طريق شائكة وطويلة لبناء جيش ليبي موحد

تساؤلات «العقيدة العسكرية» و«الشرعية» و«الولاء» تنتظر إجابات

أفراد من الجيش الوطني الليبي يشتبكون مع عناصر متشددة في أحد أسواق بنغازي في مايو الماضي (غيتي) - المشير خليفة حفتر (رويترز)
أفراد من الجيش الوطني الليبي يشتبكون مع عناصر متشددة في أحد أسواق بنغازي في مايو الماضي (غيتي) - المشير خليفة حفتر (رويترز)
TT

طريق شائكة وطويلة لبناء جيش ليبي موحد

أفراد من الجيش الوطني الليبي يشتبكون مع عناصر متشددة في أحد أسواق بنغازي في مايو الماضي (غيتي) - المشير خليفة حفتر (رويترز)
أفراد من الجيش الوطني الليبي يشتبكون مع عناصر متشددة في أحد أسواق بنغازي في مايو الماضي (غيتي) - المشير خليفة حفتر (رويترز)

أعاد المُشير خليفة حفتر، في 2014، لَمْلَمة القوات العسكرية الليبية، بعد أن تفرقت بها السبل وتعرضت لضعف وانقسام، جراء انتفاضة مسلحة دعمها حلف شمال الأطلسي (ناتو) ضد حكم معمر القذافي. لكن عدد الضباط والجنود في ظل النظام السابق كان يزيد قليلا على 140 ألف عنصر نظامي، وفقا للضابط السابق والسياسي الحالي، أحمد قذاف الدم. واليوم يبلغ قوام القوات المنضوية تحت قيادة حفتر نحو 35 ألفا فقط. فأين ذهب الباقون، بأسلحتهم وعتادهم وعقيدتهم العسكرية؟
رغم ظروفٍ صعبة تمرُّ بها المؤسسة العسكرية، منذ مقتل القذافي في مثل هذا الشهر من عام 2011، فإن حفتر تمكَّن من تحقيق أمرين... الأول قتالي؛ ويخص طرد جماعات متطرفة من معظم مناطق الشرق والجنوب. والآخر يتعلق بإصلاحات هيكلية في بنية الجيش الموروثة من العهد السابق، وهي - كما يقول العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الليبي - أن تَكُوْن «الكتائب الأمنية»، مثلها مثل «كتائب الجيش» تابعة، فقط، للقيادة العامة للقوات المسلحة.

ظهرت «الكتائب»، بأسلحتها الثقيلة كالدبابات الروسية والمدرعات وراجمات الصواريخ وقذائف الهاون، مصطلحا سيئ السمعة، لقمع الانتفاضة المسلحة ضد حكم العقيد الراحل. ولم يكن لها قيادة موحدة تُذكر. بيدَ أنَّ قذاف الدم، الذي بدأ حياته العسكرية مع القذافي، يرى أن الأمر لم يكن بهذه الصُّورة القاتمة. وعلى العكس من ذلك، يقول: إن كل المقاتلين كانوا يخضعون للقوات المُسلَّحة، وكانوا يدافعون عن الوطن في 2011.
على كل حال، تبدو الطريق اليوم طويلة، من أجل الوصول إلى جيشٍ مُوحَّد. ولا يُحب العسكريون في ليبيا - مثل غيرهم في أي مكان آخر في العالم - الكلمات التي تتعلق بالتساؤل عما إذا كانت هناك انقسامات في مؤسسة الجيش وعقيدته، أم لا، سواء بالنسبة للضباط الذين ما زالوا محسوبين على نظام القذافي، أو العسكريين المحسوبين على انتفاضة فبراير (شباط) التي أسقطت «العقيد الراحل»؛ والمقصود بهم حفتر وخصومه من قادة تلك الانتفاضة.
وبينما تجري محاولات لتوحيد الجيش الليبي، انطلاقاً من مصر، بالتزامن مع جُهود المبعوث الدولي غسَّان سلامة، لإنهاء الخلافات، تستطيع أن تقول في يأس: ماذا يفعل الإنسان إذا كانت بعض الأسئلة لا تجد إجابات شافية من داخل الوحدات العسكرية المنتشرة في ربوع ليبيا؟
مثلا... كيف يمكن تفسير موقف العميد المخضرم مصطفى الشركسي، الذي كان آمرا لمنطقة بنغازي العسكرية، ثم وجد نفسه خصما لحفتر ويقود «سرايا الدفاع» المتهمة بالإرهاب والمصنفة في القائمة المرتبطة بقطر.
وبعد حديث مطول مع الشَّركَسي، وهو وسط الصحراء، تستطيع أن تدرك أن بعض الأمور يمكن أن تُحل بخليطٍ من الحُوار، وحُسن النوايا، وإظهار القوة أيضا. فهناك عملية جراحية يظهر أنه لا بد منها، كما يقول أحد آمري الاستخبارات العسكرية هنا، وهي «الإقدام سريعا على فك ارتباط ضباط كبار، معروفين، بأي ميليشيات مذهبية أو مناطقية».
ويرى أن الأمر نفسه يسري على قيادات عسكرية أخرى مبعثرة هنا وهناك. مثلا... ما ملابسات موقف الفريق علِي كَنَّة، الذي كان من الضباط الأقوياء أيام النظام السابق؟ لقد كان متحمسا لإصلاح أوضاع المؤسسة العسكرية عقب مقتل القذافي. غير أنَّ دوره اليوم يبدو أنه يتقلص إلى مجرد مدافع، مع جنوده وضباطه، عن قبيلته «الطوارق»، ذات الأصول غير العربية، في إقليم فزان جنوب ليبيا.
لقد تحوَّل موقف كَنَّة، في نظر بعض العسكريين المنتمين لقبائل عربية هناك، ومنهم آمر الاستخبارات المشار إليه، إلى مصدر قلق، في بعض الأحيان، بشأن تهيئة البلاد للتقسيم، وبخاصة بعد استقالة ابن قبيلته، موسى الكوني، من المجلس الرئاسي المدعوم دوليا، والذي يرأسه فايز السراج؛ وذلك بالنظر أيضا إلى شرحٍ مماثلٍ قدَّمه الدكتور محمد الورفلي، القيادي السابق في مؤتمر القبائل الليبية.
ومع هذا، ورغم أطماع دول عدة للهيمنة على الجنوب - منها فرنسا - ومحاولاتها استقطاب الفريق كَنَّة بعيدا عن مؤسسة الجيش، فإن هذا العسكري قليل الكلام، لديه رؤية تتعلق بتوحيد المؤسسة، وبإمكانه أن يكون إضافة مهمة لها في عموم البلاد، وليس في الجنوب فقط.
ويقول أحد مساعديه من الضباط ذوي الأصول الطوارقية: نحن ليبيون... هدفنا الحفاظ على وحدة ليبيا. وهذا لن يتحقق إلا بوحدة المؤسسة العسكرية. المشكلة، أن التواصل بين القيادات في عموم البلاد أصبح أقل من السابق... أو هذا على الأقل ما نلاحظه في الجنوب، حتى بالنسبة إلى العسكريين من قبيلة التبو (وهي قبيلة من أصول غير عربية أيضا، ومنافسة كذلك للطوارق في الجنوب).
وفي منطقة الوسط الليبي، اختفى من المشهد العميد محمد أحمودة، الذي قاد عملية «البرق الخاطف» ضمن الجيش الذي يتزعمه حفتر، لتحرير الموانئ النفطية من الميليشيات مطلع هذا العام. ويقول أحد وجهاء قبيلته إنه «موجود في بيته، ولا يفضل الظهور في الإعلام، أو التحدث عن سبب اختفائه من المشهد العسكري... لقد كان مخيفا للخصوم». ويشير إلى أن العميد أحمودة... «ربما صادفته خلافات مع بعض القادة، وقد يكون رأى من الأفضل أن ينسحب، بدلا من زيادة المشاكل في هذه الظروف الصعبة».
وفي العاصمة، هناك العميد محمود زَقَل، قائد «الحرس الوطني». وهو رجل يتميز بلغة نظامية صلبة، ويقود مئات عدة من الضباط والجنود. ومحسوب على «المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)» المنبثق عنه حكومة الإنقاذ التي يرأسها خليفة الغويل. ما موقف العميد زَقَل من الإعراب في أي ترتيبات جديدة؟
يبدو من إجاباته - ومن خلال الاستماع إليه مرات عدة في الفترة الأخيرة - أنه معارض متشدد لحفتر وحربه في الشرق. ويقول: «أنا شخصيا لن أرضى في أي يوم من الأيام أن يكون حفتر في المشهد. إنه يطمع في السيطرة على السلطة. إنه يريد أن يكرر تجربة القذافي. وهذا غير مقبول لدينا».
ويوجد أيضا العميد عمر عبد الجليل، آمر غرفة تحرير مدينة صبراتة، الشهير بأدبه الجم وصبره الطويل، والذي أعلن، عقب طرده الميليشيات المسلحة من منطقته في غرب طرابلس، قبل أسبوع، أنه يتبع السراج، بعد أن ساد اعتقادٌ بأنَّه يتبع حفتر. وللعلم، يستمد المشير حفتر شرعيته من «البرلمان»، بينما يستند العميد عبد الجليل في تلقي الأوامر من السراج، على القرار رقم 4 الذي أصدره رئيس المجلس الرئاسي في 2016 بتشكيل حكومته. وهو قرار لم يُعتمد من «البرلمان» حتى الآن. ويلعب مثل هذا التضارب في السلطات دورا في تشرذم العسكريين.
وأيضا العميد نجمي الناكوع، القائد العسكري الأسمر، الذي يعتمد عليه السراج في حفظ الأمن في مناطق بطرابلس، حيث يقوم الرجل، برئاسة «الحرس الرئاسي»، ويحاول جذب عسكريين سابقين للعودة إلى صفوف الجيش، وقد شمَّر كُمَّي بزته العسكرية... كأن الموضوع صعب تحقيقه. وهو يظهر أنه كذلك بالفعل، في ظل وجود منافسه «الحرس الوطني»، بقيادة العميد زَقَل، داخل العاصمة نفسها!
ويوجد بعض من القادة العسكريين الآخرين، وجنودهم، ممن كانوا بمثابة العمود الفقري لجيش الدولة في عهد النظام السابق، وقد وجدوا أنفسهم، بعد نحو سبع سنوات من رحيل القذافي، والفوضى السياسية، وغياب السلطة المركزية، يعملون إما كجزر منعزلة في مناطقهم، أو ينتظرون في دول الجوار إلى حين، كما يفعل آلاف عدة منهم.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يعرف بـ«قوات البنيان المرصوص»، وأغلب قادتها العسكريين من مدينة مصراتة، وتولت، تحت قيادة السراج، مهمة تطهير سرت من تنظيم داعش، أواخر العام الماضي، بعد أن أصبح التنظيم يمثل خطرا على المدينة. لكن هذه القوات لم تعد اليوم على نفس درجة الوفاق مع السراج.
أثناء الانتفاضة المسلحة، كان صراخ بعض الأطراف يعلو من جبروت «الكتائب الأمنية» باعتبار أنها كتائب غير منضوية تحت سلطة الجيش، وتدافع عن شخص القذافي. لكن قذاف الدم الذي رافق العقيد الراحل لسنوات طويلة يقول: إن «هذه مسميات كانت جزءا من الحرب النفسية».
ويضيف: «الحقيقة أن القوات المسلحة العربية الليبية كانت في ذلك الوقت تتشكل من أربع قوات، هي القوات البرية، والبحرية، والجوية، والدفاع الجوي... وتحتها سلسلة من الفروع. مثلا كان في القوات البرية، الوحدات الأمنية، والردع، والحرس، والمناوبة الشعبية، والحرس الشعبي... هذه كلها أفرع من القوات المسلحة، وتتبع القائد العام، ورئيس أركان القوات البرية».
ويشير في هذا السياق إلى نقطة لافتة، تتعلق بما كان يعرف في الجيش الليبي بـ«المناوبة الشعبية المسلحة»، التي يوضح أنها كانت «تشبه ما هو موجود لدى جيش الدفاع الإسرائيلي». ويقول إنه في حالة النفير «كان العدد يصل إلى نحو 450 ألف مقاتل؛ لأن الشعب الليبي كان، كله، مُجيشّا في وحدات قتالية. وكل الطلبة الليبيين، من المرحلة الثانوية إلى الجامعة، كانوا يتدربون على حمل السلاح، ويدخلون في تخصصات».
وعما إذا كان انضمام بعض القيادات العسكرية، في الأعوام الثلاثة الأخيرة، إلى جماعات مذهبية أو جهوية أو بعض القبائل، أثرت في عقيدة الجيش، يجيب قائلا: «لا... لأن الجيش الليبي عادة معبأ نفسيا ومعنويا، مثل أي جيش في العالم، للدفاع عن الوطن».
أما عن بعض القيادات العسكرية التي انضمت مع ميليشيات ومع جهات أخرى، ولا تعمل تحت قيادة حفتر، وهل هذا يمكن أن يؤدي إلى تقسيم ليبيا؟ يجيب مرة أخرى موضحا: «لا... معظم العسكريين الآن في مدنهم، وقراهم، يحاولون الالتحاق بالجيش، بغض النظر عمن يقود؛ لأنه، في الحقيقة، لا أحد يقود في ليبيا. كلها هياكل وَهْمِية. العسكريون تنادوا، اليوم، لكي يثبِّتوا الأمن، ويواجهوا التطرف الموجود في مناطقهم... يشكلون وحدات قتالية لمواجهة هذا الخلل».
رغم كل شيء تمكنت القوات العسكرية التي جمعها حفتر في ظروف صعبة، من أن تفرض نفسها، وهي تقصف بمدافع الهاوزر أوكار الجماعات المتطرفة، ليس في منطقة واحدة، ولكن في مواقع عدة، بدأت من الشرق ووصلت إلى الجنوب، وأعينها الآن على غرب البلاد. وكما يقول أحد أعضاء لجنة الحوار السياسي التابعة للبعثة الأممية: على الأقل تستطيع القول إنه أصبح يوجد في ليبيا جنرال يمكن التحدث معه. هذا سيساعد على إقناع المجتمع الدولي برفع الحظر عن تسليح الجيش المفروض عليه منذ عام 2011.
ولدى حفتر ضباط أقوياء، مثل اللواء المبروك سحبان، آمر المنطقة العسكرية الوسطى الممتدة من إجدابيا إلى سرت. ويعد اللواء سحبان، بقواته، ومعظمها من النخبة التي جرى تدريبها أيام القذافي، العائق الوحيد، حتى الآن، لانفصال المنطقة الشرقية عن إقليمي طرابلس غربا وفزان جنوبا، كما يقول الدكتور الورفلي. بالإضافة إلى أن قوات حفتر تمكنت، خلال الشهور الماضية، من التمركز في مناطق مهمة في الجنوب وطرد ميليشيات عدة إلى الصحراء، إضافة إلى مغازلة ضباط كبار في غرب طرابلس.
ويقول مصدر عسكري تابع لغرفة عمليات سرت الكبرى: إذا عرفت أننا أصلحنا أسلحة قديمة عمرها يزيد على 30 عاما، واستخدمناها بكفاءة، فهذه إنجازات ضخمة بالنظر إلى استمرار الحظر الدولي على تسليح الجيش. وبالنظر إلى استمرار بعض الجهات الإقليمية في تدليل ودعم زعماء ميليشيات من خصوم حفتر وبخاصة في طرابلس، وبالنظر إلى محاولات لاستقطاب قادة عسكريين من غرب البلاد وجنوبها.
ويضيف: مهما كان، فنحن نعمل بما لدينا من إمكانات ضعيفة، لكننا نتقدم. وتستطيع أن ترى آثار هذا التقدم على وجوه الليبيين، على الأقل في المنطقة الشرقية، حيث ارتاحوا أخيرا من جرائم المتطرفين. التعويل اليوم على توحيد مؤسسة الجيش، وهذا سيحدث قريبا.
وردا على سؤال بشأن ظهور دعوات في بعض المناطق الليبية بترشيح حفتر ليكون رئيسا للبلاد، وما يمكن أن يؤدي إليه مثل هذا التحرك من غضب لدى قادة عسكريين متربصين، أصلا، بتحركاته، يقول أحد القادة المقربين من الجنرال في قاعدة الرجمة: إن الهدف من توحيد الجيش ليس سياسيا، و«الحقيقة أن حفتر لا يسعى لمنصب سياسي... نحن ندافع عن بلادنا المعرّضة للضياع، وليس عن سياسيين».
لقد كانت مسألة توحيد الجيش مجرد حلم وفكرة، إلا أن عزيمة حفتر، كما يرى البعض، نقلت هذه الفكرة إلى طاولة الحوار، إقليميا ودوليا. ودخلت مصر لتأخذ بيد الليبيين في هذا الاتجاه. بَيْدَ أنَّ التحدي هو كيفية دمج القادة الآخرين، بضباطهم وجنودهم، في كيان واحد والالتفاف حول عقيدة واحدة. ويقول العميد المسماري: «بالتأكيد عقيدة الجيش الليبي هي عقيدة دفاعية، للدفاع عن ليبيا، وعن مكتسبات الشعب الليبي، وفرض سيطرة الدولة على إقليمها الجغرافي بالكامل».
لكن، مرة أخرى، ما العمل تجاه استقطاب جهوي ومذهبي يبدو أنه يجرُف ضباطا كبارا في غرب ليبيا وجنوبها، بعيدا عن سلطة الجنرال حفتر، وهو أمر يرى البعض أنه يمكن أن يدفع إلى تفتيت البلاد، كما يوضح الدكتور الورفلي.
ومع ذلك، ورغم الجانب القاتم من القصة، ما زالت توجد فُرص، وضغطٌ دولي، وجهودٌ عربية ومصرية، لإنقاذ الدولة الليبية. فقد التقى حفتر، المَزهوّ بانتصارات جنوده، قبل أيام، مع سلامة، في مكتبه في قاعدة الرجمة العسكرية، على بعد 40 كيلومترا من مدينة بنغازي. وسبق لعواصم مثل موسكو وباريس وروما، استقبال الجنرال الذي يحتفظ بعلاقات قوية ومهمة، مع كل من القاهرة وأبوظبي.
وقبل نهاية الشهر الماضي اتفق عسكريون ليبيون في القاهرة، على تشكيل لجان فنية ونوعية مشتركة لبحث آليات توحيد مؤسسة الجيش الليبي. ويقول المسماري: «لقد قررنا الآن البدء في عمل هذه اللجان بمصر».
وعما إذا كان يرى أن النزعات الجهوية والمذهبية لبعض العسكريين يمكن أن تؤثر على الجيش، يجيب المسماري قائلا: «أنا أتحدث عن القوات المسلحة... الجيش الوطني الليبي. كل العناصر التي تنتمي إلى الجيش الوطني الليبي، لا تنتمي إلى قبائل، ولا تنتمي إلى تكتلات معينة، أو أحزاب معينة، كل من ينتمون لهذه الأحزاب، أو ينتمون لهذه العقائد القبلية، أو الميليشياوية، أو الحزبية... هؤلاء خارج القيادة العامة للقوات المسلحة».
أما المحلل السياسي الأميركي شريف الحلوة، الذي كان يتجول بين مدن عدة في الغرب الليبي، فيرى الأمور من منظور مختلف. ويوضح قائلا إن وجود قيادات عسكرية ليبية كبيرة خارج سلطة حفتر، يؤثر في الجيش بالفعل... «هذا أمر طبيعي، ويمكن أن تتسبب مثل هذه القيادات في الجنوب والغرب في تقسيم البلاد إلى ثلاث دول أو أقاليم... ولا بُدَّ أنْ تعلم أن الفوضى التي مرت على ليبيا جعلت لكل قيادة أتباعها في منطقتها».
ولا يمكن - كما يقول الحلوة - تجاهُل وجهات نظر قيادات عسكرية معتبرة، أو التغاضي عن أسباب رفضها العمل تحت قيادة حفتر حتى الآن. ويضيف: «أعتقد أن حفتر عسكري، قد يكون ذكيا، لكنه ربما يفتقر إلى مَلَكات تجعله زعيما مُوحِدا لكل الأطراف الليبية، حتى الآن». ويشير إلى أن محاولات توحيد الجيش لا تقتصر فقط على الجهود التي يقوم بها حفتر انطلاقا من شرق ليبيا، أو من مصر، ولكن «يوجد الآن، كما نرى، محاولات لتوحيد بعض القيادات العسكرية، وتوحيد الصف العسكري، في مناطق أخرى من البلاد».
ويقول أيضا: «هناك، من بين هؤلاء القادة العسكريين، من لهم علاقة وطيدة بوزارة الدفاع الأميركية، ويمكن أن يكون لهم دور في مستقبل ليبيا... كما أن هناك قيادات عسكرية لا تريد الدخول في المشهد في الوقت الراهن، حتى لا يُحسبوا على أي من الأطراف المتنازعة سياسيا».
ويتابع الحلوة: «أعتقد أنه مهما حدث فإن الجيش لن يستمر في حالة الانقسام... ما أعرفه أنه يوجد تواصل بين قياداته؛ لأنهم، في الأصل، أبناء مؤسسة واحدة، مهما حدث من تغيرات سياسية».
ويقول العميد زَقَل: «نحن نريد حكومة ليبية تستطيع جمع الليبيين... تكون ديمقراطية مدنية... والجيش مهامه معروفة، في أي دولة ديمقراطية؛ وهي حماية الوطن... وألا يتدخل في الأمور السياسية».
أما العميد الشركسي، خريج الأكاديمية العليا لضباط الطيران في بولندا، والذي سبق وأعلن استعداده لحل سرايا الدفاع عن بنغازي، فيرفض رفضا تاما التعامل مع حفتر.. «نحن خلافنا واحد؛ حفتر... إذا خرج حفتر من المشهد فنحن لسنا انتقاميين. نحن نريد قيام مؤسسات الدولة».
ومنذ أكثر من سنة كلفت القاهرة الفريق محمود حجازي، رئيس أركان الجيش المصري، برئاسة لجنة معنية بليبيا. وعقدت اللجنة لقاءات مع سياسيين وناشطين ليبيين، والأهم، مع عسكريين من أتباع حفتر ومن منافسيه، في محاولة لتوحيد الجيش، حتى يكون قادرا على إنهاء حالة الفوضى والانفلات الأمني والقدرة على حراسة حدود الدولة الليبية.
وتطور الأمر، خلال مناقشات القاهرة، إلى استلهام تجربة قديمة تعود لعام 1939 حين بدأ تأسيس جيش التحرير الليبي، بمساعدة من البريطانيين، انطلاقا من ضاحية أبو رواش في غرب العاصمة المصرية، من أجل تحرير ليبيا من الاحتلال الإيطالي حينذاك.
وكان والد قذاف الدم أحد قيادات هذا الجيش الوليد، حيث تولى في خمسينات وستينات القرن الماضي موقع آمر منطقة إقليم فزان. وعقب اجتماع لقيادات من الجيش الليبي مع الفريق حجازي، قبل أيام، صرح العميد أركان حرب تآمر الرفاعي، الناطق باسم الجيش المصري، بأن أبناء المؤسسة العسكرية الليبية اختاروا مصر لتكون نقطة البدء في إعادة تنظيم الجيش الليبي، كما كانت نقطة البدء عند التأسيس، في النصف الأول من القرن الماضي.
ويقول الرفاعي: «نعم... ما يمكن قوله أن الاجتماع تطرق لمختلف الشواغل التي عرقلت مسيرة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية. كما تطرق الاجتماع أيضا لمختلف الأفكار والحلول لتدشين مرحلة جديدة على مسيرة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية».
ومن جانبه، يبدو العميد المسماري متفائلا، مثل معظم قيادات الجيش التي جاءت إلى القاهرة خلال الشهور الأخيرة، أو تلك التي تترقب من بعيد، بمن فيهم ضباط من مدينة مصراتة التي تعد من أقوى المدن تسليحا وعداء لحفتر.
وعلى العموم، يمكن كذلك ملاحظة تغيُّر في لهجة عسكريين من مصراتة. فالعقيد سالم جحا، مثلا، وهو ممن شاركوا في دعم الانتفاضة ضد القذافي، بدا، أخيراً، أنه يُفضِّل التوصل إلى حلول وسط من أجل توحيد الجيش، رغم أنه ما زال هناك ضباط متشددون، من مصراتة، ضد الجنرال حفتر، مثلهم مثل العميد زَقَل في طرابلس، والعميد الشَّركسي، ابن بنغازي، وغيرهم.
وبينما تمر الأيام، يبدو أن قطار توحيد الجيش الليبي يستعد للانطلاق من مصر، بمن لديه الرغبة في ذلك، بغض النظر عن أي مواقف مسبقة. ومن جانبه، يقول المسماري: «سيبدأ في مصر عمل اللجان الفنية... الغرض دراسة ضم، أو توحيد، كل المؤسسة العسكرية، بضباط من المنطقة الغربية، والشرقية، والجنوبية. وستعمل هذه اللجان برئاسة الفريق حجازي».
وعلى كل حال، من السهل أن تلمس شعوراً بالثِّقة لدى ضباط مصريين كبار بشأن إمكانية إنجاز المهمة قبل فوات الأوان. ومع ذلك، تبدو ظروف تأسيس الجيش الليبي في غرب القاهرة عام 1939 مختلفة عما يجري اليوم، إلا أن بارقة الأمل ما زالت تلوح في الأفق أمامهم ولو بعد حين.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.