قنوات لبنانية تعمق الشرخ بين الأحزاب قبيل الانتخابات

معارك وصلت لحد الشتائم رغم قانون يفرض التعددية والمهنية

قوبلت الكلمة بردود عنيفة من «إن بي إن» التي حملت بشدّة على خيّاط ووصفته بـ«مطمر نفايات» - تلفزيون «الجديد» يبثّ كلمة نارية لصاحبه تحسين خيّاط متبنّياً توصيف باسيل لبري بالـ«بلطجي»
قوبلت الكلمة بردود عنيفة من «إن بي إن» التي حملت بشدّة على خيّاط ووصفته بـ«مطمر نفايات» - تلفزيون «الجديد» يبثّ كلمة نارية لصاحبه تحسين خيّاط متبنّياً توصيف باسيل لبري بالـ«بلطجي»
TT

قنوات لبنانية تعمق الشرخ بين الأحزاب قبيل الانتخابات

قوبلت الكلمة بردود عنيفة من «إن بي إن» التي حملت بشدّة على خيّاط ووصفته بـ«مطمر نفايات» - تلفزيون «الجديد» يبثّ كلمة نارية لصاحبه تحسين خيّاط متبنّياً توصيف باسيل لبري بالـ«بلطجي»
قوبلت الكلمة بردود عنيفة من «إن بي إن» التي حملت بشدّة على خيّاط ووصفته بـ«مطمر نفايات» - تلفزيون «الجديد» يبثّ كلمة نارية لصاحبه تحسين خيّاط متبنّياً توصيف باسيل لبري بالـ«بلطجي»

تعكس الحملات الإعلامية المتبادلة بين بعض محطات التلفزة اللبنانية صورة الصّراع المستحكم بين القوى والأحزاب السياسية التي تتقاسم ملكية هذه الوسائل، والتي تتحوّل إلى منبر انتخابي باسمها في مرحلة الانتخابات. وبدأ هذا الواقع يتكرّس أكثر مع اقتراب موعد الاستحقاق النيابي المقبل في شهر مايو (أيار) المقبل، بحيث تحاول كلّ وسيلة تسويق مرشحي حزبها، عبر مقابلات مكثّفة ونشر بياناتهم وبرامجهم الانتخابية التي تعتمد بشكل أساسي على شنّ «معارك» ضد الفريق الخصم. وتمثل المعركة الإعلامية التي اندلعت قبل أسبوعين ووصلت إلى حد الشتائم بين قناتَي «أو تي في» المحسوبة على «التيار الوطني الحر»، و«إن بي إن» المحسوبة على «حركة أمل»، وبين الأخيرة و«قناة الجديد»، نموذجاً للواقع «الإعلامي السياسي الانتخابي» الذي سيطبع هذه المرحلة قبل الانتخابات النيابية في شهر مايو المقبل.
وإذا كان امتلاك كل حزب محطة تلفزيوينة أو صحيفة أو إذاعة يعطي الأفضيلة لمرشحيه على المرشحين الذين لا يتملكون مثل هذا الامتياز، فإن القانون الانتخابي الجديد يراعي مسألة توفير مساحة إعلامية لكل اللوائح بالتوازن والتساوي بينها، ما يجعل وسائل الإعلام الحزبية تحت رقابة الالتزام بالمعايير المهنية والقانونية، في مقابل مسؤولية هذه الهيئة لجهة المراقبة الدقيقة والمحاسبة.
ولا يخفي المسؤولون في بعض وسائل الإعلام، انحياز مؤسساتهم إلى أحزابها ومرجعياتها السياسية، من دون أن تتنكر لحيثيات القانون والالتزام ولو بالحدّ الأدنى بمعاييره. وقد أعلن مدير الأخبار في تلفزيون «المستقبل» عماد عاصي، أنّ المحطة المحسوبة على «تيار المستقبل» والمملوكة لرئيس الحكومة سعد الحريري «تعمل منذ عام 1992 على تغطية الانتخابات ومواكبتها بموضوعية، وتحاول إيجاد توازن بين المرشحين وإظهار كلّ الآراء»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «التباعد في المواقف السياسية، لا يلغي حق الآخرين في إبراز أدوارهم والحديث عن برامجهم عبر شاشتنا».
ويُجمع المطلعون على الواقع الانتخابي المعقّد أصلاً، أنّ القانون الجديد سيزيد من أعباء اللوائح التي لا تتمتع بميزات تفاضيلة قياساً بأحجام الأحزاب والتيارات السياسية وقدراتها المالية والإعلامية، وقد رأى عباس ضاهر، مدير البرامج السياسية في محطة «إن بي إن» المملوكة لرئيس مجلس النواب نبيه بري، أنّ المحطة «ستلتزم بالقوانين التي تساوي بين كل المرشحين في برامجهم وحملاتهم الانتخابية». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «هيئة الإشراف على الانتخابات، لديها لجنة متخصصة في مراقبة الإعلام، وكل التقارير التي تعدّ عبر المحطات التلفزيونية والصحف والإذاعات، تخضع لرقابتها، ومدى منحها كل مرشح المساحة الوافية لعرض برنامجه»، معترفاً بأنّ وسائل الإعلام الحزبية «ستكون منحازة عاطفياً لمرشحيها الحزبيين، مع الحفاظ على إيجاد هامش إعلامي للمرشحين في اللوائح المنافسة، وتوفير إطلالات لهم، وسنحاول قدر الإمكان احترام هذه المعايير».
وما يسري على الـ«إن بي إن»، ينطبق على تلفزيون «المستقبل» لجهة التعاطف مع مرشحي التيار، وقال عماد عاصي: «نحن لا ننكر أنّنا نمثّل طرفاً سياسياً وهو (تيار المستقبل)، لكنّنا نعمل جاهدين على إيجاد توازن بين كل الأطراف، وإذا كان لنا رأينا السياسي، فهذا لا يقف حائلاً دون اعتمادنا المعايير المهنية وأن نكون عادلين مع كلّ المرشحين»، مضيفاً أنّ «هناك قانوناً يراقب دور الإعلام والضوابط التي وضعت له خلال المعركة الانتخابية، لإيجاد مساحة عادلة ومتساوية بين الجميع، ونحن سنحترمها». موضحاً أنّ «الضوابط لا تعني قبولنا بتقييد الإعلام، بل نريد منع الفوضى الإعلامية».
وكانت مقدمات نشرات الأخبار قد شهدت ما يشبه الحرب الإعلامية عالية السقف، بين بعض المحطات، خصوصاً بين «أو تي في» و«إن بي إن»، بعد الشريط المسرّب لوزير الخارجية جبران باسيل الذي وصف فيه رئيس البرلمان نبيه بري بالـ«بلطجي»، ما استدعى رداّ قاسياً عليه من القناة، وتحركاً في الشارع لمناصري برّي، ورداً على الرد من «أو تي في».
وعمّا إذا كانت الحملات العنيفة بين المحطات التلفزيونية ستستمر في خضم المعركة الانتخابية، قال عباس ضاهر: إنّ «معادلتنا تقول العين بالعين والسنّ بالسنّ والبادئ أظلم». وأضاف: «مَن يرشقنا بوردة سنردّ عليه بوردة، والكلمة بالكلمة، ومن يهاجمنا بقسوة سنهاجمه بلغة أقسى، لكن في ما يخص المعركة الانتخابية، سنحترم القانون ونطبّقه، مع مراعاة خياراتنا السياسية والحزبية»، مذكِّراً بأنّ «الحركة تخوض الانتخابات على أساس وطني وليس بخلفية طائفية أو مذهبية».
ولم تكد تهدأ عاصفة «التيار الوطني الحرّ» وحركة «أمل»، حتى أطل «تلفزيون الجديد» في عيده الـ25، الذي بثّ كلمة نارية لصاحبه تحسين خيّاط متبنّياً توصيف باسيل لبري بالـ«بلطجي»، وقوبل بردود عنيفة من «إن بي إن» التي حملت بشدّة على خيّاط ووصفته بـ«مطمر نفايات»، ووجهت إليه أقسى العبارات التي قوبلت بمواقف لا تقلّ قسوة عن المحطة الأخرى، وقد اتخذت وسائل الإعلام من هذا التراشق العنيف مادة لبرامجها، قبل أن تهدأ الحملات الإعلامية على أثر الاتصال الذي أجراه رئيس الجمهورية ميشال عون برئيس مجلس النواب نبيه بري، واتفقا فيه على التهدئة ووقف الحرب الكلامية.
وإذا كانت المحطات الحزبية تجاهر بسياستها الانتخابية، فللقنوات المحايدة نسبياً رأي آخر، فقد أكد غياث يزبك، مدير الأخبار والبرامج السياسية في محطة «إم تي في»، أنّ مقاربة محطته للمعركة الانتخابية «ستكون ضمن الأطر القانونية، الخاضعة لرقابة هيئة الإشراف على الانتخابات». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملات الانتخابية «تفرض علينا أن نساوي بين كلّ المرشحين، والصعوبة التي كنّا نعانيها في النظام الأكثري بسبب كثافة المرشحين المنفردين، تجاوزناها في النظام النسبي الذي يعتمد اللوائح». ولفت يزبك إلى أن تقارير وزارة الداخلية التي صدرت بعد انتخابات 2009، أكدت أن «إم تي في»، كانت الأكثر التزاماً بالمعايير القانونية، وأعطت مساحة إعلامية ما بين 49 و52 لمرشحي «14 آذار» مقابل 48 لمرشحي «8 آذار»، لأنّ بعض مرشحي الفريق الأخير قاطعونا، واعتبرونا منحازين لـ«14 آذار». وقال: «لا ننكر ميولنا السياسي، لكن ليس له دور في مقاربتنا الإعلامية».
وتحوّلت المحطات التلفزيونية في لبنان إلى قنوات نفوذ للقوى السياسية، موزّعة على الأحزاب والتيارات الكبرى، «أو تي في» تتبع سياسياً «التيار الوطني الحرّ»، وقد أسّسها العماد ميشال عون في عام 2008، خلال رئاسته للتيار، قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية، بينما تتبع «إن بي إن» رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهي ممولة من رجال أعمال قريبين سياسياً من برّي وحركة «أمل»، أمّا تلفزيون «المستقبل» فتعود ملكيته كاملة لرئيس الحكومة سعد االحريري ومموّل منه شخصياً، بينما يمتلك «حزب الله» تلفزيون «المنار»، ويعدّ إحدى وسائل الإعلام الحربي التابعة له ولما يسمّى محور المقاومة في لبنان والمنطقة.
إلى جانب هذه القنوات، هناك 3 محطات غير حزبية، هي «إم تي في» التي يملكها النائب السابق غبريال المرّ، ويرأس مجلس إدارتها نجله رجل الأعمال ميشال المرّ، وهذه المحطة قريبة سياسياً من خيارات قوى «14 آذار»، لكنّها تملك هامشاً من الاستقلالية، يمنحها حرية التنوّع في استقبال الشخصيات من كل الأطراف خلال برامجها السياسية، وقناة «الجديد» التي يملكها رجل الأعمال تحسين خيّاط، لكنّها مؤيدة سياسياً لـ«حزب الله»، وعلى خصومة شديدة مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، أمّا «المؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناشونال» (lbci)، فهي أيضاً محطة مستقلّة، وربما أعرق المحطات اللبنانية بعد «تلفزيون لبنان» الرسمي، وتميل سياسياً إلى التيار السيادي الذي تمثله قوى «14 آذار»، ويديرها بيار الضّاهر. وجدير بالذكر، أنّ هناك نزاعاً قضائياً بين الضاهر و«القوات اللبنانية» على ملكية المحطة، ينتظر أن تفصل به إحدى المحاكم اللبنانية مطلع شهر مارس (آذار) المقبل.
يشار إلى أن «14 آذار» و«8 آذار» اصطفافان لتحالفات سياسية نشأت في لبنان بُعيد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005. «14 آذار» يضمّ الأحزاب والحركات السياسية التي ثارت على الوجود السوري، بُعيد اغتيال الحريري، أمّا (8 آذار) فقد نشأ أيضاً في الشهر نفسه، بعيد خروج الجيش السوري من لبنان وذلك عندما تظاهرت الأحزاب التي لها علاقة وثيقة مع سوريا، وتضم قوى «حزب الله» و«حركة أمل» و«تيار المردة» ومجموعات موالية لسوريا.


مقالات ذات صلة

«نقابة الصحفيين التونسيين» تحذر من استمرار ترهيب الإعلاميين

شمال افريقيا المعارض أحمد نجيب الشابي المسجون بتهمة التآمر على أمن تونس في لقاء صحافي سابق قبل اعتقاله مع السياسية مايا الجريدي (أ.ب)

«نقابة الصحفيين التونسيين» تحذر من استمرار ترهيب الإعلاميين

حذرت «نقابة الصحفيين التونسيين»، اليوم السبت، من استمرار ترهيب الصحافيين في تونس بعد إيقاف رئيس تحرير موقع «الكتيبة» المتخصص في التحقيقات الاستقصائية.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا المحامية جيانيلا دي ماركو، كبيرة محامي الدفاع، تتحدث إلى وسائل الإعلام بينما كان رجل الأعمال المالطي يورغن فينيش يغادر قاعة المحكمة بعد تبرئته من تهمة التآمر لقتل الصحافية الاستقصائية دافني كاروانا غاليزيا عام 2017... في فاليتا - مالطا 2 سبتمبر 2026 (رويترز)

هيئة محلفين في مالطا تبرئ المدبّر المزعوم لقتل صحافية استقصائية

برّأت هيئة محلفين في مالطا المدبر المزعوم لتفجير سيارة مفخخة عام 2017 مما أسفر عن مقتل الصحافية الاستقصائية دافني كاروانا جاليزيا.

«الشرق الأوسط» (فاليتا)
المشرق العربي أفراد من الجيش اللبناني خلال مهمة في بلدة الكحالة بجبل لبنان 10 أغسطس 2023 (رويترز)

الجيش اللبناني يدعو إلى عدم الانجرار وراء مزاعم منسوبة لوسائل إعلام إسرائيلية

نفت قيادة الجيش اللبناني، الأربعاء، مزاعم منسوبة إلى وسائل إعلام إسرائيلية تتناول مواقف متعلقة بالجيش ومهماته في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صحافيون وناشطون يتساءلون عن مصير زميلين مغيبين في حلب شمال سوريا (مواقع التواصل)

وقفة احتجاجية في حلب للكشف عن مصير إعلاميَين مغيبَين

نظّم ناشطون وصحافيون سوريون في مدينة حلب وقفة احتجاجية أمام مقر قيادة الأمن الداخلي تعبيراً عن تنديدهم باستمرار تغييب الصحافي محمود الخطيب والإعلامي مراد محلي.

منصور حسين (حلب (شمال سوريا))
إعلام تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)

«السوشيال ميديا»... سلاح كشف التجاوزات يتحول «جلاداً»

تجاوزت «السوشيال ميديا» أخيراً دورها كمنصات للترفيه والتبادل المعرفي لتتحوّل أداةً تتشابك فيها أدوار المواطن ما بين صانع للمحتوى ورقيب و«جلاد» في وقت معين.

إيمان مبروك (القاهرة)

«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
TT

«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)

وقّعت مجموعة «STC» والمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) مذكرة تفاهم لاستكشاف مجالات تعاون استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرات الإنتاج الإعلامي بالمملكة، وذلك على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» بالعاصمة الرياض.

وجاءت المذكرة لتجمع بين قدرات «STC» في البنية التحتية الرقمية والاتصالات والحوسبة السحابية، وخبرات «SRMG» في الإعلام وصناعة المحتوى والإنتاج، حيث يركز التعاون على دعم منظومة الإنتاج السعودية، وتعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل البلاد وخارجها.

ويعكس التعاون بين «STC»، ممكّن التحوّل الرقمي، و«SRMG»، أكبر مجموعة إعلامية متكاملة بالمنطقة، التزاماً مشتركاً بتطوير التقنيات والمنصات والقدرات الإنتاجية التي تدعم مكانة السعودية وجهةً إقليميةً وعالميةً رائدة في مجال إنتاج المحتوى.

من جانبه، قال رياض معوّض، الرئيس التنفيذي لوحدة الأعمال في «STC»: «نمتلك البنية التحتية والقدرات السحابية والخبرات التقنية اللازمة لدعم الجيل القادم من الإنتاج الإعلامي بالمملكة»، مضيفاً: «من خلال شراكتنا مع (SRMG) نجمع بين هذه القدرات والخبرات الإعلامية الرائدة في المنطقة للعمل معاً على تطوير قطاع إنتاج المحتوى» في السعودية.

توقيع مذكرة التفاهم بين المجموعتين على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» في الرياض (SRMG)

بدورها، أوضحت جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي لـ«SRMG»، أن «التكنولوجيا تعيد تشكيل صناعة الإعلام، بالتوازي مع تغير سلوك الجمهور وتزايد الطلب على محتوى عالي الجودة يُقدَّم بسرعة وعلى نطاق واسع»، مؤكدة مواصلتهم «الاستثمار في القدرات والشراكات والمنصات التي تعزز طرق صناعة المحتوى وتقديمه».

وأشارت الراشد إلى أنه «من خلال تعاوننا مع (STC)، سنستكشف نماذج إنتاج أكثر ترابطاً، ومدعومة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما يسهِم في دعم المواهب السعودية والنمو المستمر لقطاع الإعلام بالمملكة».

وبموجب المذكرة، سيستكشف الجانبان فرص التعاون ضمن خمسة مجالات رئيسية، تشمل توفير حلول اتصال عالية الكفاءة، بما في ذلك الألياف الضوئية والحوسبة الطرفية، لدعم الاستوديوهات الحديثة وبيئات الإنتاج عن بُعد ومسارات العمل السحابية عبر عمليات «SRMG»، كما سيبحثان فرص تطوير مراكز إنتاج حديثة مجهزة بتقنيات بث متقدمة.

وتشمل المذكرة أيضاً منصات سحابية آمنة لتخزين المحتوى الإعلامي وتحريره وإدارة أصوله، إلى جانب مسارات عمل مشتركة لمرحلة ما بعد الإنتاج، بما يسهم في رفع سرعة وكفاءة تسليم المحتوى. كما ستستكشف المجموعتان تقنيات إنتاج ناشئة وتختبرها، بما في ذلك الإنتاج الافتراضي، والمعالجة الفورية، وأدوات الواقع المعزز والواقع الافتراضي.

وسيقيّم الجانبان كذلك استخدام حلول الذكاء الاصطناعي عبر مراحل إعداد المحتوى، بما يشمل تطوير النصوص، وتحرير الفيديو، واقتراح المحتوى، وأتمتة عمليات الإنتاج، مع التركيز على رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز القدرات الإبداعية على نطاق واسع.

ومن خلال الجمع بين قدرات «STC» التقنية المتقدمة وخبرات «SRMG» الإعلامية وفهمها العميق لجمهور المنطقة وقدراتها في إنتاج المحتوى، سيسهم التعاون في تطوير بيئة إنتاج إعلامي أكثر ترابطاً واستعداداً للمستقبل في البلاد، ودعم المواهب الإبداعية السعودية وإنتاج محتوى يواكب تطلعات الجمهور المحلي ويصل إلى الجمهور حول العالم.


«السوشيال ميديا»... سلاح كشف التجاوزات يتحول «جلاداً»

تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
TT

«السوشيال ميديا»... سلاح كشف التجاوزات يتحول «جلاداً»

تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)

تجاوزت «السوشيال ميديا» أخيراً دورها كمنصات للترفيه والتبادل المعرفي لتتحوّل أداةً تتشابك فيها أدوار المواطن ما بين صانع للمحتوى ورقيب و«جلاد» في وقت معين. وجاء هذا التحوّل بعدما غدا الجوّال وسيلةً لـ«تنفيذ رقابة ذاتية» من بعض الأشخاص.

وكذلك، أصبح التوثيق الرقمي للمخالفات والتجاوزات وسيلة كشف غير رسمية، تسبق في كثير من الأحيان التحرّك المؤسسي من الجهات المتخصصة.

ظاهرة التصوير الميداني

وفق مراقبين، فإنه يُمكن بوضوح رصد نمط متصاعد من استخدام التصوير الميداني كسلاح «كشف أو ضغط»، فمثلاً السلطات الأمنية المصرية تكشف يومياً عن ملابسات جرائم مصدرها، بالأساس، مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي حين نجحت مشاهد التصوير هذه في استرداد الحقوق والتدخل العاجل من الأجهزة المصرية، كشفت وقائع أخرى عن الوجه المُظلم لهذه الممارسة عندما «تحول التوثيق في بعض الحالات وسيلةً للتشهير أو تصفية الحسابات».

خبراء يرون أن «الصراع بين فضيلة الكشف وخطر الانفلات يعكس مرحلة انتقالية في بنية المجتمعات». ويتفّق هؤلاء الخبراء على أن «التحدّي الحقيقي ليس في تقييد المبادرات الفردية؛ بل في تحويلها من ممارسات عفوية قد تجنح نحو التشهير، إلى ممارسة مسؤولة تتقاطع مع الأطر القانونية وتلتزم بأخلاقيات المهنة الرقمية».

سلاح ومحطات بث

حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع معهد روتشستر للتكنولوجيا بدبي، أشار في سياق الكلام عن جوهر الأزمة إلى «تحول حسابات الأفراد سلاحاً ومحطات بث مستقلة تفتقر إلى المعايير المهنية».

وقال مصطفى لـ«الشرق الأوسط» إن الحسابات تحوّلت إلى منصات بث؛ لأن أدوات النشر باتت متاحة للجميع، في حين اختفت الوظيفة التي كانت تؤديها غرفة الأخبار، بداية من السؤال قبل النشر، والتحقّق من المصدر، وتقدير الضرر، وموازنة الحق في المعرفة مع كرامة الناس.

وحسب مصطفى، «المشكلة الآن أن حسابات كثيرة تعمل بمنطق السرعة والسبق والانفعال؛ ولذا أصبح مقطع قصير بلا سياق قادراً على بناء حكم اجتماعي كامل خلال دقائق، وقد يتحوّل التوثيق تشهيراً». وأردف من ثم أن «الجمهور لا يرى دائماً الفرق بين النشر والتحقق؛ فالمحتوى المُولد من قِبل المُستخدمين يجب التعامل معه باعتباره مادة غير موثّقة إلى أن يثبت العكس».

من جهة ثانية، يرى متابعون أن المسؤولية تمتد لتتجاوز سلوك الأفراد وتصل إلى جوهر تصميم المنصات الرقمية؛ إذ تضع اعتبارات الربح المادي وجذب المشاهدات في صدارة أولوياتها، متجاوزة الاعتبارات الأخلاقية والمجتمعية.

وهنا يلفت مصطفى إلى أن «الخوارزميات ليست أدوات محايدة»؛ فهي ترتّب المحتوى بناءً على إشارات التفاعل مثل المشاهدات، والتعليقات، والمشاركات... والمحتوى الفاضح ينتج هذه الإشارات بسرعة أكبر من المحتوى الهادئ؛ ولذا يحدث خلل جوهري. وبالتالي، يشير إلى أن «الخوارزميات قد تدفع المجتمع نحو التشهير وتبسيط الوقائع؛ ما يصنع محكمة انفعالية بدلاً من وعي عام».

وقائع عالمية ومحلية

عالمياً، تتعدّد النماذج الدولية التي تعكس الدور المزدوج للتوثيق الرقمي كأداة لإنفاذ القانون وأحياناً كمصدر للضغط. ويظل النموذج الأبرز في قضية جورج فلويد في الولايات المتحدة، عام 2020، التي جعلت العدسة الشعبية محركاً لتغيير المسارات القانونية.

وأفريقياً، قبل أشهر، تسبّب تصوير أحد المارة في كينيا لشرطي يطلق النار على بائع متجوّل في توقيف الضابط وإحالته للتحقيق. وفي تنزانيا، المجاورة لكينيا، أدت تحقيقات الشرطة في جريمة اعتداء جنسي جماعي موثقة بالفيديو عام 2024 إلى ملاحقة المتهمين قانونياً مع إدراج مصوّري المقطع ومروّجيه ضمن دائرة التحقيق.

وبالتوازي، في مصر، تمكنت السلطات خلال الفترة الماضية من توقيف أحد الأشخاص ظهر في مقطع فيديو محاولاً سرقة أسلاك كهربائية من أحد المرافق عقب تداول فيديو وثَّق الواقعة، في حين كشفت وقائع أخرى عن «خطورة الادعاء والتشهير» مثل واقعة إقدام طالبة على تصوير شاب داخل عربة مترو «أنفاق القاهرة»، مدعية «تعاطيه مواد مخدّرة» لتثبت التحقيقات لاحقاً أن الشاب كان يجهّز سيجارة تبغ عادية؛ الأمر الذي دفعه إلى تقديم بلاغ ضد الفتاة بتهمة «التشهير».

الجوّال أصبح وسيلة لتنفيذ رقابة ذاتية من بعض الأشخاص (أرشيفية - رويترز)

«جلاد» ومحكمة شعبية

خبيرة علم النفس الاجتماعي في كندا، ندى قداح، في حوار مع «الشرق الأوسط»، حذَّرت من «ظهور ما يشبه محكمة شعبية رقمية تحوّل الجماهير جلاّداً وتصدر الحكم في عجالة من دون التحقق في صحة الادعاء أو الظن». وهي ترى أن المجتمعات، قبل منصّات التواصل، «كانت تلتزم بمنظومة غير مكتوبة من الضوابط مثل الحياء، والستر، والخوف من إيذاء الآخرين، والإحساس بأن كرامة الإنسان ليست ملكاً لا للشارع ولا للجمهور».

وأضافت قداح: «اليوم، بات الإنسان يعيش داخل اقتصاد جديد تحكمه قيمة الانتباه... ولم تعد بعض الأفعال تُقاس فقط بمعيار الصواب والخطأ، بل بقدرتها على جذب المشاهدات والتفاعل». وأوضحت: «عندما يتحول المرء مجرّد صورة، يصبح من السهل أن نفقد الاتصال بإنسانيته؛ لأن الشاشة تخلق مسافة عاطفية تجعل الآخر أقل حضوراً ككائن له مشاعر، وأكثر حضوراً كمحتوى».

وتابعت: «نحن بتنا في حاجة إلى تربية رقمية تعيد تعريف الحرية... فالحرية ليست أن أستخدم قدرتي بلا حدود، بل أن أمتلك الوعي الكافي لأعرف متى أتوقف احتراماً لكرامة الآخر».

تنظيم العلاقة وتحقيق العدالة

في سياق آخر، حول كيفية تنظيم العلاقة عند استخدام «التوثيق الرقمي». يشدّد الصحافي والمراسل الهولندي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، يوست شيفيرز، على أن «فاعلية التوثيق الرقمي لا تتوقّف عند لحظة الانتشار أو تصدر الترند، بل ترتبط بالمسار المؤسسي والقانوني اللاحق». وأضاف شيفيرز لـ«الشرق الأوسط» أنه يُمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تسهِم في تحقيق العدالة بشرط ضمان سلامة الضحايا وتقديم الإغاثة لهم أولاً. وأكد على «ضرورة تحويل هذه الأدوات وسائلَ للرقابة والمحاسبة الفعلية... إذ لا يكفي نشر صور القبض على المتهمين؛ بل تجب متابعة المسار القضائي بالكامل بدءاً من عرض المتهمين على القضاء، ووصولاً إلى الأحكام الصادرة ودور الدفاع. ذلك أن الشفافية في إجراءات التقاضي هي المعيار الحقيقي لتحويل المحتوى الرقمي أداةً لإنفاذ القانون».

نقطة أخرى تطرق لها المهتمون والخبراء، هي إمكانية انتقال الإنسان بفعل وسائل التواصل من كونه شاهداً على حدث إلى كونه منتجاً لمشهد، ومن متلقٍ للمعلومة إلى مشارك في صناعها ونشرها... وبين هذه المسافة حدث تحول نفسي واجتماعي، حيث تراجع الحاجز الداخلي الذي كان يجعل الإنسان يتوقف قبل أن ينتهك إنساناً آخر.

الحماية القانونية

من الناحية القانونية، يضع استشاري حقوق الإنسان والتشريعات الإعلامية، إيهاب سلام، حداً فاصلاً بين التوثيق والنشر. ويشرح لـ«الشرق الأوسط» أن «التصوير في حد ذاته مُباح للجميع ولا يُعدّ جريمة، ما دام لم يقع ضمن محظورات قانونية، مثل تصوير أماكن محظورة بنص القانون، أو تصوير أشخاص من دون رضاهم؛ لأن ذلك يُمثل انتهاكاً للخصوصية التي يحميها الدستور والقانون... بصرف النظر عمّا إذا كانت هذه الصور مُسيئة أو غير مسيئة، ولكن يُستثنى من ذلك حالات محدّدة، من بينها تصوير جريمة أثناء وقوعها، حيث يعطي القانون الأولوية لتوثيق الجريمة على حق الخصوصية».

ومن ثم، يركّز سلام على أن «النشر هو فعل آخر ولاحق للتصوير، ويُشترَط له قانوناً الحصول على موافقة صاحب الصورة أو المحتوى، والحماية القانونية هنا تتعلّق بحماية واحترام الخصوصية قبل أن تكون مرتبطة بالإساءة». ويستطرد قائلاً إن «نشر أي محتوى يتضمّن تشهيراً أو إساءة إلى شخص بعينه يُعدّ جريمة مُكتملة الأركان، سواءً كانت الوقائع صحيحة أو غير ذلك؛ لأن القانون يَحظُر التشهير ذاته بصرف النظر عن صحة المعلومة».

كذلك، يتطرّق سلام إلى حقيقة أن «القانون يعطي الأولوية لتوثيق الجريمة أثناء وقوعها على حقّ الخصوصية، لكنه لا يبيح النشر للعامة، والإجراء القانوني السليم هو تسليم المادة المصورة للجهات المختصة... وفي حالة الرغبة في النشر بخصوص هذه الحالة يجب التحقّق من صحة المحتوى وإخفاء هوية الأشخاص، مع تجنب تحويله وسيلةً للتشهير أو الإيذاء».

ثم يضيف أن «القوانين في المقابل أباحت، وأكدت على، حق نقد الشخصية العامة والموظف العام والكشف عن التجاوزات، لكنها وضعت شروطاً لاستخدام هذا الحق، من أبرزها أن يكون الفعل محل النقد مرتبطاً بعمله وليس أمراً شخصياً، وأن تكون الوقائع صحيحة ومثبتة، وأن يكون النقد الموجّه يتناسب مع الفعل محل النقد... ولكن رغم ذلك تظل الحياة الخاصة لهم محمية حماية كاملة، ولا يُعتد بذريعة كون الشخص شخصية عامة لتبرير المساس بخصوصيته أو الإساءة إليه».

ثم يلفت الاستشاري سلام إلى أن «الصراع بين فضيلة الكشف وخطر الانفلات يعكس مرحلة انتقالية في بنية المجتمعات، ففي حين يمثل التصوير الشعبي صمام أمان ضد الفساد والتسيب، يظل غياب الضبط التحريري والقانوني مُهدّداً للانفلات الاجتماعي. ومن ثم، لا بد من تعميم إرشادات وتعليمات للمواطنين بطرق وآليات الإبلاغ عن الجرائم ونشرها دون الوقوع في المحظورات القانونية، والتعجيل في سَن التشريعات المتعلقة بحماية الشهود والمُبلّغين لوضع مسار قانوني واضح لطريقة الإبلاغ عن التجاوزات من دون التعدّي على حقوق أخرى محمية قانونياً».

تتعدّد النماذج الدولية التي تعكس الدور المزدوج للتوثيق الرقمي


«أبل» تُحفز ناشرين لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي

شعار "أبل" (رويترز)
شعار "أبل" (رويترز)
TT

«أبل» تُحفز ناشرين لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي

شعار "أبل" (رويترز)
شعار "أبل" (رويترز)

سعياً لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي، تدرس شركة «أبل» دفع أموال لمؤسسات الإعلام مقابل استخدام ما تنشره من محتوى في نسختها الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من «سيري»، في محاولة لتحفيز الناشرين على دعم خدمة هذا المساعد الصوتي الذكي.

صحيفة «وول ستريت جورنال» أشارت في تقرير نشرته أخيراً إلى أن شركة «أبل» بدأت بالفعل التواصل مع عدد من الناشرين لمناقشة إمكانية استخدام محتواهم الإخباري داخل «سيري»، وأن «أبل» عرضت مبالغ مالية تبدأ من نحو 100 مليون دولار.

يُتوقع أن تطرح «أبل» نسختها الجديدة «سيري» خلال العام الجاري، ومن المفترض ألا تعتمد النسخة الجديدة على معلومات عامة أو قديمة، بل ستحتاج إلى معلومات حديثة تجيب بها عن أسئلة المستخدمين.

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بالإمارات العربية المتحدة، عدَّ، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، اتجاه «أبل» الجديد بمنزلة «جزء من صراع قديم متجدد». وقال إن «معظم منصات التواصل الاجتماعي دخلت في مناقشات مع الناشرين بشأن أحقيتهم في عوائد مالية على المحتوى الذي يتم نشره أو استهلاكه على المنصات».

ثم أردف أنه «نتيجة هذه المناقشات، خضعت بعض منصات التواصل الاجتماعي لاتفاقيات مالية في بعض الدول، وبعد ذلك بدأت المنصات في التضييق على المحتوى الإخباري لتقليل أي فوئد مالية للناشرين... أما بشأن ما تخطط له (أبل) فإن النظرة الأولى العامة تشير إلى مكاسب وعوائد للناشرين».

من جهة ثانية، ذكر كيالي أنه «من الممكن أن تعتمد (أبل) الأسلوب نفسه الذي اعتمدته منصات التواصل الاجتماعي، وتبدأ في التضييق على الناشرين، إضافةً إلى أنه من الممكن ألا ينجح هذا المشروع، بمعنى ألا تكون هناك عوائد مالية تُذكر من (سيري)».

وأشار إلى أن «تعميم فكرة (أبل) يحتاج لفترة قد تتجاوز العام، وذلك بعد نجاح التجربة واختبارها في الولايات المتحدة وأوروبا»، متوقعاً أن «يمتد هذا الموضوع أو تأثيره على الأقل إلى باقي شركات التواصل الاجتماعي».

ومن ثم، أوضح أن «الناشرين يعانون حالياً من استحواذ الذكاء الاصطناعي على معظم عمليات البحث والقراءة، ولا يوجد بشكل عام أي إعادة توجيه للمحتوى الأصلي بعيداً عن إجابات برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي».

وحسب «وول ستريت جورنال»، اقترحت «أبل» نموذجاً لـ«تعويضات متغيرة حسب الاستخدام»، مما يعني أن المؤسسات الإعلامية لن تحصل على مبلغ ثابت مقابل منح «أبل» حق الوصول إلى أرشيفها أو محتواها بالكامل، بل تحصل على أموال كلما استخدم «سيري» محتواها، وهو ما يختلف عن اتفاقيات الترخيص التي وقَّعتها شركات الذكاء الاصطناعي مع المؤسسات الإعلامية خلال السنوات الأخيرة، والتي تقوم غالباً على دفع مبلغ ثابت مقابل الحصول على نطاق واسع من المحتوى.

للعلم، هذا النموذج ليس جديداً على «أبل»، فهو ما تطبقه حالياً في خدمة «أبل نيوز»، حيث يجري احتساب الإيرادات بصورة تتناسب مع نسبة القراءات التي تحققها مواد كل ناشر على «أبل نيوز».

هنا، عدَّ الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، ما تعتزم «أبل» تنفيذه «مصدر دخل جديداً محتملاً، لكنه غير مضمون القيمة». وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «نظام الدفع متغير ومرتبط بالاستخدام الفعلي، وليس ثابتاً، مما يعني أن الناشر قد يحصل على مبلغ صغير جداً إذا لم يستعن (سيري) بمحتواه كثيراً».

وأضاف أن هذا النموذج «قد يخلق توتّراً بين الناشرين، فمَن يوافق على النموذج المتغير قد يشعر بأنه يتنازل عن قيمة أكبر مقارنةً بمن حصل على صفقات ذات مبالغ ثابتة مع شركات أخرى مثل (أوبن إيه آي)».

ثم أشار فتحي إلى أن «الشركات الكبرى مثل (أبل) عادةً ما تبدأ بتجربة المزايا الجديدة داخل الولايات المتحدة قبل تعميمها والانطلاق إلى أوروبا ثم بقية العالم، حسب نجاح المزايا وبعد دراسة المعوقات والتغلب عليها... وهكذا»، متوقعاً أن «تعمد (أبل) إلى تعميم التجربة، لا سيما في الدول التي لديها مكاتب وتمثيل من الشركة».

وتابع أن «هناك تحركاً كبيراً وواسعاً للشركات التكنولوجية الكبرى؛ فهي في طبيعتها تنافسية، وهناك بالفعل نقاش واسع حول كيفية تعويض الناشرين، ولذا أتوقع أن تتجه شركات أخرى مثل (أوبن إيه آي) أو (غوغل) لتبنّي نماذج مشابهة أو مختلفة، خصوصاً إذا أثبت نموذج (أبل) جدواه».

في سياق متصل، تعتزم «أبل» إدخال تغييرات على قواعد عمل متجرها الإلكتروني «آب ستور» بدءاً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تسمح للمستخدمين في دول الاتحاد الأوروبي بخيارات متعددة لتحميل التطبيقات ودفع ثمنها، وفقاً لبيان مشترك صادر عن الشركة والمفوضية الأوروبية أخيراً.

تأتي هذه التحديثات استجابةً للضغوط التي تعرّضت لها من الاتحاد الأوروبي بشأن تطبيق قواعد مكافحة الاحتكار وحماية المنافسة. وحقاً، في أبريل (نيسان) 2025 فرضت المفوضية الأوروبية غرامة قيمتها 500 مليون يورو (578 مليون دولار) على «أبل» بسبب انتهاك قانون الأسواق الرقمية في الاتحاد الأوروبي.

هذا، ويفرض قانون الأسواق الرقمية الأوروبي التزامات إضافية على شركات التكنولوجيا الأميركية «ألفابت» (مالكة «غوغل») و«أمازون» و«أبل» بهدف ضمان المنافسة العادلة في الأسواق الرقمية.