«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (2)‬: المخرج ألكسندر باين نجم افتتاح مهرجان فينيسيا هذا العام

سعى طويلاً للحديث عن أبطاله في الزمن المعاصر

ألكسندر باين خلال تصوير «نبراسكا» مع بروس ديرن
ألكسندر باين خلال تصوير «نبراسكا» مع بروس ديرن
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (2)‬: المخرج ألكسندر باين نجم افتتاح مهرجان فينيسيا هذا العام

ألكسندر باين خلال تصوير «نبراسكا» مع بروس ديرن
ألكسندر باين خلال تصوير «نبراسكا» مع بروس ديرن

بعد مسيرة ناجحة وطويلة في خضم السينما الأميركية المستقلة، يفتتح المخرج ألكسندر باين (Payne)، الدورة الرابعة والسبعين مساء هذا اليوم 30 أغسطس (آب) بفيلمه الجديد «تصغير». هذا الفيلم الذي سينظر مات دامون إلى نفسه ليس في المرآة بل في الواقع إذ يتم استنساخه ولو بحجم قلم رصاص.
إلى أن نراه، سيبقى سبب اختيار مهرجان فنيسيا لهذا الفيلم عوضاً عن سواه مغلفاً فقط برغبة المهرجان اصطياد أحد الأفلام التي ستتوجه إلى سباق موسم الجوائز. كل ما هو معروف عنه أنّه علمي خيالي ساخر تقع أحداثه في عالم قريب بات من المستحيل تأمين حاجيات الناس جميعاً فيه.
حسب الفيلم، فإن ارتفاع عدد السكان حول العالم مع خطر اضمحلال المحاصيل النباتية واللحوم وكافة أنواع الأطعمة، فإنّ الحل يكمن في أن يتطوّع الناس (ربما قبل إلزامهم بقوانين حكومية) بتصغير أنفسهم لأحجام لا تتطلب الكثير من الطعام أو الشراب. حجم قد يضيع في جيب البذلة العادية أو - على طريقة الفيلم الكلاسيكي «الرجل المتقلص العجيب»، لجاك أرنولد (1957) - قد تلتهمه قطّـة المنزل معتقدة أنّه نوع جديد من الفئران.
حسب نظرية د. برييرا (يقوم به يواكيم دي ألميدا)، فإن تصغير الرجل أو المرأة لحجم «الهوت دوغ» سوف يجعل أصبع الهوت دوغ الواحد يكفي سبعة أشخاص. كرستن ويغ تؤدي دور زوجته، لكنّ الفيلم الخالي من المؤثرات البصرية المعتادة في أفلام خيالية أو فانتازية يضم إليه بضعة ممثلين من مستوى لورا ديرن (ابنة الممثل بروس ديرن الذي قاد بطولة فيلم باين الأخير «نبراسكا») ونيل باتريك هاريس وأليك بولدوين والوجه المخضرم أودو كير.
- تعليقات اجتماعية
من بين ثوابت أفلام باين، حقيقة أن المخرج يعاين دوماً حالات الفرد في مجتمع متقلب. وكل ما يفعله هنا هو وضع هذه المعاينة في إطار مستقبلي. وهذا الفيلم ليس نتاج فكرة طارئة بل خطرت لباين وكاتب السيناريو جيم تايلور منذ أكثر من عشر سنوات وتداولا طويلا، كيف يمكن لهما تجسيد الفكرة من دون أن تبدو - في حقيقتها - لا خيالية ولا علمية، بل تنضم إلى تعليقات المخرج حول ما يحدث لعالمنا.
سنة 2004 أخرج باين فيلمه العاطفي «جانبيا» (Sideways)، وبعده مباشرة فكر في «تصغير»، لكن قدماه قادته إلى الفيلم التالي «الأحفاد» سنة 2011 وبعد ذلك إلى «نبراسكا» (2013). في غضون ذلك كان السيناريو قد اكتمل وتحمست له شركة فوكس، لكنّها تخلّت عنه فتبنته شركة براماونت. في مطلع العام الماضي تردّد أن ريز وذرسبون (التي أدت بطولة «انتخاب» (Election) وهو الفيلم الذي أخرجه باين سنة 1999 بنجاح كبير، ستقوم بالبطولة، لكن قبل بدء التصوير في أبريل (نيسان) السنة الماضية تم استبدال وذرسبون بكرستن ويغ من دون سبب ظاهر.
إذا ما كانت أفلام ألكسندر باين تعاين المجتمع الحاضر الذي نعيشه، فإنّ ذلك يعني أنّها تنتخب في كل مرّة شخصية منفردة تعكس ما يمر به المرء في عصرنا الراهن. وهذا ما يعني أنّ أفلامه، ككثيرين سواه من مخرجي السينما المستقلة، ليسوا بوارد تحقيق أفلام مبهجة حتى وإن كانت كوميدية أو ساخرة.
حياة هذا المخرج تبلورت سريعاً كسينمائي، لكن اهتمامات هذا السينمائي لم تتبدَّ سريعاً. تلك التعليقات الاجتماعية التي يزاولها أتت لاحقاً عندما وجد لزاما عليه أن ينجز أفلاماً تعني له ولمشاهديه أكثر من مجرد عروض ترفيهية عابرة.
وُلد ألكسندر باين في عام 1961 في بلدة أوماها في ولاية نبراسكا، وهي ولاية معروفة بمزارعها الشاسعة. هو من أصول يونانية (واسم عائلته هو بابا وبولوس)‬. ذات يوم قدّم له والده كاميرا كهدية عيد ميلاد. كان في الرابعة عشرة من العمر حينها ومن هنا عرف أن مستقبله يكمن في فن الصورة المتحركة.
بدأ الإخراج في مطلع الثمانينات بأفلام قصيرة. في عام 1991 أنجز أول فيلم بعنوان «شغف مارتن»، ثم حقّق فيلمه الثاني «المواطنة روث» (1996): دراما عاطفية - اجتماعية حول مصير امرأة حبلى من مدمن مخدّرات. فيلمه التالي «انتخاب» (1999)، شهد نجاحاً جيداً وطرح فيه ما يمكن اعتباره صورة مصغرة عن عالم الانتخابات الأميركية. بعده أنجز فيلمه الرائع «حول شميت» (2002) ثم«جانبيا» و«الأحفاد» ثم «نبراسكا».
- فيلم شغوف
ما قبل «انتخاب» لم ينجز باين عملاً يعكس أسلوب عمله الدائم ولا حرفته الجيدة. أمّا هذا الفيلم الذي لعبت فيه ريز وذرسبون دور طالبة تريد الفوز في انتخابات مدرسية فقط لأنّها فازت في كل انتخابات مدرسية سابقة، فإنّه نقل باين من عداد المجهولين إلى عداد المشهورين. في هذا الفيلم مارس باين تلك المعالجة التي تمزج ما بين جدية الطرح والسخرية مما يعرضه.
هذه المعالجة من بين أسباب نجاح الفيلم بصورة غير متوقعة لا نقدياً فقط بل جماهيرياً. صحيح أنّ الرقم الإجمالي لإيراداته لم يزد على 60 مليون دولار، لكنّ «انتخاب» كلّـف نحو مليون دولار فقط وانتمى، تصنيفاً، لأفلام «الكليات»، تلك التي عادة ما تحكي حكايات حب ورقص في حرم الكليات مع فتيان وفتيات من المراهقين. قبلة هنا ورقصة هناك وربما جريمة قتل مرعبة بين الاثنين.
«حول شميت» دراما ساخرة أخرى، لكن في إطار مختلف تماماً. جاك نيكولسون في أحد أفضل أدواره التي مثلها بعد سن الشباب لاعباً هنا شخصية رجل واجه حدثين متتاليين: وصل إلى سن التقاعد وترك العمل، ثم ماتت زوجته وهي تنظف البيت. هذا ما يدفعه للقيام برحلة طويلة بحافلته الكبيرة (Motor Home)، راغباً في التواصل مع ابنته التي ستتزوج قريباً.
يكاد يكون الفيلم كوميدياً صرفاً، ويلامس العاطفية حينا، ويتميز بالشفافية غالبا، لكنّه لا ينتمي إلى أي من هذه التوجهات انتماء كاملاً. إنّه فيلم ساخر، لكنّه فيلم شغوف بالتجربة التي يعرضها. يعكس المخرج باين جدّيته حتى في تلك اللحظات التي تبدو خفيفة. يقترب بفيلمه من موضوع فيلم إنغمار برغمن «الفريز البرّي» (1975)، حين أسند إلى فكتور سيوستروم (بدوره واحدا من كبار مخرجي السينما السويدية)، دور رجل متقدم في السّن يشعر بأنّ أفضل سنوات حياته باتت وراءه.
ليس أنّ حول «شميت» مأخوذ عن فيلم برغمن ولا المراد الإشارة إلى أكثر من توارد خواطر، لكن المرء يكتشف أن واحدا من أهم قيم فيلم باين الإنسانية، هي الحديث عن رجل يحمل سنوات عمره فوق راحة يده بينما يبحث عمن يصافحه في هذه الحياة. أحداث الفيلم مختارة بذكاء وتمثيل نيكولسون أشبه بمنارة توجه الفيلم وتسهم في رفع مستواه.
كان من المؤسف أن «حول شميت» لم ينل جوائز مهمّـة لا من مهرجان «كان»، حيث شهد عرضه العالمي الأول، ولا من أكاديمية العلوم والفنون السينمائية على الرغم من تمتعه بأكثر من ثلاثين جائزة نقدية. إنّه عن الفصل الثالث والأخير من الحياة. جاك نيكولسون وجد في هذا الفيلم الدور الذي يجسّـد فيه مرحلته هو (كان في الخامسة والستين حين قام بتمثيله). منحه العمق الذي اعتاد عليه في غالبية أفلامه وأكثر قليلاً. إخراج باين الهادئ. الساخر مليء باللحظات الآسرة.
والفكرة تقوم على سعي رجل للهرب من حاضره إلى بعض ماضيه من دون نجاح.
أمّا «جانبيا» (Sideways)، فهو قصّـة حب في الأساس مع توماس هايدن تشيرش الذي لا يمانع في مغامرة نسائية أخيرة قبل أن يتزوج. للغاية ينطلق مع صديقه (بول جيوماتي) ويتعرّفان على امرأتين، لكن كل منهما لغاية مختلفة. الأول لعلاقة عابرة والثاني لعلاقة دائمة.
هذا تلاه «الأحفاد» مع جورج كلوني في دور رجل يعيش في هاواي وفي مطلع الفيلم يكتشف أن زوجته، التي دخلت الكوما، كانت تخونه. لكنّ هذا الزوج يدرك أنه يتحمل بعض اللوم فهو كان طوال الوقت منشغلاً بحيث لم يستطع أن يلعب دور الأب ولا الزوج. لم يكتشف الأمر إلّا حينما واجهته ابنته بالحقيقة وهي تنظر إليه نظرة ازدراء: «أين كنت حينما كنا بحاجة إليك؟».
أما «نبراسكا» (2013)، الذي حمل اسم الولاية الأميركية التي وُلد المخرج فيها، فقد جاء متأخراً بضع سنوات منذ أن كتب المخرج النص. السبب يكمن في أن المشروع تأجل من عام لآخر بحثاً عن التمويل إذ لم يبد لشركات الإنتاج بالعمل الذي سيعود إليها بنتائج مادية خصوصا أن الفيلم من بطولة ممثل مسن ومخضرم وبلا شهرة خاصة اسمه بروس ديرن.
يؤدي ديرن شخصية تطلبت ممثّلاً يفهم في إبداء المشاعر من دون نطقها شفهياً. يلعب دور العجوز الذي حيّر العائلة بمحاولاته المتكررة للتوجه إلى نبراسكا إيماناً منه بأنّه ربح جائزة مالية ضخمة في اليانصيب هناك. في نهاية المطاف، يقرر أحد ولديه (ول فورت) باصطحابه إلى هناك لعلّه يرضي فضوله ويحمله على الاعتراف بأنّه لم يربح جائزة مالية كما يعتقد بل هو واحد من الذين يتم التغرير بهم واستغلال الأمل بتحقيق الحلم المادي الكبير. الفيلم هو فيلم طريق، ومصوّر (كحال «حانبيا» و«حول شميت») ومصوّر بالأبيض والأسود وبطله بروس ديرن دخل سباق التمثيل الأول في أوسكار سنة 2014، لكنّه خسر لصالح ماتيو ماكونوفي عن «دالاس بايرز كلوب».
إلى أين سيمضي باين من هنا؟ هل يفوز فيلمه بأسد فنيسيا الذهبي؟ هل سيدخل ترشيحات الغولدن غلوبس والأوسكار؟ وإن فعل، هل سيفوز؟ أسئلة تبدأ هذه الليلة وتستمر حتى مطلع العام المقبل.
-- أخبار الأفلام والمهرجانات
- أحد الحلول الممكنة لمساعدة المهرجانات على الاستمرار وتقليص تكاليف إقامتها الباهظة هو بيع بطاقات الدخول على الإنترنت للجمهور. والبادرة هذه الأيام تأتي من مهرجان سانتا باربرا الأميركية الذي يطرح عدة برامج في هذا الصعيد. مثلاً: لمشاهدة كل شيء وحضور كل الحفلات وتسلم هدايا من الداعمين وسوى ذلك من المزايا، فإن سعر البطاقة يصل إلى 5000 دولار. وهناك أسعار أخرى، بمزايا أقل، تمتد من 1700 دولار نزولاً إلى 300 دولار وهذه تمكن صاحبها من الحصول على تذكرتين لفيلم الافتتاح وحفلته وتذكرتين لفيلم الختام.
- الرقيب اللبناني يضرب مجدداً…! بعد موقفه من «ووندر وومان» ونصف دزينة أخرى من الأفلام المحلية والعالمية هذه السنة وحتى الآن، ها هو يعترض على عرض فيلم الرعب «أنابيللا: خلق» على أساس أنه يسيء للدين المسيحي. مجلة «سكرين» تقول إن المنع لم يكن باتاً وإنّ أعضاء الرقابة انقسموا فيما بينهم ما استدعى نقل القضية إلى وزير الداخلية الأستاذ نهاد مشنوق.
- بعدما أعلن مهرجان «مالمو» عن فيلم الافتتاح متمثلاً بالفيلم التونسي «على كف عفريت»، أعلن يوم أمس عن أنّ الفيلم المصري «اشتباك» سيكون الفيلم الذي سيعرض في ختام دورته السابعة التي ستقام ما بين السادس والعاشر من أكتوبر (تشرين الأول).
- في مهرجان زيوريخ الذي سينطلق في 28 سبتمبر (أيلول) وحتى 8 من الشهر الذي يليه، سيتم الاحتفاء بالممثل الأميركي أندرو غارفيلد الذي كان مهرجان فنيسيا عرض من بطولته «هاكسو ريدج» في العام الماضي. على الرغم من أنّ غارفيلد من جيل الشباب وعدد أفلامه لا يزال محدوداً بالمقارنة فإنّ المهرجان يجد أنّه يستحق هذا الاحتفال به وتسليمه جائزة «العين الذهبية» الخاصّـة عن مجمل أفلامه.


مقالات ذات صلة

«نقابة المخرجين»... تاريخ حافل وحاضر مزدهر

يوميات الشرق من اليسار ريان كوغلر وكلوي تشاو وغييرمو دل تورو وبول توماس أندرسن وجوش صفدي (غيتي)

«نقابة المخرجين»... تاريخ حافل وحاضر مزدهر

لا يمكن الاستهانة بتأثير جوائز النقابة على جوائز الأوسكار

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أجرى الأطباء تدخلات طارئة للمصابين (الشركة المنتجة)

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج بول توماس أندرسن (وورنر برذرز)

«معركة بعد أُخرى»… فيلم أندرسن يواصل حصد الجوائز

الفيلم يستحق فنياً ما حصده من إقبال وثناء وإلا لما تجاوز كونه فيلم «أكشن» تقليدياً

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».