يوم في حياة الرئيس ترمب

يستيقظ عند الخامسة والنصف صباحاً ويستهلّ أنشطته بمتابعة القنوات الإخبارية

ترمب خلال اجتماع بموظفي البيت الأبيض في الشهور الأولى من الرئاسة (نيويورك تايمز)
ترمب خلال اجتماع بموظفي البيت الأبيض في الشهور الأولى من الرئاسة (نيويورك تايمز)
TT

يوم في حياة الرئيس ترمب

ترمب خلال اجتماع بموظفي البيت الأبيض في الشهور الأولى من الرئاسة (نيويورك تايمز)
ترمب خلال اجتماع بموظفي البيت الأبيض في الشهور الأولى من الرئاسة (نيويورك تايمز)

يستيقظ الرئيس ترمب عند نحو الساعة الخامسة والنصف صباح كل يوم، ويفتح جهاز التلفزيون في غرفة النوم الرئيسية بالبيت الأبيض. يوجه جهاز التحكم إلى قناة «سي إن إن» لمشاهدة الأخبار، ثم ينتقل إلى قناة «فوكس أند فريندز» للتسلية واستلهام الأفكار، وأحياناً يشاهد برنامج «مورنينغ جو»، الذي يذاع على قناة «إم إس إن بي سي».
وحسب بعض مساعديه، فإنه يكون مفعماً بالطاقة تارةً، ومغتاظاً تارةً أخرى، وربما الاثنان معاً. يمسك الرئيس بجهاز الـ«أيفون» الخاص به ليطلق تغريدات، بينما يتكئ على وسادته. وفي أحيان أخرى، يكتب تغريداته من الغرفة المجاورة بينما يشاهد التلفزيون من خلال جهاز آخر، أو يصعد إلى غرفة الاجتماعات بالطابق العلوي، بملابسه الرسمية أو بملابس النوم ليشرع في إجراء مكالمات العمل الرسمية وغير الرسمية.
بعد نهاية عامه الأول في البيت الأبيض، أعاد ترمب تعريف مفهوم الرئاسة. فهو لا يزال يرى أعلى منصب في البلاد بنفس الصورة التي رسمها في ليلة انتصاره الهائل على هيلاري كلينتون؛ مكافأة يجب عليه أن يحارب لحمايتها في كل لحظة، باستخدام سيفه السحري: «تويتر». وعلى الرغم من جرأته وعناده، فإن ترمب لا يعتبر نفسه «عملاقاً» يهيمن على مجريات المسرح العالمي، وفق شهادة 60 من مستشاري وأصدقاء الرئيس ومشرعين في الكونغرس.
اعتبر الرؤساء المتوالون على البيت الأبيض كل يوم بمثابة اختبار في كيفية إدارة شؤون البلاد، لا إدارة فئة محددة أو محاولة التوفيق بين مصالح متضاربة. أما بالنسبة إلى ترمب، فإن كل يوم يمثّل معركة بقاء. فهو لا يزال يستعرض انتخابات العام الماضي لقناعته بأن التحقيقات التي أجراها روبرت ميلر، المدعي الأميركي الخاص، بشأن التدخل الروسي، هي مجرّد خطة لتجريده من شرعيته. ولا تزال الخرائط الملونة التي تُظهر الولايات التي فاز بأصواتها تغطي جدران البيت الأبيض.
قبل توليه الرئاسة، طلب ترمب من كبار مساعديه أن يعتبروا كل يوم من أيام الرئاسة بمثابة مسلسل تلفزيوني يقوم فيه بقهر خصومه. وحسب تقديرات مقربين منه، فإن ترمب يقضي 4 ساعات على الأقل يومياً، وأحياناً ضعف هذه المدة أمام شاشات التلفزيون، التي يخفت صوتها أحياناً.
وأشار السيناتور ليندسي غراهام، العضو الجمهوري بمجلس الشيوخ عن ولاية ساوث كارولينا الذي اجتمع بالرئيس أكثر من نظرائه، إلى أن ترمب «يشعر بأن هناك من يسعون لإضعافه كرئيس منتخب، وبأن المزاعم بشأن التواطؤ (مع روسيا) لا أساس لها». وأضاف غراهام أن ترمب «يعتقد أن اليسار الليبرالي والإعلام يسعيان لتدميره. نجح ترمب في الوصول إلى (الرئاسة) بتوجيه لكمات مضادة». وتابع غراهام أن «المشكلة التي سيواجهها هي أن هناك فرقاً بين الترشح للرئاسة، وعمل الرئيس. عليك أن تحقق التوازن بين (المقاتل) وأن تكون الرئيس». ويعتبر ترمب أن النهج الذي سلكه قاده إلى البيت الأبيض، ولذلك فإنه الطريق الصحيح. وبينما يعدّ ترمب (وفق استطلاعات الرأي) أقل رئيس شعبية بين الرؤساء السابقين (32% فقط من الناخبين اعتبروا أداءه مُرضياً في الاستطلاع الأخير الذي أجراه مركز «بيو» البحثي)، إلا أنه يهيمن على الساحة السياسية أكثر من أسلافه.
وبعد شهور من الفشل التشريعي، يقترب ترمب من النصر من خلال مشروع قانون التخفيضات الضريبية وإلغاء جزء من برنامج الرعاية الصحية الذي أطلقه باراك أوباما. ورغم أنه لم يحقق الكثير مما وعد به خلال الحملة الانتخابية، فإنه حقق تقدماً كبيراً في تقليص القيود المفروضة على الشركات وقوانين البيئة. كما أن الاقتصاد الذي ورثه يواصل النمو، وأسوق المال ارتفعت لتبلغ مستويات قياسية. يضاف إلى ذلك نجاح قرار حظر السفر الذي فرضه على القادمين من دول ذات غالبية إسلامية في أن يحقق مبتغاه، ويؤتي ثماره بعد الجولات العديدة في المحاكم. وكان صهره وكبير مستشاريه، جاريد كوشنر، قد أبلغ بعض رفاقه بأن ترمب لن يتغير أبداً بعد أن بلغ عمره 71 عاماً، وأنه سيجبر الإدارة على العمل وفق إرادته ووفق ما يراه مناسباً.
في سياق متّصل، فقد سار جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض وجنرال الحرب المتقاعد ذو الأربعة نجمات الذي خاض الحرب في العراق عام 2003 وواصل السير بجنوده رغم النيران التي أمطرتهم، على نفس النهج بالعمل 14 ساعة في اليوم لفترة طويلة لتثبيت النظام في عملية فوضوية حقق فيها بعض النجاح.
ففي الشهور التي سبقت توليه إدارة المكتب البيضاوي الصيف الماضي، خلفاً لرينس بيربوس، كان البيت الأبيض يبدو مزدحماً في جميع الأوقات في ظل وجود طوفان من المساعدين والزوار الذين كانوا يتوافدون لتقديم النصيحة. ففي أثناء لقاء مع مراسلي صحيفة «نيويورك تايمز»، كان عدد الموجودين في المكان لا يقل عن 20 شخصاً، لكن الحال تغير الآن، وبات باب المكتب البيضاوي شبه مغلق.
يعمل كيلي في هدوء على تقليص وقت الفراغ الذي يمكن للرئيس فيه نشر تغريداته، وذلك بزيادة ساعات العمل. كذلك، عمل بيربوس على تشجيع الرئيس على الوصول إلى مكتبه عند الساعة 9 أو 9:30، وإن كان حقق نجاحاً متواضعاً.
وقدّم الرئيس الذي كان يتمتّع بسيطرة كاملة على إمبراطورية أعماله، تنازلات كبيرة بعد أن حاول التحكّم في كل صغيرة وكبيرة في شؤون البيت الأبيض خلال الشهور الأولى. ورغم تذمره من القيود، فإن ترمب يحاول دائماً الحصول على موافقة كيلي الذي يراه كنظير، حسب بعض المقربين من ترمب. وأفاد بعض المقربين من الرئيس بأن ترمب يستدعي كيلي نحو 10 مرات في اليوم، وربما 4 أو 5 مرات في أثناء العشاء أو في أثناء لعب مباراة غولف، للاستفسار عن جدول أعماله أو طلب مشورة بشأن سياسة ما. في المقابل، اعتمد كيلي نفس الانتقادات التي لطالما رددها ترمب، بالتأكيد للرئيس أنه يوافقه الرأي في أن بعض المراسلين الصحافيين لا يودّون سوى الحط من شأن الإدارة.
واعتبر مقربون من ترمب أن التلفزيون هو الذخيرة التي يستخدمها ترمب لشن حربه في «تويتر»، ولذلك فإن جهاز التحكم في القنوات لا يستخدمه سوى ترمب أو طاقم الفنيين. وفي أثناء تناوله وجبة العشاء، يكون التلفاز الذي يبلغ حجم شاشته 60 بوصة صامتاً، ويكتفي ترمب بقراءة شريط الأخبار، والأخبار التي تفوته يستطيع إعادتها من خلال نظام «سوبر تي فو» الحديث، الذي يتولى تسجيل الأخبار ليستعرضها الرئيس لاحقاً. وفي أثناء متابعته للأخبار، يقوم ترمب بمناقشة وتبادل الأفكار مع الموجودين في الغرفة، بمن فيهم القائمون على إدارة شؤون البيت الأبيض الذين يستدعيهم بضغطة زر لتناول الغذاء أحياناً أو لطلب قنينة «دايت كوك» التي يتناول منها نحو 10 يومياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أميركا: جدل بعد رصد «مكالمة لمخابرات أجنبية» بشأن شخص مقرّب من ترمب

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أميركا: جدل بعد رصد «مكالمة لمخابرات أجنبية» بشأن شخص مقرّب من ترمب

رصدت وكالة الأمن القومي الأميركية، في ربيع العام الماضي، مكالمة هاتفية «غير معتادة» بين اثنين من أعضاء مخابرات أجنبية، ناقشا خلالها «شخصا مقربا» من الرئيس ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد موظف يسير داخل مبنى مصفاة لتكرير النفط في فادينار بولاية غوجارات الغربية بالهند (رويترز)

شركات التكرير في الهند تتجنب شراء النفط الروسي حتى إبرام اتفاق مع أميركا

تتجنَّب شركات التكرير الهندية شراء النفط الروسي تسليم أبريل (نيسان)، ومن المتوقع أن تتجنب ​إبرام مثل هذه الصفقات لفترة أطول حتى إبرام اتفاقية تجارية مع واشنطن.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بنظيره الهندوراسي نصري عصفورة، الذي دعمه خلال حملته الانتخابية، عقب اجتماع عقد في منتجع مارالاغو الذي يملكه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز) p-circle

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

قال وزير الخارجية الدنماركي، السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع أميركا بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز) p-circle

ما المطالب الإسرائيلية بشأن إيران التي سيقدمها نتنياهو لترمب؟

ذكر موقع إسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيؤكد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إصرار إسرائيل على القضاء التام على المشروع النووي الإيراني.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».