الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

مسؤولون يروون قصة استيلاء الميليشيات على الأراضي والشركات والاستثمار في لبنان ودول غربية

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر
TT

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

كان 2003 علامة فارقة في مسيرة الميليشيات الحوثية، إذ شهد ذلك العام تردد السفير الإيراني لدى اليمن إلى محافظة صعدة، ولقائه قيادات ما يعرف بـ«أنصار الله»، وإعطاء طهران الميليشيات إشارة البدء بالانتشار والتوسع الاقتصادي في محافظة صعدة تنفيذاً لمخططهم، ثم التمدد تدريجياً بعد أن حصلوا على أموال من دولتين، إحداهما عربية، حسبما أفاد به مسؤولون يمنيون لـ«الشرق الأوسط».
وبعد عام واحد من ذلك التاريخ، سرعت الميليشيات من تنفيذ ما أوعز لها، فبدأت بتنفيذ مراكز وشراء أراضي بشكل واسع في المدينة. وفي ذلك العام، لم تكن إيران الممول الوحيد للحوثيين، بل كانت هناك دول أخرى، منها قطر، أرسلت أموالاً على شكل «معدات مختلفة»، سلمت إلى قيادات الحوثيين في إطار ما يعرف بـ«غسل الأموال».
هذا التحرك، في ظل الأوضاع الاقتصادية التي كان يعيشها اليمن عام 2004، أسهم بشكل مباشر في توسع الحوثيين ونمو اقتصادهم، عبر شراء الأراضي بمساحات مختلفة وشاسعة، ثم إنشاء مؤسسات عبر موالين لهم في محافظات متعددة، خصوصاً في المناطق الساحلية، حتى يتسنى لهم نقل ما يصلهم من بضائع ومعدات عسكرية إلى مسقط رأسهم في صعدة.
ونظراً للوسائل التي اتبعتها الدول الممولة للحوثيين، لا توجد إحصائيات رسمية بعد مرور 14 عاماً عن المبالغ التي تسلمتها قيادات الميليشيات، أو التي استولت عليها بعد العملية الانقلابية في اليمن، إلا أن تقديرات مسؤولين يمنيين تشير إلى أنها تتجاوز مليارات الدولارات في القطاعين العام والخاص، إذ سيطرت على شركات نفط يتجاوز دخلها السنوي ملايين الدولارات، وهو ما مكن الميليشيات، بدعم من طهران، من الاستثمار خارجياً، وتحديداً في لبنان وعدد من الدول الغربية.

- بداية الطريق مع السفير الإيراني
وقال هادي طرشان، محافظ صعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن صعدة شهدت مطلع 2003 تردد السفير الإيراني على المحافظة بشكل لافت، ولقائه قيادات حوثية، ويبدو أن تلك اللقاءات كانت تمهد للقيام بعمل ما. وطيلة هذا العام، لم نلمس تغيراً جذرياً في تحركات الميليشيات على الأرض، إلا أننا بدأنا مع مطلع 2004 نلمس ظهور مراكز تتبع الحوثيين داخل المدينة، يطلق عليها «الشباب المؤمن»، نسبة إليهم قبل أن يطلقوا على أنفسهم «أنصار الله».
وأضاف أن هذه المراكز بدأت تنتشر حتى وصلت إلى المديريات التابعة لصعدة، وكان إنشاء هذه المراكز يجري بدقة عالية، إذ عمدت الميليشيات إلى بنائها قرب المدارس الحكومية بمختلف مراحلها، وكانوا يعتمدون في إنشاء هذه المراكز على طراز حديث وبنايات كبيرة، مما أسهم في استقطاب الطلاب، إضافة إلى أن هذه المبالغ كانت مؤشراً على أن لدى الجماعة مبالغ طائلة تنافس بها الحكومة آنذاك، بقدرتها على إنشاء مثل هذه الأبنية مقارنة بمدارس الحكومة.
ولفت طرشان إلى أن هذه الخطوة في إنشاء المراكز، بعد توفر الأموال، كانت بداية لإيجاد ميليشيات مدربة متوافقة مع طروحاتهم، خصوصاً أن الميليشيات في ذلك الوقت كانت تقدم العطايا للمنتسبين، والدعم الكامل لمن يلتحق بمراكزها. ومن هنا، بدأ التخطيط في 2004 للتوسع الاقتصادي عبر شراء أراض في مواقع حساسة، خصوصاً تلك التي تطل على المواقع الحكومية العسكرية، ومساحات كبيرة من الأرضي على أطراف المدينة.
وأفاد طرشان بأن الحوثيين نجحوا في صعدة، وبدأوا بالتفكير في المديريات القريبة من المدينة، ومنها حجة والمناطق الساحلية مثل ميدي. وشهدت تلك الفترة إقدام الحوثيين على شراء أراض مختلفة، من حرض إلى ميدي، وجرى تأمين هذه المناطق من الساحل إلى ميدي. ومن خلالها، جرى تمويل الميليشيات بشكل كبير، سواء بالمال أو السلاح، وبدأ إيرانيون وغيرهم يتوافدون إلى تلك المناطق. وتابع: «رغم الحراك الاقتصادي الملموس للميليشيات، وتوسعها بشكل كبير، مع دخول أجانب إلى تلك المدن، خصوصاً صعدة، فإن الحكومة في تلك الفترة كانت تتغاضى وتتهاون مع كل ما يجري من تغيرات على الأرض، خصوصاً أن المشاريع كانت كبيرة وتخدم شرائح المجتمع، وغالبيتها تجارة في الغذاء والزراعة».
وأشار محافظ صعدة إلى أن الأموال لم تكن ترسل من إيران فقط، إذ إن أموالاً كانت ترسلها قطر لقيادات الحوثيين، عبر المنافذ القريبة من صعدة، بطريقة غير مباشرة، ومنها معدات ثقيلة مختلفة، وأغذية على شكل غسيل أموال، وتابع: «تلك الأموال كان يصعب كشفها لأنها تدخل بطرق سليمة، في إطار شراء البضائع من الدول، وتتسلم الميليشيات الإرساليات التي تحتاجها في البناء أو الزراعة».

- التوسّع ونهب الدولة
بعد هذه المرحلة، بدأت الميليشيات الحوثية توسيع نشاطها، لتشمل إقليمي تهامة وآزال، وكان ذلك مدروساً ومخططاً له. ووفقاً لمحمد عسكر، وزير حقوق الإنسان اليمني، فإن الحوثيين بدأوا، بعد عام 2004، بالتوسع في العقارات والقطاع التجاري، وشكلوا «الذراع الاقتصادية» قبل العملية الانقلابية، بدعم كبير من إيران وعدد من الدول التي تسير في فلكها.
واستطرد عسكر أن توسع الحوثيين في العقار والمؤسسات التجارية أوجد لهم مصادر مالية في الداخل، إضافة إلى ما يصل من طهران، وهذا ساعدهم في الانتشار، إلى أن جاءت اللحظة المناسبة للانقلاب على الشرعية عام 2014، حين نهبوا بشكل سريع كل مدخرات الشعب اليمني، المتمثلة في نحو 5 مليارات دولار، ونحو ترليوني ريال يمني من البنك المركزي، كما استولت الميليشيات على الصناديق السيادية، وصندوق التقاعد الذي يقدر بنحو 7 مليارات ريال، وصندوق وزارة الدفاع الذي يتجاوز عشرات المليارات، ومدخرات هيئة التأمينات التي تتجاوز 10 مليارات ريال يمني.
وأضاف أن الميليشيات الحوثية، بعد هذه العملية، سارعت بغسل هذه الأموال عبر شراء أعداد كبيرة من المؤسسات والشركات التجارية التي فر ملاكها نتيجة الأحداث، وما تبعها من أعمال عنف في العاصمة صنعاء، بعد أن تلقوا تهديدات مباشرة لبيع أصولهم وممتلكاتهم في عدد من المحافظات.
وقال عسكر: «هذه الأموال، مع ما يصلهم من خارج اليمن، مكنت الحوثيين من تخطي الحدود للاستثمار في الخارج، وبطريق متعددة، عبر أتباعهم، إذ توجد للميليشيات استثمارات في الضاحية الجنوبية ببيروت، واستثمارات متنوعة في عدد من الدول الغربية، وهذه الاستثمارات تكون رافداً لهم في حال جفت منابع الأموال في الداخل، ليتمكنوا من إكمال ما خططوا له في فرض سيطرتهم بشكل كامل على مفاصل الدولة الاقتصادية».
وأكد وزير حقوق الإنسان أن هذه القضية، وكيفية استيلاء الحوثيين على القطاع الاقتصادي، ستكون ضمن أولويات الوزارة، وسيتم طرحها في دورة جنيف المقبلة، التي سيتمحور ملفها حول اقتصاد الحرب الذي أسسه الحوثيون، وسبب معاناة الشعب اليمني عبر فرض الإتاوات ونهب الممتلكات العامة والخاصة.

- تدمير البنية التحتية
خلال 14 عاماً، جرى تدمير البنية التحتية للاقتصاد اليمني، إذ نفذت الميليشيات أعمالاً عبثية في القطاعات الحيوية التي كانت تدر أموالاً طائلة على الحكومة اليمنية في تلك الفترة، وفي مقدمتها قطاع النفط الذي يديره في الوقت الراهن أشخاص غير مؤهلين وضعوا في تلك المواقع بحكم قربهم من القيادة الحوثية، كما جرى تدمير البنك المركزي، وضرب قطاع الزراعة عقب الاستيلاء على كثير من الأرضي تحت تهديد السلاح، فيما يعد قطاع السياحة، الذي يشكل 5 في المائة من الدخل السنوي لليمن، أحد أكثر القطاعات المتضررة.
وسجل قطاع السياحة أدنى مستوياته بعد عام 2015، المقدر بنحو 300 مليون دولار، وهي عوائد مالية لمغتربين عادوا لبلادهم، ولم يكن هناك سياح أجانب، فيما لم يسجل عام 2016 - 2017 أي مداخيل مالية، سواء من السياح الأجانب أو العائدين، بسبب سيطرة الميليشيات على كثير من المواقع الأثرية في تهامة وآزال، وفرار كثير من المنظمات الإنسانية داخل المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات، الأمر الذي دفع بكثير من دول العالم إلى دعوة رعاياها إلى عدم السفر لليمن.
ونتج عن هذا التحول الاقتصادي، وسيطرة قلة على المال العام والخاص، فجوة كبيرة داخل المجتمع اليمني الذي هُجر من المناطق الرئيسية قصراً، وأصبح غير قادر على مواجهة أعباء الحياة اليومية، بعد أن رفعت الميليشيات أسعار النفط ومشتقاته، وأسعار المواد الغذائية التي استولت عليها من المنظمات الإنسانية، أو تلك التي كانت تصل عبر ميناء الحديدة لتجار يمنيين، كما أنشأت الميليشيات أسواقاً سوداء في مختلف المدن التي تقع تحت سيطرتها، وفرضت رسوماً على جميع التحويلات المالية التي تصل للمدنيين.
وأكد معمر الإرياني، وزير الإعلام اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، أن الميليشيات الحوثية تعمل بشكل ممنهج لضرب الاقتصاد اليمني، بإيعاز من إيران، وبهدف إرباك المجتمع الدولي الذي يسعى لتقديم المساعدات في المقام الأولى للمواطنين، بعيداً عن الأعمال العسكرية التي تنفذها الميليشيات. وفي الجانب الآخر، تكون هي المتحكم في اقتصاد الدولة، وحالياً في مناطق سيطرتها.
ولفت الإرياني إلى أن الميليشيات عمدت، مع فرض سيطرتها على صنعاء، إلى الاستحواذ على شركات النفط، في خطوة للتحكم في تصريف ما يرد للمدينة من مشتقات النفط، ثم أنشأت شركات مالية متخصصة تصرف وتحول الأموال، وهذه الشركات كانت تدار بواسطة الحوثيين، بحكم المبالغ التي تحول من اليمنيين المغتربين لأهاليهم في الداخل. وفتح استيلاء الميليشيات الحوثية على أصول وممتلكات رجال أعمال وشركات عائلية في صنعاء الباب للتواصل خارجياً باسم هذه المنشآت، والحصول على حاجتها من السلع التي تبيعها في الأسواق السوداء، كما عمدت إلى رفع أسعار الغاز، الذي يصل إلى صنعاء وعدد من المدن في إقليم تهامة بشكل كبير ومبالغ فيه، مقارنة مع ما يباع في المدن المحررة، المقدر بنحو 1200 ريال، ليباع بنحو 5 آلاف ريال، وهي مبالغ لا يستطيع المواطن تحملها، في ظل الأوضاع التي فرضتها الميليشيات، من السطو على الأجور ورفع الأسعار.
وقال وزير الإعلام اليمني إن الحكومة ناشدت المجتمع الدولي سرعة التدخل، وأن يقوم بدوره، خصوصاً فيما يتعلق بميناء الحديدة، الذي يدر أموالاً طائلة على الميليشيات من خلال الإيرادات وفرض الضرائب الجمركية التي تذهب للقيادات الحوثية، ولا تنفق بما يخدم المدنيين. وحتى الآن، لم نجد أي استجابة لوقف الهدر المالي الذي تستولي عليه الميليشيات بشكل مباشر.

- التحالف العربي يعيد التوازن للاقتصاد اليمني
منذ اللحظات الأولى التي تشكل فيها التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن، بطلب من الرئيس عبد ربه منصور هادي، حمل التحالف على عاتقه إعادة التوازن لليمن، ومعالجته من الخراب الذي خلفته الميليشيات في قطاعات الاقتصاد الرئيسية كافة. وسارع التحالف لتقديم الدعم والمساعدة لجميع قطاعات الدولة التي دمرتها الميليشيات، والتي شملت الصحة والبيئة والاقتصاد، وأنفقت السعودية أكثر من 8 مليارات دولار خلال عامين، في شكل مساعدات إنسانية وإغاثية وتنموية وحكومية، كما أودعت أخيراً ملياري دولار في البنك المركزي اليمني لحماية العملة المحلية.
ووفقاً لمسؤولين يمنيين، يعول على هذه الوديعة في رفع المعاناة عن الشعب اليمني، ومساعدته على مواجهة الأعباء الاقتصادية جراء معاناته من جرائم وانتهاكات الميليشيات الحوثية التي تنهب مقدرات الدولة، وتستولي على إيرادات المؤسسات الحكومية، بما في ذلك بيع المشتقات النفطية وتحصيل الأموال.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
TT

لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)

مرّ نحو 3 أشهر منذ تشكيل «لجنة إدارة قطاع غزة» من القاهرة، دون أن يستطيع أعضاؤها عبور معبر رفح الحدودي بين مصر والقطاع لبدء عملهم، وتسلم المسؤولية من حركة «حماس»، كما ينصّ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بالرغم من فتح معبر رفح خلال تلك الفترة.

وبحسب مصادر فلسطينية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن هناك 4 أسباب رئيسية تعرقل وصولها إلى القطاع، في مقدمتها المنع الإسرائيلي المتواصل حتى الآن، وعدم وجود آلية نهائية مع «حماس» بشأن التسليم، وعدم وجود موازنة مالية لدعم عمل اللجنة، أو وجود قوات دولية خارج القطاع أو شرطية داخله تدعم عمل اللجنة.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عقب تشكيل «لجنة إدارة غزة»، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصادر، أن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض السماح لأعضائها بدخول قطاع غزة، لافتة إلى أنهم يواصلون اجتماعاتهم في القاهرة، ويعمل ممثلو الوسطاء، وخاصة مصر، مع الولايات المتحدة للموافقة على دخول اللجنة إلى غزة بحلول نهاية الشهر ذاته.

اجتماع للجنة إدارة غزة في القاهرة (أرشيفية - هيئة الاستعلامات المصرية)

ولم تتغير قاعدة المنع الإسرائيلية بحق اللجنة، واتهمت وسائل إعلام فلسطينية، الممثل الأعلى للقطاع في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، بالوقوف خلف عرقلة دخول اللجنة التي يرأسها الدكتور علي شعث إلى قطاع غزة، ومنعها من أداء مهامها الإنسانية، بحسب تقرير نقلته وكالة «شهاب»، الخميس.

وعقب زيارة للقاهرة، كشفت «حماس» قبل نحو أسبوع، أن وفد الحركة والفصائل الفلسطينية عقد لقاءً مع ميلادنوف بحضور الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، في إطار جهود استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وفقاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومواصلة معالجة تداعيات الحرب على القطاع.

«المشكلة في الإسرائيليين»

وشرح مصدران فلسطينيان لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، أن الاجتماعات في القاهرة عادة ما تشهد نقاشات بشأن واقع اللجنة ومساعي تسلمها مهامها، وستكون المحادثات المرتقبة بالقاهرة تحمل قدراً هاماً من الأهمية، خاصة أنها تأتي في فترة هدنة حرب طهران وواشنطن، وقد تعزز مساعي حلحلة بعض أزمات اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها عمل اللجنة.

وأوضح أحد المصدرين أن المشكلة الرئيسية في الإسرائيليين، وليس ملادينوف كما يثار، ويواصلون رفض مرورهم حتى الآن، مؤكداً أن نتنياهو لا يعنيه «مجلس السلام» ولا خطة ترمب، متوقعاً أنه «حال تم تشكيل الشرطة الفلسطينية في القطاع قد تسمح إسرائيل تحت ضغوط أميركية بدخول اللجنة، خاصة أن اللجنة لن تنجح دون ذراع على الأرض تنفذ قراراتها وتضمن نجاحها».

ومع تشكيل اللجنة مطلع هذا العام، قالت «حماس»، في بيان، إن الجهات الحكومية في غزة شرعت باتخاذ إجراءات لتسهيل عمل اللجنة الوطنية وتسليمها مقاليد الأمور، مؤكدة أنها لا تضع أي اشتراطات مسبقة لضمان بدء عملها.

«لجنة إدارة غزة» ما زالت في القاهرة بعد 3 أشهر على قرار تشكيلها (الخارجية المصرية)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن هناك 3 أسباب رئيسية في تأخر تسلم اللجنة مهامها، الأول أنه لم يتم الحسم مع «حماس» بآليات التسليم ومهام تسليم السلاح وترتيب العمل، والثاني يتمثل في عدم وجود موازنات مالية، خاصة أنه مطلوب منها تقديم إغاثة وخطط طوارئ إنسانية، وبالتالي لا يمكن للجنة أن تتحمل المسؤولية في غزة دون أن تكون لديها الأدوات اللازمة للعمل.

ويعتقد مطاوع أن عدم دخول قوات دولية يمكن عدّه سبباً ثالثاً في تأخر دخول اللجنة للقطاع، باعتبار أن اللجنة ترى في هذه القوات عاملاً مساعداً للاستقرار ومنع إسرائيل من أي خروقات.

ولا يحمّل مطاوع إسرائيل مسؤولية تأخير عمل اللجنة وحدها، بل يحمّل «حماس» أيضاً المسؤولية، وقال: «رغم ما تعلنه (حماس) باستمرار من أنها مستعدة لتسليم اللجنة مهامها، فإنها في الواقع لم تتخذ إجراءات تتوافق مع ذلك، بل نرى أن الحركة تعيد السيطرة على مفاصل القطاع بطريقة غير مباشرة، بما يجعل قبضتها هي الأقوى، وتحول اللجنة إلى جهة تعمل لدى الحركة».

ويؤكد مطاوع على «أهمية اجتماع القاهرة المرتقب، خاصة أنه يمكن أن يسهم في حلحلة أزمة لجنة إدارة قطاع غزة حال كانت هناك إرادة أميركية، وتوفر أموال لعمل اللجنة، واقتنعت (حماس) أن مسار الحل يجب أن تقدمه في تنازلات حقيقية».


رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
TT

رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)

تشهد جيبوتي، الجمعة، انتخابات رئاسية يتصدرها الرئيس الحالي مرشح حزب «التجمع الشعبي من أجل التقدم»، إسماعيل غيله، في مواجهة محمد فرح سماتر من حزب «المركز الديمقراطي الموحد»، المرشح الوحيد المنافس في السباق وسط غياب أصوات معارضة بارزة.

ويرأس غيله (78عاماً) البلاد منذ 1999، وقد ألغى تحديد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وكذلك الحد الأقصى للفترتين.

وحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإنه الأوفر حظاً للفوز بولاية سادسة في ظل غياب المنافسة القوية والمعارضة البارزة، غير أنه يواجه تحديات متعلقة بسنّه وتحديد خليفته.

تتمتع جيبوتي، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، بموقع استراتيجي مطل على البحر الأحمر وخليج عدن، يُعد بالغ الأهمية في منطقة القرن الأفريقي، إضافةً إلى استضافة قواعد عسكرية أجنبية.

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع أنصاره في منطقة بلبالا (وكالة الأنباء الجيبوتية)

حراك انتخابي

وقبيل انطلاق السباق الرئاسي، استقبل غيله، الأربعاء، في قصر الجمهورية رؤساء وفود المراقبين الدوليين للانتخابات الرئاسية، وبحث معهم قدرة الانتخابات في جيبوتي على الامتثال لمعايير التصويت الدولية، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية.

ومن المتوقع مشاركة 67 مراقباً منتدبين من أربع منظمات، هي: الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، ومنظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية.

وفي آخر تجمع انتخابي له، الأربعاء، أعرب غيله عن ثقته بنجاحه، لافتاً إلى الجهود التي بذلها خلال فتراته الرئاسية الخمس.

أما منافسه سماتر، فقد تعهد في مؤتمر انتخابي قبل أيام بإعطاء الأولوية لتعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية، واتخاذ تدابير لتعزيز توظيف الشباب.

يبلغ عدد الناخبين المسجلين 256467 ناخباً، حسب وكالة الأنباء الرسمية، وتضم مدينة جيبوتي الجزء الأكبر من الناخبين بواقع 162833 ناخباً مسجلاً، فيما تُجرى الانتخابات في 712 مركز اقتراع في أنحاء البلاد.

ويرجح الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أن يفوز غيله «ليس من خلال توافق ديمقراطي واسع النطاق، بل من خلال استخدام سردية قوية للأمن والاستقرار، مدعومة من حزبه الحاكم، اتحاد الأغلبية الرئاسية، ومن خلال السيطرة الصارمة على أجهزة الدولة، مع مقاطعة قطاعات من المعارضة».

بلا منازع منذ 1999

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن غيله ترشحه لولاية سادسة في الانتخابات، وفقاً لبيان صادر عن الرئاسة.

وجاء ترشحه بعد أيام من تصويت البرلمان على إلغاء البند الدستوري الذي يحدد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وذلك بعد 15 عاماً من تعديل الدستور في 2010 بإلغاء الحد الأقصى للفترتين.

وفاز غيله في آخر انتخابات رئاسية، التي أُجريت في أبريل (نيسان) 2021، بنسبة تزيد على 97 في المائة من الأصوات. ويحتل ائتلافه السياسي موقعاً مهيمناً في البرلمان.

وقبل غيله، كان يتولى الرئاسة حسن جوليد أبتيدون، مؤسس استقلال جيبوتي. وفي عام 1999، خَلَفه غيله بعد أن شغل منصب رئيس ديوانه لمدة 22 عاماً.

ويقاطع حزبا المعارضة الرئيسيان، «حركة التجديد الديمقراطي والتنمية» و«التحالف الجمهوري من أجل الديمقراطية»، الانتخابات منذ عام 2016 اعتراضاً على مسار الانتخابات.

ويعتقد إبراهيم أن «العمر وإعداد خليفة هما أبرز التحديات التي تواجه غيله، خصوصاً أنه يتردد أنه يُعد ابن زوجته، الأمين العام لمكتب رئيس الوزراء نجيب عبد الله كامل (61 عاماً) لتولي مناصب قيادية».

وأشار إلى أن نجيب، وهو ابن رئيس الوزراء السابق عبد الله كامل، ينتمى إلى قومية الدناكل عفر، وهذا يثير تحديات من قومية الصومال التي ينتمي إليها غيله، «مما يُثير تكهنات حول أزمة خلافة محتملة».

ويخلص إبراهيم إلى أن الانتخابات ما هي إلا «توطيد للسلطة أكثر من كونها منافسة حقيقية، لكنها تُخفي مستقبلاً غير مستقر في ضوء عدم حسم تلك التحديات».


غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
TT

غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)

اختتم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة المؤقتة عدن، ركزت على بحث مسارَي السلام والاستقرار في ظل تعقيدات المشهدَين الإقليمي والداخلي، حيث شدد على ضرورة تجنيب اليمن الانجرار إلى دوامة التصعيد الإقليمي، والحفاظ على زخم العملية السياسية، بالتوازي مع دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فرص التعافي، بما يهيئ الأرضية لحل شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وشكّلت هذه الزيارة محطة جديدة ضمن مساعي الأمم المتحدة للحفاظ على زخم الوساطة، في ظل بيئة إقليمية متوترة تلقي بظلالها على المشهد اليمني، وتفرض على مختلف الأطراف ضرورة تجنب الانزلاق إلى تصعيد جديد قد يقوض ما تحقق من هدوء نسبي خلال الفترة الماضية.

ووفق بيانات أممية ويمنية، فقد ناقش المبعوث غروندبرغ مع عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، ورئيس الوزراء وزير الخارجية الدكتور شائع الزنداني، تطورات الأوضاع على الساحة الوطنية، والتداعيات المباشرة للتصعيد الإقليمي على فرص السلام في اليمن. وجرى التأكيد على أهمية تحييد الملف اليمني عن التوترات الإقليمية، والعمل على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين مختلف الأطراف.

واستعرض غروندبرغ نتائج تحركاته الأخيرة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى استئناف العملية السياسية، والتقدم المحرز في ملف تبادل المحتجزين، الذي يُعدّ من أبرز الملفات الإنسانية المرتبطة بالنزاع.

من جهته، جدد الفريق الصبيحي دعم مجلس القيادة الرئاسي الكامل جهود الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة تحقيق سلام عادل ودائم يستند إلى المرجعيات المتفق عليها، وفي مقدمتها «المبادرة الخليجية»، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار «2216».

كما عبّر المسؤولون اليمنيون عن تقديرهم الدور الإقليمي والدولي، خصوصاً من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، مؤكدين أهمية استمرار هذا الدور في مختلف المسارات، بما يعزز فرص الاستقرار ويهيئ الأرضية لحل سياسي شامل.

أولوية الاستقرار الاقتصادي

اقتصادياً، حظيت ملفات الاستقرار المالي والنقدي بحيز واسع من نقاشات المبعوث الأممي مع المسؤولين اليمنيين، حيث التقى وزير المالية، مروان بن غانم، ووزير النفط والمعادن، محمد بامقاء، إلى جانب محافظ «البنك المركزي»، أحمد غالب. وتركزت المباحثات على التحديات التي تواجه المالية العامة، وأولويات الحكومة بشأن إقرار ميزانية عام 2026، وتحسين الإيرادات، وتعزيز كفاءة الإنفاق.

غروندبرغ التقى في عدن رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

كما ناقش الجانبان أهمية استئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز، بصفتهما ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، وتوفير موارد مستدامة تسهم في تخفيف الأزمة الإنسانية. وجرى التطرق كذلك إلى فرص تنفيذ إصلاحات اقتصادية أوسع، من شأنها تعزيز ثقة المجتمع الدولي، وجذب الدعم اللازم لعملية التعافي.

وأكد رئيس الوزراء اليمني، شائع الزنداني، حرص الحكومة على «مواصلة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، بما يعالج اختلالات المالية العامة، ويعزز الاستقرار النقدي، ويفتح المجال أمام شراكات دولية أوسع لدعم الاقتصاد اليمني».

تعزيز الشمولية

في سياق دعم الشمولية، التقى المبعوث الأممي وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، حيث جرى التأكيد على «أهمية تعزيز مشاركة المرأة في عمليات صنع القرار السياسي والعام، بوصفها عنصراً أساسياً في تحقيق سلام مستدام». كما ناقش اللقاء «سبل التمكين الاقتصادي للمرأة، وتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية لها في ظل التحديات الراهنة».

وامتدت لقاءات غروندبرغ لتشمل محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، حيث «جرى بحث الديناميكيات المحلية، والجهود المبذولة لتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الاستقرار في المدينة، التي تمثل مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً».

المبعوث الأممي إلى اليمن لدى وصوله لمطار عدن (الأمم المتحدة)

كما حرص المبعوث الأممي على لقاء ممثلين عن المجتمع المدني ووسائل الإعلام، «في إطار توجه الأمم المتحدة إلى تعزيز الشمولية وإشراك مختلف الفاعلين في جهود السلام، بما يعكس تنوع الرؤى ويعزز فرص الوصول إلى حلول توافقية».

وفي ختام زيارته، شدد غروندبرغ على «ضرورة الحفاظ على مساحة للعملية السياسية، وتكثيف الجهود لتجنيب اليمن تداعيات التصعيد الإقليمي»، مؤكداً أن تحقيق السلام يتطلب تضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، والعمل على مسارات متوازية تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية.