لإنقاذ العربية عودوا إلى الكتاتيب أو تصالحوا مع العامية

باحثة تدعو إلى تحفيظ القرآن وألفية ابن مالك قبل بلوغ السادسة

سهير السكري - هنادا طه - د.بلال عبد الهادي
سهير السكري - هنادا طه - د.بلال عبد الهادي
TT

لإنقاذ العربية عودوا إلى الكتاتيب أو تصالحوا مع العامية

سهير السكري - هنادا طه - د.بلال عبد الهادي
سهير السكري - هنادا طه - د.بلال عبد الهادي

طرح مثير للجدل تقترحه الدكتورة المصرية سهير السكري كحل لإنقاذ اللغة العربية من التدهور، يناقض الطروحات الحديثة، ويعيدنا إلى زمن «الكتّاب» مع تعديلات طفيفة، مما يفتح سجالاً واسعاً، حول إذا ما كان وضع اللغة المتردي والذي يزداد سوءاً في المدارس، يمكنه أن يرجعنا إلى أكثر الأساليب كلاسيكية. وهو ما ترفضه د. السكري معتبرة أنها تعتمد على دراسات علمية، وعلى معارفها كأستاذة لغويات، وكخريجة لجامعة «جورج تاون».
وتتلخص طريقة د. السكري في نقاط محددة وواضحة، وهي تعليم إلزامي يبدأ من سن الثالثة ويتركز حتى السادسة على الحفظ والتغييب والتكرار لآيات مختارة من القرآن الكريم بالتجويد المصري الذي به إيقاع موسيقي، ولجميع الأطفال بصرف النظر عن أديانهم، ولا يسمح وفق هذه الطريقة للمحفّظ، بتقديم أي شرح أو تفسير للأطفال. وهو في رأيها ما يساعد على بناء النطق السليم وإتقان مخارج الألفاظ وتعلم المفردات والتراكيب. كما يتم تحفيظ أبيات من ألفية ابن مالك عبر أغنيات وبنغمات سهلة لمعرفة قواعد اللغة العربية معرفة تامة. وبدءاً من سن الخامسة حتى السادسة يتم تعليم الكتابة. وفي رأيها أن هذا يقضي على الأمية بشكل كامل ويوفر الميزانيات التي باتت تهدر دون طائل.
وترفض الدكتورة السكري الاتهامات الموجهة إلى طريقتها بأنها قديمة، وعفى عليه الزمن وتقول في حديث لنا معها: «دعوا الطفل يتعلم هذا حتى سن السادسة. وكي لا يقال عن طريقتي أنها قديمة يمكن في هذه الفترة أن نعلم الطفل الإنجليزية والفرنسية وأي لغة نريدها وصولاً إلى ست لغات مختلفة وفي وقت واحد، ولا ضير في ذلك. وبعد أن يتم التلميذ السادسة اعملوا ما تشاءون، لأنه يكون قد اكتسب ما هو بحاجة إليه». وتوضح: «أنا لا أريد تغيير المناهج وإنما استباقها في الفترة التي يكون فيها الطفل مهيأ لتعلم اللغة وامتصاصها بتلقائية».
عادت الدكتورة السكري إلى مصر، وهي تسعى للترويج لطريقتها وتقوم بتطبيقها حالياً على 700 مدرسة من مدارس «مؤسسة مصر الخير» وتطمح لأن تتبنى وزارة التربية فكرتها، فما هو حظها من النجاح وأي مغامرة يمكن أن تؤدي إليها هذه التجربة، خاصة وأن آراء الاختصاصيين متباينة جداً، ليس فقط حول فكرة الحفظ غيباً التي تتناقض مع النظريات التربوية المطبقة حالياً، وإنما أيضاً حول الفصل التام بين الفصحى والعامية حيث تعتبر د. سكري أن هناك «طلاقاً رسمياً» بينهما، وأن الطفل العربي يعاني من مرض «الازدواجية اللغوية»، حسب تعبيرها. فإن تقول «إرم الورقة في الزبالة» بالعامية المصرية تختلف عن الفصحى «إرم الورقة في الزبالة» لأنها تعني هنا كوماً من الزبالة وليس سلة مهملات كما تشرح لنا، غير آخذة بعين الاعتبار، أن المفردة يمكن أن تعبر عن جزء من كل، في بعض الأحيان.
تختلف الدكتورة هنادا طه، أستاذة كرسي الأدب العربي، في «جامعة زايد» في الإمارات، وخبيرة تربوية وهي أيضاً خريجة جامعات أميركية مع د. السكري في التشخيص والعلاج. وتقول: «لم أقرأ أي بحث علمي يتوافق مع ما تطرحه، ولا أجد له أي سند في الدراسات الحديثة. ليس هناك أي بحث يقول إن الإنسان يكتسب مفردة وتبقى في الذاكرة لأمد طويل بمجرد الحفظ، ودون أن ترتبط بمعنى. أشعر أن ثمة تناقضاً بين المشكلة والحل المطروح. أعتقد أن تجريب هذا النهج في 700 مدرسة دفعة واحدة، هي مخاطرة كبيرة. ثمة عوامل كثيرة ستلعب دورها، وما يجب أن يقاس لدى الأطفال هو فقط نتائج تحفيظ القرآن والألفية، لأن هذا الطرح وحده هو الذي سيكسب قلوب الناس وليس عقولهم».
كما يعترض الدكتور بلال عبد الهادي، أستاذ الألسنية في «الجامعة اللبنانية» على الفصل الحاد بين العامية والفصحى عند د. السكري، بحيث إنها تعتبر الطفل العربي يدخل المدرسة بزاد من المفردات لا يتجاوز «3 آلاف كلمة تحتوى عليها مفردات اللغة العامية. أمّا حصيلته من اللغة الفصحى، أي اللغة التي سيستخدمها في القراءة والكتابة بعد سن السادسة، فتكاد تكون صفراً».
ويقول د. عبد الهادي: «ثمة للأسف خطأ شائع يقوم على تحقير العامية، وهذا يسيء إلى الفصحى ويشوش على الطفل علاقته بلغته. نحن نعتبر العامية فاسدة، وعاجزة وهذا غير صحيح». ويرى ضرورة البناء على الجسور التي تربط بين الفصحى والعامية، عند دخول الطفل إلى المدرسة بدل اعتبارها غير موجودة ويضيف: «علينا أن ننطلق من مسلمات جديدة، لا من تصورات لا سند لها في الواقع. الطفل عندنا، يعيش مع لغة عربية عامية وقليل من الفصحى. هذا القليل يتسرب إلى ذاكرته من وسائل الإعلام، ويأتيه أيضاً، من عاميته نفسها، من خلال وجود كلمات فصيحة فيها مثال كلمات (سبيل)، (طفل)، (ولد)، (بنت). هذه المفردات لا تتغير في الفصحى ومثلها الكثير. وأجد أنه يمكننا إدخال التلامذة إلى عالم العربية من خلال هذه الكلمات الموجودة في عاميتهم. وهذا يحتاج إلى جهد جماعي يقوم على جمع كل هذه الألفاظ وتركيب نصوص لحمته وسداه من هذه المفردات. وعلينا أن نرصد تأثير ذلك عند الطفل، حيث سينتابه الفرح لأنه لن يشعر بالغربة في انتقاله إلى الفصحى، بل سيجدها مألوفة وقريبة إلى قلبه ولسانه. وحين أتكلم عن الفصحى في العاميات، فهذا يعني أيضاً أن لكل لهجة مفردات مختلفة، ويتوجب العمل على مختلف العاميات». ويضيف عبد الهادي: «وفي اللهجة العامية تراكيب جزء كبير منها موجود في الفصحى. في حال تم التركيز عند الأطفال على التراكيب المشتركة نكون قد بنينا جسراً للصغير يسمح له باللعب بهذه الفصحى تماماً كما يفعل بالعامية. أما سلخ الطفل عن رصيده اللغوي القوي والانطلاق إلى الفصحى باعتبار أنه لا يملك شيئاً هو نوع من الهدر المعرفي».
وهو رأي يشابه ما تقول به د. هنادا طه، إذا ترى أن قول د. السكري بأن الناطقين الأصليين باللغة الإنجليزية يدخلون المدرسة وفي جعبتهم بين 16 و25 ألف كلمة، يستطيعون استخدامها فوراً فيما الطفل العربي يدخل وفي جعبته صفر، هذا أمر غير مثبت لأسباب كثيرة، والأبحاث كثيرة حول الموضوع». وتضيف بالقول: «المستوى الاجتماعي للأهل يلعب دوراً كبيراً. الأطفال الغربيون أحياناً، قد يدخلون المدرسة وليس في جعبتهم عدد كبير من المفردات بسبب تدني المستوى الثقافي للعائلة. هذا أمر مرتبط بالغنى والفقر. فابن عائلة متعلمة تكون خلفياته أغنى من المتحدر من والدين بسطاء. الأمر مشابه في مجتمعاتنا. لكن ثمة ظاهرة مختلفة عند العرب هي أن العائلات الميسورة لا تتحدث مع أولادها العربية وثمة تأثير للخدم الذين يوكل لهم الأولاد، لذلك فهم يذهبون إلى المدرسة كأبناء الفقراء في شح معرفتهم اللغوية». وتستدرك د. طه: «المستوى الأفضل للأطفال عندنا هو للذين يتحدرون من طبقة متوسطة ولوالدين متعلمين، ويدركون أهمية قضاء وقت مع الأولاد، والتحدث معهم لإغناء معرفتهم اللغوية».
تتحدث د. السكري عن نظرية علمية لا يبدو أنها تقنع آخرين من الاختصاصيين وتعتبر أن «الطفل يولد وثلث دماغه خلايا وراثية أما الثلثان الآخران فينتظران الامتلاء. وهي فترة نمو محمومة وجنونية تريد الاستفادة منها، وتسميها فترة التعليم التلقائي، وهي التي يجب اغتنامها. وتتحدث أيضاً عن الشق الأيمن من الدماغ الذي هو معني بالعواطف والمشاعر الذي يتعاطى مع الموسيقى والذي يجب الاستفادة منه في هذه الفترة، فيما الشق الأيسر يكون مشحوناً بالمعلومات. وترى أن بعض الآيات مثل «إن الله غفور رحيم»، كما «كان الله غفوراً رحيماً» هي تراكيب ستبقى في ذهن الطفل حين يغيبها لمدة 10 دقائق ثم يترك ليستريح ويعاود الحفظ.
د. هنادا طه تسأل: «هل هناك في الغرب من يحفّظ التلامذة جزءاً من الإنجيل أو الإلياذة على سبيل المثال. هذا أمر لا يمكن أن يحدث أبداً. كل ما يكتسبونه هي مفردات لها علاقة بالتواصل»، وتستدرك: «ليس من ثلاث سنوات بل من صفر إلى أن يدخل الطفل إلى المدرسة أي خمس سنوات، يجب أن نقرأ له كل يوم نصوصاً يستطيع أن يتماهى معها، مثل أدب الأطفال على سبيل المثال، التي فيها قصص تشبهه أو لها علاقة بما يعيشه في يومه. أنا مثلاً حفظت أجزاء من القرآن في فترة المراهقة، ولا بد أنها كانت مفيدة جداً، لكن هذا جاء في فترة متأخرة. أما في السنوات الأولى فالطفل بحاجة للاستماع إلى حديث الكبار وأفلام الكارتون ونصوص تجيب على تساؤلاته وتخاطب اهتماماته بلغة بيضاء، لا تكون مغرقة في العامية». تميز د. طه بين «الفصحى» التي هي لغة القرآن الكريم والمعلقات التي لا نتداولها بمفرداتها في يومياتنا، و«الفصيحة» التي هي لغة الصحف والروايات ولغة هذا الزمن التي نتواصل بها. وتشرح: «إذا سرنا في طريقة د. السكري سينشأ جيل لديه مفردات لا يفهم شيئاً منها ولا تستخدم. في عمر الست أو سبع سنوات أرى الأنسب تعليم الطفل سورة (الرحمن) من القرآن الكريم مثلاً. إذ ماذا يتعلم طفل صغير في الثالثة حين يحفظ (العرجون القديم) أو (والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا)، أين ترى سيستخدمها، وفي أي مناسبة، وأي سياق؟» كما تعتبر د. طه «أن طرح د. السكري لا يأخذ بعين الاعتبار المسيحيين، والأقباط والكلدان والأرمن. «ماذا نقول لهم، يتوجب عليكم حفظ القرآن؟ أنا مسلمة لكن علينا أن نراعي التنوع في مجتمعاتنا، وثمة مسلمون ربما لا يرون جدوى من تحفيظ أولادهم دون شرح. لكنه بالطبع طرح يحدث صدى، ويمس وتراً حساساً وعاطفياً في بلدان كثيرة، ولدى فئة كبيرة من الناس، نظراً لأنه يدغدغ مشاعر دينية وعاطفية».
أما د. عبد الهادي فيرى أن «الحفظ ضروري ولكن أيضاً يجب أن يخضع لمعايير هدفها تعزيز القوالب اللغوية في ذهن الطفل، ولكن ليس عن طريق نصوص قديمة، وإنما باعتماد نصوص يراها على الشاشة، في الشارع في ملعب المدرسة، عن طريق الأغنيات المشوقة والجميلة. ويذكر بعبارة عربية مأثورة تقول: «لكل زمان بيان» والبيان العربي في القرن الحادي والعشرين هو غيره في الأزمنة السابقة. فيما يخص تعليم اللغة العربية الفصحى.



«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.