الدستور المصري أمام الرئيس تمهيدا للاستفتاء

مصادمات في الإسكندرية خلال محاكمة المتهمين بقتل «خالد سعيد»

عمرو موسى يتوسط لجنة الخمسين في صورة تذكارية أمس أمام مقر مجلس الشورى في القاهرة بمناسبة انتهاء أعمالها (أ.ب)
عمرو موسى يتوسط لجنة الخمسين في صورة تذكارية أمس أمام مقر مجلس الشورى في القاهرة بمناسبة انتهاء أعمالها (أ.ب)
TT

الدستور المصري أمام الرئيس تمهيدا للاستفتاء

عمرو موسى يتوسط لجنة الخمسين في صورة تذكارية أمس أمام مقر مجلس الشورى في القاهرة بمناسبة انتهاء أعمالها (أ.ب)
عمرو موسى يتوسط لجنة الخمسين في صورة تذكارية أمس أمام مقر مجلس الشورى في القاهرة بمناسبة انتهاء أعمالها (أ.ب)

تراوحت تقديرات فقهاء دستوريين في مصر حول مشروع الدستور الجديد وعلاقاته بالدساتير السابقة، بين الترحيب والرفض، وفقا لما أجابوا به عن أسئلة «الشرق الأوسط»، بعد ساعات من اختتام لجنة صياغة الدستور الجديد عملها أمس تمهيدا لإحالته إلى الرئيس المؤقت عدلي منصور، الذي سيقرر في وقت لاحق طرحه للاستفتاء الشعبي عليه.
وبينما رأت المستشارة تهاني الجبالي، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا السابقة، في الدستور الجديد خطوة بالغة الأهمية على طريق تطور البلاد، قلل المستشار أحمد مكي، وزير العدل السابق، من أهميته، وعده يمثل «انصرافا عن القضايا الجوهرية» التي تحكم جوهر كتابة الدساتير؛ بعده وثيقة لتنظيم العلاقة بين السلطات. وبين الترحيب البالغ والرفض القاطع، قال المستشار ماهر البحيري، رئيس المحكمة العليا الدستورية العليا السابق، إن الوثيقة الجديدة تمثل خطوة على الطريق الصحيح، وإنه لم يتجاهل ما حققته الدساتير السابقة من إنجازات.
وأنهت مساء أول من أمس لجنة تعديل الدستور - المكونة من خمسين عضوا - مشروع الدستور. وقال أعضاء في اللجنة إن ما قامت به فعليا هو وضع دستور جديد وليس فقط تعديلا لنصوص دستور 2012، الذي وضعته جمعية تأسيسية هيمن عليها الإسلاميون، وأثار الكثير من الجدل.
وأوضحت الجبالي، التي كانت من بين أبرز المعارضين لدستور 2012، أسباب ترحيبها بالوثيقة الدستورية الجديدة، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن «دستور 2012، الذي قامت ضده ثورة 30 يونيو (حزيران)، كان يحمل عدة مخاطر أساسية، أهمها أنه وضع جذورا للدولة الدينية من خلال نصه على مرجعية هيئة كبار العلماء، وكذلك النص لأول مرة على سنية مصر، وتضييق المرجعية الفقهية للبلاد لأول مرة في تاريخها».
وعطل العمل بدستور 2012 في أعقاب عزل الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين في يوليو (تموز)، إثر مظاهرات شعبية واسعة طالبته بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
وتابعت الجبالي: «الدستور المعطل مزج على سبيل المثال بين الأمة العربية وهي أمة سياسية، والأمة الإسلامية وهي أمة عقائدية.. وهو بذرة لإقامة الدولة الدينية، لكن المشروع الحالي تخلص من هذا وأبقى فقط على هوية مصر ممثلة في المادة الثانية (التي تنص على أن الإسلام دين الدولة وأن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) بمضمونها الحضاري الذي طبق خلال 28 عاما هي عمر دستور 1971 الذي وضعت فيه لأول مرة المادة الثانية».
وأضافت أن الدستور الجديد أغلق الباب أمام أي ادعاء بأنه يغفل الدين والشريعة، لكنه وضعه في إطاره الحضاري لدولة حديثة، المرجعية فيها للسلطات وليست لرجال الدين، وأحكم الأمر بالنص على أن «مفهوم مبادئ الشريعة المرجعية فيه لأحكام المحكمة الدستورية العليا».
وأوضحت أنه في «1971» كان نص المادة الثانية بتوافق الأمة دون مضمون تفسيري، أما في دستور 2013 أصبح هناك في ديباجة الدستور مرجعيتها أحكام المحكمة الدستورية «التي حصنت البلاد من الدخول في دوامة الدولة الدينية وولاية الفقيه»، بحسب قولها.
وتشير الجبالي إلى بعد آخر، قائلة إن دستور 71 كان يركز السلطة في يد رئيس الجمهورية، بينما أضاف دستور 2012 إلى هذا التركيز إمكانية تجاوز الرئيس حدود السيادة والسماح له بالتنازل عن جزء من أراضي الدولة، وهو ما عدته أمرا خطيرا.
وتابعت: «في دستور 2013 أزيل هذا الأمر من اختصاص الرئيس، بالإضافة إلى أنه أحدث توازنا بين سلطات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وهو أمر يضع الدولة على مشارف التطور الذي يسعى إليه المصريون، وينهي بواعث وإمكانية وجود الحكم الفردي».
وترصد الجبالي تراجعا في مشروع الدستور الجديد فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية، وتشير إلى إلغاء نسبة تمثيل العمال والفلاحين في البرلمان، وهي نسبة حافظ عليها دستور «الإخوان» لدورة برلمانية واحدة، وترى أن لجنة تعديل الدستور كان يجب أن تبقي على هذا التمييز الإيجابي. وتضيف: «على أي حال، عدلت اللجنة من توجهها بشأن التمييز الإيجابي، وتركت الأمر للمشرع في ختام جلستها النهائية لكي يحسمه في ضوء ما يراه مناسبا خلال هذا المرحلة»، ونوهت أيضا إلى استحداث التمييز الإيجابي لضمان تمثيل المرأة والأقباط والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة في البرلمان، مؤكدة أنها المرة الأولى التي يرد فيها ذكر لذوي الاحتياجات الخاصة في دساتير البلاد.
وترى الجبالي أيضا أن «دستور 71 كان منضبطا في إطار إقرار الحقوق والحريات العامة، لكنه كان يحيل تلك الحقوق والحريات إلى القانون، أما دستور 2012 فرحل هذه الحقوق إلى ما سمي المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو مجلس لم يكن دوره واضحا في إطار مؤسسات الدولة، وظل مجرد تعبير غامض».
وتعتقد الجبالي أن مشروع الدستور الحالي يحمد له وضعه ضمانات إلى جوار الحقوق الأساسية. تقول: «استردت من دستور 2012 التفاصيل التي كان يمكن للمحكمة الدستورية أن تراقب من خلالها التمييز، إذ نص فقط على أن المواطنين متساوون أمام القانون وهو بذلك فرغ المادة من مضمونها».
وتشير إلى أن دستور 2013 أعاد مرة أخرى التفاصيل التي يمكن من خلالها للمحكمة الدستورية العليا أن تراقب انتهاك تلك الحقوق، كالتمييز بسبب الجنس أو العقيدة أو الدين، لافتة إلى النص في المشروع الجديد على إنشاء مفوضية وطنية لمراقبة التمييز ومعاقبة من يرتكبه.
ورحبت الجبالي كذلك بإصرار مشروع الدستور الجديد على إلزام البرلمان المقبل إصدار قانون ينظم بناء دور العبادة وحماية حق ممارسة الشعائر الدينية، وكذلك إلزامه وضع قانون للعدالة الانتقالية، بالإضافة إلى جوانب أخرى إيجابية؛ منها أنه نص لأول مرة على احترام التراث المصري الوجداني والتاريخي، والتنوع الثقافي. ورغم الانتقادات التي وجهت لمادة يرى فيها البعض تحصينا لمنصب وزير الدفاع بمنح المجلس الأعلى للقوات المسلحة الموافقة على تسميته لمدتين رئاسيتين، تقول الجبالي إن هذه المادة ضرورية لـ«حماية الأمن القومي، واختبار لقدرة الرئيس على تحمل فكرة أن يحمل من خلال مجالس عليا».
في المقابل، يرى المستشار أحمد مكي، وزير العدل السابق، أنه لا يصح الحكم على الـ«لا شيء»، ويعيب مكي - وهو قطب من أقطاب تيار استقلال القضاء - أن المسارات التي حكمت كتابة الدساتير في مصر منذ دستور 1971 كان الهدف منها «الإلهاء»، على حد وصفه. ويقول إن «هذا ينطبق على دستور 71، ودستور 2012، ودستور 2013 أيضا». وينوه مكي، الذي تقدم باستقالته من منصبه كوزير للعدل عقب اعتزام البرلمان سن قانون يطيح بعدد واسع من القضاة خلال حكم مرسي، إلى أنه خلال شغله منصبه كانت لديه تحفظات على دستور 2012، وأنه شكل لجنة في وزارة العدل للبحث في المواد التي يجب تعديلها.
وتأتي أبرز اعتراضات مكي على مشروع الدستور الجديد لكونه تضمن ما وصفه بـ«كثير من الحشو»، ويقول إن «الدستور في جوهره وثيقة لتنظيم العلاقة بين السلطات، وكل الأمور الأخرى ربما تكون جيدة في ذاتها، لكن ليس الدستور مكانها ولا مجالها، كما أنها لا يمكن أن تترجم عمليا في كثير من الأحيان».
ويضيف وزير العدل السابق أنه يرى في النسخة الحالية من الدستور انصرافا عن القضايا الجوهرية كضرورة الحرص على استقلال القضاء كأن ينص على أن القضاة متساوون وأن رواتبهم متساوية وأن يحفظ وحدة القضاة لا أن يتسبب في فرقتهم عبر نصوص لا معنى لها أصبحت محل نزاع.
ويتابع: «كان يجب أن ينص على أن مجلس الشعب غير قابل للحل ما دام جاء بأصوات المصريين بغض النظر عن مستوى الأمية في البلاد، فهذه هي الديمقراطية، احترام إرادة المواطنين، كما أنه كان يجب النص على أن الرئيس غير قابل للعزل، وأن يضع قواعد لإجراء انتخابات مبكرة إن تطلب الأمر إجراءها».
ومن حيث الشكل، يرى مكي أن مشروع الدستور الجديد غلب المعين على المنتخب، وأنه أعاد إلى المشرع أمورا كان يجب أن يتصدى لها كموعد الاستحقاقات السياسية، وقواعد الانتخابات البرلمانية.
من جانبه، يرى المستشار ماهر البحيري، رئيس المحكمة الدستورية السابق، أن دستور 71 من حيث الجودة والانضباط، لم يكن يعيبه سوى التعديلات التي أدخلت عليه خلال عامي 2005 و2007 التي عدلت من طريقة انتخابات رئيس الجمهورية، مشيرا إلى أن التعديلات التي أدخلت على دستور 71 عقب ثورة 25 يناير جعلته دستورا مقبولا.
ويأخذ البحيري على دستور 2012 أنه جاء كتعبير عن فصيل معين (في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين وقوى إسلامية حليفة لها)، واصفا نوايا ذلك الفصيل بـ«الخبيثة»، لكنه أضاف قائلا: «لكن، من باب الإحقاق كان باب الحقوق والحريات مقبولا جدا، وجيدا في دستور 2012».
ويشيد البحيري بمشروع دستور 2013 بعده تناول جميع القضايا وأخذ في حسبانه طوائف المجتمع، بحيدة تامة، وتفصيل ربما جاء إلى حد لا يتطلبه الدستور، لكنه فصل على غير الأصل، واضعا ظروف المرحلة الراهنة في تقديره.
ويرى البحيري أن أبرز مميزات مشروع الدستور في مواده التي تحقق مفهوم العدالة الاجتماعية. يقول إن مشروع الدستور تناول هذا المفهوم على نحو لم يرد في دساتير مصر، بل ويمكن القول في دساتير العالم أيضا بهذا القدر من التفصيل الذي يمكن أن يعاب عليه من الزاوية الفنية.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.