«داعش» يلفظ أنفاسه في العراق... وجيش بغداد يستعيد راوة

ماكغورك أكد البدء في تنفيذ 340 مشروعاً لإعادة الحياة في الموصل ودعا إلى التخلص من «إيران الشريرة»

عناصر من القوات العراقية بعد استعادة السيطرة على راوة آخر معاقل {داعش} في غرب العراق (رويترز)
عناصر من القوات العراقية بعد استعادة السيطرة على راوة آخر معاقل {داعش} في غرب العراق (رويترز)
TT

«داعش» يلفظ أنفاسه في العراق... وجيش بغداد يستعيد راوة

عناصر من القوات العراقية بعد استعادة السيطرة على راوة آخر معاقل {داعش} في غرب العراق (رويترز)
عناصر من القوات العراقية بعد استعادة السيطرة على راوة آخر معاقل {داعش} في غرب العراق (رويترز)

أعلنت القوات العراقية، أمس، فرض كامل سيطرتها على راوة، آخر البلدات التي كانت خاضعة لتنظيم داعش في البلاد، غرباً بمحاذاة الحدود مع سوريا، حيث يتعرض المتطرفون لهجوم في آخر أكبر معاقلهم.
وتعتبر راوة الواقعة في محافظة الأنبار الغربية آخر منطقة كانت توجد فيها هيكلية حاكمة وعسكرية وإدارية للتنظيم المتطرف، لكن لا تزال هناك جيوب أخرى فر إليها عناصر التنظيم في المناطق المجاورة، حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية. وبذلك، يكون قد تقلص وجود التنظيم المتطرف الذي احتل في عام 2014 بعد هجوم واسع ما يقارب ثلث مساحة العراق، ونحو نصف مساحة سوريا المجاورة، وأعلن «الخلافة» منهما، إلى أقل من 5 في المائة من تلك المساحة، بحسب التحالف الدولي ضد «داعش».
وبخسارة راوة، يكون التنظيم قد خسر موطئ قدمه الثابت الأخير، لكنه يبقى قادراً على شن هجمات على طريقة حرب العصابات من المناطق التي انكفأ إليها، كما كان الأمر عليه قبل عام 2013، وفق ما يقوله خبراء. وقد شرعت القوات العراقية في عمليات تطهير المناطق الصحراوية على طول الحدود مع سوريا لدحر آخر المتطرفين.
وقال المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة، العميد يحيى رسول: «عسكرياً، انتهى التنظيم، لكننا سنستمر في ملاحقة ما تبقى من الفلول، وننهي وجودهم». وقبل أسبوعين تماماً، استعادت القوات العراقية مدينة القائم المجاورة، قلب المعقل الصحراوي لتنظيم داعش، من دون مقاومة تذكر تقريباً.
ويؤكد مسؤولون عسكريون ومحليون، لوكالة الصحافة الفرنسية، أن عناصر التنظيم المتطرف يفرون عموماً إلى سوريا قبيل وصول القوات العراقية التي أعلنت هذه المرة عن وصولها من الجهة المقابلة من نهر الفرات، من خلال دعوة السكان عبر مكبرات الصوت إلى رفع الأعلام البيضاء، ودعوة المتطرفين عبر موجات الراديو إلى الاستسلام. وأعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية، صباح أمس، في بيان، عن «انطلاق عمليات تحرير راوة» فجراً.
وبعد أقل من 3 ساعات، أصدرت بياناً ثانياً أشارت فيه إلى أن القوات العراقية «حررت قضاء راوة بالكامل، ورفعت العلم العراقي فوق مبانيه»، على بعد 350 كيلومتراً غرب بغداد. وقال قائد الفرقة السابعة في الجيش، اللواء الركن نومان عبد الزوبعي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن القوات «تقوم بعمليات تطهير المدينة من تنظيم داعش الإرهابي، ورفع المخلفات الحربية من الألغام والعبوات الناسفة».
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تقع مدينة البوكمال، التي تشكل آخر معقل مهم لتنظيم داعش في سوريا، في محافظة دير الزور الغنية بالنفط.
وكان الجيش السوري قد أعلن استعادة كامل المدينة الأسبوع الماضي، إلا أن التنظيم المتطرف شن هجوماً مضاداً، واستعاد السيطرة على نحو نصف مساحتها.
ويسيطر «داعش» على ما يقارب 25 في المائة من محافظة دير الزور السورية، إضافة إلى بعض الجيوب في محافظة حماة (وسط)، ودمشق، وفي جنوب البلاد. وتسعى القوات العراقية والسورية على جانبي الحدود إلى تضييق الخناق على تنظيم داعش، في آخر مربع له في وادي الفرات الصحراوي الذي يمتد من دير الزور إلى راوة.
لكن ذلك لا يعني القضاء على القدرة العملانية لتنظيم داعش، وثنيه عن القيام بعمليات خاطفة ودامية، كما كان عليه الأمر في أعوام ما قبل الـ2013. ويقول المحلل الأمني هشام الهاشمي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «ما يتم تحريره هو فقط الوحدات الإدارية المأهولة بالسكان»، وأضاف أنه بعد استعادة راوة «تبقى الوديان والجزر والصحارى والبوادي التي تشكل 4 في المائة من مساحة العراق، ولا تزال تحت سلطة (داعش)».
وأمام التقدم السريع للقوات العراقية في المناطق الصحراوية ذات الجغرافية الصعبة، تُسجل انسحابات في صفوف عناصر التنظيم المتطرف.
وكان المتحدث باسم التحالف الدولي، الكولونيل راين ديلون، قد أكد لوكالة الصحافة الفرنسية أن «قيادات (داعش) تترك أتباعها للموت، أو للقبض عليهم في تلك المناطق»، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن العناصر الذين يتمكنون من الهروب «يختبئون في صحراء» وادي الفرات الأوسط، التي كانت على مدى سنوات خلت معبراً للتهريب ودخول المقاتلين المتطرفين.
وفي هذا السياق، ومن تلك المناطق الصحراوية أو الجيوب الخارجة عن سيطرة القوات العراقية «سيسعى الدواعش إلى شن هجمات لزعزعة استقرار السلطات المحلية، ومواصلة العمليات الخارجية والإعلامية، سواء من خلال التخطيط لها أو إلهام مهاجمين في الخارج، للحفاظ على غطاء من الشرعية»، وفق ما أكده ديلون. ويرى الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، كريم بيطار، أن القوات العراقية أتمت مهمة صعبة، معتبراً أن «وهم الخلافة، الذي كان قادراً على محو الحدود التي فرضها اتفاق سايكس - بيكو، أوشك على نهايته».
إلى ذلك, أعلن بريت ماكغورك، المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص للتحالف العالمي لمواجهة «داعش»، عن استعادة 95% من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش في العراق وسوريا، وذلك بعد حرب بين قوات التحالف العالمية والتنظيم الإرهابي استمرت 3 أعوام متتالية، مشيراً إلى تحرير أكثر من 7 ملايين ونصف المليون شخص من سيطرة «داعش».
وأكد ماكغورك في مؤتمر صحافي، أول من أمس، في الأردن، أن القوات العراقية العسكرية أبلت بلاءً حسناً في الميدان في أثناء مواجهة «داعش» في عدة معارك منها الموصل والفلوجة وغيرها، مؤملاً أن يرى العراق متحداً وديمقراطياً قادراً على ممارسة مصالحه الخاصة، ومقاومة التأثيرات الإيرانية التي وصفها بـ«الشريرة»، ويتم دمج العراق في المنطقة العربية على المستوى الإقليمي.
وبيّن أن القوات الأميركية درّبت 120 ألف فرد من أفراد قوات الأمن العراقية، تخضع جميعها تحت سلطة الحكومة العراقية، مطالباً رئيس الوزراء حيدر العبادي، بالتفاهم مع الميليشيات والفصائل المسلحة الأخرى خارج سلطته. وأضاف: «قبل أكثر من 3 سنوات، كان تنظيم داعش يتمدد ويكبر بسرعة لم يشهد العالم مثلها من قبل، إذ تدفق نحو 40 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من 100 دولة إلى سوريا ثم العراق، وتسلل التنظيم المتطرف إلى مدن بأكملها، من الرقة في صيف عام 2013، إلى الفلوجة في يناير (كانون الثاني) 2014، ثم الموصل وتكريت والرمادي حتى اقترب من مشارف بغداد، وكان يدير تحت سلطته ملايين الناس، ويمتلك إيرادات كبيرة من خلال النفط والغاز والضرائب والآثار والتجارة وأخذ الرهائن، تدر عليه أكثر من مليار دولار سنوياً».
ولفت ماكغورك إلى أن التحالف الدولي لمحاربة «داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى يضم 70 بلداً و4 منظمات دولية هي: حلف شمال الأطلسي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والإنتربول، مفيداً بأن خطة التحالف اعتمدت في حملتها العسكرية على القوات المحلية للقيام بالقتال، ودمج الجهود العسكرية مع المساعدة الإنسانية الفورية وتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة، وبناء شبكة عالمية لمكافحة مقاتلي «داعش» الأجانب، والتمويل، والدعاية.
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضع هدف القضاء على «داعش» في أول اهتماماته عندما تم تعيينه في منصبه، مشيراً إلى أن الاستراتيجية التي تم وضعها وأشرف عليها وزير الدفاع الأميركي ماتيس كانت ذات كفاءة وفعالية من أي وقت مضى «إذ تم تحرير أكثر من 95% من الأراضي التي كانت يسيطر عليها (داعش) في العراق وسوريا». وقال إن «أكثر من ثلث هذه المكاسب جاءت في الأشهر الثمانية الأخيرة، عازياً ذلك إلى توجيهات الرئيس ترمب الذي أمر بتسريع وتيرة الحملة في وقت سابق من هذا العام».
وأضاف: «لم يسترد (داعش) متراً واحداً من المناطق المحررة، وقد تم تحرير أكثر من 7.5 مليون شخص من سلطة (داعش)، وعودة 2.6 مليون عراقي إلى ديارهم تقريباً جميعهم من العرب السُّنة الذين نزحوا هرباً من بطش التنظيم المتطرف، وبدأنا نرى خط اتجاه مماثل في سوريا... ويعد تحرير الرقة والموصل معلماً بارزاً، بيد أن (داعش) لا يزال عدواً مصمماً على القتال ولم يُهزم بعد».
وأشار إلى أن التحالف سعى ضمن عملياته إلى إعادة إعمار المناطق المحررة من «داعش»، بجمع نحو اثنين مليار دولار من كل دول أعضاء التحالف، وتم إنجاز خطة تركز على الأولويات العاجلة مثل الإغاثة الإنسانية، وإزالة الألغام، والخدمات الأساسية (الكهرباء والمياه والصحة)، والعمل من خلال «شركاء محليين» من أجل تيسير العودة الآمنة والطوعية للأشخاص إلى ديارهم في أعقاب «داعش».
وقال المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص للتحالف العالمي لمواجهة «داعش»، إنه يجري حالياً في الموصل تنفيذ ما يزيد على 340 مشروعاً لتحقيق الاستقرارن تتجاوز قيمتها الإجمالية 200 مليون دولار. وفي شرق الموصل اليوم، عاد جميع النازحين تقريباً خلال العمليات العسكرية، كما عاد أكثر من 350 ألف طفل إلى مدارسهم، مضيفاً: «أما غرب الموصل فهو أكثر صعوبة، إذ إن معظمه دمِّر بالكامل مثل البلدة القديمة بسبب العمليات العسكرية هناك، والعمليات الانتحارية من قوات (داعش)، إذ لا يزال أكثر من 70 ألفاً من الشعب العراقي نازحاً هناك».
وبشأن محافظة الأنبار، وهي واحدة من أقدم المحافظات التي سقطت في يد «داعش» في عام 2014، بيَّن ماكغورك أن أكثر من مليون عراقي عادوا إلى ديارهم، بما في ذلك جميع سكان الرمادي والفلوجة تقريباً، إضافة إلى جميع سكان تكريت في محافظة صلاح الدين، وعادت الحياة إلى حد كبير إلى طبيعتها مع فتح الجامعة ورجوع الأطفال للمدارس.
وقال إن الوضع في سوريا أكثر صعوبة، «إذ ليس لدى التحالف حكومة للعمل معها، ولن نعمل مع نظام الأسد أو نؤيد إعادة الإعمار في المناطق التي يسيطر عليها حتى تكون هناك عملية سياسية ذات مصداقية يمكن أن تؤدي إلى حكومة يختارها الشعب السوري ليس على رأسها الأسد»، ولا تزال سوريا حالة معقدة للغاية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.