طه حسين في السعودية... بين المتن والهامش

كتاب يضع كل أدبيات الزيارة في سياقٍ واحدٍ

طه حسين
طه حسين
TT

طه حسين في السعودية... بين المتن والهامش

طه حسين
طه حسين

جذبت زيارة طه حسين للسعودية في عام 1959 أنظار الأدباء حينذاك، فتنادوا مرحبين بالضيف، ورأوا في زيارته مغنماً للثقافة السعودية، وخروجاً من محليتها إلى رحابة الثقافة العربية، ولم يتوان الضيف أن يمنح مضيفيه ما ينتظرونه من الإشادة. فالزيارة كانت استكشافاً لطه حسين، وحدثاً كبيراً عند الأدباء السعوديين سطَّروه في مقالاتهم - قبل الزيارة وأثنائها وبعدها - مقالات ومقابلات ضمَّها كتاب «طه حسين في السعودية» الذي جمع وأعد مادته محمد القشعمي. والزيارة التي انفعل بها أدباؤنا، وعدُّوها حدثاً تاريخياً، تشكل اليوم تاريخاً يعني الباحثين برصد الخطابات المتقاطعة بين ما هو سياسي وثقافي واجتماعيٌّ.
إنَّ من يقرأ الكتاب سيصل إلى عبرٍ غير عادية، ومواقف استثنائية، ولحظاتٍ بليغة من عمق النظر إلى الأشياء، ووضوح فكر الرجل، حتى وهو في زيارة رسمية، وليس أدلَّ على ذلك من ردّه - عندما طلب منه أن يلقي خطاباً لدى زيارته المدينة المنورة - إذ قال: «كيف تريدونني أن أرفع صوتي في هذا البلد، وقد نزل فيه قول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)».
ما من شكٍ أنَّ طه حسين قدم في زيارة رسمية في 15 يناير (كانون الثاني) 1955 بوصفه رئيساً للجنة الثقافية للجامعة العربية؛ التي انعقدت دورتها في مدينة جدة، غير أنَّ اسمه لم يكن عاديا منذ ذلك الحين وحتى الآن، فقد ارتبط بثقافة التجديد، والتنوير، وصناعة مستقبل الثقافة؛ لذلك أخذت زيارته زخماً ثقافياً استثنائياً، بحجم حضوره في الثقافة العربية المعاصرة، ومن المؤكد أنَّ رئيس اللجنة الثقافية لو كان موظفاً كبيراً أو دبلوماسياً رفيعاً لما وجدت زيارته أي عناية من قبل المثقفين والأدباء. لقد جاء بصفة رسمية، لكنَّ حضوره كان أبعد من ذلك، فقد كان ثقافياً بامتيازٍ، فالزيارة الرسمية اكتسبت قيمتها الثقافية والتاريخية من شخصيته الفريدة، ومن هنا صحَّ أن نقول إنَّ متن الزيارة غير مهمٍ في ذاته ثقافياً ولا تاريخياً، بل المهم هو هامشها الذي قدح زناده تراكمٌ من العطاء الثقافي، والجدل الفكري؛ الذي أشعل فتيله، منذ أن كسر نمطية التقليد في فكرنا العربي المعاصر، فكان كتابه (في الشعر الجاهلي) نقطة انطلاقٍ لتحدي نمطية التلقي في الفكر العربي. لقد كان السؤال في فكره مقدماً على الإجابة، وأراد بأدواته المعرفية الحديثة أن يجدّد العلاقة بالتراث، وأن يؤكد أصالته، لكن عبر إزاحة القداسة المفتعلة، فالتراث، في نظره، ليس إلا تجربة إنسانية فيها مكامن من القوة توجب معرفتها البناء عليها، كما أنَّ هذه التجربة تنطوي على عوامل ضعفها البشري؛ مما يجعل الوعي بها ميزة التجاوز وعدم التكرار، ومن هنا كانت معاركه الفكرية ذات بصيرة تعلي من السؤال، وتمقت التقليد. وعليه، فزيارته استثنائية، ليس لمتنها الرسمي، بل لحمولات الهامش الثقافي الذي سبق صاحبها، فغدا حضوره تصديقاً لمواقفه؛ التي كانت تحمل حساسية في بداية عهده بالثورة الفكرية عند خصومه، وفي مرحلة الخمسينات كان فكره قد استقر، وبدا أكثر استيعاباً، ولا أقول قبولاً، من أطيافٍ ثقافية متعددة.
لقد أسبغ طه حسين على السعودية لبوساً ثقافياً؛ حيث ربطها بتاريخ العرب العريق في جزيرتهم، فخطابه الذي ألقاه في افتتاح حفل الدورة التاسعة، للجنة الثقافية للجامعة العربية، كان معبّراً عن أصالة المكان الدينية والثقافية والحضارية، فهي، بهذا المعنى التاريخي، منبعٌ يغذي روافده بأصالة اللغة، وروعة الأدب، وعمق الفكر، وهي، حسب تعبيره، الكل «الذي كوَّن قلبه وعقله وذوقه وعواطفه جميعاً»، إنَّ هذه المداخلة لا تخلو من الصدق، كما أنَّها لا تخلو من واجبات الموقف، فللصدق جانبٌ عميقٌ؛ حيث لا أحد يقدر أن يجادل في مسلماتٍ تاريخية، غير أنَّ واجبات الموقف، وضرورات المناسبة، تستدعي قولاً معروفاً لا يحتاج إلى برهانٍ، فهل حقيقة الواقع تواكب حقيقة التاريخ؟! لا أعتقد أنَّ طه حسين - وهو يستحضر هذا البعد - كان تحت وطأة البحث العلمي حتى يسأل هذا السؤال، بل هو في موقفٍ رسمي يتطلب رفع المعنويات، وشحذ الهمم، وتسطير الشكر والعرفان، وهو ما أفصح عنه في كلمته إلى الإذاعة السعودية بعد ذلك؛ حيث قال: «وأشهد ما رأيت منذ بلغت هذه البلاد إلا خيراً، ولا أحسست إلا نهضة وتقدماً، وأشهد ما شعرت منذ لقيت أهل هذه البلاد إلا ميلاً أشد الميل، واندفاعاً أشد الاندفاع، إلى استدراك ما فات، وإلى السبق في ميادين النشاط جميعاً»، فالذي علَّم طه حسين ليس المكان القريب سياسياً، بل المكان البعيد تاريخياً، وبمعنى آخر الحضارة العربية مكاناً وزماناً؛ التي ابتدأت في أرض الجزيرة، وامتدَّت جذورها، ولا أقول فروعها، إلى حواضر دمشق وبغداد والكوفة والبصرة والقاهرة والمغرب العربي والأندلس. إنَّها حواضر استجلبت ما كان في الأصل وأعادت بناءه وتكوينه، مسترشدة بالنصوص النقلية الدينية؛ حتى غدت سياقاً حضارياً أثَّر في الإنسانية جمعاء، فلا نسب لنا في الحضارة إلا بما نأخذه منها، وقد أخذ منها طه حسين كما لم يأخذ غيره، لكنَّ أخذه كان أخذ المتسائل، الشاكّ، المحاور، وليس المتلقي الغفل من أدواته العلمية، وفكره الثاقب، أخذ منها مثلما أخذ من حضارة الغرب، غير أنَّ الفرق كان جذرياً، فأخذه من حضارة الغرب كان قبولاً، بينما أخذه من حضارة العرب كان انتقاءً بعد السؤال والشك والتمحيص، وإذا كان منهجه هذا صار قائماً بذاته، فإنَّ خطابه - في مناسبة افتتاح الدورة التاسعة للجامعة العربية - صار تاريخاً يستوجب المساءلة، انسجاماً مع منهجه الذي طبقه في حياته العقلية، طه حسن كان عدو التسليم والقبول الحرفي، قبل أداء فريضة السؤال المعرفي؛ الذي من خلاله تستقيم الأمور.
لقد ظهر الاحتفاء الأكبر بطه حسين، لدى الأدباء السعوديين، بطريقة تظهر حاجتهم إلى الاعتراف بأدبهم، فهم يشعرون بخفوت صوتهم أمام نظرائهم، ويسعون إلى طلب التقديم لكتبهم، وإلى ذكرهم في محافل الأدباء، فحقَّقت زيارته لهم ما لم يكونوا يحلمون به، فسعوا إليه سعي راغبٍ، وتوجَّهوا إليه توجُّه قاصدٍ، ونظروا إليه نظرة إكبارٍ، فهو معلمٌ؛ حيث يكون التعليم بياناً، وهو قدوة؛ حيث تكون القدوة منهجاً، وهو أستاذ؛ حيث تكون الأستاذية فيضاً من العلم والمعرفة، ولم يخذلهم طه حسين؛ حيث لبَّى دعوتهم، وأجاب عن أسئلتهم، وحاورهم مثلما حاوروه، غير أنَّه كان داعماً أكثر منه مطَّلعاً على أدبهم، ففي الوقت الذي يثني فيه على التقدم الأدبي، كان يشير إلى ضعف الصلة، فكيف يستوي الثناء مع قلة المعرفة؟! والحقيقة أنَّ الموقف احتفالي لا يحتمل قولاً آخر، فعدم المعرفة لا يعطل الثناء العامَّ؛ الذي يصلح أن يكون مخرجاً مريحاً للطرفين.
الكتاب وثيقة تاريخية بمجمله، ليس نادراً كمواد متفرقة، لكنَّه أكثر من نادرٍ عندما توضع كل أدبيات الزيارة في سياقٍ واحدٍ (طه حسين في السعودية)، فإذا بالتاريخ يحضر موثَّقاً ومسجَّلاً؛ حيث نشط حدث الاستقبال الرسمي والثقافي لطه حسين، وكأن لا شيء يشغل البلاد على مدى تسعة عشر يوماً، وهو عمر الزيارة، سوى هذا الحدث، إن من يقرأ الكتاب يستحضر فيلماً تسجيلياً يرصد المحطات، والأوقات، والشخصيات، والمناسبات، والكلمات، والحوارات الصحافية، والإذاعية، في سياق هذا الحدث الذي نقرؤه الآن بعين المتأمل، حين عاشه أدباؤنا حينئذٍ حدثاً استثنائياً.
الكتاب الذي جمع مادته محمد القشعمي، وأصدره نادي الرياض الأدبي، كتابٌ يهم الباحثين والمهتمين بالدرس الثقافي عموماً.



مايكل بي. جوردان يفوز بأوسكار أفضل ممثل... وجيسي باكلي أفضل ممثلة

مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)
مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)
TT

مايكل بي. جوردان يفوز بأوسكار أفضل ممثل... وجيسي باكلي أفضل ممثلة

مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)
مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)

فاز مايكل ​بي. جوردان، المرشح لأول مرة، بجائزة أوسكار أفضل ممثل، ‌اليوم (الاثنين)، عن ‌تجسيد ​دور ‌توأمين ⁠في ​فيلم «سينرز» الذي ⁠يمزج بين عدة أنواع فنية ويحكي قصة مصاصي ⁠دماء.

وكان المرشحون ‌الآخرون ‌لجائزة ​أفضل ‌ممثل هذا ‌العام هم تيموثي شالاميه عن فيلم «مارتي سوبريم»، وليوناردو ‌دي كابريو عن فيلم «وان باتل ⁠أفتر أناذر»، ⁠وإيثان هوك عن فيلم «بلو مون»، والبرازيلي واجنر مورا عن فيلم «ذا سيكريت إيجنت».

جيسي باكلي تحمل جائزتها (رويترز)

وفازت جيسي باكلي، بجائزة أوسكار أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» في حفل توزيع جوائز الأوسكار، لتصبح أول امرأة أيرلندية تفوز بهذه الجائزة.

كيران كولكين تسلم جائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل في دور ثانوي نيابة عن شون بن (رويترز)

وفاز شون بن بجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل في دور ثانوي في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وهو الفيلم الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين.

وتنافس شون بن على هذه الجائزة مع بينيسيو ديل تورو عن دوره في «وان باتل أفتر أناذر»، وجايكوب إلوردي عن دوره في «فرانكنشتاين»، وديلروي ليندو عن دوره في «سينرز» وستيلان سكارسغارد عن دوره في «سنتيمنتل فاليو».

إيمي ماديغان محتفية بجائزتها (أ.ب)

بينما فازت إيمي ماديغان بجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثلة في دور ثانوي في فيلم الرعب «ويبنز».

 

وتنافست ماديغان على هذه الجائزة مع الممثلات إيل فانينغ عن دورها في «سنتيمنتل فاليو» وإنغا إبسدوتر ليلياس عن دورها في الفيلم نفسه، وونمي موساكو عن دورها في «سينرز» وتيانا تايلور عن دورها في «وان باتل أفتر أناذرر».

ديفيد بورنستاين وبافيل تالانكين وهيلي فابر وألزبيتا كاراسكوفا بعد الحصول على أوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل (رويترز)

وحصد فيلم «مستر نوبادي ​أجينيست بوتين»، الذي يتناول قصة مدرس روسي شاب يمارس مقاومة هادئة ضد الحرب الروسية على أوكرانيا، ‌جائزة الأوسكار لأفضل ‌فيلم ​وثائقي ‌طويل.

 

ويستخدم الفيلم، ⁠الذي أخرجه ديفيد بورنستاين وبافيل تالانكين، لقطات صورها تالانكين على مدى عامين ⁠لإظهار كيفية تلقين ‌الدولة الروسية ‌الطلاب رسائل ​مؤيدة ‌للحرب.

وكانت الأفلام الوثائقية الأخرى المرشحة هذا العام هي «كتينج ثرو روكس» و«ذا بيرفيكت نيبور» و«ذي ألاباما سولوشن» و«كام سي مي إن ذا ​جود ​لايت».

 

 

 

 

 

 

 


رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية
TT

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

فقدت السعودية، الأحد، أحد أبرز رجالات الأعمال فيها، بوفاة الشيخ حمد بن عبد العزيز الجميح، الذي شكّل على مدى عقود أحد أعمدة القطاع الخاص في البلاد، وأسهم في بناء واحدة من أبرز المجموعات التجارية العائلية التي لعبت دوراً مهماً في تطور النشاط الاقتصادي فيها.

وينتمي الراحل إلى عائلة الجميح المعروفة بنشاطها التجاري الممتد منذ عقود، حيث تولّى رئاسة العائلة بعد رحيل المؤسسين، كما شغل مناصب قيادية في عدد من الشركات والمؤسسات التابعة للمجموعة، من بينها رئاسة مجلس إدارة شركة الجميح للسيارات وشركة الجميح للمشروبات، إضافة إلى توليه منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة الجميح القابضة، ورئاسة مجلس إدارة مؤسسة التطوير والتنمية في محافظة شقراء.

ولد الشيخ حمد الجميح في محافظة شقراء - وسط السعودية - عام 1931 (1350 هجرياً)، ونشأ في بيئة تجارية بسيطة في فترة كانت فيها الحركة الاقتصادية في المملكة في بداياتها. وقد عاصر مراحل التحول الكبرى التي شهدتها البلاد مروراً بمرحلة بناء الدولة الحديثة وتطور اقتصادها.

ويروي الراحل في أحاديثه عن بداياته أنه بدأ حياته العملية في سن مبكرة، حيث كان يجمع بين الدراسة والعمل في متجر العائلة، إذ كان يذهب إلى المدرسة صباحاً ثم يعمل في المتجر (الدكان) بعد الظهر لبيع الأقمشة والبضائع الأساسية مثل القهوة والهيل والسكر. وكان هذا التوازن بين التعليم والعمل، بحسب ما كان يذكر، مدرسة مبكرة في الانضباط والمسؤولية.

يقول الجميح في حديث سابق: «كانت قيم الأمانة والالتزام من أبرز ما تشكلت عليه شخصيتي منذ تلك السنوات»، مشيراً إلى أنه اعتاد منذ شبابه الحفاظ على أموال التجارة بدقة شديدة، حتى إنه كان يروي أن العائلة كانت تفصل تماماً بين المال الشخصي ومال البضاعة، وهو مبدأ ظل يؤكد أنه أساس النجاح في العمل التجاري.

ومع انتقال العائلة إلى الرياض واتساع النشاط التجاري، بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الجميح، حيث شارك في تطوير أعمال العائلة وتوسيعها، لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز المجموعات التجارية في المملكة. وأسهم في الحصول على عدد من الوكالات التجارية العالمية، وكان من أبرزها وكالة «بيبسي كولا» في المملكة، التي شكّلت نقطة تحول في مسيرة المجموعة، إلى جانب نشاطها في قطاع السيارات الذي تطور لاحقاً عبر شراكات مع شركات عالمية والتي من أهمها شركة «جنرال موتورز» الأميركية.

وقد شهدت المجموعة خلال تلك الفترة توسعاً كبيراً في أنشطتها، لتشمل مجالات متعددة من التجارة والصناعة والخدمات، معتمدة في نموها على السمعة التجارية والالتزام المهني، وهي القيم التي كان الجميح يحرص دائماً على ترسيخها داخل الشركة العائلية بحسب حديثه.

وعُرف الراحل باهتمامه بالعمل التنموي والاجتماعي، خصوصاً في مسقط رأسه محافظة شقراء، حيث دعم عدداً من المبادرات التنموية والخيرية، إيماناً منه بدور رجال الأعمال في خدمة المجتمع إلى جانب دورهم الاقتصادي.

ونعت شركة الجميح القابضة فقيدها في بيان رسمي، وبرحيل الشيخ حمد الجميح، تفقد الساحة الاقتصادية السعودية واحداً من رجال الأعمال الذين عاصروا بدايات النهضة الاقتصادية للمملكة، وأسهموا في بناء مؤسسات تجارية عائلية تحولت مع الزمن إلى كيانات اقتصادية مؤثرة في السوق السعودية.

 

 

 

 

 

 


توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
TT

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

تجسد مشروعات التوسعة السعودية للحرمين الشريفين شاهداً على الدعم الكبير الذي توليه القيادة السعودية لخدمة ضيوف الرحمن، كما تعكس ريادة المؤسسات الأكاديمية السعودية في توظيف الابتكار لصناعة الحلول الواعية للتوقعات، مما يجعل التوسعة الثالثة نموذجاً عالمياً في «أنسنة» الفراغات المعمارية وتسخير الابتكار لخدمة ملايين الطائفين والركع السجود.

وقد سجَّلت جامعة الملك سعود حضوراً بارزاً في ذاكرة العمارة الإسلامية، بعد أن أصدرت الهيئة السعودية للملكية الفكرية 4 براءات فكرية لصالح الجامعة وفريق عملها، تتعلق بالفكرة التصميمية والأسس الهندسية لأكبر مشروع توسعة شهده المسجد الحرام في تاريخه.

ويأتي هذا الإصدار تتويجاً للتوجيه السامي الذي تبنى مقترح الجامعة قاعدةً للتوسعة الثالثة، في تجسيد لتكامل القرار القيادي مع الخبرة العلمية الوطنية. فمنذ اللحظة التي بارك فيها الملك عبد الله بن عبد العزيز هذه التصاميم في جدة عام 2008، انطلقت ورشة عمل وطنية كبرى قادها فريق فني رفيع من أساتذة الجامعات السعودية، حيث تلاقت الرؤى الأكاديمية مع الحلول التقنية لإنتاج مشروع معماري يوازن بين قدسية المكان ومتطلبات العصر.

وشمل تسجيل المصنفات الفنية للمشروع لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية أربعة عناصر رئيسة هي: تصميم مبنى التوسعة الثالثة للحرم المكي، وساحات الصلاة الشمالية، ومباني المداخل الشمالية، إضافة إلى التخطيط العام والامتداد المستقبلي للتوسعة.

لمحة مختصرة عن التصميم الأساس

التصميم الابتدائي لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (جامعة الملك سعود)

يقوم التصميم الأساس للمشروع على 3 كتل حلقية مركزها الكعبة المشرفة، تتوسطها بوابة الملك عبد الله، وتفصل بينها مسارات إشعاعية تنطلق من مركز الكعبة المشرفة، مكشوفة للسماء، مع جسور تربط الكتل في الأدوار العلوية.

وترتكز فكرة التصميم، التي أعدها فريق عمل جامعة الملك سعود برئاسة عميد كلية العمارة والتخطيط آنذاك الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن سعد المقرن، على مجموعة من المبادئ أبرزها احترام مركزية الكعبة المشرفة، وإتاحة رؤيتها من أماكن الصلاة المفتوحة، إضافة إلى إبراز محاور الحركة الرئيسة المتجهة مباشرة نحوها.

وتحقق ذلك من خلال توظيف محاور إشعاعية مستقيمة تنطلق من مركز الكعبة وتتقاطع مع حلقات دائرية حولها، مما يقسِّم المشروع إلى قطاعات دائرية تشكل الكتل البنائية الرئيسة، وتشمل المبنى الرئيس الذي يتكون من ثلاثة أجزاء تقع بين أربعة محاور إشعاعية تمثل مسارات الحركة الأساسية.

كما يتضمن التصميم الأفنية الخارجية المفتوحة الواقعة شمال وجنوب المبنى الرئيس، والمصاطب المتدرجة ومباني المرافق الخدمية الواقعة شمال هذه الأفنية، إضافة إلى الساحات الخارجية المحيطة بالمشروع من الجهات الشرقية عند ساحة المسعى ومنطقة المروة، والغربية عند ساحة باب العمرة وشارع أم القرى.

وبناءً على دراسات فريق التطوير التابع لوزارة التعليم العالي، تم اقتراح تمييز الكتلة الوسطى التي تضم بوابة الملك عبد الله، وتطوير الفراغات الداخلية المفتوحة، وتحويل المسارات الإشعاعية المكشوفة إلى مسارات مغلقة في جميع الأدوار، إضافة إلى تطوير العلاقة مع مبنى الحرم القائم من جهة الكعبة المشرفة، طبقاً لرؤية جامعة الملك سعود في تحقيق الامتداد المستقبلي للمشروع.

والتزاماً بصلب التوجيه السامي الكريم، أُعدت المخططات النهائية ونُفّذت أعمال المشروع وفقاً للتصميم الأساس والمعتمد من المقام السامي وتطويراته.

التطوير المطور لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (فريق تطوير المشروع)

رؤية مستقبلية للتوسعات

تجاوز المقترح الأساس الذي قدمته جامعة الملك سعود والمعتمد للتوسعة الثالثة للحرم المكي الشريف نطاق هذه المرحلة، ليطرح تصوراً أوسع يمثل رؤية مستقبلية لمشروعات توسعة الحرم. فقد اقترح إعادة تكرار وحدات الفكرة التصميمية الأساسية على مراحل تبدأ بامتداد الكتل الثلاثة لمبنى التوسعة باتجاه الكعبة المشرفة، ثم تكرار هذه الكتل أربع مرات باتجاه بوابتي الملك فهد والملك عبد العزيز، مع الالتزام بالفكرة التخطيطية والتصميمية للمرحلة الأولى، القائمة على المحاور الإشعاعية للحركة والقطاعات الحلقية للمباني، التي يختلف عمقها وفقاً للوضع العمراني القائم للمباني المحيطة بالحرم.

وتجسد هذه الرؤية مرونة الفكرة التصميمية وقدرتها على استيعاب التوسعات المستقبلية عند الحاجة، بما يحقق تناغماً وتكاملاً بين مراحل توسعة الحرم المختلفة والمشروعات المجاورة له.

الجامعات السعودية تتضامن لتطوير المقترح

مسقط أفقي لفكرة الأساس لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (جامعة الملك سعود)

وجَّهت القيادة السعودية وزير التعليم العالي بتكوين فريق مهني عالي التأهيل لتطوير المقترح الأساس للتوسعة الثالثة للمسجد الحرام، مع منحه الصلاحية للاستعانة بالخبراء المحليين والدوليين من العالم الإسلامي وخارجه عند الحاجة.

وبناءً على ذلك، شكَّل وزير التعليم العالي فريقاً مختاراً من أساتذة الجامعات السعودية، ووفَّر لهم التسهيلات الإدارية والفنية، مع تفريغهم للعمل على تطوير التصاميم والإشراف على تنفيذ التوسعة السعودية الثالثة.

وتكوَّن الفريق الفني برئاسة البروفسور صالح بن حامد السيد من جامعة الملك سعود، في حين ترأس الفريق المعماري الدكتور سمير بن محمود زهر الليالي من جامعة الدمام (جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل حالياً)، وترأس الفريق الإنشائي البروفسور يوسف بن عبد الله السلوم من جامعة الملك سعود.

كما ترأس فريق الحركة والحشود البروفسور عبد الرحيم بن حمود الزهراني من جامعة الملك عبد العزيز، وفريق الكهروميكانيكا والمرافق الصحية الدكتور إبراهيم بن عمر حبيب الله من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، بينما ترأس فريق البيئة والاستدامة الدكتور خالد بن محمد الجماز من جامعة الملك سعود، إضافة إلى فرق استشارية داعمة جرى الاستعانة بها عند الحاجة، مع توفير الدعم اللوجيستي اللازم لعملها.

وعملت هذه الفرق بتناغم كبير وروح الفريق الواحد، تحت إشراف لجنة عليا ضمت وزير التعليم العالي والرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، إلى جانب الرئيس التنفيذي للشركة المنفذة.

وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت، عبر حلقات عدّة في عام 2023، القصة الكاملة لتصميم التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام.