جورج كلوني لـ «الشرق الأوسط»: تعلمت من الإيطاليين أن أستيقظ متفائلاً كل صباح

تحدث عن الأفلام والحياة العائلية السعيدة

خلال التصوير - من «سوبربيكون» مع مات دامون وجوليان مور - جورج كلوني مع زوجته أمل في مهرجان ڤينيسيا الدولي
خلال التصوير - من «سوبربيكون» مع مات دامون وجوليان مور - جورج كلوني مع زوجته أمل في مهرجان ڤينيسيا الدولي
TT

جورج كلوني لـ «الشرق الأوسط»: تعلمت من الإيطاليين أن أستيقظ متفائلاً كل صباح

خلال التصوير - من «سوبربيكون» مع مات دامون وجوليان مور - جورج كلوني مع زوجته أمل في مهرجان ڤينيسيا الدولي
خلال التصوير - من «سوبربيكون» مع مات دامون وجوليان مور - جورج كلوني مع زوجته أمل في مهرجان ڤينيسيا الدولي

بعد أن أخرج جورج كلوني «رجال النُـصُـب» (The Monuments Men) سنة 2014، أراد، كما يقول لي، أن يتوقف ويفكر ملياً بماهية الفيلم التالي: «كنت أمر بمرحلة من النشاط الدائم. كنت انتهيت من ذلك الفيلم ومقبل على مرحلة شخصية خاصة هي زواجي من أمل (علم الدين) وكنت أيضاَ في حاجة إلى مراجعة اختياراتي من المشروعات الكثيرة التي كانت أمامي».
هذا ما استدعاه للتوقف عن العمل مخرجاً وقبول أدوار في أفلام من إخراج أصدقاء له، فلعب دور مبتكر عالم الغد في «تومورولاند» من إخراج براد بيرد، ثم شخصية الممثل المخطوف في «مرحى، قيصر» للأخوين كووَن، وشخصية مقدم البرنامج المالي على شاشة التلفزيون في «وحش المال» لجودي فوستر.
يعود كلوني الآن إلى الإخراج بفيلمه الجديد «سوبربيكون» الذي افتتح في مهرجان ڤينيسيا (حيث تم الشطر الأول من اللقاء) وعرض في مهرجان تورونتو قبل أيام. يختار النجم عودة ذات صدى في فيلم بموضوع مزدوج: زوج يتخلص من زوجته ليرث تأمينها لتخلو له شقيقتها (التي تعلم ما فعل)، وعائلة أفرو - أميركية تنتقل للعيش في هذه البلدة الصغيرة المشمسة التي اختارها سكانها (والأحداث تقع في الخمسينات) مكاناً لعيش نظيف، مريح، مشمس و... من دون أفرو - أميركيين.
وعلى نحو متواز، يقدم كلوني خطي الأحداث كما لو كان يتعامل مع موضوعين مختلفين، لكنهما في الواقع موضوع واحد متصل، محدد بحكاية تشويق عائلية والآخر محدد بإطار اجتماعي واسع.
الموضوع الذي يحيط بجنوح الزوج (يقوم بدوره مات دامون) الإجرامي ليستأجر رجلين بلا قيم اجتماعية للقيام بالجريمة، هو من كتابة الأخوين كووَن قبل سنوات عدة. عندما قاما بإخراج «فارغو» سنة 1996 الذي احتوى أيضاَ على مؤامرة زوج للتخلص من زوجته باستقدام قتلة، ركنا هذا المشروع جانبا إلى أن قام كلوني بشراء حقوقه، مضيفاً إلى السيناريو الذي قام بكتابته مع شريكه في الإنتاج غرانت هسلوڤ الموضوع الاجتماعي الذي يصب مباشرة في رحى ما يحدث اليوم من هزات عنصرية وشغب عرقي في الولايات المتحدة، معيداً الموضوع الذي تسبب في قيام الحرب الأهلية في ستينات القرن التاسع عشر إلى الطرح.
«الشرق الأوسط» التقت النجم على مرحلتين من خلال مهرجاني ڤينيسيا وتورونتو، وكان هذا الحوار:

> كيف وجدت الإقبال على الفيلم في مهرجان ڤينيسيا بالمقارنة مع الإقبال عليه في «تورونتو»؟
- وجدته جيداً، لكن الاختلاف كبير بين المهرجانين؛ وذلك بسبب أن كل مهرجان ينطلق من ثقافة مختلفة عن الآخر. «ڤينيسيا» يحاول أن يكون المهرجان الفني الذي تلتقي فيه كل الثقافات، وهو بالفعل ذلك؛ فهو ينتمي إلى التقاليد التي تم تأسيسها في أوروبا وحتى في أميركا. لكن «تورونتو» يتعامل أساساً مع الجانب الإعلامي ومع السينما كصناعة. الاختلاف يشمل سبب وجود كل منهما على صفحة المهرجانات الدولية.
> تحدثنا قبل المقابلة عن أين يبدأ وأين ينتهي دور السيناريو الأصلي الذي وضعه كل من جووَل وإيتان كووَن. لكن هل حاولت في «سوبربيكون» استعارة كوميديتهما الساخرة التي عادة ما تصاحب أفلامهما؟
- لا. لكني حافظت على تلك الموجودة في السيناريو. المسألة برمتها هي مسألة ساخرة وسوداوية.
> تقصد مسألة قيام رجل يعيش حياة رغيدة بتدبير مقتل زوجته ليرثها وليخلو له المجال مع شقيقتها؟
- نعم. حاولت ألا أتعامل مباشرة مع الجانب الساخر لتلك الحكاية، بل أتركها كما هي. المشاهد يستطيع التعامل مع الحدث المتوالي أمامه بالطريقة التلقائية المناسبة والطبيعية. الأخوان كووَن رائعان فيما يقومان به، وهما ماهران في عملهما وفي رسم ملامحه واستخراج مكامن السخرية فيما يتعرضان له. نعم هناك، في رأيي، سخرية في «سوبوربيكون»، لكنها منتمية إلى غرابة الوضع الماثل.
> ماذا عن الاستعانة بمات دامون ليلعب دور الزوج المتآمر الذي تسبب بمقتل زوجته ثم ارتكب بنفسه جرائم أخرى؟ هو أيضاَ شخصية نموذجية في أفلام كووَن؟
‫ - هذا مستورد من أسلوبهما. هل تذكر «يا أخ أين أنت؟» (O Brother Where Art Thou?). مثلت فيه دور شخصية تحمل مفهوماً كلاسيكياً في وضع مختلف لم يعتد عليه الجمهور. هذا ليس جورج كلوني كما عرفناه. هذا حاولته أيضاً مع مات دامون في هذا الفيلم. هو في مـعظم أفلامه الممثل الذي تعرفه على نحو معين. هنا هو على نحو مختلف.‬
‬> هل هذا هو السبب الذي من أجله اخترته للدور، أم أنك تحب العمل مع أصدقائك ومات دامون من بينهم؟
- هو طبعاً من بين أصدقائي من الممثلين. لكنه في الأساس ممثل متنوع بامتياز شديد. يقوم ببطولة السلسلة الناجحة «جاسون بورن» بقدرة فذة، كما يمثل شخصية إنسان ساذج بالقدرة نفسها. من الصعب أن تجد ممثلاً يَـضرب في فيلم ويُـضرب في فيلم آخر بالمصداقية ذاتها.
> ماذا عن جوليان مور؟
- جوليان مور كانت مثالاً للمرح وسهولة القيادة. تعرف كل شيء. لا تحتاج معها إلى أن تشرح الدور وما تريده منها تحديداً. تعرف ذلك وتتجه إلى تنفيذ ما تريد. حدد اتجاهك واتركها للتنفيذ.

غداء على الواقف
> طبعاً الجانب المهم الآخر من الفيلم هو رسالته المناوئة للعنصرية، وأعتقد أن توقيتها مناسب جداً؟
- لم يكن هذا التوقيت في البال مطلقاً. حدثت وقائع شرلوتسڤيل بعد أن صوّرنا الفيلم، لكن هناك وقائع وأحداثا عنصرية سبقت شرلوتسڤيل؛ لأن الوضع ماثل منذ عقود.
> هل بدأت التفكير في الموضوع العنصري باكراً؟ في أي مرحلة من مراحل حياتك؟
- كنت في السابعة من العمر عندما تم اغتيال مارتن لوثر كينغ، وبعد ذلك روبرت كندي. كنت ملماً بذلك. نشأتي العائلية لم تكن لتسمح أن لا أكون ملماً. بعد اغتيال روبرت كندي الذي وقع بعد 24 يوما من اغتيال كينغ، جمعت ألعاب السلاح التي كانت عندي وأعطيتها لوالدي (المذيع التلفزيوني نك كلوني، 83 سنة حالياً) وهو أخذها إلى برنامجه وقال: «ابني أعطاني ألعابه هذه. لا يريدها».
> كان ذلك موقفاً منك ومن والدك ضد العنف.
- طبعاً. كثير من الأميركيين كانوا يعتقدون أن العنصرية انتهت مع نهاية الحرب الأهلية وتحرير العبيد. لكن أفقنا على أن نارها ما زالت متأججة. وهي حالة تقع من حين إلى آخر لتكشف أننا ما زلنا كأميركيين نعاني منها إلى اليوم.
> موقفك من الحياة السياسية والاجتماعية اتضح منذ فيلمك «تصبحون على خير وحظاً سعيداً» (Good Night‪، ‬ and Good Luck 9)، وفي كل أفلامك الأخرى التي أخرجتها لديك هذا التعليق على زمن مضى كان يمكن له أن ينجز حاضراً أفضل.
- هذا صحيح تماماً. هذا منشأه أنني من الذين اعتقدوا، أننا كأميركيين نمضي قُـدُما وأن الأحداث العنصرية أو أي سواها ما هي إلا عثرات. الحياة من بعدها ستستقيم.
> ربما لأجل التخفيف من ثقل هذا الحديث...
- نعم...
• نتحدث عن جانب آخر من حياتك... إيطاليا مثلاً. قرأت لك أكثر من مرّة إعجابك بإيطاليا وكيف تمضي فيها وقتاً طويلاً حتى من قبل الزواج من السيدة أمل... ما الذي يجذبك إلى هناك؟
- كانت نكتتي الدائمة هي أن الإيطاليين يفعلون كل شيء أفضل منا نحن الأميركيين باستثناء الحكم. الآن لم أعد أستطيع استثناء الحكم (يضحك). عندما اشتريت منزلي قرب (بحيرة) كومو، فكرت بالأمر على نحو اقتصادي. اشتريه اليوم وأبيعه في الغد وأربح منه. لكني لاحـظت شيئاً غريباً أو كان غريباً بالنسبة لي: عمال البناء يأخذون الوقت كل ساعة ظهر. يفرشون الطعام الذي هو عادة رغيف خبز وكأس نبيذ ويمضون الساعة في راحة وسعادة. قلت في بالي هؤلاء يعيشون أفضل مني. لخمس وعشرين سنة وأنا أتناول وجبة الغذاء واقفاً. هناك أدركت أن هناك معنى أفضل للحياة من تلك التي نعيشها هنا.
> لا أعرفك قبل 25 سنة، لكني ألاحظ أنك دائم الابتسامة. في كل مقابلاتنا السابقة لم تصل مرّة واحدة متجهماً...
- ولماذا أتجهم؟ ما هو الداعي؟ اسمع. في كل صباح استيقظ متفائلاً، وهذا تعلمته أيضاً من الإيطاليين. لا أستيقظ وأقول إن علي الذهاب إلى العمل في هذا الجو البارد. أعتبر اليوم مغامرة أخرى أنا مقبل عليها في حياتي. أنا أعيش مثل الزينة على سطح الكيك (Like icing on the Cake). لم يكن مفترضاً بي أن أكون في هذا الموقع الذي أعيشه الآن. لقد عملت من صغري. عملت بائع تأمين جوال من بيت إلى بيت. عملت في قسم السيدات في محل لبيع الأحذية. عملت في قطع السجائر بثلاث دولارات و33 سنتاً في الساعة. لم لا أكون سعيداً اليوم؟

حال قد يحدث مع الجميع
> بالطبع، إذن أنت سعيد بحياتك الزوجية. لا داعي للتخمين هنا...
- هذه الحياة توفر الاستقرار. لا أعرف ما هو السن المناسب للاستقرار، وأظن أن لكل منا ظروفه ورأيه الخاص في ذلك. لكني نعم سعيد، وعندي ولدان أشعر حيالهما بالمسؤولية، وهذا شيء رائع.
> هل تفتقد شيئاً الآن كان متاحاً لك قبل الزواج؟
- لا أعتقد. لكني أفتقد أشياء أخرى حدثت لي بعد أن أصبحت ممثلاً معروفاً. مثلاً أحب أن أمشي في «سنترال بارك» في نيويورك مع زوجتي وأولادي، لكن ذلك لم يعد ممكناً. في بداية عملي كانت الأولوية إيجاد العمل والمال. الآن الأولوية هي للحياة الخصوصية.
> الحديث في هذه الشؤون هو اغتراب بالنسبة لي؛ ولذا أعود إلى الأفلام (يضحك). في «سوبربيكون» نجد تلك البلدة النموذجية أو التي يبدأ الفيلم بها كما لو كانت نموذجية، وفجأة هناك عداء عنصري كبير ضد عائلة سوداء؛ لأنها جرأت على الانتقال للعيش هناك. كيف واتتك هذه الفكرة؟ هذه لم تكن في سيناريو كووَن على ما أعتقد.
- لا. لم تكن. قبل كل شيء هذا الفيلم لم يُـكتب ليتحدث عن عنصرية محددة. الذي حدث هو أنني، وقت كتابة السيناريو، كنت أسمع أنباء عن عزل المكسيكيين والمسلمين. بناء حاجز على طول الحدود مع المكسيك وتحميل المسلمين مسؤولية ما يقع من أعمال إرهابية. ثم شاهدت فيلما تسجيلياً عنوانه «أزمة في ليڤيتاون» حيث تم تسييج منزل لعائلة أفرو – أميركية، ووضعوا أعلام الولايات الفيدرالية عليها. ما تشاهده في الفيلم حدث بالفعل. لكن العائلة السوداء في الفيلم لا تمثل السود الأميركيين فقط، بل تمثل كل الأقليات. قد تكون عائلة مسلمة أو آسيوية أو سوداء. ما يحدث في فيلمي قد يقع مع عائلة مسلمة أو مع أي أقلية أخرى.
> هذا يقع في الحادي والعشرين..
- عندما تسمع ترمب يتحدث عن أننا سنجعل أميركا أمة عـظيمة مرّة أخرى، هو لا يتحدث عن أميركا السبعينات، بل عن أميركا الخمسينات. عن فترة أيزنهاور وليس عن فترة نيكسون أو فترة ريغان. إنه يتحدث عن الفترة التي اعتقد الأميركيون أنهم يعيشون حياة جيدة وبسيطة. لذلك؛ تدور الأحداث هنا في تلك الفترة لأني أريد أن أوضح أننا ما زلنا نتوهم أننا بخير وسعداء.
> انتهيت مؤخراً من فيلم Ocean‪›‬s Eight الذي تقوم بإنتاجه أيضاَ. هل يختلف عن الأجزاء السابقة كثيراً؟
- لفكرة ما زالت واحدة باستثناء أن المخرج (غاري روس) يختلف والممثلين ليسوا الطاقم نفسه.
> هل لك دور في هذا الفيلم؟
- لا. لا أنا ولا أي من الفريق السابق. إلى حد بعيد هذه بداية جديدة.1 George Clooney جورج كلوني


مقالات ذات صلة

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)

«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

في فيلمها الروائي الطويل الثاني «الفراشة» تواصل المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل، بوصفها مساحات مشوشة من المشاعر.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أجرى الأطباء تدخلات طارئة للمصابين (الشركة المنتجة)

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات.

أحمد عدلي (القاهرة)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».