عودة تدفق لاجئي الروهينغا إلى بنغلاديش

تنظيم ثاني أكبر حملة تطعيم عبر الفم بالعالم في صفوفهم خوفاً من تفشي الكوليرا

لاجئة من الروهينغا تتلقى جرعة ضد الكوليرا (رويترز)
لاجئة من الروهينغا تتلقى جرعة ضد الكوليرا (رويترز)
TT

عودة تدفق لاجئي الروهينغا إلى بنغلاديش

لاجئة من الروهينغا تتلقى جرعة ضد الكوليرا (رويترز)
لاجئة من الروهينغا تتلقى جرعة ضد الكوليرا (رويترز)

فر آلاف آخرون من الروهينغا إلى بنجلادش هذا الأسبوع في موجة جديدة من طوفان مستمر للاجئين الهاربين من العنف وأيضا الجوع. وقال بعض القرويين في ولاية راخين: إن الغذاء أوشك على النفاد؛ لأن الأرز في الحقول ليس جاهزا للحصاد، ولأن حكومة ميانمار أغلقت أسواق القرى وقيدت نقل الغذاء. وكانت قد خفت وتيرة تدفق اللاجئين، لكن في الأيام القليلة الماضية قال مسؤولون حكوميون إن عشرات الآلاف وصلوا، معظمهم من مناطق من ولاية راخين. وكثيرون يعبرون نهر ناف في أضيق نقاطه، لكن آخرين يحاولون العبور بحرا، على مراكب صيد متداعية غير ملائمة للإبحار في خليج البنغال.
وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: إن حرس الحدود في بنغلادش أفادوا بعبور أكثر من 11 ألفا من اللاجئين الروهينغا إلى بنغلادش من ميانمار.
وقال أدريان إدواردز، المتحدث باسم المفوضية في إفادة صحافية في جنيف أمس (الثلاثاء): «عدنا إلى وضع التأهب التام فيما يتعلق بتدفق (اللاجئين). إنها زيادة كبيرة بعبور 11 ألفا». وأضاف، كما جاء في تقرير «رويترز»: «تعمل المفوضية مع سلطات بنغلادش لإنشاء مركز عبور استعدادا لتدفق محتمل للاجئين في الأيام المقبلة». وانضم اللاجئون الجدد إلى روهينغا آخرين كانوا فروا بعدما قام الجيش في ميانمار وميليشيات مسلحة بوذية في راخين في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بمهاجمة قرى الأقلية المسلمة.
وفي الأمس، قالت السلطات في ميانمار، إنه لا توجد مؤشرات على هجمات لمقاتلين من مسلمي الروهينغا مع انتهاء وقف لإطلاق النار أعلنته جماعة «جيش إنقاذ الروهينغا في أراكان» لمدة شهر بدءا من العاشر من سبتمبر (أيلول) لتسهيل إيصال المساعدات إلى ولاية راخين. وتسببت الحملة الحكومية في شمال راخين في فرار نحو 520 ألف مدني من الروهينغا إلى بنغلادش وأثار تنديدا دوليا. وأدانت الأمم المتحدة العنف ضد الروهينغا باعتباره تطهيرا عرقيا. وحتى قبل الهجوم الحكومي كانت جماعة جيش الإنقاذ الصغيرة والمسلحة تسليحا خفيفا قادرة فقط فيما يبدو على شن هجمات كر وفر على مواقع أمنية وعاجزة عن تشكيل أي نوع من التحدي الدائم للجيش.
وقال متحدث حكومي: إن السلطات كانت في حالة تأهب خلال الأيام الماضية وشددت إجراءات الأمن في سيتوي عاصمة الولاية مع اقتراب نهاية وقف إطلاق النار.
وقال المتحدث مين أونج صباح أمس، كما جاء في تقرير «رويترز»: «وردت إلينا معلومات عن أن جيش إنقاذ الروهينغا في أراكان قد يهاجم... لكن لم ترد تقارير عن وقوع هجمات». وقال المقاتلون يوم السبت الماضي إنهم مستعدون للتجاوب مع أي مبادرة سلام من الحكومة رغم انتهاء وقف إطلاق النار عند منتصف ليل الاثنين. وأكدوا أيضا مطالبهم بحقوق الروهينغا الذين تعتبرهم ميانمار مهاجرين غير شرعيين، وترفض منحهم الجنسية بموجب قانون يربط الجنسية بالعرق.
وقضى نحو 160 منهم غرقا. وأعلنت شرطة بنغلادش الثلاثاء العثور على جثث تسعة مهاجرين بعد غرق مركب مكتظ بعشرات الفارين من العنف؛ مما يرفع حصيلة الضحايا إلى 23 قتيلا. وعثر على ثماني جثث على ضفاف نهر ناف الذي يشكل الحدود الطبيعية بين بنغلادش وميانمار، وعلى جثة أخرى على بعد كيلومترات على جزيرة سانت مارتن.
وأكثر من نصف عدد ضحايا الكارثة الأخيرة هم أطفال، بحسب ميان الدين، قائد شرطة بلدة تكناف الحدودية. ولم يستطع تحديد عدد المفقودين، لكن ناجين ومسؤولين قالوا: إن المركب كان يقل ما بين ستين ومائة شخصا. وحتى الآن أنقذ خفر السواحل البنغلادشي وحرس الحدود 15 شخصا. ومن بين موجة المهاجرين الأخيرة طفلان في الثانية والثالثة من العمر، قضيا بسبب الجوع والإرهاق لدى وصولهما بنغلادش. وقال المسؤول المحلي في قرية انجومنبارا الحدودية سلطان أحمد لوكالة الصحافة الفرنسية «أبلغنا أهاليهما بأنهما قضيا بسبب الجوع. مشيا لسبعة أيام ولم يأكلا شيئا».
وفاقم العجز في المرافق الصحية وأماكن الإيواء والأغذية في كوكس بازار من مخاطر انتشار الأمراض، ومن بينها الكوليرا. وخلال الأسبوع الماضي، تم رصد أكثر من عشرة آلاف حالة إصابة بالإسهال بين اللاجئين. وتقوم كل من منظمة الصحة العالمية واليونيسيف ووزارة الصحة البنجالية بتنفيذ حملة وقاية من الأمراض. وأعلنت وكالة أممية انطلاق حملة موسعة لتطعيم نحو 650 ألف من لاجئي في بنغلاديش، أمس، لمنع انتشار الكوليرا. كما بدأت منظمة الصحة العالمية أمس توزيع 900 ألف جرعة تطعيم ضد الكوليرا في مخيمات للاجئين، في حين تهرع السلطات لاحتواء تفش كبير للمرض. وقال أطباء في مستشفيين لـ«رويترز»: إن عددا من الحالات ظهرت عليها أعراض الكوليرا، وهو مرض فتاك يمكن أن يودي بحياة المريض في غضون 36 ساعة إذا لم يخضع للعلاج.
وقال إدوارد بيجبيدير، ممثل صندوق الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» في بنغلاديش: إن «هذه هي ثاني أكبر حملة تطعيم عبر الفم في العالم بعد حملة هايتي عام 2016».
وقال الطبيب إن. بارانيثاران، ممثل منظمة الصحة العالمية في بنغلادش: «هناك مخاطر واضحة من انتشار الكوليرا». وأشار بارانيثاران إلى أن حملة التطعيم ضد الكوليرا في بنغلادش هي ثاني أكبر حملة تطعيم من نوعها في التاريخ، وستكون مهمة لاحتواء أي تفش. وسينتشر ما يزيد على ألف شخص في مختلف أنحاء المخيمات مترامية الأطراف التي تقع على الطرف الجنوبي من بنغلادش، ويعيش فيها أكثر من 519 ألفا من لاجئي الروهينغا. وقال بارانيثاران «وبينما نقوم بهذا التطعيم، فإنه ليس بديلا عن إصلاح الصرف الصحي والماء. إنه يكسبنا وقتا فقط». وأضاف: «لم تحقق منشآت الصرف الصحي وزيادة النظافة المعايير بعد. ما زالت في حاجة إلى التحسين بسرعة».



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.