«مودي كير» يعيد الجدل حول تدهور الأوضاع الصحية في الهند

اقتراب الانتخابات زاد من سخونة المناقشات

توجد انتقادات واسعة في الهند للنظام الصحي الموجود حالياً (رويترز)
توجد انتقادات واسعة في الهند للنظام الصحي الموجود حالياً (رويترز)
TT

«مودي كير» يعيد الجدل حول تدهور الأوضاع الصحية في الهند

توجد انتقادات واسعة في الهند للنظام الصحي الموجود حالياً (رويترز)
توجد انتقادات واسعة في الهند للنظام الصحي الموجود حالياً (رويترز)

أعلنت الهند مؤخراً عن تدشين ما يمكن اعتباره أكبر برنامج رعاية صحية بتمويل حكومي على مستوى العالم. وتوفر «الخطة القومية لحماية الصحة»، التي أطلق عليها أنصار رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، اختصاراً اسم «مودي كير»، تغطية صحية قيمتها 7.825 دولار لكل أسرة سنوياً.
ويتيح برنامج الرعاية الصحية، الذي تموله الدولة وتوفره لعدد من السكان يتجاوز سكان أميركا الجنوبية، خدماته إلى مائة مليون أسرة فقيرة، أو ما يقرب من 500 مليون شخص، يمثلون 41.3 في المائة من تعداد السكان، مع العلم بأن نحو 29 في المائة من الهنود يعيشون تحت خط الفقر.
وطبقاً لهذه الخطة، يمكن لأربعة من بين كل عشرة هنود الاستفادة من رعاية ثانية أو ثالثة في مستشفيات حكومية، أو رعاية خاصة ضمن حدود التأمين المسموح بها لكل أسرة. وتمثل ميزانية الصحة العامة حالياً في الهند 1.15 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 2.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2025.
- إنفاق متدنٍ على الصحة
الجدير بالذكر أن معدل الإنفاق على الرعاية الصحية في الهند يعد من بين النسب الأقل عالميا، وكذلك ينزلق نحو 52.2 مليون هندي نحو حد الفقر والعوز سنوياً لأسباب تتعلق بالصحة.
ومن حيث الخدمات المتاحة، فإن تدني مستوى خدمات الرعاية الصحية، وعدم وجود مستشفيات حكومية، والنقص في الأطباء، تعد كلها من المشكلات الشائعة في نظام الرعاية الصحية في الهند. والمستشفيات الحكومية الجيدة محدودة ومتباعدة، ووحدات الرعاية الصحية الأولية في حالة سيئة، في حين ترتفع أسعار خدمة الرعاية الصحية التي تقدمها العيادات الخاصة.
كذلك تبلغ نسبة الأطباء إلى المرضى، طبيبا واحد لكل 1700 مريض؛ وقد قام شخص محتال مؤخراً بحقن 25 مريضا بدماء تحمل فيروس نقص المناعة المكتسبة، مما أثار حالة من السخط الشديد في أنحاء البلاد، وسلّط ذلك الضوء على مشكلات نظام الرعاية الصحية خاصة في المناطق الريفية بالهند.
ويتسبب تراجع مستوى الصحة، وارتفاع التكاليف في تراجع ما يتراوح بين 3 و5 في المائة من السكان إلى حد الفقر. وتتمكن الأسر في المناطق الريفية من تسديد أكثر من ربع نفقاتها على الرعاية الصحية من خلال الاستدانة، أو بيع الأصول والممتلكات. ولا يجد كثير من الهنود أي خيار أمامهم سوى الذهاب إلى المستشفيات الخاصة التي ترتفع نفقات العلاج بها إلى درجة لا يمكن أن يدفعها شخص يقلّ دخله السنوي عن ألفي دولار.
ويعد إنفاق الهند على الصحة كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي هو الأدنى، مقارنة بغيرها من دول مجموعة الـ«بريكس»، التي تضم إلى جانب الهند، البرازيل، وروسيا، والصين، وجنوب أفريقيا.
وبحسب البيانات التي جمعها البنك الدولي، وصل إنفاق الهند على الصحة للفرد الواحد عام 2014 إلى 267 دولارا، أي أقل من المتوسط العالمي البالغ 1271 دولارا، وكذلك يعد أقل من المتوسط في دول نامية أخرى مثل إندونيسيا ودول أفريقية مثل جيبوتي والغابون، حيث يبلغ متوسط إنفاق المواطن على الرعاية الصحية في الأولى 338 دولارا، وفي الثانية 599 دولارا.
- الحكومة عازمة على الإصلاح
وسوف يصل قسط تأمين كل أسرة تحت نظام «مودي كير»، بحسب تقديرات الحكومة، إلى نحو 17 دولاراً تقريباً. وإذا تم تنفيذ البرنامج بشكل كامل، سوف تدفع الحكومة الهندية 1.9 مليار دولار سنوياً على شكل أقساط تأمين، وهو مبلغ ليس بالهين، رغم أن اقتصاد الهند تقدر قيمته بنحو 2.4 تريليون دولار.
وقال آرون جايتلي، وزير المالية في إشارة إلى عدد الشباب الكبير في البلاد: «لا يمكن للهند تحقيق النمو الاقتصادي الديموغرافي دون أن يكون مواطنوها أصحاء»، وأضاف خلال خطاب عن الموازنة: «تسير الحكومة بخطى ثابتة نحو الهدف المتمثل في توفير تغطية صحية شاملة». وأوضح قائلاً إنه سيتم توفير ما يكفي من المال لتنفيذ هذه الخطة، دون الحديث عن التفاصيل.
كذلك صرح هاسموك أدهيا، مسؤول العائدات في وزارة المالية، خلال مقابلة أعقبت الإعلان عن الموازنة بأن إتمام الخطة سوف يستغرق ستة أشهر أخرى، ويلي ذلك بضعة أشهر للتعاقد مع شركات التأمين ومقدمي الخدمات الصحية.
على الجانب الآخر، قال إندرانيل موخرجي، المحاضر في جامعة «جيندال غلوبال»، والذي يجري أبحاثاً عن توجهات الصحة في الهند: «الزمن عنصر مهم وحيوي في الحصول على التمويل اللازم، وسوف يمثل ذلك مهمة شاقة. يمكنك القول إن اتخاذ الخطة شكلاً محدداً سوف يستغرق ستة أشهر، وسيحتاج وزير الصحة إلى ثلاثة أشهر أخرى من أجل التعاقد مع شركات التأمين ومقدمي الخدمات الصحية. يعني ذلك أنك أضعت تسعة أشهر، ونحن الآن في فبراير (شباط) 2018».
- «مودي كير» والانتخابات
مع ذلك لا يشعر التحالف الديمقراطي الوطني بزعامة حزب الشعب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم بالقلق؛ فإذا تم تنفيذ الخطة قبل الانتخابات العامة عام 2019، سوف يكون لدى التحالف أمل كبير، حيث تقول فاندانا كوماري سينغ، من حزب «ساماجوادي جاناتا»: «سيكون هناك ما يكفي من الأطباء التابعين للحزب الحاكم الذين يزودون المحطات الإخبارية والصحف بالأخبار، وسوف يصبح مشروع الرعاية الصحية محور الأحاديث».
كذلك يشير إندرانيل إلى مسح العينة القومي الذي يوضح أن خطط التأمين الصحي الحكومية المعمول بها حالياً متخبطة بسبب عدم توافر السيولة النقدية. الأسوأ من ذلك هو عدم تغير مستوى الإنفاق الكارثي على الصحة سواء في ظل وجود نظام تأمين صحي بتمويل حكومي أو عدم وجوده. ويوضح قائلاً: «لا نعلم ما إذا كانت تلك الخطط سوف تساهم في تحسن فرص العلاج في المستشفيات أم لا».
ويقبل رئيس الوزراء مودي على انتخابات على مستوى البلاد خلال العام المقبل، لذا يتم النظر إلى برنامج الرعاية الصحية الجديد باعتباره مبادرة لجذب الناخبين في المناطق الريفية، والذين يعاني أكثرهم من ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية. يمكن كذلك القول إن تنفيذ هذه الخطة قبل الانتخابات العامة المقررة في 2019 أمر غير مؤكد، رغم أنها سوف تمنح حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم بلا شك فرصة الحديث عن موضوع مهم أثناء الحملة الانتخابية.
واستحضر تدشين حكومة مودي للخطة القومية لحماية الصحة مقارنات بينها وبين برنامج الرعاية الصحية، الذي نفذه باراك أوباما الرئيس الأميركي السابق، والذي تعهد بتوفير تغطية صحية ميسورة التكلفة إلى جميع الأميركيين. مع ذلك ما مدى الشبه بين البرنامجين اللذان تطبقهما أكبر دولتين ديمقراطيتين في العالم؟
يستهدف برنامج الرعاية الصحية «مودي كير» تحديداً فقراء الهند، في حين استهدف برنامج أوباما الفقراء، لكنه في الوقت نفسه أفاد الطبقة المتوسطة. طبقاً لبرنامج أوباما كان لزاماً على كل مواطن الاشتراك في التأمين، مع التزام الحكومة بدعم أقساطه.
وتنفق الولايات المتحدة نحو 18 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لها على الرعاية الصحية. مع ذلك تم توجيه انتقادات للبرنامج بسبب الزيادة الأخيرة في الأقساط، واستمر الجدال والنقاش حول ما إذا كان من الضروري إلغاء هذا البرنامج، وكذلك يبذل الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب جهوداً لإلغاء قانون «أوباما كير» للرعاية الصحية.
يقول خبراء الاقتصاد المتخصصون في مجال الصحة إن حجم سوق خدمات الرعاية الصحية المنزلية الهند، الذي يعد خياراً أرخص وأكثر راحة للمرضى، قد يتضاعف في غضون عام. رغم أن سوق الرعاية الصحية في الهند لا يزال في المرحلة الأولية، وتتولى أطراف غير منظمة ومشروعات ناشئة، ومبادرات مستشفيات، تقديم الخدمات به، بلغت قيمته عام 2016 نحو 3.20 مليار دولار، ومن المتوقع أن ينمو ليصل إلى 4.46 مليار دولار بحلول عام 2018، و6.21 مليار دولار بحلول عام 2020 بحسب تحليل أجرته مؤسسة «سايبر ميديا ريسيرش لمتيد»، وتقديرات العاملين في هذا المجال. وهذه المؤسسة هي شركة تم إنشاؤها عام 2008، وحاصلة على شهادة الجودة «أيزو 9001»، وعضو الجمعية الهندية لأبحاث السوق.
وسيكون على نظام التأمين الصحي القومي المقترح تجاوز الكثير من التحديات التي قد لا يكون التمويل أكثرها صعوبة. سيتعين على الحكومة منع أي إساءة استخدام محتملة لهذا البرنامج من جانب المستشفيات والجهات المقدمة لخدمات التأمين. كذلك سيكون عليها التعامل مع العواقب الأخرى غير المقصودة مثل المخاطر غير الأخلاقية التي تتضمن سوء نية، والتي قد تتسبب في نفقات غير ضرورية، وزيادة تكاليف الرعاية الصحية.
وفي المناطق الريفية، فالمستشفيات الحكومية خاوية على عروشها، حيث لا يوجد بها أطباء، أو ممرضون أو عقاقير طبية، أما في المناطق الحضرية، فعلى المرضى الذين يتوجهون إلى المستشفيات الحكومية الانتظار طويلا لتلقي العلاج إلى حد أن هناك دعابة تقول إن الهنود يذهبون إلى المستشفيات الحكومية ليموتوا لا ليعيشوا.
نتيجة لذلك ازداد عدد المستشفيات الخاصة في أنحاء الهند، لكنها تستهدف بالأساس المشاهير والصفوة في الهند، وأحيانا بعض اللاجئين الأفغان الذين يحصلون على منح من الأمم المتحدة أو حكومتهم. سوف تنكر الدوائر الطبية هذا الأمر، لكن الحقيقة هي أن المستشفيات الخاصة قد أصبحت وسيلة لجني الأرباح، حيث يتخلى الأطباء عن قسم أبقراط بمجرد ارتداء زي الطبيب. تقول دلفينا تشاكرافارتي، الرئيسة التنفيذية لمستشفى «أرتميس» في مدينة جورجاون، أثناء مناقشة حول زيادة معدل الإصابة بالسرطان: «آلية تقديم الخدمة هي العنصر الرئيسي، فعلى الحكومة جعلها شاملة. هذا استثمار في الصحة، وعلى الجميع أن يكونوا جادين في هذا الأمر. يجب ألا تكون الخطط على الورق فحسب، بل يجب تنفيذها».


مقالات ذات صلة

صباحاً أم مساءً؟ ما أفضل وقت لشرب شاي الكركم للحصول على أقصى فائدة؟

صحتك شرب شاي الكركم في المساء قد يكون خياراً مناسباً لمن يبحثون عن الاسترخاء قبل النوم (بيكسلز)

صباحاً أم مساءً؟ ما أفضل وقت لشرب شاي الكركم للحصول على أقصى فائدة؟

يُعرف شاي الكركم بفوائده الصحية المتعددة، بفضل احتوائه على مركب «الكركمين»، الذي يتميز بخصائصه المضادة للالتهابات والأكسدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الخبراء ينصحون الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع في مستويات الدهون الثلاثية في الدم بتناول زيت السمك (بيكسلز)

كم من الوقت تحتاج لتلاحظ تأثير زيت السمك على قلبك؟

يُعدّ زيت السمك من أكثر المكملات الغذائية شيوعاً عند الحديث عن دعم صحة القلب، نظراً لغناه بأحماض «أوميغا-3» الدهنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك كيف يمكن اختيار الوقت الأمثل لممارسة تمارين القوة (بكسلز)

لتحقيق أقصى استفادة... ما الأوقات الذهبية لممارسة تمارين القوة؟

أظهرت الدراسات الحديثة أن القوة البدنية والقدرة على رفع الأوزان تصل إلى ذروتها عادةً في ساعات ما بعد الظهر والمساء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)

لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

يعيد الذكاء الاصطناعي والبيانات المتكاملة تشكيل الرعاية الصحية نحو التنبؤ والتخصيص مع تحديات تتعلق بالجودة والخصوصية والتنظيم.

نسيم رمضان (لندن)
صحتك النوم غير الكافي قد يؤدي إلى زيادة نسبة الدهون في الجسم (بيكسلز)

ما الحالات المرضية التي قد تسبب زيادة الوزن؟

قد يزداد الوزن عندما لا تُنتج الغدة الدرقية -وهي غدة صغيرة على شكل فراشة في الرقبة- ما يكفي من الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قفزة في عوائد السندات الأميركية مع تبدد آمال التهدئة وتصاعد مخاوف التضخم

منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
TT

قفزة في عوائد السندات الأميركية مع تبدد آمال التهدئة وتصاعد مخاوف التضخم

منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)

سجلت عوائد السندات الأميركية قفزة ملموسة خلال التعاملات الآسيوية يوم الخميس، مدفوعة بتبدد الآمال في نهاية قريبة لحرب إيران، مما أدى إلى اشتعال أسعار النفط وإثارة مخاوف واسعة من موجة تضخمية جديدة قد تقضي على أي فرص لتخفيف السياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

وارتفعت عوائد السندات لأجل عشر سنوات بمقدار 5 نقاط أساس لتصل إلى 4.376 في المائة، بعد أن قدم الرئيس دونالد ترمب رؤية ضبابية حول موعد إنهاء الصراع، وتنصل من مسؤولية إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي.

وأدت القفزة التي بلغت 6 في المائة في العقود الآجلة لخام برنت إلى إعادة تسعير الأسواق لتوقعات الفائدة؛ حيث استبعد المستثمرون تماماً خيار خفض الفائدة لهذا العام، بعد أن كانت التوقعات تشير إلى خفض بمقدار 50 نقطة أساس قبل اندلاع الحرب.

ويرى خبراء الاستراتيجية أن خطاب ترمب لا يوحي بقرب انفراج أزمة مضيق هرمز كما كانت تتوقع الأسواق، بل إن مخاطر الهجمات المضادة تشير إلى احتمال استمرار إغلاق المضيق لشهر إضافي على الأقل، وهو ما يضع سلاسل التوريد العالمية للمنتجات الحيوية - من البنزين والغاز إلى الأسمدة والأدوية - في حالة شلل تام.

وبدأت آثار هذه الموجة التضخمية في الظهور فعلياً مع تجاوز أسعار البنزين حاجز 4 دولارات للغالون في بعض الولايات الأميركية، في حين أظهرت مسوحات التصنيع الأخيرة قفزة هائلة في مؤشر الأسعار المدفوعة، وصلت إلى مستويات تتسق مع معدل تضخم سنوي يبلغ 4 في المائة. هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار سيجعل من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي التفكير في خفض الفائدة، حتى مع تحول تكاليف الطاقة المرتفعة إلى «ضريبة» تنهك المستهلكين وتحد من الطلب المحلي، وهو ما دفع عوائد السندات لأجل عامين للارتفاع إلى 3.856 في المائة، بزيادة قدرها 48 نقطة أساس منذ بداية النزاع.

وتتجه الأنظار الآن بترقب شديد نحو تقرير الوظائف لشهر مارس (آذار)، حيث تشير التوقعات إلى نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة بعد القراءة الضعيفة لشهر فبراير (شباط). ويعتقد المحللون أن أي تعافٍ في وتيرة خلق الوظائف قد يدفع الأسواق إلى تغيير بوصلتها بشكل جذري نحو ترجيح كفة رفع أسعار الفائدة لمرة أو مرتين، تماشياً مع التوجهات السائدة في الاقتصادات المتقدمة الأخرى التي تواجه ضغوطاً مماثلة، مما يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام خيارات صعبة للموازنة بين ركود محتمل وتضخم جامح.


بورصة سيول تهوي بأكثر من 3% مع تبدد آمال الهدنة

متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
TT

بورصة سيول تهوي بأكثر من 3% مع تبدد آمال الهدنة

متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

شهدت الأسواق المالية في كوريا الجنوبية تحولات دراماتيكية خلال تعاملات يوم الخميس؛ حيث تراجع المؤشر الرئيسي «كوسبي» بنسبة تجاوزت 3.4 في المائة، ليفقد أكثر من 188 نقطة ويستقر عند مستوى 5290.36 نقطة.

وجاء هذا الهبوط الحاد بعد أن بدد خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب آمال المستثمرين في نهاية وشيكة للحرب مع إيران، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية لأسابيع قادمة، مما دفع المؤسسات الأجنبية إلى تنفيذ عمليات بيع مكثفة في بورصة سيول.

وقاد قطاع أشباه الموصلات موجة التراجع، حيث هبط سهم شركة «سامسونغ للإلكترونيات» بنسبة 5.17 في المائة، كما فقد سهم «إس كيه هاينكس» 4.82 في المائة من قيمته، وسط مخاوف من تأثر سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وتزامن هذا النزيف مع ضغوط تضخمية متزايدة في البلاد، حيث حذر خبراء الاقتصاد من أن المخاطر تظل مائلة نحو الارتفاع مع تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، وهو ما قد يربك حسابات السياسة النقدية المحلية رغم محاولات الحكومة كبح أسعار الوقود.

وفي محاولة لامتصاص الصدمة، كشف وزير المالية الكوري الجنوبي، كو يون تشول، عن تدفقات أجنبية ضخمة نحو سوق السندات المحلية، بلغت قيمتها 4.4 تريليون وون (نحو 2.91 مليار دولار) خلال الأيام القليلة الماضية، بقيادة مستثمرين من اليابان. وأوضح أن هذا الإقبال الأجنبي يأتي مدفوعاً بإدراج السندات الكورية في مؤشر عالمي رئيسي، مشيراً إلى أن هذه التدفقات ستلعب دوراً حيوياً في توفير السيولة اللازمة واستقرار عوائد السندات والعملة المحلية (الوون) التي شهدت تراجعاً أمام الدولار لتصل إلى مستوى 1520 وون.

ورغم هذه التدفقات الداعمة في سوق السندات، إلا أن حالة الحذر تظل هي المهيمنة على المشهد العام؛ إذ سجلت السندات الحكومية لأجل ثلاث وعشر سنوات ارتفاعاً في العوائد بنحو 10.7 و8.5 نقطة أساس على التوالي. وتعكس هذه التحركات المتناقضة بين نزيف الأسهم وتدفقات السندات حالة الضبابية التي تفرضها التطورات الجيوسياسية في الخليج على أحد أكبر الاقتصادات الآسيوية المعتمدة على استيراد الطاقة.


الدولار يستعيد بريقه مع تبدد آمال وقف إطلاق النار في إيران

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يستعيد بريقه مع تبدد آمال وقف إطلاق النار في إيران

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

استعاد الدولار الأميركي زخم صعوده مقابل العملات الرئيسية خلال تعاملات يوم الخميس، لينهي بذلك يومين من التراجع، بعد أن أدى خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تحطم آمال المستثمرين في التوصل لسياسة «وقف إطلاق نار» وشيكة في صراع الشرق الأوسط.

وساهمت الضبابية التي خلفها الخطاب بشأن الجدول الزمني للعمليات العسكرية في إعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال نحو العملة الخضراء باعتبارها الملاذ الآمن المفضل في أوقات الأزمات الجيوسياسية.

وقد ارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، ليصل إلى مستوى 99.925 نقطة عقب الخطاب مباشرة. وجاء هذا التحرك في وقت بدأ فيه المحللون والخبراء في استيعاب حقيقة أن الصراع قد يتجه نحو التصعيد قبل أن يبدأ في الانحسار، خاصة مع تأكيد ترمب استمرار الضربات العسكرية للأهداف الإيرانية خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام احتمالات تباطؤ ملموس وتفاقم في مخاطر إمدادات الطاقة.

وفي سوق العملات، انعكس صعود الدولار سلباً على العملات الرئيسية الأخرى؛ حيث تراجع اليورو إلى مستويات 1.1554 دولار، كما انخفض الجنيه الإسترليني إلى 1.3254 دولار، ليفقد كلاهما المكاسب التي تحققت في الجلسات الأخيرة. وكانت العملات المرتبطة بالمخاطر، مثل الدولارين الأسترالي والنيوزيلندي، الأكثر تأثراً حيث سجلت تراجعات بنسبة بلغت 0.6 في المائة، بينما ظل الين الياباني قابعاً تحت ضغوط الضعف، وإن ظل بعيداً عن مستوى 160 للدولار، وهو المستوى الذي تراقبه السلطات اليابانية للتدخل المحتمل.

ومع انتهاء تأثير الخطاب، بدأت أنظار الأسواق تتحول الآن نحو تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة المقرر صدوره يوم الجمعة، حيث يترقب المستثمرون بيانات مارس (آذار) التي قد تعيد صياغة توقعات السياسة النقدية. ويرى الخبراء أن أي تدهور حاد في سوق العمل قد يحيي الآمال بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، وهي التوقعات التي تلاشت مؤخراً بفعل ضغوط التضخم الناجمة عن قفزات أسعار النفط المرتبطة بالحرب.