صحف باكستان تكافح لكسب معركة الإعلانات

الصحف ينتظرها مستقبل غامض بعد أن أظهرت معدلات القراءة في كبريات المطبوعات الباكستانية تراجعاً ملحوظاً
الصحف ينتظرها مستقبل غامض بعد أن أظهرت معدلات القراءة في كبريات المطبوعات الباكستانية تراجعاً ملحوظاً
TT

صحف باكستان تكافح لكسب معركة الإعلانات

الصحف ينتظرها مستقبل غامض بعد أن أظهرت معدلات القراءة في كبريات المطبوعات الباكستانية تراجعاً ملحوظاً
الصحف ينتظرها مستقبل غامض بعد أن أظهرت معدلات القراءة في كبريات المطبوعات الباكستانية تراجعاً ملحوظاً

الصحافة المطبوعة في باكستان في انخفاض، ومن أوضح الأدلة على ذلك صفوف الصحافيين المتراصة أمام أبواب القنوات التلفزيونية بحثاً عن عمل. تقلصت عائدات إعلانات الصحف بدرجة كبيرة بعدما اتجهت غالبية إعلانات الشركات الكبرى متعددة الجنسيات إلى القنوات التلفزيونية. فزيادة نسب المشاهدة تعني المزيد من عائدات الإعلانات للقنوات التلفزيونية. وفي عصرنا هذا تراجعت نسب القراءة حتى في مواقع الصحف الإلكترونية، ما يعني أن قدرة الصحف على اجتذاب المعلنين من القطاع الخاص قد تراجعت أيضا.
ونتيجة لذلك، فقد تراجعت قدرة الصحف على سداد رواتب العاملين لديها بصورة منتظمة.
خلال الخمسة عشر عاما الماضية، انتعشت صناعة الصحافة في باكستان أكثر من أي وقت مضى، لكن الصحف فشلت في تحقيق أي نجاح يذكر وبدت عليها علامات «الذبول».
- الصحف الصغيرة تختفي
وضحت أحدث مؤشرات صناعة الصحافة في باكستان أن الصحف ينتظرها مستقبل غامض بعد أن أظهرت معدلات القراءة في كبريات الصحف تراجعا ملحوظا، واقترب بعضها من غلق أبوابه.
يرجع ذلك إلى سببين رئيسيين: الأول هو أن معدلات القراءة نفسها قد تراجعت، والثاني هو أن عائدات الإعلانات تراجعت أيضا. وشهد العقد الأخير ظاهرة أخرى تمثلت في اتجاه غالبية القراء إلى الصحف الكبرى، الأمر الذي أدى إلى تراجع، بل وانهيار الصحف من الدرجة الثانية. فالصحف الكبرى مثل صحيفتي «جانغ» و«ديلي اكسبريس» اليوميتين الناطقتين باللغة الأردية اجتذبتا غالبية القراء، الأمر الذي أدى إلى اختفاء الصحف الصغيرة من المشهد. وتعد صحيفة «جانغ» أقدم وأوسع الصحف اليومية انتشارا في باكستان ويمتلكها إمبراطور الإعلام، مير شاكيل أور رحمن، الذي عرف بقيادته لصناعة الإعلام. كذلك نجحت صحيفة «ديلي اكسبريس» في النفاذ إلى مختلف شرائح القراء عن طريق الوصول إلى مناطق بعيدة لم تصلها غيرها من الصحف في أي وقت سابق.
- استقالات في صفوف المطبوعات الإنجليزية
لكن الوضع أسوأ بالنسبة للصحف الصادرة بالإنجليزية، ومنها صحيفة «باكستان تودي» التي صدرت مؤخراً وتطبع وتوزع في كراتشي ولاهور وإسلام أباد في وقت متزامن. ورغم الفخامة والضجة التي صاحبت صدورها فإنها لم تحقق نجاحا يذكر منذ بداية صدورها منذ عامين. ونتيجة لتقليص نفقات النشر، فقد تقدم رنا قيصر باستقالته من منصبه كمدير تحرير صحيفة «باكستان توداي».
ولتوضيح الأسباب، صرح قيصر بأن «المؤسسة لم تعد تتلقى التمويل الكافي وقامت بتقليص فريق المراسلين، ولذلك تقدمت باستقالتي». كذلك توقفت صحيفة «إسلام أباد دايتلاين» عن الصدور الشهور الماضية بعدما فشلت في زيادة مبيعاتها على مدار العامين الماضيين.
وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، أفاد رنا قيصر بأن صحيفة «ديلي تايمز» الصادرة بالإنجليزية كانت بمثابة قصة النجاح الوحيدة خلال العقد الأخير، لكن معدلات قراءتها ووضعها المادي في تراجع أيضا.
حققت صحيفة «ديلي تايمز» نجاحا كبيرا، وكانت على ما يرام من الناحية المادية، وكانت غنية بالأخبار والتقارير، وكانت تمنح الكثير من الحوافز للعاملين بها، بحسب قيصر، إلى أن أطلق مالكو الصحيفة قناة تلفزيونية وصحيفة تصدر بالأردية، الأمر الذي أدى إلى إصابة مصادر تمويل المجموعة بالجفاف.
كان الحاكم السابق لولاية البنجاب، سلمان تسير، المالك لصحيفة «ديلي تايمز» لكنه تعرض للاغتيال على يد ضابط شرطة بعد اتهام الأول بالإساءة إلى المقدسات. وخلال حياة سلمان تسير، كانت صحيفة «ديلي تايمز» تعد أكثر الصحف الليبرالية المؤيدة للولايات المتحدة في البلاد.
- المرئي يتصدر
ومن جانبهم، يرجع صحافيون محترفون السبب في تراجع معدلات توزيع الصحف الصادرة بالإنجليزية في باكستان إلى نقص المحتويات في تلك الصحف. بحسب مدير التوزيع بصحيفة «ديلي تايمز» التي تعد أكبر الصحف في باكستان، «هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى تراجع معدلات توزيع الصحف، أهمها تأثير القنوات الإخبارية». فمنذ نحو عشر سنوات، كانت الصحف تمثل المصدر الوحيد للأخبار للمجتمع الباكستاني، فيما كانت الحكومة تهيمن على صناعة الإعلام الإلكتروني. بيد أن الوضع تغير عندما سمحت حكومة رئيس الوزراء السابق برويز مشرف للقطاع الخاص بإدارة قنوات الأخبار التلفزيونية. والآن أصبح هناك نحو 40 قناة تلفزيونية مستقلة تبث الأخبار باللغات الأردية والإنجليزية والعديد من اللغات المحلية.
تقوم تلك القنوات الإخبارية ببث أخبار ما يحدث في الدوائر الحكومية دقيقة بدقيقة. وأشار رنا قيصر إلى أن «نوعية الأخبار تتراوح ما بين لقاءات رئيس الوزراء والأحاديث الصحافية للرئيس ولرئيس أركان الجيش، والزيارات للمناطق القبلية، وأخبار مثل خسارة باكستان لمباراة في الكريكيت في أستراليا». أضاف قيصر: «إن كل ما يحدث تحت الشمس يجرى بثه في هذه القنوات الإخبارية».
«لكن هذا الحال يمثل تحديا خطيرا أمام الصحف ويجبرها على تغيير محتواها»، وفق مدير أكبر الصحف الصادرة بالإنجليزية الذي طلب عدم نشر اسمه، مضيفا: «أتساءل لماذا ينتظر القارئ 12 ساعة كاملة ليقرأ ما قاله رئيس الوزراء عن قضية معينة في الوقت الذي تذيع فيه القنوات الإخبارية الأحاديث الصحافية لرئيس الوزراء على مدار الساعة»، وهو ما يعني أن غالبية الصحف قد فشلت في تغيير محتواها. على سبيل المثال، فإن تصريحات القادة السياسيين (منها تصريحات رئيس الوزراء والرئيس وقادة الأحزاب المعارضة) لا تزال تحتل عناوين الصحف الأولى رغم أنها ظهرت بالفعل في شاشات القنوات الإخبارية بعد دقائق من خروجها على لسان القادة.
- تغطية متأخرة
أشار رنا قيصر إلى أن اجتماعات مجلس الوزراء لا تزال تشكل أهم مصادر الأخبار لغالبية الصحف، ويتجاهل القائمون على تلك الصحف حقيقة أن القارئ قد علم بمحتواها الليلة السابقة من خلال نشرات الأخبار على شاشات التلفزيون على مدار الساعة. وأوضح مدير التوزيع بأحد دور الإعلام الكبرى أن هذا التصريح لا يعكس تعقيد المشهد الإعلامي في المجتمع الباكستاني في الوقت الحالي، فأنت «ترى عددا ضخما من القراء الجادين لا يزالون مهتمين بالتفاصيل، وهي الخدمة التي لا تقدمها للقراء سوى الصحف».
لكن الرغبة في التغيير تتملك عقول قادة صناعة الصحف، حيث أفاد مدير تحرير أحد الصحف الكبرى في باكستان في تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، طلب عدم ذكر اسمه، بأن الحاجة إلى التغيير باتت ملحة ويشعر بها جميع من يعمل في حقل الصحافة. واستطرد أن «الجميع يتفق على حتمية التغيير وعلى محتوى التغيير، لكن المشكلة تكمن في طريقة التنفيذ».
ويتذكر رنا قيصر الأيام الخوالي الرائعة في التسعينات عندما كان يعمل في صحيفة «ديلي ذا نيشن» الصغيرة ذات التأثير الكبير، قائلا: «كانت تلك الصحيفة تقدم أفضل محتوى صحافي وكانت تباع وكأنها كعكة ساخنة». وعندنا سألتُ قيصر: «لو أننا أحيينا ذلك النوع من المحتوى، فهل ستنجح الصحيفة؟» أجاب قائلاً: «لا أعتقد... فقد تغيرت الأمور. عليك أن تغير المحتوى وتقوم بعملية التسويق. ولذلك عليك أن تقوم بعمل مسح واستطلاع بين القراء لتعرف ما يريدونه».
- حرب إعلانات خاسرة
كشف مدير التوزيع بأحد أكبر دور الإعلام في باكستان أنه «منذ مايو (أيار) 2008، تراجعت معدلات مبيعات الصحف في باكستان بواقع 15 و20 في المائة». وكشف الخبير الإعلامي أنه في باكستان، «فإن الحصة الكبرى من سوق الصحف تتركز في المطبوعات الصادرة باللغة الأردية، وفي المقابل فإن حصة ضئيلة من السوق تشغلها الصحف الصادرة بالإنجليزية».
بيد أن نقص المحتوى الشيق في الصحف لا يبرر التراجع في نسب توزيع الصحف الصادرة بالإنجليزية في باكستان. فخلال السنوات الثماني الماضية، تراجعت عائدات توزيع الصحف المتوسطة بدرجة كبيرة نتيجة لأسلوب إدارة تلك الصحف بعد أن أقدمت إداراتها على تسريح أعداد كبيرة من العاملين بها. ووفق فاسيه عبد الرحمن، المحرر السياسي بصحيفة محلية، «في السنوات القليلة الماضية، قامت كبرى شركات الاتصالات بتقليص موازنات إعلاناتها على الرغم من أنها كانت قد بدأت بميزانيات كبيرة عام 2000. وقد أثبت ذلك أن الإعلانات كانت تمثل عنصر الحياة بالنسبة لصناعة الصحافة». أضاف أن «الأزمة الاقتصادية أدت إلى دفع تلك الشركات إلى تقليص ميزانيات الدعاية الخاصة بها، فيما يكمن السبب الجوهري الآخر في تراجع نسب القراءة وتوزيع الصحف الصادرة بالإنجليزية، وهو ما دفع تلك الشركات إلى الاتجاه بما تبقى من ميزانيات الإعلان بها إلى القنوات الإلكترونية الناطقة باللغة الأردية».


مقالات ذات صلة

تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

العالم العربي تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

أظهر التقرير السنوي لحرية الصحافة لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، اليوم الأربعاء، أن تونس والسنغال كانتا من بين الدول التي تراجعت في الترتيب، في حين بقيت النرويج في الصدارة، وحلّت كوريا الشمالية في المركز الأخير. وتقدّمت فرنسا من المركز 26 إلى المركز 24.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم غوتيريش يندد باستهداف الصحافيين والهجوم على حرية الصحافة

غوتيريش يندد باستهداف الصحافيين والهجوم على حرية الصحافة

ندّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم (الثلاثاء)، باستهداف الصحافيين، مشيراً إلى أنّ «حرية الصحافة تتعرّض للهجوم في جميع أنحاء العالم». وقال في رسالة عبر الفيديو بُثّت عشية الذكرى الثلاثين لـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة»، إن «كلّ حرياتنا تعتمد على حرية الصحافة... حرية الصحافة هي شريان الحياة لحقوق الإنسان»، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف أن «حرية الصحافة تتعرّض للهجوم في جميع أنحاء العالم»، مشيراً إلى أنّه «يتمّ استهداف الصحافيين والعاملين في الإعلام بشكل مباشر عبر الإنترنت وخارجه، خلال قيامهم بعملهم الحيوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم صحافي ليبرالي في الصين يواجه تهمة «التجسس»

صحافي ليبرالي في الصين يواجه تهمة «التجسس»

ذكرت جمعية تعنى بالدفاع عن وسائل الإعلام أن تهمة التجسس وجهت رسمياً لصحافي صيني ليبرالي معتقل منذ عام 2022، في أحدث مثال على تراجع حرية الصحافة في الصين في السنوات الأخيرة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». كان دونغ يويو، البالغ 61 عاماً والمعروف بصراحته، يكتب افتتاحيات في صحيفة «كلارتي» المحافظة (غوانغمينغ ريباو) التي يملكها الحزب الشيوعي الحاكم. وقد أوقف في فبراير (شباط) 2022 أثناء تناوله الغداء في بكين مع دبلوماسي ياباني، وفق بيان نشرته عائلته الاثنين، اطلعت عليه لجنة حماية الصحافيين ومقرها في الولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية اليابانية العام الماضي إنه أفرج عن الدبلوماسي بعد استجو

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم العربي المغرب: أربعة من وزراء الإعلام السابقين يرفضون لجنة مؤقتة لمجلس الصحافة

المغرب: أربعة من وزراء الإعلام السابقين يرفضون لجنة مؤقتة لمجلس الصحافة

بدا لافتاً خروج أربعة وزراء اتصال (إعلام) مغاربة سابقين ينتمون إلى أحزاب سياسية مختلفة عن صمتهم، معبرين عن رفضهم مشروع قانون صادقت عليه الحكومة المغربية الأسبوع الماضي، لإنشاء لجنة مؤقتة لمدة سنتين لتسيير «المجلس الوطني للصحافة» وممارسة اختصاصاته بعد انتهاء ولاية المجلس وتعذر إجراء انتخابات لاختيار أعضاء جدد فيه. الوزراء الأربعة الذين سبق لهم أن تولوا حقيبة الاتصال هم: محمد نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» المعارض، ومصطفى الخلفي، عضو الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» المعارض أيضاً، والحسن عبيابة، المنتمي لحزب «الاتحاد الدستوري» (معارضة برلمانية)، ومحمد الأعرج، عضو

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي «الجامعة العربية» تنتقد «التضييق» على الإعلام الفلسطيني

«الجامعة العربية» تنتقد «التضييق» على الإعلام الفلسطيني

انتقدت جامعة الدول العربية ما وصفته بـ«التضييق» على الإعلام الفلسطيني. وقالت في إفادة رسمية اليوم (الأربعاء)، احتفالاً بـ«يوم الإعلام العربي»، إن هذه الممارسات من شأنها أن «تشوّه وتحجب الحقائق». تأتي هذه التصريحات في ظل شكوى متكررة من «تقييد» المنشورات الخاصة بالأحداث في فلسطين على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما في فترات الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)