فهد بن سعود الدغيثر.. نموذج فريد في الانضباط ومدرسة مستقلة في الإدارة

لا يذكر معهد الإدارة العامة في السعودية إلا ويظهر اسمه.. و«فكر» كلمة السر في عمله

فهد الدغيثر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط
فهد الدغيثر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط
TT

فهد بن سعود الدغيثر.. نموذج فريد في الانضباط ومدرسة مستقلة في الإدارة

فهد الدغيثر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط
فهد الدغيثر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط

في عام 1965م أصدر مجلس الوزراء السعودي برئاسة نائب رئيس المجلس آنذاك الأمير (الملك) خالد بن عبد العزيز قرارا يقضي بتعيين الأستاذ فهد بن سعود الدغيثر مديرا عاما لمعهد الإدارة العامة، خلفا للأستاذ محمد أبا الخيل، الذي تعين وكيلا لوزارة المالية والاقتصاد الوطني، بعد أن أدار المعهد طيلة ثلاثة أعوام ونصف العام، شهدت بدايات التأسيس ووضع الأسس العامة للمعهد. هذه الثقة التي نالها الدغيثر جعلته يواصل عمله الإداري الذي تميز به وعرف عنه، وليضع بصمة لا يمحوها الزمن في التاريخ الإداري السعودي بقطاعيه العام والخاص، إذ أدار بجدارة وفي وقت مبكر من عمره مصلحة الإحصاءات العامة، ثم معهد الإدارة العامة مدة 14 عاما، وتولى الإشراف على مصلحة الجمارك ونقلها نقلة إدارية شهد له بها الجميع.

في القطاع الخاص، أدار الدغيثر بكل همة واقتدار الشركة العقارية السعودية، التي ولدت في حضنه وترعرعت على يديه في فترة الطفرة الأولى، والتي قدمت لمدينة الرياض نماذج راقية ومشرفة بمشاريعها الإسكانية والتجارية، مما سيأتي تناوله في هذه السيرة، التي تطرحها «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الرجل الإداري الكبير، الذي خسره وطنه إداريا فذا في حياته، قبل أن يخسره برحيله الأخير إلى جوار ربه.

* المولد والنشأة

* ولد فهد الدغيثر في حي «الشرقية» أحد الأحياء التي كانت تشكل الرياض القديمة، وذلك في عام 1936م. وهو ينتمي إلى عائلة كبيرة وعريقة ذات تاريخ وشأن في أحداث منطقة العارض وما جاورها منذ ثلاثة قرون. وكان جده عبد الله أحد قادة الدولة السعودية الثالثة ومن الرجال المقاتلين الذين شاركوا الملك عبد العزيز ملحمة التأسيس والتوحيد والبناء، فقد شارك في عدة معارك، من أهمها «البكيرية»، وتوفي عام 1955م ودفن بجوار الملك عبد العزيز، في مقبرة العود.
وكان والده سعود الدغيثر وجيها من وجهاء مدينة الرياض ومن الجلساء المقربين للأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز، وكان نائب رئيس المجلس البلدي في أول تشكيل له، وقد اهتم سعود الدغيثر بأبنائه وحرص على تعليمهم وتأهيلهم لما فيه خدمة الوطن، وسيرة فهد ومنجزاته وأعماله تعكس هذا الاهتمام، حيث أدخله والده بدءا في معهد أنجال ولي العهد، ثم بعث به إلى مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة، وكانت مقصدا لطالب العلم الذي كان يرغب في مواصلة تعليمه في الآداب والعلوم الشرعية، لكن فهد لم يَرُق له المقام في هذه المدرسة، فكان طموحه أن يتعلم اللغة الإنجليزية وأن يدرس العلوم الطبيعية، لذلك حزم أمره وصمم على مغادرة دار التوحيد بعد أن أمضى فيها شهورا، وتوجه إلى لبنان، الساحرة حينذاك، التي تضم في سهولها وجبالها عددا من الطلاب السعوديين، ممن يدرسون الطب والهندسة والسياسة والإدارة والاجتماع وغيرها من تخصصات لم تكن موجودة في بلادهم السعودية. انضم فهد الدغيثر فور وصوله إلى لبنان إلى المدرسة المتوسطة والثانوية التابعة للجامعة الأميركية في بيروت. ويذكر زميله في الدراسة الأستاذ تركي الخالد السديري أن فهدا كان جادا في دراسته، ولم يكن يلعب معهم كرة القدم، كان فقط يشتري الصحف والمجلات ويقرأها بنهم شديد.
بعد أن تخرج في الثانوية التابعة للجامعة الأميركية في بيروت عام 1951م قرر أن يواصل دراسته الجامعية في الجامعة الأميركية في القاهرة وليس بيروت، كأنما أراد أن يتنفس هواء الحرية في بيروت ويستنشق عبيرها في مرحلة الشباب الباكر، وأن يظفر بما بقي من مجتمع الثقافة والآداب والفنون في القاهرة قبل أن ينحسر مجده، ذاك حينما كانت القاهرة تعيش أعز وأرقى فتراتها ليبرالية وتنويرا وإشعاعا حضاريا.
وصل فهد الدغيثر إلى القاهرة وانتظم في الجامعة الأميركية متخصصا في الاقتصاد، وقد نال الشهادة في عام 1955م وخلال سنوات دراسته الجامعية عايش في القاهرة وشاهد مسرحها الثقافي العربي الكبير، الذي اتسع لكل آمال المهاجرين وقاصديها من طلبة ودارسين، فكان لتعليمه الأولي في لبنان ودراسته الجامعية في القاهرة الأثر الكبير في تكوين شخصيته، بما عرف عنها لاحقا من صرامة وجدية، وحزم وعزم في العمل الإداري، مع روح شابة مرحة رافقته طيلة المسيرة، وتواضع جم كبير، لا يدركه إلا من تعامل معه عن قرب.
بعد عودته من القاهرة توجه فهد الدغيثر إلى العمل في مؤسسة النقد العربي السعودي بوظيفة «باحث اقتصادي» وفي المؤسسة المصرفية الكبرى، تعرف على طبيعة العمل الإداري والمالي، وما يواجهه من تحديات وما يتطلبه من تحديث وتطوير في أنظمته. ولا شك أنه حقق نجاحات في مؤسسة النقد جعلت الشيخ عبد الله بن عدوان وزير الدولة للشؤون المالية والاقتصاد الوطني، يصدر قرارا بتاريخ 18 - 5 - 1380هـ (1960م) بنقل خدمات الموظف فهد الدغيثر، الذي يعمل في المرتبة الرابعة في مؤسسة النقد إلى الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية في وزارة المالية والاقتصاد الوطني بالمرتبة ذاتها، وبراتب شهري قدره ألف ومائتا ريال. في هذا الموقع الإداري الجديد، وضع فهد الدغيثر أولى خطواته للمساهمة الإدارية الوطنية الفذة، حينما أسندت إليه إدارة الدراسات الاقتصادية في وزارة المالية والاقتصاد الوطني، ثم بعد عامين أصبح مديرا عاما لمصلحة الإحصاءات العامة وهو في الـ27 من عمره، وفي هذه المصلحة قام الدغيثر بعمل أول تعداد للسعوديين والمقيمين، غير أن هذا الإحصاء المبكر لم يفصح عنه، بل بقي رقما خاصا لدى المصلحة، وكان السبب في عدم الإفصاح عنه هو ما أظهرته الأرقام من قلة عدد السكان حينذاك!

* إلى معهد الإدارة

* بعد أن أسس الدغيثر مصلحة الإحصاءات العامة ووضع أسسها وأنظمتها، ومارست دورها في إجراء أول تعدد سكاني تحت إشرافه، ودع هذه المصلحة إلى معهد الإدارة العامة للعمل مساعدا للمدير العام الشيخ محمد أبا الخيل، وذلك في عام 1964م لأشهر معدودات، ليصبح بعدها وفي السنة ذاتها مديرا عاما لمعهد الإدارة العامة ولمدة 14 عاما، ارتبط المعهد باسمه واقترن به حتى بعد أن غادره، إذ لا يذكر المعهد اليوم إلا ويذكر الدغيثر، فهو المؤسس الثاني للمعهد وباني أنظمته، ومؤسس مكتبته الشامخة، الفريدة والمتميزة في العالم العربي.
جاء تأسيس معهد الإدارة العامة استجابة لتوصيات شركة «فورد» الأميركية التي استقدمتها الحكومة السعودية لدراسة الوضع الإداري المتدني، وتقديم الحلول الممكنة في الإصلاح الإداري والمالي وتطوير القوى العاملة في الدولة، فكان ثمة توصيات مهمة في هذا الجانب منها إنشاء المعهد ومشروع إنشاء أجهزة حكومية خارج عباءة البيروقراطية وغيرها. وقد أصدر الملك سعود عام 1960م مرسوما ملكيا بالموافقة على نظام المعهد، الذي من أبرز مهامه رفع كفاية موظفي القطاع العام وتدريبهم، والمساهمة في التنظيم الإداري للحكومة وإجراء البحوث الإدارية وغيرها. وقد ربط المعهد ماليا وتنظيميا بوزارة المالية والاقتصاد الوطني، وكان من حسن حظ المعهد وحظ مديره العام أن تولى رئاسة المجلس لمدة 13 عاما الأمير مساعد بن عبد الرحمن، وزير المالية والاقتصاد الوطني، والمدرسة الإدارية الفذة والمؤسس الأول والحقيقي لمعهد الإدارة العامة والحاضن والداعم للمواهب والكفايات الإدارية السعودية، فكان وجوده على رأس مجلس الإدارة خير داعم للمدير العام كي ينطلق نحو تنفيذ وتحقيق الأهداف العامة للمعهد دون أي عوائق، وهذا ما وجده محمد أبا الخيل ثم فهد الدغيثر في سنواته التي قضاها مديرا عاما للمعهد، حيث شهد المعهد في فترة إدارة فهد الدغيثر توسعا كبيرا وتنظيما جديدا نتيجة لتنوع البرامج التي جرى استحداثها والإدارات التي جرى إنشاؤها، فقد استُحدثت إدارة مستقلة لمكتبة المعهد وإدارة خاصة بمركز الوثائق كما جرى تأسيس مركز اللغة الإنجليزية ومركز البحوث والاستشارات الإدارية، الذي يمد خدماته واستشاراته ليس للجهات الحكومية السعودية فحسب، بل إلى عدد من دول الخليج وكثير من المنظمات العربية والإسلامية. كما جرى في عهد الدغيثر استحداث إدارة البرامج الإعدادية وإدارة البرامج العليا ومركز الوسائل السمع بصرية. كما جرى إنشاء برنامج خاص في المعهد يقدم دورة مكثفة في الأنظمة السعودية، مدته سنتان لخريجي كليات الشريعة، بحيث يتمكنون من العمل بعد البرنامج مستشارين قانونيين في الوزارات. يقول غازي القصيبي: «طلب مني الصديق الأستاذ فهد الدغيثر أن أشرف على هذا البرنامج. كانت المهمة تحديا مثيرا إلى أبعد الحدود، وقد أعطاني فهد كل الصلاحيات المطلوبة ووقف معي في كل خطوة من الطريق. وضعت مفردات المنهج بالتشاور مع عدد من المختصين، واتفقت مع بعض الزملاء السعوديين على التدريس فيه. سافرت إلى القاهرة للتعاقد مع أساتذة جامعيين مصريين. كان البرنامج يقتصر على تدريس الأنظمة السعودية المطبقة في البلاد، ولم تكن له أي علاقة بقوانين أجنبية غير إسلامية، إلا أن بعض الأخوة الكرام المشتغلين بالعلوم الشرعية لم يتمكنوا من فهم طبيعة البرنامج وتصوّروه مقدمة لتطبيق القوانين الأجنبية الوضعية في المملكة. كنت خلال الإعداد للبرنامج قد اجتمعت بعدد من هؤلاء الإخوة، ولاحظت هذا القلق، وتحدثت عن البرنامج بإسهاب، وتصورت أنني نجحت في إزالة مخاوفهم. حقيقة الأمر أنني لم أنجح في هذا المسعى». ورغم أن غازي القصيبي لم ينجح في مسعاه، فإن البرنامج أخذ طريقه بفضل جهود الدغيثر، الذي لم يتراجع ولم يتضعضع له كاهل أمام تلك المطالبات والنداءات التي شوهت صورة البرنامج وعملت جهدها على إيقافه. واليوم، فإن أغلب المستشارين القانونيين في وزارات الدولة هم من خريجي هذا البرنامج، الذي أسسه الدغيثر قبل تأسيس قسم القانون في جامعة الملك سعود بسنوات، فكان أن سد البرنامج فراغا كبيرا في قطاع الاستشارات القانونية والمحاماة في أجهزة الدولة المختلفة. كما اهتم الدغيثر ببرنامج الابتعاث لموظفي ومدربي المعهد، حتى إنه في سنة من السنوات كان عدد المبتعثين من معهد الإدارة يفوق عددهم ممن ابتعثتهم وزارة المعارف، حينما كانت هي المسؤولة عن الابتعاث.
كان فهد الدغيثر حازما وحاسما في إدارته للمعهد، يأتي للمعهد في ساعة مبكرة جدا، وكان يسبق موظفي المعهد في الحضور، ليبدأ بتفقد قاعات التدريب بنفسه ثم يزور الموظفين وأعضاء هيئة التدريب في مكاتبهم، ويكتب لكل موظف غير موجود في مكتبه ورقة صغيرة: «صباح الخير.. فهد الدغيثر»، وينصرف! ويذكر الدكتور هلال العسكر، أحد أعضاء هيئة التدريب في المعهد، أنه حضر ذات يوم إلى المعهد مبكرا وقبل بدء الدوام بساعة، فوجئ بأن مدير عام المعهد في حديقة المعهد يقلم أشجارها! فسأله: أنت يا صاحب المعالي من يقلم الأشجار؟ أين العمال؟ فرد عليه: كلنا عمال! فباشر الدكتور هلال العمل معه من الساعة السادسة والنصف إلى السابعة والنصف، موعد بدء الدوام!
كان الدغيثر عمليا إلى أبعد حد، لا تستهويه المظاهر، ولا يحبذ لبس المشالح، لذلك كان كثيرا ما يكون في مكتبه أو في اجتماعاته أو في جولاته الصباحية حاسر الرأس، وقد فوجئ الشاب إبراهيم المنيف حينما تقدم إلى مكتب المدير العام طالبا وظيفة في منتصف الستينات ووجد الدغيثر من دون غترة أو عقال. يقول المنيف: «هذه ظاهرة أراها لأول مرة لمدير عام مسؤول دون غترة وعقال! لا شك أنه أبهرني بلطفه وأسئلته الذكية عن تمكني من اللغة الإنجليزية. أذهلني تواضعه وسرعته في اتخاذ القرار الذي قدمه باتصاله مع مدير عام الشؤون المالية والإدارية صالح العمير، الذي وجهني إلى مدير شؤون الموظفين محمد الطويل، وفي اليوم نفسه توجهت لإجراء الفحص الطبي في مستشفى الشميسي».
وذات مرة في أواخر الستينات كان فهد الدغيثر يرأس اجتماعا في المعهد، وكان كعادته حاسر الرأس، وإذا بسكرتيره يخبره همسا بأن الأمير نايف بن عبد العزيز قدم إلى المعهد في زيارة خاصة، ولم يكن الأمير نايف وقتها قد تعين نائبا لوزير الداخلية، فما كان من فهد الدغيثر إلا أن نزل مسرعا ليستقبل ضيفه الذي قدم دون موعد مسبق، فاستقبل الدغيثر الأمير نايف دون غترة وعقال! واعتذر له بأنه كان في اجتماع لإدارة المعهد، فقال له الأمير نايف إنني جئت لزيارتكم نظرا لما سمعته عن المعهد من تميز في برامجه، وإنني أرغب الانضمام إلى برنامج اللغة الإنجليزية، فأخذه الدغيثر إلى مدير برنامج اللغة الإنجليزية، الذي شرح له البرنامج ومدة كل دورة، فعرض الأمير نايف على الدغيثر الانصراف إلى عمله إن أراد، فانصرف الدغيثر ليواصل اجتماعه.
لذلك كان المعهد طيلة وجود الدغيثر نموذجا فريدا في الانضباط. كانت فلسفته الإدارية أنه لكي تضبط حضور موظفيك، عليك أن تحضر مبكرا وتخرج بعدهم! يقول الدكتور المنيف عن تلك المرحلة: «أعتقد جازما أنه لم يأتِ قائد إداري مماثل له، من حيث قدراته الإدارية المميزة، التي أسست جذورا في معهد الإدارة العامة في التركيز الشديد على الوقت والالتزام به بشكل لافت، فالحضور والدوام وبدء المحاضرة يكون بالدقيقة، ودون تأخر لأي أستاذ أو طالب مهما كانت الظروف. هذه ظاهرة أسسها فهد الدغيثر وبقيت من بعده، واستدامت بكل تجذر دون منازع».
كان معهد الإدارة العامة في عهد فهد الدغيثر أول جهة حكومية تطبق نظام المكاتب المفتوحة في أغلب إداراته، خاصة المكتبة. يقول الدكتور المنيف، الذي تولى إدارة مكتبة المعهد: «ساهمت سيدة فاضلة أميركية شابة تحمل الماجستير في علم المكتبات وزوجة أحد الخبراء الاقتصاديين من لبنان، بوزارة المالية آنذاك، بالعمل معي في المكتبة المفتوحة دون سواتر أو قواطع، وضمن فريق العمل. كانت هذه السيدة تحضر يوميا إلى مكتبة المعهد بملابسها العادية وفستانها القصير، وتعمل معنا أنا وزملائي أحمد المعجل وعبد الله العوهلي ومصطفى السدحان وعبد الرحمن الجويرة، بمكاتبنا المفتوحة أمام جميع مرتادي المكتبة، الذين كان عدد كبير منهم من العاملين في المعاهد الدينية العليا. أتذكر جيدا أن أحد كبار المديرين وأصبح وكيلا لوزارة العدل لاحقا ممن كان ببرنامج اللغة الإنجليزية، والإدارة المتوسطة بوظيفة مدير عام، يتردد يوميا على المكتبة حينذاك، لم يقل شيئا ولم أسمع منه أو من غيره أي ملاحظة أو تعليق على وجود هذه السيدة معنا».
من الإسهامات المهمة لفهد الدغيثر في معهد الإدارة بناء وتأسيس مكتبة المعهد وتزويدها بكل المراجع الخاصة في الاقتصاد وعلم الإدارة باللغتين، العربية والإنجليزية، حتى غدت المكتبة فريدة من نوعها في العالم العربي، ومعلمة ثقافية في مدينة الرياض يزورها ضيوف الدولة من سياسيين وغيرهم، وقد تعرضت المكتبة لهجوم عنيف من عدد من المتشددين في منتصف السبعينات بوصفها تضم كتبا شيوعية وقد شكلت لجنة أبطلت تلك الادعاءات.
وطيلة عمل الدغيثر في إدارة المعهد كان يضع على مكتبة لوحة مكتوب عليها كلمة واحدة فقط، هي: «فكر»! وبإجمال فإن المحامي محمد الهوشان يوجز دور معهد الإدارة ودور قائده الدغيثر، بقوله: «ما كان للإدارة الحكومية أن تصل إلى ما وصلت إليه من تطور، لولا هذا المعهد العتيد، الذي أرسى قواعده الفقيد».

* في الجمارك أيضا

* أثناء انهماك فهد الدغيثر في عمله في معهد الإدارة العامة وفي ذروة إنتاجه وعطائه، خاصة بعد أن تحسنت موارد الدولة في مطلع السبعينات الميلادية، وزادت ميزانية المعهد عما كانت عليه من قبل، كلفه الأمير مساعد بن عبد الرحمن وزير المالية والاقتصاد الوطني بالعمل مشرفا عاما على مصلحة الجمارك العامة، إضافة إلى عمله مديرا عاما لمعهد الإدارة العامة، وذلك نتيجة لما كانت تشهده مصلحة الجمارك من مشكلات مالية وإدارية تفاقمت عبر السنين، فلم يجد الأمير مساعد بدا من تكليف الدغيثر، الذي نهض بالمعهد وأوقفه على قدميه صرحا إداريا، فقبل الدغيثر التحدي الكبير وتوجه إلى مصلحة الجمارك العامة، محملا بخبرته الإدارية الكبيرة وبحزمه وعزمه وصرامته المعهودة وعدم مجاملته لأي أحد، مهما كان، على حساب العمل والنظام.
في فترة زمنية وجيزة نهضت مصلحة الجمارك العامة من سباتها، وانحلت مشاكلها المالية والإدارية، وأصبحت نموذجا من نماذج الإدارات الحكومية المميزة، حيث أعاد الدغيثر هيكلتها وأرسى فيها قواعد وأنظمة للعمل الإداري المنظم، ولم يستثن أحدا من نظام الجمارك طيلة عمله مشرفا عليها.

* إلى القطاع الخاص

* مع كل هذه الإنجازات الإدارية الفذة التي برع فيها الدغيثر على مدى 20 عاما من العمل الحكومي، ورغم تفانيه ووطنيه التي شهد له بها الجميع، إلا أنه آثر الخروج من العمل الحكومي برغبته واختياره، رغم إلحاح الكثيرين عليه من أصدقاء وزملاء، ورغم ما يمثله خروجه من خسارة كبرى في الإدارة السعودية، الذي كان هو أحد بناتها ومرسيي دعائمها، ورغم أنه عرض عليه - كما يقول أصدقاؤه - العمل وزيرا للصحة، إلا أنه قد عزم أمره بالرحيل، فكان له ذلك في عام 1978م.
ويعلل الأستاذ تركي الخالد السديري سبب خروج الدغيثر من العمل الحكومي بأنه نتيجة للتحولات التي طرأت على المشهد المحلي، من الناحية الإدارية والمالية، حيث جرى في عام 1975م تشكيل مجلس وزراء جديد خرج منه الأمير مساعد بن عبد الرحمن وزير المالية والاقتصاد الوطني، والذراع اليمنى للملك فيصل بن عبد العزيز في تنفيذ مشروع الإصلاح الإداري، إضافة إلى الصعود الكبير في أسعار النفط، وبالتالي الارتفاع غير المعهود في واردات الميزانية، وكان لهذه التحولات أثر سلبي على مسيرة برنامج الإصلاح الإداري، إذ بحكم الوفرة المالية أصبح التركيز يجري على الجانب الكمي على حساب النوعية.
يقول الأستاذ تركي الخالد السديري: «أهملت في هذا المضمار البدائل التنظيمية الأفضل لتنفيذ تلك المشاريع، وخاصة ما له صلة بحسن الأداء في غالبية ما كان يبذل من أنشطة إدارية وفنية ذات الصلة بما يدور ضمنها بتلك المرحلة»، حيث أخذ برنامج الإصلاح الإداري في التراجع بصورة تدريجية، وجرى الاستغناء عن خبراء مؤسسة «فورد». يضيف السديري قائلا: «تابع الأخ فهد عن كثب هذه التحولات بحكم صلته الوثيقة بالبرنامج وما كان يمكن أن يحققه في مراحل أخرى مقبلة، لو استمر على ذات المنوال، وفي ضوء ذلك اختار الأخ فهد النأي بنفسه نهائيا عن مسؤوليات العمل الرسمي عندما طلب إحالته للتقاعد».
ورغم أنه تقاعد وغادر العمل الحكومي، فإنه أرسى دعائم مؤسسة إدارية فريدة، كان لها طلابها المخلصون، الذين تأثروا به واقتفوا أثره، منهم على سبيل المثال مطلب النفيسة ومحمد الطويل وصالح العمير وعبد الرحمن أبو حيمد وحمد الرشودي ومنصور عبد الغفار وحمد الشاوي وعبد الرحمن الشقاوي، وغيرهم ممن تسنموا مناصب إدارية قيادية عالية في الإدارة السعودية.
وكانت الحكومة السعودية قد أسست الشركة العقارية السعودية في عام 1976م، وقد أصدر ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك الأمير (الملك) فهد بن عبد العزيز قرارا بتعيين الأستاذ فهد الدغيثر رئيسا لمجلس إدارة الشركة ورئيسا تنفيذيا لها. ومن أبرز أهدافها تملك الأراضي وتطويرها وإقامة المباني السكنية والتجارية وشراء وإنتاج المواد والمعدات اللازمة للبناء وبيعها وتأجيرها. وجرى طرح عدد من أسهمها في السوق المالية، وقد مكث الدغيثر عشرة أعوام في هذه الشركة حققت خلالها كثيرا من المنجزات والقفزات المتتالية، ومن أبرز المشاريع التي وقف الدغيثر عليها بنفسه وأشرف على قيامها مشروع عقارية الستين، وكذلك مشروع بناء 1500 وحدة سكنية في العليا مع مشروع عقارية العليا رقم 1 وعقارية العليا رقم 2. كما جرى تنفيذ عقارية الستين الثانية، وتنفيذ عدد من الوحدات السكنية في حي السفارات، وكذلك مشروع شارع الضباب، وغيرها من مشاريع.
وفي منتصف الثمانينات، قرر الدغيثر أن يتفرغ لنفسه ولأبنائه، فغادر الشركة العقارية بعد أن بناها بنفسه وتعهدها بالرعاية والاهتمام، وظل حتى انتقاله إلى جوار ربه (صيف 2012م) موئلا ومقصدا لأصدقائه ومحبيه والمعجبين به يستقبلهم في منزله في حي النموذجية، وانهمك في القراءة المتنوعة، ويحتفظ بمكتبة منزلية قل نظيرها. وطيلة مسيرته تزوج مرتين؛ الأولى مضاوي الدغيثر، وبعد فراق تزوج الجوهرة آل الشيخ، وأنجب من الأبناء والبنات زياد وعماد وفؤاد وسعود وبدر وعبد الله ونوف وفدوى. وقد درس جميع أبنائه في الجامعات الغربية على نفقته الخاصة رافضا ابتعاثهم على نفقة الحكومة كي لا يأخذوا مقاعد هناك من الشباب السعوديين هناك من يستحقها أكثر منهم! وحينما كان ابنه زياد يدرس في أميركا مطلع الثمانينات تعرف إلى شاب سعودي يدرس على حسابه الخاص، فرغب هذا الشاب من زياد أن يطلب من والده أن يسعى له بإلحاقه بالبعثة السعودية، فجرى له ذلك خلال أقل من أسبوع! واليوم ورغم ضخامة برنامج الملك عبد الله للابتعاث، إلا أنه ابنه عبد الله يدرس في جامعة جنوب كاليفورنيا على نفقة والده، للسبب ذاته، وهو أن لا يأخذ مقعدا هناك من هو هناك أولى منه به!
إن سيرة ومسيرة فهد الدغيثر يختصرها صديقه أمير نجران الأسبق الأستاذ فهد الخالد السديري بقوله: «كان عملاقا في نزاهته، متمكنا في حسن إدارته، ضالعا في الخبرة والموهبة الاقتصادية، وكلما تذكرت إنسانيته ووفاءه وكرمه زادت الحسرة عليه».



واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.