موظفو البيت الأبيض يعيشون حالة «توجس»

السؤال: من الشخصية التي ستغادر قريباً؟

الرئيس ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض مع رؤساء شركات تعمل في الصلب والألمنيوم (أ.ب)
الرئيس ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض مع رؤساء شركات تعمل في الصلب والألمنيوم (أ.ب)
TT

موظفو البيت الأبيض يعيشون حالة «توجس»

الرئيس ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض مع رؤساء شركات تعمل في الصلب والألمنيوم (أ.ب)
الرئيس ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض مع رؤساء شركات تعمل في الصلب والألمنيوم (أ.ب)

على مدار عام كامل، واجه فريق الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فترته الرئاسية الأولى في البيت الأبيض رياحاً عاتية عصفت بهم تارة، وعاودت الهدوء عن اجتياحهم تارة أخرى. وفي كلتا الحالتين، فإن وسائل الإعلام والصحف الأميركية كانت سيد الموقف، بل يعتبرها البعض المسبب الرئيسي في تلك العواصف. وخلال الـ12 شهراً الأولى في الفترة الرئاسية، غادر البيت الأبيض 15 شخصاً من مختلف المناصب، من مدير وكبير الموظفين دينيس بربايوس، وصولاً إلى ديفيد سورنسن كاتب الخطابات الرسمية، وأخيراً هوب هيكس مديرة الاتصالات السابقة. كما زادت التكهنات أخيراً حول احتمالية مغادرة هيربرت مكماستر مستشار الرئيس للأمن القومي البيت الأبيض، ليبقى السؤال الشائع: من الشخصية القادمة التي ستلحقها العاصفة وتخرج من القاطرة الرئاسية؟
حالة «الفوضى» التي يمر بها البيت الأبيض، كما وصفتها بعض وسائل الإعلام الأميركية، مثل شبكة «سي إن إن»، زادت من وتيرة الشائعات والأخبار بين أفراد الفريق الرئاسي، إذ أفادت بعض المواقع الإلكترونية أن احتمالية خروج هيربرت مكماستر مستشار الرئيس للأمن القومي، أو دونالد ماكغين المستشار الاقتصادي، من البيت الأبيض واردة بشكل كبير. وبعد أن أعفى الرئيس ترمب رينس بريبوس، واستبدل به جون كيلي، في يوليو (تموز) الماضي، حاول الجنرال المتقاعد فرض المزيد من الصرامة على عمل الموظفين في البيت الأبيض، بيد أنه لم ير أي فائدة بالنسبة لأولئك الذين رأوا أنهم متمسكون بموقفهم رافضين التغيير، أو كما يصفهم البعض بالمشاغبين، مثل أنتوني سكاراموتشي وستيف بانون، فكان مصيرهم الخروج فوراً من البيت الأبيض. ولكن عندما يتعلق الأمر بجاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس، الذي كان لديه مميزات لا حدود لها على ما يبدو، اتخذ كيلي مساراً مختلفاً معه، إذ قلّص من أعماله وصلاحياته، ولم يطرده أو زوجته من حول الرئيس، كبقية المغادرين من قبل. على العكس، قلّص من صلاحياتهم، وسمح لهم بمواصلة أعمالهم ومناصبهم في البيت الأبيض.
وفي حين يسعى البيت الأبيض لتخطي مصاعبه، يواجه جاريد كوشنر اتهامات جديدة حول تعاملاته المالية مع حكومات أجنبية. كما أعلن الكونغرس عن إجراء تحقيق في التصاريح الأمنية الممنوحة لموظفي البيت الأبيض. وحصل هذا الأمر بعد أن أقر كيلي بأن تعامل إدارة ترمب خلال الفترة السابقة مع المعلومات المصنفة سرية وحساسة لم يكن بالمستوى المطلوب، وأن ما بين 35 و40 من موظفي البيت الأبيض يملكون تصاريح للاطلاع على وثائق بالغة السرية، دون أن يكونوا بحاجة إلى ذلك.
وقال: «فيما يتعلق بالتعاطي مع المستندات السرية»، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، فإن البيت الأبيض «لم يكن بالمستوى الذي اختبرته»، وأضاف: «لا شيء غير قانوني»، مستطرداً: «لكنه لم يكن بالمستوى المطلوب». وبين وابل الفضائح هذه، ورئيس غاضب جاهز للخروج عن النص، فإن السؤال الأكثر تداولاً في واشنطن، وفي دوائر البيت الأبيض، هو: «إلى متى سيستمر ذلك؟».
وردّت سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، من خلال قناة «فوكس نيوز»، على الأصوات التي تصف حالة البيت الأبيض بالفوضى، أمس، قائلة إن ذلك يعد نضوجاً ونجاحاً، على عكس ما يثار.
ويقول مات غلاسمان، الكاتب السياسي الأميركي، في إحدى مقالاته في صحيفة «نيويورك تايمز»، إن سوء إدارة البيت الأبيض، وسمعة بعض الموظفين المهنية السيئة، كانت مثار جدل كبير صاحب كل الرؤساء السابقين، إلا أن الفارق بينهم وبين الرئيس ترمب هو أن الأخير واجه كل تلك المشكلات خلال العام الأول من فترته الرئاسية الأولى، مرجعاً ذلك إلى صعوبة التكيف مع متطلبات السلطة في البيت الأبيض، والمجتمع السياسي في واشنطن.
وأشار غلاسمان إلى أن بعض الرؤساء السابقين لم يسلموا أبداً من البداية الكارثية، مثل الرئيس جيمي كارتر، إلا أنه من حسن حظ ترمب وجود الجنرال جون كيلي إلى جانبه، الذي نجح في وقف تدفق المعلومات، وإزالة كل من يُعتقد أنهم سبب في وصول التسريبات إلى وسائل الإعلام، وأضاف: «ما هو مهم ليس أن ترمب غاضب، أو يعتقد أنه لا يتلقى الخدمة الممتازة من قبل الموظفين، بل ما هو مختلف هذه المرة هو أن 3 ممن يثق بهم ابنته إيفانكا، وصهره جاريد كوشنر، ومساعدته لشؤون الاتصالات والتواصل هوب هيكس، واجهوا انتقادات حادة خلال هذا الأسبوع، إضافة إلى المشكلات التي وضعتهم في مواقف ضعيفة، وأجبرت هيكس على مغادرة البيت الأبيض؛ الأكيد أن هذا يؤثر على أداء الرئيس ترمب ومن حوله».
كل ذلك يعني أن ترمب يواجه مرحلة صعبة، ومن أخطر المراحل والمشكلات في رئاسته، إذ جعلته يرى كل من يثق فيهم من حوله يتساقطون تباعاً، إضافة إلى مواجهة التحقيقات في التدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية، التي أطاحت برئيس حملته ومساعده، وتقترب نوعاً ما إلى المكتب البيضاوي يوماً بعد يوم.
ومن جانب آخر، تسببت تصريحات مفاجئة لترمب، تنذر بحرب تجارية عالمية، ومطالبته بوضع ضوابط على الحق الدستوري الذي يجيز حيازة أسلحة، بانشقاقات بين الرئيس المتقلب الرأي ومؤيديه الجمهوريين، وبمضاربات سريعة في الأسواق المالية، كما دفعت أطرافاً عدة إلى التهديد بفرض عقوبات انتقامية على واشنطن.
وكتب ترمب على «تويتر» الجمعة: «عندما تخسر دولة (الولايات المتحدة) مليارات الدولارات في التجارة مع كل دولة تتعامل معها فعلياً، فإن الحروب التجارية تصبح جيدة وسهلة الربح».
وجاءت تغريدات ترمب بعد ساعات على تسديده ضربة للجمهوريين، باقتراحه رفع السن القانونية لحيازة السلاح، وتشديد إجراءات التدقيق في خلفية مالكي الأسلحة، ومصادرة بعض الأسلحة دون الرجوع للقانون. وحرص الجمهوريون على إبداء تساهل كبير مع خطاب ترمب، لكن «بدعة» الأسلحة تخطت الحدود بالنسبة لكثيرين. وقال السيناتور الجمهوري بن ساس، كما جاء في تقرير الصحافة الفرنسية: «القادة الأقوياء لا يوافقون بشكل تلقائي مع آخر شيء يقال لهم».
والخميس، اضطر ترمب نفسه للخروج من الورطة إلى استقبال ممثلين عن الجمعية الوطنية للبنادق، مجموعة الضغط القوية، ووصف اجتماعه بهم بـ«الجيد والرائع». وتقول مصادر إن ترمب دعا السيناتور الجمهوري جون كورنين، الذي يقف وراء القانون المؤيد لحيازة الأسلحة، إلى التحرك، فيما سعى مساعدو ترمب إلى التراجع عن تصريحاته.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended