتح كما رأى كثيرون في روسيا على مرحلة جديدة. وأثار الخطاب الناري الذي كرس بوتين نصفه لاستعراض قدرات بلاده العسكرية «الخارقة» ردود فعل متباينة بشدة في الداخل. بين موالين أشادوا بحزمه واعتبروه يمهد لانتصارات متتالية ستفرضها روسيا العائدة بقوة إلى المسرح الدولي، ومعارضين رأوا فيها مقدمات لتقوقع روسيا على نفسها، وبدء مرحلة قاسية من العزلة الدولية، وبناء سياج حديد جديد حول روسيا.
لكن باحثين من الفريقين أجمعوا على أن التوصيف الذي يمكن أن يطلق على المرحلة المقبلة هو «نهاية الدبلوماسية» وفقا لعنوان مقالة للكاتب نيكيتا إيسايف، وهو مدير معهد الاقتصاد الحيوي، يمكن أن يشكل محتواها أبرز مثال على المخاوف الواسعة التي انتابت نخباً مالية واقتصادية، وممثلي قطاعات واسعة في روسيا بسبب خطاب بوتين.
يرى فريق من الخبراء أن روسيا عمليا اعترفت بالهزيمة على الساحة الدولية، وأقرت بفشل دبلوماسيتها. ويتذكر الكاتب أن وزير الخارجية سيرغي لافروف كان أول من لوح بالقبضة النووية لروسيا أثناء انهماك الكرملين بإعداد رسالة الرئيس إلى البرلمان. وقال: «إذا لم يتعاملوا معنا بشكل ندي ومتكافئ، فإن روسيا سترد». مشيرا إلى أن لديها القوة العسكرية، وخصوصا النووية، القادرة على الدفاع عن مصالحها. ثمة قناعة لدى أوساط بأن موسكو فشلت في فرض وجهات نظرها خلال العامين الماضيين، على الصعيدين الاقتصادي أو السياسي، وخصوصا في المناطق الساخنة التي تدير فيها الصراع. وتبرز المشكلة في أن روسيا قادرة على تحقيق انتصارات محددة؛ لكنها ليست قادرة بعد على ترجمتها سياسيا.
لذلك فإن أهم رسالة وجهها بوتين في خطابه، أن الدبلوماسية لم تعد تعمل، وروسيا ليست المذنبة في ذلك. والفكرة التالية التي يثبتها الخطاب، أن الرئيس بوتين وحده هو القادر على حماية الوطن حيال خطر حرب محتملة، أو خطر فقدان السيادة. وثمة عنصر آخر، أن بوتين يعد بأن روسيا ستحاول خلال السنوات المقبلة تهيئة الظروف لحياة أفضل للروس. وعد يلبي الرغبة الروسية الواسعة بالتغيير والإصلاح. وفقا لصحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا»، فإن «المواطن الروسي يرى الآن أن الرئيس ينوي توجيه القوة الجامحة إلى الخارج، وأن يحاول اتخاذ خطوات للتهدئة في الداخل. والناس يفضلون عموما هذه السياسة. عندما يتم التعامل معهم بود ويتم في الوقت نفسه معاقبة أشرار خارجيين، وهُم المتهمون بكل مصائب البلاد. هذا يعزز مشاعر العزة الوطنية؛ لكن اللافت أن هذا هو تحديدا سيناريو كوريا الشمالية».
هنا يبرز تباين الرهانات بين الأوساط المختلفة في روسيا. ثمة من يدعم بقوة في خطاب الحرب، وهذا فريق واسع كما يرى محللون يمتد ليشمل كل قطاعات الموظفين ورجال المال والأجهزة الأمنية والعسكرية، وفئات من المتحمسين الشباب. وثمة فريق آخر لديه مخاوف جدية من أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية منتظرة في روسيا منذ عام 2012، ونضجت الظروف جدا لإدخال تغييرات جذرية على النظام الإداري للبلاد، ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة بناء علاقات طبيعية مع المجتمع الدولي؛ لكن لم يحصل شيء من هذا، وأن «روسيا محشورة في زاوية اقتصادية خانقة، وعزلة دولية جيوسياسية». النتيجة التي يذهب إليها هذا الفريق أن «خطاب الرئيس لم يكن اقتصاديا، وليس عن هموم الناس؛ بل كان عن انغلاق روسيا سياسيا واقتصاديا، عن توجه البلاد نحو التقوقع والعزلة، وعن وقف الحوار مع العالم الخارجي».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».