بوتين 2018 يتحدى العالم... لكن على طريقة كوريا الشمالية

تذكر الاتحاد السوفياتي وبدا مختلفاً عنه في 2008

الرئيس الروسي بوتين لدى زيارته قاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي بوتين لدى زيارته قاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

بوتين 2018 يتحدى العالم... لكن على طريقة كوريا الشمالية

الرئيس الروسي بوتين لدى زيارته قاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي بوتين لدى زيارته قاعدة حميميم الجوية في سوريا في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

حمل المشهد في ملعب «لوجنيكي» الأحد الماضي، دلالات ستبقى طويلا في ذاكرة الروس. كان الرئيس فلاديمير بوتين محاطا بعشرات الألوف من أنصاره، وهو يلقي خطابا حماسيا، ويعدهم بـ«قرن من الانتصارات». كادت الهتافات الصاخبة وتظاهرة الإعلام والشعارات، أن تغطي على صوت الزعيم وهو يتحدث عن «روسيا القوية المجيدة»، وعن «بناء الدولة العظمى الساطعة». وامتزجت كلمات «زعيم الأمة» المتوج بمشاعر العنفوان القومي الهائج، الذي برز عندما وقف الجمع مشدودا وهو يردد النشيد الوطني لروسيا، ومطلعه «روسيا... القوة العظمى المقدسة». مشهد تبلورت ملامحه بعناية فائقة ليذكر بالتجمعات الحاشدة في العهود السوفياتية، رغم الفوارق الظاهرة بين الشعارات المرفوعة. لم يكن بمقدور ألوف من الحضور أن يلاحظوا اعتقال بضع عشرات استغلوا المناسبة لرفع شعار يطالب بالانسحاب من أوكرانيا. بكل تفاصيله وصخبه وتناقضاته وعنفوانه الوطني الجامح، عكس المشهد واقع روسيا 2018.
لم يعد الاهتمام في روسيا منصبا على تفاصيل حملة الانتخابات الرئاسية التي دخلت مراحلها الأخيرة. وبات واضحا أن الاستحقاق الانتخابي المقرر في 18 المقبل سيمر من دون مفاجآت تعكر صفو الفوز الكبير المتوقع للرئيس الروسي، الذي يستعد لفترة رئاسية جديدة تمتد إلى 6 سنوات. كما لا يهتم أحد باستثناء بعض أوساط المعارضة المهمشة بمسار التحضيرات و«الانتهاكات» الصغيرة أو الكبرى التي تشهدها، إذ لم يتوقف الإعلام الحكومي أمام شكاوى لجنة الانتخابات المركزية، من توظيف النفوذ الإداري والحكومي لطاقم الرئيس في خدمة حملته الانتخابية، وهو ما أظهره استخدام جيش الموظفين والإداريين والقدرات الإعلامية الحكومية الفائقة، للتركيز على تحركات الرئيس وتوظيفها انتخابيا. ويكفي أن القناة الحكومية الأولى ضربت بعرض الحائط تنبيهات لجنة الانتخابات، وأعلنت لجمهورها أنها تنوي بث فيلم «القرم» الوثائقي ليلة الانتخابات، أي في اليوم الذي يفترض بحسب القوانين الروسية أنه يوم «صمت انتخابي». والفيلم يبرز الدور الأساسي لبوتين في عملية ضم القرم، التي باتت إنجاز القرن بالنسبة إلى الرئيس، ما يحوله أداة دعاية انتخابية كبرى.
عشرات الملاحظات الأخرى التي تتحدث عنها مواقع إلكترونية للمعارضة، وتلتقطها وسائل إعلام غربية لتسليط الضوء عليها في سياق الحملات الدعائية المتبادلة بين روسيا والغرب؛ لكنها لا تحظى باهتمام داخلي، بعدما طغى عليها بقوة عنصران: أولهما الاهتمام الزائد بشخصية بوتين في «نسخته الجديدة» وهو يستعد لولاية رابعة، وحجم التغيير الذي طرأ على أدائه منذ أن تعرف عليه الروس والعالم للمرة الأولى في عام 1999. والعنصر الثاني يرتبط ببوتين أيضا، من خلال الاهتمام المنصب على الأولويات التي وضعها لروسيا على صعيد السياسة الداخلية والخارجية، وهو يستعد للتربع على عرش الكرملين في ولايته الجديدة. عندما قال الرئيس الروسي في رسالته السنوية إلى الهيئة الاشتراعية أخيرا، إن روسيا «أنجزت في عشرين عاما ما تعجز عن إنجازه بلدان أخرى في قرون»، كان يتحدث عن «قوة عسكرية خارقة تتحدى الغرب وتدافع عن البلاد»؛ لكن العبارة ذاتها يمكن أن تنسحب على التغيرات الكبرى التي طرأت على النظام السياسي وآليات الحكم في روسيا خلال عقدين، كان سيد الكرملين يمسك فيهما بكل مفاتيح القرار، وجمع بين يديه صلاحيات كان بعض القياصرة يحلم بها في عصور مضت.

بوتين بين 2000 و2018
الرجل الذي ارتبط اسمه خلال سنوات ظهوره الأولى بعمله السابق عميلا لجهاز المخابرات السوفياتية في ألمانيا، وشكل صعوده الصاروخي إلى سدة الحكم عام 1999 لغزا ما زال كثير من جوانبه غامضا حتى الآن، نجح خلال ولايتين بين 2000 و2008 في إعادة تركيب هياكل السلطة في روسيا، وإعادة بناء النظم الإدارية وأدوات السلطة التي كانت تقريبا مفقودة. إذ ليس سرا أن روسيا مع وصول الشاب النحيف قاسي الملامح إلى مقعد الرئاسة بعد تنازل الرئيس السابق بوريس يلتسن ليلة 13 ديسمبر (كانون الأول) 1999 عن الرئاسة، كانت أشبه بإقطاعيات منفصلة يحكم كل منها خليط من حيتان المال ورجال الدولة الفاسدين، وناشطي الجريمة المنظمة، ولا سلطة للمركز الفيدرالي عليها.
وفي واقع سياسي داخلي متخبط تأكله الفوضى، كانت روسيا تخسر سنويا مليون نسمة بسبب تردي الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية، وكانت تستجدي المنح المالية من الغرب. أما في مكاتب الـ«كي جي بي» والوزارات الرئيسية في البلاد، فقد جلس مستشارون أميركيون يديرون مقدرات الدولة العظمى السابقة. عندما تذكر بوتين هذه التفاصيل في خطابه السنوي الأخير، كان يتعمد تحفيز الروس لعقد مقارنات عن أحوال روسيا في عقدين كان فيهما صاحب القرار.
وبوتين الذي ركب موجة مكافحة الإرهاب في القوقاز، في السنوات الأولى من الألفية الثالثة، واستخدمها لضرب خصومه بقوة، انتقل سريعا إلى ترتيب البيت الداخلي بفرض سلطات مباشرة على الأقاليم وتطويعها، لينا في بعض الأحيان كما ظهر في تتارستان مثلا، أو قسرا في أحيان أخرى كما كان الحال في القوقاز؛ لكن في الحالين أنجز مهمته بسرعة قياسية. لكن المعضلة التي واجهت الرئيس طويلا كانت البحث عن هوية روسيا الجديدة. وفي هذا المجال انتقل بوتين من الرهان لسنوات على تعزيز الشعور القومي واستعادة أمجاد روسيا القيصرية، وتنشيط دور الكنيسة بهدف إعلاء الانتماء الوطني، إلى التغني بأمجاد الاتحاد السوفياتي أخيرا، بعدما استقر الوضع الداخلي الروسي، وعادت أحلام الإمبراطورية تسيطر على صناع القرار. في المرحلة الأولى كان الشعار الوطني المرفوع يتحدث عن روسيا كـ«قوة محافظة تعد النموذج الروسي البديل عن الليبرالية الغربية». وفي الثاني لم يعد الكرملين يخفي تطلعه إلى بسط نفوذ واسع على مناطق كانت تعد تاريخيا مساحة النفوذ الحيوي لروسيا.
واللافت في هذا السياق أن بوتين 2018 عندما تذكر أخيرا الاتحاد السوفياتي، بدا مختلفا عن بوتين 2008. وفي المرة الأولى أكد أن انهيار الاتحاد السوفياتي كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، ما عكس حرصا على إبراز الخسارة الكبرى التي مني بها العالم بسبب انهيار التوازن الدولي وبدء عهد القطبية الأحادية.
لكن حديث بوتين أخيرا عكس جانبا أخيرا لـ«الكارثة» يتعلق بخسائر روسيا ذاتها. فهو لم يعر اهتماما كبيرا بتداعيات انهيار الدولة العظمى على البلدان السوفياتية السابقة وشعوبها، بقدر ما ركز على أن «روسيا فقدت 23 في المائة جغرافيا، و41 في المائة من الناتج المحلي، و39 في المائة من قدراتها الصناعية، ونحو نصف قدراتنا العسكرية». هذه النظرة تعكس بشكل جلي الطموحات الجديدة لدى بوتين وهو يكرر الحديث عن أن «لو استطعت لمنعت انهيار الاتحاد السوفياتي». في وقت انشغلت وسائل الإعلام الحكومية بالحديث عن «حنين الشعوب السوفياتية للدولة العظمى»، وأن «كثيرين مستعدون حاليا للانخراط مجددا في دولة كبرى».

بوتين يتحدى العالم بنموذج كوريا الشمالية
لا بد أن خطاب بوتين السنوي أمام الهيئة الاشتراعية سيظل محفورا في ذاكرة كثيرين، بصفته شكّل نقطة تحول أساسية تمهد لسياسات الكرملين في المرحلة المقبلة. وكما حمل الخطاب الناري الذي ألقاه بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2008، عندما قال للغرب إن صبر روسيا نفد، وإنها لن تسمح بعد ذلك بالتعامل معها كدولة مهزومة في الحرب الباردة، مقدمات لتحولات كبرى في السياسة الروسية، بدأت من جورجيا في العام ذاته، ولم تنته في أوكرانيا، ثم في سوريا، فإن الخطاب الجديد يفتح كما رأى كثيرون في روسيا على مرحلة جديدة. وأثار الخطاب الناري الذي كرس بوتين نصفه لاستعراض قدرات بلاده العسكرية «الخارقة» ردود فعل متباينة بشدة في الداخل. بين موالين أشادوا بحزمه واعتبروه يمهد لانتصارات متتالية ستفرضها روسيا العائدة بقوة إلى المسرح الدولي، ومعارضين رأوا فيها مقدمات لتقوقع روسيا على نفسها، وبدء مرحلة قاسية من العزلة الدولية، وبناء سياج حديد جديد حول روسيا.
لكن باحثين من الفريقين أجمعوا على أن التوصيف الذي يمكن أن يطلق على المرحلة المقبلة هو «نهاية الدبلوماسية» وفقا لعنوان مقالة للكاتب نيكيتا إيسايف، وهو مدير معهد الاقتصاد الحيوي، يمكن أن يشكل محتواها أبرز مثال على المخاوف الواسعة التي انتابت نخباً مالية واقتصادية، وممثلي قطاعات واسعة في روسيا بسبب خطاب بوتين.
يرى فريق من الخبراء أن روسيا عمليا اعترفت بالهزيمة على الساحة الدولية، وأقرت بفشل دبلوماسيتها. ويتذكر الكاتب أن وزير الخارجية سيرغي لافروف كان أول من لوح بالقبضة النووية لروسيا أثناء انهماك الكرملين بإعداد رسالة الرئيس إلى البرلمان. وقال: «إذا لم يتعاملوا معنا بشكل ندي ومتكافئ، فإن روسيا سترد». مشيرا إلى أن لديها القوة العسكرية، وخصوصا النووية، القادرة على الدفاع عن مصالحها. ثمة قناعة لدى أوساط بأن موسكو فشلت في فرض وجهات نظرها خلال العامين الماضيين، على الصعيدين الاقتصادي أو السياسي، وخصوصا في المناطق الساخنة التي تدير فيها الصراع. وتبرز المشكلة في أن روسيا قادرة على تحقيق انتصارات محددة؛ لكنها ليست قادرة بعد على ترجمتها سياسيا.
لذلك فإن أهم رسالة وجهها بوتين في خطابه، أن الدبلوماسية لم تعد تعمل، وروسيا ليست المذنبة في ذلك. والفكرة التالية التي يثبتها الخطاب، أن الرئيس بوتين وحده هو القادر على حماية الوطن حيال خطر حرب محتملة، أو خطر فقدان السيادة. وثمة عنصر آخر، أن بوتين يعد بأن روسيا ستحاول خلال السنوات المقبلة تهيئة الظروف لحياة أفضل للروس. وعد يلبي الرغبة الروسية الواسعة بالتغيير والإصلاح. وفقا لصحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا»، فإن «المواطن الروسي يرى الآن أن الرئيس ينوي توجيه القوة الجامحة إلى الخارج، وأن يحاول اتخاذ خطوات للتهدئة في الداخل. والناس يفضلون عموما هذه السياسة. عندما يتم التعامل معهم بود ويتم في الوقت نفسه معاقبة أشرار خارجيين، وهُم المتهمون بكل مصائب البلاد. هذا يعزز مشاعر العزة الوطنية؛ لكن اللافت أن هذا هو تحديدا سيناريو كوريا الشمالية».
هنا يبرز تباين الرهانات بين الأوساط المختلفة في روسيا. ثمة من يدعم بقوة في خطاب الحرب، وهذا فريق واسع كما يرى محللون يمتد ليشمل كل قطاعات الموظفين ورجال المال والأجهزة الأمنية والعسكرية، وفئات من المتحمسين الشباب. وثمة فريق آخر لديه مخاوف جدية من أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية منتظرة في روسيا منذ عام 2012، ونضجت الظروف جدا لإدخال تغييرات جذرية على النظام الإداري للبلاد، ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة بناء علاقات طبيعية مع المجتمع الدولي؛ لكن لم يحصل شيء من هذا، وأن «روسيا محشورة في زاوية اقتصادية خانقة، وعزلة دولية جيوسياسية». النتيجة التي يذهب إليها هذا الفريق أن «خطاب الرئيس لم يكن اقتصاديا، وليس عن هموم الناس؛ بل كان عن انغلاق روسيا سياسيا واقتصاديا، عن توجه البلاد نحو التقوقع والعزلة، وعن وقف الحوار مع العالم الخارجي».



«الناتو» يبحث عن «أفضل طريقة» لإعادة فتح مضيق هرمز

رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور (يمين) يلتقي مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال اجتماع في مقر إقامة رئيس الوزراء في أوسلو يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور (يمين) يلتقي مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال اجتماع في مقر إقامة رئيس الوزراء في أوسلو يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

«الناتو» يبحث عن «أفضل طريقة» لإعادة فتح مضيق هرمز

رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور (يمين) يلتقي مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال اجتماع في مقر إقامة رئيس الوزراء في أوسلو يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور (يمين) يلتقي مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال اجتماع في مقر إقامة رئيس الوزراء في أوسلو يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الأربعاء، أن الدول الأعضاء تُجري محادثات حول «أفضل طريقة» لإعادة فتح مضيق هرمز الذي يمر عبره عادة جزء كبير من إمدادات النفط العالمية.

وقال روته في مؤتمر صحافي، خلال زيارة لمناورات تابعة للحلف في شمال النرويج: «أنا على اتصال بكثير من الحلفاء. نتفق جميعاً –بالطبع- على ضرورة إعادة فتح المضيق. وما أعرفه هو أن الحلفاء يعملون معاً، ويناقشون كيفية القيام بالأمر، وما هي أفضل طريقة».

وأضاف: «هم يناقشون ذلك جماعياً، لإيجاد طريقة للمضي قدماً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مجموعة من المركبات المدرعة التابعة للجيش النرويجي خلال عرض عسكري في قاعدة باردوفوس الجوية في النرويج يوم 13 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وحث الرئيس الأميركي دونالد ترمب حلفاء بلاده على إرسال سفن حربية، لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الذي تغلقه إيران بشكل شبه كامل منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها. ولكن هذه الدعوة لم تلقَ تجاوباً، وأكدت دول أساسية في الحلف أن «الناتو» غير معني بهذه الحرب.

وأثار ذلك امتعاض الرئيس الأميركي الذي قال، الثلاثاء، إن بلاده لم تعد بحاجة إلى مساعدة لتأمين المضيق، ولكنه ندد بـ«ارتكاب دول (الناتو) خطأ غبياً» من خلال عدم المشاركة.

كما سبق لترمب أن حذَّر من مستقبل «سيئ للغاية» للحلف، في حال عدم التجاوب مع مطلبه بتأمين المضيق.


رفيقة السلاح... هل تصبح كيم جو إي وريثة أبيها كيم جونغ أون؟

TT

رفيقة السلاح... هل تصبح كيم جو إي وريثة أبيها كيم جونغ أون؟

كيم جونغ أون وابنته كيم جو إي يجرّبان مسدّسات في مصنع أسلحة (أ.ب)
كيم جونغ أون وابنته كيم جو إي يجرّبان مسدّسات في مصنع أسلحة (أ.ب)

وكأنها سلاحٌ معلّقٌ على خاصرته، لم يعد كيم جونغ أون يخطو خطوة من دون ابنته كيم جو إي. في أحدث مشاويرهما معاً، رافقت الفتاة والدها إلى اختبار حيّ لإطلاق صواريخ باليستيّة. وكان قد سبق ذلك بأيام مشهدٌ غير مألوف للفتاة البالغة 13 عاماً وهي تُمسك مسدّساً وتُطلق النار بثقةٍ ودقّة، إلى جانب زعيم كوريا الشمالية. حدث ذلك خلال تفقّدهما معاً مصنعاً للذخائر الخفيفة.

من الواضح أن كيم يريد لابنته، رغم صغر سنّها، احتكاكاً مبكراً بالسلاح، فالشهر الماضي كانت الرحلة إلى ميدان رماية برفقة كبار المسؤولين، وقد أطلقوا جميعهم النار، بمن فيهم كيم جو إي، من بنادق أهداها الزعيم الكوري الشمالي لقادة عسكريين تقديراً لخدمتهم.

كيم «هيانغ دو»

اعتادت العيون أن تكون شاخصة إلى كيم جونغ أون، إلا أنّ ابنتَه باتت تشاطرُه الأضواء منذ مدّة. وقد تَضاعف الاهتمام بها مؤخراً بسبب المعلومات التي سرّبتها وكالة الاستخبارات الكوريّة الجنوبية، بأنه يجري تحضيرها لتكون وريثة أبيها.

لكن كيف يحصل ذلك في «إمبراطورية كيم» حيث لا توريث إلا للذكور؟ ثم أليسَ من المبكر الحديث عن توريث في وقتٍ لم تتجاوز فيه كيم جو إي الـ13، وفيما لا يزال والدُها في مطلع الـ40 من العمر؟

كيم جو إي ابنة كيم جونغ أون ورفيقة معظم تحرّكاته في صورة من العام الماضي (رويترز)

ليس من المعروف بعد ما إذا كان الأمر جاداً، أم مجرّد فقاعة إعلامية مثل تلك التي يحبّها كيم. أو ربما بالغت الاستخبارات الكورية الجنوبية في تحليل نوايا خصمِها الأشرس. لكنّ المؤكّد أنّ كيم الصغيرة تتصدّر الصورة في بيونغ يانغ حيث يلقّبها الإعلام بالابنة «المحبوبة» و«الموقّرة»، كما يسمّيها «Hyangdo» أي «شخص عظيم في التوجيه والإرشاد».

تكرّ سبحة التسميات تلك من دون أن يُذكَر للفتاة اسم في الصحافة المحلّية. وإذا كان العالم يعرّف عنها بكيم جو إي، فيعود السبب في ذلك إلى تصريحٍ أدلى به لاعب كرة السلة الأميركي دينيس رودمان لصحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2013؛ «لقد حملت كيم جو إي المولودة حديثاً بين ذراعيّ»، قال رودمان وهو الصديق المقرّب لكيم جونغ أون، غداة زيارته بيونغ يانغ آنذاك.

يرجّح أن تكون كيم جو إي من مواليد عام 2013 (أ.ف.ب)

مستشارة كيم السياسية

أما الآن وقد بلغت الـ13 من العمر إذا كانت حسابات رودمان دقيقة، فإنّ كيم جو إي صارت رفيقة أبيها. كلّما وزّعت وكالة أنباء كوريا الشمالية صوراً جديدةً للزعيم، وجدتها تسير بمحاذاته أو تسبقه بخطوة أحياناً. ومَن سواها يجرؤ على ذلك؟

تتابع استخبارات سيول كاشفةً عن أنّ والدها بدأ يستشيرها في القرارات السياسية. قد يبدو ذلك ضرباً من الخيال، فكيف لفتاةٍ تتأرجح بين الطفولة والمراهقة أن يكون لها رأيٌ في قضايا الصواريخ الباليستيّة، وقرارات السلم والحرب، والتحالفات الإقليمية؟

لكن مَن يراقب مسار دخول كيم جو إي إلى المشهد العام في كوريا الشمالية، سيلاحظ فوراً أنّ والدها وضعها في مقام كبار المستشارين، حتى وإن كان ذلك في الشكل حصراً.

إطلالات كيم... صواريخ باليستيّة ولقاءات رئاسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أطلّت كيم جو إي على العالم للمرة الأولى. لم يكن الحدث الذي اختاره لها الوالد عادياً، فهو اصطحبها معه إلى اختبارٍ لصواريخ طويلة المدى، ماسكاً يدَها وهما يتبادلان الحديث، تفحّصا الصاروخ الباليستيّ ثم شاهداه ينطلق.

كانت كيم جو إي، حينها، على مشارف الـ10 من العمر، وقد رأى المحلّلون في ذلك المشهد ملامح بروباغندا، فقرار كيم أن يكشف عن وجه ابنته أمام العالم جاء وسط تصاعد الصراع بين الكوريتين على خلفية تكثيف إطلاق صواريخ من قِبل الجارة الشمالية. وبإظهار ابنته في هكذا حدث، أراد تعزيز صورته بوصفه أباً للشعب والأمّة، وإبراز ضرورة برامج الأسلحة النووية لأمن الأجيال القادمة.

الإطلالة الأولى لكيم جو إي كانت خلال اختبار صاروخ باليستي عام 2022 (رويترز)

ثم توالت إطلالات الفتاة إلى جانب أبيها، في مناسبات متنوّعة تراوحت ما بين العروض العسكرية والتجارب الصاروخية، مروراً بإطلاق المشروعات السياحية والصناعية، وصولاً إلى الرحلات الرسمية. وفي مطلع 2023، جرى إصدار مجموعة من الطوابع تحمل صورها مع كيم في مناسبتَين عسكريتَين.

وما بين عشاءٍ مع كبار الضبّاط من هنا، واستعراض جحافل الجنود الكوريين الشماليين من هناك، كانت المحطة الأبرز لابنة الـ13 عاماً رحلتها مع والدها إلى الصين في سبتمبر (أيلول) 2025. خلال زيارته إلى بكين، حرص كيم على اصطحاب ابنته إلى معظم الاجتماعات والمآدب الرسمية.

كيم جو إي ترافق والدها في زيارة رسمية إلى الصين عام 2025 (أ.ف.ب)

بعد تلك الزيارة، تزايدت الأحاديث بخصوص احتمال تعيينها وريثة، وقد تعزّزت تلك النظرية عندما انضمّت إلى والدَيها يوم رأس السنة الجديدة في زيارة إلى قصر كومسوسان للشمس في بيونغ يانغ، وهو ضريح يعرض جثتَي جدها وجدّ أبيها المحنّطتين.

زيارة ضريح جدّها وجدّ والدها برفقة كيم جونغ أون وزوجته (رويترز)

كيم تنافس العمّة وسائر أفراد الأسرة

كيم جونغ أون متكتّم جداً حول أفراد أسرته. يُحكى أنّ لديه من زوجته ري سول جو، وهي مغنية سابقة، 3 أولاد. لا يُعرَف من هؤلاء سوى كيم جو إي، التي يُرجَّح أن تكون الابنة الوسطى بين أخٍ أكبر منها وأخٍ أو أختٍ أصغر؛ وذلك دائماً وفق التسريبات التي جمعتها السلطات الكورية الجنوبية.

وتكثر التساؤلات في هذا الإطار عن سبب تفضيل كيم لابنته على شقيقها الأكبر، هذا في حال كان وجوده حقيقياً. ولماذا يخفي ولدَيه الآخرَين عن العيون ويضع كيم جو إي في الواجهة أم أن الفتاة بمثابة حصان طروادة الذي يحمي الشقيق الأكبر تمهيداً لإعلانه لاحقاً الوريث الرسمي؟

تشير المعلومات إلى أنّ لدى كيم ولدَين غير كيم جو إي (رويترز)

يُقال كذلك إنّ كيم الصغيرة تكاد تسحب البساط من تحت قدمَي عمّتها كيم يو جونغ، وهي الشقيقة الصغرى والمفضّلة لدى زعيم كوريا الشمالية. تُعَدّ مستشارته اللصيقة وقد جرت ترقيتها إلى أعلى منصب إداري في الحزب الحاكم خلال مؤتمره الأخير قبل أسابيع.

كيم جونغ أون وشقيقته التي تتولّى منصباً رفيعاً في الحزب الحاكم (أ.ب)

كيم جو إي... طفلة بملابس سيدة ستّينيّة

وحدَها من بين سائر فتيات كوريا الشمالية يُسمح لها بأن تُفرد شعرها في المناسبات والتجمّعات الرسمية. في الـ13 من العمر، لا تشبه كيم جو إي بنات سنّها بل تبدو أكبر منهنّ. غالباً ما تظهر مؤخّراً بالسترة الجلديّة السوداء، في استنساخ لملابس والدها. وفي مناسبات أخرى، هي ترتدي البدلات الرسمية وتضع النظّارات الضخمة الداكنة وتنتعل الكعب العالي، وكأنها استعارت ملابسها من خزانة سيدة تجاوزت الـ60.

ترتدي كيم جو إي ملابس تجعلها تبدو أكبر من سنها (أ.ب)

أما المعلومات الشحيحة المتداولة عنها فتفيد بأنها تتلقّى دروسها في المنزل، كما تهوى ركوب الخيل والتزلّج والسباحة.

إن أُعلنت وريثة لوالدها أم لم تُعلَن، المؤكّد أنّ كيم جو إي ليست فتاةً عادية وهي لا تشبه سائر أطفال كوريا الشمالية إلا في أمرٍ واحد، وهو أنها مثلهم مكرّسة لعبادة الزعيم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الرئيس الكوبي يتعهد بـ«مقاومة منيعة» في ضوء تهديد ترمب

رجل يسير في أحد شوارع هافانا بعيد إعادة التيار الكهربائي للجزيرة (رويترز)
رجل يسير في أحد شوارع هافانا بعيد إعادة التيار الكهربائي للجزيرة (رويترز)
TT

الرئيس الكوبي يتعهد بـ«مقاومة منيعة» في ضوء تهديد ترمب

رجل يسير في أحد شوارع هافانا بعيد إعادة التيار الكهربائي للجزيرة (رويترز)
رجل يسير في أحد شوارع هافانا بعيد إعادة التيار الكهربائي للجزيرة (رويترز)

انتقد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الثلاثاء التهديدات «شبه اليومية» التي يوجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد كوبا، في ظل الحصار النفطي المستمر الذي يُثقل كاهل البلاد.

وكتب دياز كانيل في بيان على إكس «في مواجهة أسوأ السيناريوهات، تملك كوبا ضمانة واحدة: أي معتدٍ خارجي سيواجه مقاومة منيعة».

وكان مسؤولون في قطاع الطاقة قال إن كوبا أعادت توصيل شبكتها الكهربائية أمس الثلاثاء وأعادت تشغيل أكبر محطة لتوليد الطاقة تعمل بالوقود، ما وضع حدا لانقطاع التيار الكهربائي على مستوى البلاد الذي استمر لأكثر من 29 ساعة في ظل حصار أمريكي يهدف إلى قطع إمدادات الوقود عن الجزيرة.

وبعد أن غرق سكان البلاد البالغ عددهم 10 ملايين نسمة في الظلام خلال الليل، عادت شبكة الكهرباء الوطنية للجزيرة الواقعة بمنطقة البحر الكاريبي للعمل بشكل كامل بحلول الساعة 6:11 مساء بالتوقيت المحلي (2211 بتوقيت غرينتش). ومع ذلك، قال المسؤولون إن نقص الكهرباء قد يستمر بسبب عدم توليد ما يكفي من الكهرباء. وبالإضافة إلى قطع مبيعات النفط إلى كوبا، صعد ترمب من تصريحاته المناهضة للجزيرة ذات الحكم الشيوعي، إذ قال يوم الاثنين إن بوسعه فعل أي شيء يريده بها.

ولم تحدد كوبا بعد سبب انقطاع التيار الكهربائي في أنحاء البلاد يوم الاثنين، وهو أول انهيار من هذا النوع منذ أن قطعت الولايات المتحدة إمدادات النفط الفنزويلي عنها وهددت بفرض رسوم جمركية على الدول التي تشحن الوقود إلى هذه الدولة الجزرية.