لماذا لم تكشف مؤلفة «النبيذة» شخصية الأستاذ؟

قراءة في آخر روايات إنعام كجه جي

غلاف الرواية  -  إنعام كجه جي
غلاف الرواية - إنعام كجه جي
TT

لماذا لم تكشف مؤلفة «النبيذة» شخصية الأستاذ؟

غلاف الرواية  -  إنعام كجه جي
غلاف الرواية - إنعام كجه جي

إني أُرجّح أن يكتشف قرَّاء الروايات الثلاث الأُول للمؤلفة إنعام كجه جي، المهاجرة إلى فرنسا منذ عدة عقود، بأن قلبها لم ينفك عن الخفقان في وطنها الأُم، فقد وضعتْ على لسان أحد أبطال «الحفيدة الأميركية» قوله: «شُلتْ يميني إذا نسيتُكِ يا بغداد». «النبيذة» عنوانُ الرواية الرابعة لها والصادرة عن «دار الجديد» في بيروت هذا العام في 340 صفحة.
واسترعتْ انتباهي ــ حتى قبل قراءتي الرواية ــ تاءُ التأنيث في عنوانِها غير المألوف بالنسبة لي على الأقل. استعنتُ بـ«المنجد». لكنه لم ينجدْني. ثم استعنتُ بِمعجم «محيط المحيط» لبطرس البستاني، فتبين لي أن «النبيذة» هي التي لا تُوكَل من هزال. وظهر عند قراءتي الرواية أن منصور البادي، أحد شخوصها، هو الذي نحت الكلمة إذ يقول: أمسكُ القلم وأتردد. أكتب «نبيذ» وأتأمل المفردة. أضيف إليها تاء التأنيث «نبيذة». ثم يهرع مستنجداً بمعجم قديم لجرمانوس فرحات.
تتمحور «النبيذة» بصورة رئيسية حول الحكم في العراق المعاصر خلال حقبِه الملكية والصداميِّة والاحتلال، وإسقاطاته على الشعب ممثلاً بمعاناة امرأتين عراقيتين، هما تاج الملوك عبد الحميد البطلة الرئيسية في الرواية، ورفيقتها وديان الملاح ومعاناة منصور البادي الفلسطيني الذي فقد وطنه. ويرتبط منصور بعلاقة حبٍ مع البطلة تاج الملوك. إلا أنه حبٌ لن يتحقق.
- أسلوب السرد
تُسْرَدُ أحداث الرواية بلغة عربية راقية وسليمة (فيما عدا عبارات الأمثال الشعبية) بأسلوبٍ يشدُّ القارئ ويحفزُّه على الاستمرار في القراءة، ويُبقيه في طورٍ من تساؤلاتٍ لا يجد لها جواباً مباشراً. وهو أسلوب يعتمد التعرج في البعدين الزماني والمكاني، أو كما يُسمى عند أوساط أهل الرياضيات «لاخطي ثنائي الدرجة». وتُضفي المؤلفة حلاوة على السرد بنكهة البيئة المحلية من خزينها الوفير من الأمثلة الشعبية.
تَلتقط المؤلفة بعناية خيوطاً من محيط مجتمعها وتنسج عليها بمغازلَ خيالِها الخصبِ المتبَّلِ ببهاراتٍ من الواقع بساطاً كولاجياً متعدد الأبعاد والألوان، وتُحرِّك فوقه شخصياتِها التي «تُركِّبها» مثلما يُصَنِّعُ الكيميائي مواد جديدة. وهي شخصيات من بنات الخيال لكن القارئ يحس كأنما يعرفها، وهكذا تخلق المؤلفة جواً ساحراً يُغرِق القارئ بالمتعة.
- أبطال الرواية
وُلدتْ تاج الملوك في إيران، وجاءتْ إلى العراق وهي في الخامسة من عمرها مع والدتها وزوج والدتها العراقي. فنشأتْ في بغداد شابة جميلة ومتحررة ومتمردة على تقاليد المجتمع السائدة. استذوقتْ الآداب والشعر بفضل اختلاساتها الإنصاتية في المجالس الأدبية التي كان يعقدها أسبوعياً زوجُ أُمها في بيته. فنمتْ قابلياتُها الكتابية ونضج حسُّها الأدبي. ثم تعلمتْ أساليب وفنون الصحافة فغدتْ رئيسة لتحرير مجلة «الرحاب»، تقابل الوزراء وكبار الشخصيات السياسية في عراق العهد الملكي، منهم الوصي الأمير عبد الإله، والباشا نوري السعيد، وبهجت العطية مدير الأمن العام، ومن خارج العراق كالملك عبد الله جدّ الملك حسين ملك الأردن الراحل، والحبيب بورقيبة، ووزير الخارجية البريطاني آنتوني إيدن. وقد أغدق نوري السعيد على مجلتها مساعدات فصارت بوقاً لآرائه السياسية المؤيدة للإنجليز.
منصور البادي الفلسطيني شخصية مهمة في الرواية. نشأ في نهايات عشرينات القرن الماضي حين بدأ اليهود «يزحفون كالجراد» إلى فلسطين وبداية «الطاخ والطيخ» بينهم وبين الفلسطينيين. يجيد اللغة الإنجليزية بفضل دراسته الثانوية في لندن. ومعتادٌ على تسجيل مذكراته اليومية. وبعد احتلال اليهود أراضيَ فلسطينية جاء إلى بغداد في نهايات أربعينات القرن الماضي ووجد عملاً فيها. لكنه لم يمكثْ طويلاً وانتقل إلى كاراجي، حيث عُيِّن مذيعاً في القسم العربي من إذاعتها.
تبدأ الرواية بتعريف القارئ على تاج الملوك: أرملة مسنة، تجاوز عمرها التسعين، متغضنة الوجه ومنحنية الظهر وتعاني آلاماً في المفاصل، نزيلة مستشفى في باريس، تسير متعكزة عصاها وتتابع من على سريرها في المستشفى أخبارَ ما يُسمى الربيع العربي من خلال راديو صغير. وتُعرف باسم مدام شامبيون، لقب زوجها الذي كان ضابطاً في المخابرات الفرنسية زمن الثورة الجزائرية. ويتفجر شلالُ ذكرياتها عندما تكتشف أن المريض الراقد في شبه غيبوبة في غرفة بالقرب من غرفتها هو الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بله الذي جاوز عمره التسعين أيضاً. فتسترجع دورَها حين جنِّدتْها المخابرات الفرنسية قبل خمسين عاماً للاشتراك بمحاولة لاغتياله، في القاهرة، بإعطاء إشارة ما. وتتذكر اللحظة الحاسمة التي غيَّرتْ فيها رأيها بعدم إعطاء الإشارة المتفق عليها.
ثم تظهر الشابة وديان الملاح، الشخصية الثانية في الرواية، حين تقوم بزيارتها اليومية لتاج الملوك في المستشفى. البطلتان «صديقتان تفصل بينهما عقود من التفاوت في العمر، الأُولى ضعف عمر الثانية، تتعايشان على الحافة بين التفاهم والتنافر». الأًولى عانتْ من عراق الملكية الذي سُمِّي العهد البائد، والثانية عانت من عراق الجمهورية والحروب والحصار الاقتصادي. كانت وديان الملاح عند بداية الحرب العراقية الإيرانية تدرس الموسيقى في مدرسة الموسيقى والباليه، في ظروف دوي الصواريخ وصافرات الإنذار واللجوء إلى الملاجئ. وعايشت بعد ذلك الحصار الاقتصادي. ثم غدتْ عازفة الكمان في الفرقة السيمفونية العراقية.
تَقَدَمَ إلى خطبتها حبيبها يوسف، الذي كان قد سافر إلى أميركا للدراسة وانتظرتْه خمس سنوات إلى أن عاد حاملاً شهادة الدكتوراه وعُيِّن أستاذاً في كلية الهندسة. وكانا يأملان أن يعيشا حياة سعيدة. لكن الرياح لم تجرِ كما تشتهي السفن. إذ دُفِعَ يوسف إلى الانضمام إلى شلة «الأُستاذ» الشرير مما أدَّى به أخيراً إلى فسخ خطوبته إلى وديان. لقد رآها «الأستاذ» معه فدعاها وحدها إلى حفلة تنكرية وأخضعها إلى إحدى نزواته السادية بأن أولج شيئاً حاداً في أُذنيها مزِّق طبلتيهما. فقدت وديان الحاسة الضرورية لسماع الموسيقى وعزفها. إلا أن القدر لم يهملْها تماماً، إذ رتَّبتْ السفارة الفرنسية في بغداد بعثة لعدد من طلبة الموسيقى من بينهم وديان لإكمال دراساتهم في باريس.
أُخضعتْ وديان في فرنسا إلى عمليات جراحية لترقيع طبلتَي أُذنيها. أعادتْ لها جزئياً حاسة السمع. وقادتها المصادفات إلى لقاء تاج الملوك. امرأتان قذفتْهما الأقدار بعيداً عن العراق. ربطتهما علاقة أقوى من الصداقة وأقرب إلى الأمومة. ولكن كيف حملتْ «الرياح» تاج الملوك إلى باريس؟ كانت لها في بغداد سطوة من نفوذ في أوساط الطبقة الحاكمة، بفضل مجلتها «الرحاب» المدعومة من الباشا نوري السعيد، كما ذكرنا. ثم انقلبتْ الموازين عندما «دخل اسم بورتسموث قاموسَها» وقاموسَ جميع العراقيين. في ذلك الميناء البريطاني جرت اجتماعات انتهت بتجديد المعاهدة العراقية البريطانية بمعاهدة أكثر إجحافاً من سابقتها. «قامتْ القيامة في بغداد». إضرابات عمالية ومظاهرات طلابية جعلت العراق كله من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ضد المعاهدة. وكان كاتب هذه السطور من بين المتظاهرين وعمره آنذاك ستة عشر عاماً. وتصدتْ الشرطة للحشود ووقع عدد كبير من الجرحى والقتلى من بينهم جعفر، شقيق الشاعر الجواهري.
في لحظة حاسمة قررتْ تاج الملوك النزول إلى الشارع والاشتراك في الاحتجاج. أحاط بها المتظاهرون ورحبوا بانضمامها إليهم. الصحافية الموالية للقصر ومدللة نوري السعيد تتظاهر ضدّه. ثم شاركت في مسيرة تشييع الشهداء وحملت لافتة جمعية الصحافيين ونشرتْ الجرائد صورَها. إذاً لم يعد لها مكان في العراق بعد ذلك. ولما جاءها عرضُ عملٍ في إذاعة كراجي العربية قبلته على الفور، وغادرتْ العراق إلى باكستان.
أغوتْ تاج الملوك رجالاً عديدين ولم يستطعْ أي منهم أن ينال قلبها سوى الفلسطيني منصور البادي. تعرَّفتْ عليه من خلال عملهما الإذاعي المشترك في كراجي. كان يصغرها بعدة سنوات إلا أن شخصيتَه الطاغية جعلته أكبر في عينها. لكن الظروف عادت وباعدتْ بينهما في قارتين مختلفتين. ورغم تباعدهما بقيا عاشقين من بُعد أي «Remote Love» يتواصلان بين حين وآخر بالمراسلة أو عبر التلفون على أمل اللقاء يوماً ما. وتزوج كل منهما بِمَنْ لا يحب. قذف القدر بمنصور بعد إنهاء عَقْدِه في إذاعة كراجي إلى كراكاس في فنزويلا حيث ارتقى مناصب عالية فيها إلى أن صار مستشاراً مقرباً من الرئيس الفنزويلي شافيز.
أمّا تاج الملوك فتوجهتْ في بداية الأمر إلى مسقط رأسها. وهناك في إيران صار لها، للمرة الأُولى في حياتها، علاقة حميمة مع أحد أمراء العائلة الملكية الأسبق. ثم تزوجتْ ضابط المخابرات الفرنسية الكومندان سيريل شامبيون الذي زج بها للعمل معه واستثمر زواجَه منها لخدمة أهدافه، ومنها محاولة اغتيال بن بلة الفاشلة. هكذا عاشت في باريس وقد غدا اسمها مدام شامبيون. وكانت قد تقدمت في السن حين تعرفت على وديان الملاح، وتَوَثقتْ العلاقات بينهما كنتيجة طبيعية للشعور النفسي بحاجة كلٍ منهما إلى الأُخرى. إذ أن وديان الشابة في حاجة إلى إنسانة مثل أُمها التي تركتْها في بغداد لتكون عوناً لها في تحمل حياتها الخاوية فوجدتْ في مدام شامبيون، أي تاج الملوك، تلك الإنسانة. وتاج الملوك بدورها تفتقر وهي في شيخوختها إلى مَن يكون مستعداً للاستماع إلى تفاخرها بقابلياتها في إغواء الرجال وفي صدِّهم، وأن يكون أيضاً مستعداً إلى مساعدتها على التواصل مع منصور الوادي الرجل الوحيد الذي نال قلبها. وقد حاولتْ وديان أن تكون وسيلة لتقارب العاشقَيْن العجوزين اللذين مضى كل منهما في طريق، لكنها أخفقتْ. وكانتا ــ على الرغم من صداقتهما ــ قطبين متضادين سايكولوجياً. حياة إحداهن مَلأى بالمغامرات العاطفية الحميمة بينما تكاد أن تخلو حياة الأخرى من أمثالها. وعالجتْ المؤلفة التضاد معالجة فرويدية وبلغة رمزية راقية، بِجَعل أحلام وديان الليلية تدور لملءِ ذلك الفراغ.
ما الذي حدا بالسيدة إنعام إلى التكتم على الاسم الصريح لـ«الأُستاذ» الذي له دورٌ مهـمٌ في سيرورة حوادث الرواية؟ أُقرّ بعدم استطاعتي إدراك ذلك السبب. صحيح، إن عراقيي اليوم يعرفون الممحي ــ كما يُقال. فلا حاجة إلى الإفصاح، لكن هل سيبقى القراء العراقيون في سنة 2030 مثلاً يعرفون مَنْ هو؟ وهل يعرفه جميع القراء العرب الحاليين؟
- كاتب عراقي، أستاذ جامعي سابق مقيم في الولايات المتحدة


مقالات ذات صلة

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».