واين روني... طوى صفحة مسيرته الدولية

بعد تسجيله 53 هدفاً في 113 مباراة مع منتخب إنجلترا لكرة القدم

واين روني... طوى صفحة مسيرته الدولية
TT

واين روني... طوى صفحة مسيرته الدولية

واين روني... طوى صفحة مسيرته الدولية

أعلن نجم كرة القدم الإنجليزي العالمي واين روني (31 سنة) اعتزاله اللعب دولياً مع منتخب إنجلترا، والتفرّغ للعب محلياً مع فريق نادي الجديد - القديم إيفرتون الذي بدأ منه مسيرته الرياضية، والذي ظل - حسب قوله – النادي الأقرب إلى قلبه والذي معه ينوي الاعتزال.
تجدر الإشارة إلى أن روني، الذي بات أكبر هدّاف في تاريخ الكرة الإنجليزية، ولقد سجّل 53 هدفاً في 113 مباراة ارتدى فيها قميص المنتخب الإنجليزي، ذكر في إعلانه إنهاء مسيرته الدولية أن غاريث ساوثغيت، مدير المنتخب، وجه إليه الدعوة للانضمام إلى تشكيلته تمهيداً لمجموعة المباريات التمهيدية لنهائيات كأس العالم المقبلة ابتداءً بمواجهتين مع منتخبي مالطة وسلوفاكيا، لكنه اعتذر بعدما أعرب عن امتنانه لساوثغايت. وجاء في إعلان روني قوله: «في كل كرة يقع الاختيار علي للمشاركة في صفوف المنتخب أعتز بذلك حقاً، إلا أنني أؤمن الآن بأنه حان الوقت للانسحاب من الحلبة».

عرفت كرة القدم الإنجليزية الطويل عبر تاريخها مواهب فذة كثيرة أهلتها لدخول قوائم ألمع فناني المستطيلات الخضراء. بل فقط منذ فوز إنجلترا بكأس العالم عام 1966 اشتهر من لاعبيها في حراسة المرمى غوردون بانكس، الذي أسهم بذلك الفوز التاريخي وعُد واحداً من أعظم حراس العالم، وبعد بانكس لمع نجم حارس آخر هو بيتر شيلتون الذي حرس مرمى المنتخب 125 مرة متصدراً عدد المباريات الدولية لأي لاعب إنجليزي، واختير عام 2000 ضمن أفضل 10 حراس خلال القرن العشرين. كذلك برز في مواقع الدفاع ظهراء أفذاذ بينهم بوبي مور (كابتن منتخب إنجلترا الفائز بكأس العالم عام 1966) وروي ويلسون وكولن تود وروي مكفارلاند وإيملين هيوز وفيل نيل وكين سانسوم وتوني آدامز، وفي مواقع الوسط مارتن بيترز وآلان بول وكولن بل وطوني كاري وروي ويلكينز وبريان روبسون وديفيد بيكهام، وفي الهجوم جيمي غريفز وبوبي تشارلتون وفرانسيس لي ومالكولم ماكدونالد ومايك تشانون وتريفور فرانسيس... وغيرهم العشرات. إلا أن فتى يافعاً تربّى في إحدى الأحياء الشعبية المتواضعة في مدينة ليفربول قيّض له أن يفرض بصماته الاستثنائية كمهاجم هدّاف وكلاعب وسط هجومي على الكرة الإنجليزية منذ عام 2000، عام استقبال الألفية الثالثة والقرن الـ21.
إنه واين روني، الذي اختار هذه الأسبوع أن يهجر اللعب دولياً في عز عطائه بعد مسيرة حافلة بالمنجزات، وهو لا يزال في سن الحادية والثلاثين، مفضلاً أن تأتي البادرة منه قبل أن يضطر لإنهاء مسيرته تحت وقع التجاهل والتهميش. وهو اللاعب الذي وصفه مدير الكرة الفرنسي الكبير آرسين فينغر مدرّب فريق نادي آرسنال اللندني عام 2002 بقوله: «روني هو أعظم موهبة (كروية) إنجليزية شاهدتها منذ استقراري في إنجلترا. لم أشاهد ولم أعرف لاعباً دون سن العشرين بتفوقه منذ عملت هنا».

- بطاقة هوية
ولد واين مارك روني يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 لعائلة كاثوليكية بسيطة ذات جذور آيرلندية في حي كروكستيث الشعبي بمدينة ليفربول. ونشأ الطفل واين مع شقيقيه غراهام وجون في المدينة، التي تعدّ أبرز معاقل رياضة كرة القدم الإنجليزية والأوروبية، والتحق مثلهما بمدرستين كاثوليكيتين محليتين. أيضاً شغف واين بهذه الرياضة وأقبل على ممارستها منذ نعومة أظفاره منجذباً بقلبه إلى ناديها «الأزرق» العريق إيفرتون الذي شجعه طوال حياته. والجدير بالإشارة إلى أن إيفرتون يخوض مع «جاره» اللدود «الأحمر» نادي ليفربول أطول بل أشهر منافسة تقليدية محلية في غرب أوروبا منذ عام 1893، وذلك منذ انشق ليفربول عن إيفرتون وأسّس كنادٍ مستقل عام 1892، وانضمامه من ثم إلى الدوري في العام التالي.
والواقع، أن موهبة واين روني أخذت تظهر للمتابعين عندما بدأ اللعب مع منتخب مدارس ليفربول وخلال موسم واحد سجّل 72 هدفاً. وفي سن التاسعة لعب لفريق لأحد أندية الصبيان والفتيان في حيي والتون وكيركديل بمدينة ليفربول وسجل 99 هدفاً مع الفريق، وفي حينه لفت نظر بوب بندلتون، أحد كشّافي المواهب في نادي إيفرتون، الذي أخذه إلى النادي وضمه إلى صفوفه.
وفي موسم 1995 - 1996 سجل روني 114 هدفاً خلال 29 مباراة فقط لفريقي إيفرتون لمن هم تحت 10 سنوات و11 سنة. وبلغ نضج موهبة روني الاستثنائية أنه لدى بلوغه سن الـ15 ألحق للعب بفريق تحت 19 سنة. وخلال المباريات الثماني التي لعبها في لإيفرتون بمسابقة كأس إنجلترا للناشئين لعام 2002 سجل ثمانية أهداف بينها هدف في النهائي الذي خسره الفريق أمام ناشئي نادي أستون فيلا.
وفي عام 2002، عندما كان روني لا يزال في السادسة عشرة من عمره، لعب مباراته الأولى كلاعب محترف مع إيفرتون. ومن ثم أمضى سنتين مرتدياً قمصان إيفرتون الزرقاء قبل أن يشتريه نادي مانشستر يونايتد في صيف عام 2004 بمبلغ ضخم يومذاك بلغ 25.6 مليون جنيه إسترليني، ويعتبر هذا المبلغ الأعلى الذي يُدفع ثمناً للاعب دون سن العشرين.

- إلى مانشستر يونايتد
ومع يونايتد، أسهم روني بانتصارات «الشياطين الحمر» التي تضمّنت تحقيقه 16 إنجازاً منها انتزاعهم بطولة الدوري الممتاز خمس مرات، وكأس إنجلترا وبطولة أندية أوروبا عام 2008، وعلى المستوى الشخصي، سجل روني خلال تلك الفترة 253 هدفاً لمانشستر يونايتد في مختلف المسابقات ما جعله هدّافه الأول عبر تاريخ النادي الطويل، كما أنه هدف الـ200 في الدوري الممتاز بوّأه المركز الثاني بين جميع هدّافي الدوري الممتاز خلف المهاجم الدولي آلان شيرر. بل إن روني يتصدّر الهدافين الذين سجلوا أهدافاً لنادٍ واحد، بفضل إحرازه 183 هدفاً لمانشستر يونايتد.
ومع أن لعب روني للمنتخب الإنجليزي كانت مجرد مسألة وقت بعد انتقاله من إيفرتون إلى يونايتد عام 2002، فإن انتظار ارتداء قميص المنتخب لم يطل كثراً، بل اختير للانضمام إلى المنتخب عام 2003 خلال أقل من سنة واحدة من انتقاله. وفي فبراير (شباط) لعب المهاجم الفتي الموهوب مباراته الدولية الأولى وهو لا يزال في سن السابعة عشرة... وبذا غدا أصغر لاعب دولي إنجليزي (إلى أن كسر رقمه القياسي هذا جناح نادي آرسنال اللندني ثيو والكوت) كما بات أصغر لاعب يسجل هدف للمنتخب. وعندما شارك روني في بطولة الأمم الأوروبية عام 2004، وسجل فيها أربعة أهداف صار لفترة أصغر هدافي البطولة سناً. وعبر سنوات لعبه في صفوف يونايتد اختير روني «أفضل لاعب كرة في إنجلترا» أربع مرات في أعوام 2008 و2009 و2014 و2015. وبفضل إحرازه 53 هدافاً في 119 مباراة دولية يعد روني هداف إنجلترا الأول، كما أنه يتقاسم مع نجم آخر من نجوم مانشستر يونايتد هو ديفيد بيكام المرتبة الثانية بين أكثر اللاعبين مشاركة في مباريات المنتخب الدولية، وذلك خلف حارس المرمى المعتزل بيتر شيلتون.
وعلى صعيد آخر، شارك وروني منذ التحق بصفوف المنتخب الكروي الإنجليزي ثلاث مرات في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، وذلك أعوام 2006 و2010 و2014، غير أنه لم يحظ بشرف قيادته لانتزاع الكأس. وهو بذلك يتساوى مع نجم نجوم البرتغال ونادي ريال مدريد حالياً ومانشستر يونايتد سابقاً كريستيانو رونالدو، وقبله بعقود نجم البرتغال التاريخي اللامع يوزيبيو الذي كان أفضل لاعبي العالم عام 1966 عندما انتزعت إنجلترا الكأس في استاد ويمبلي بتغلبها في النهائي على ألمانيا الغربية.

- العودة إلى إيفرتون
ذات يوم، قبل الانتقال إلى يونايتد، ارتدى واين روني وهو في زي إيفرتون في إحدى مباراته مع الفريق قميصاً داخلياً كشف عنه بعد المباراة كتبت عليه عبارة: «إذا كان ولاؤك الأصلي لـ(الزرق) (أي لإيفرتون) فإنه سيبقى كذلك إلى الأبد»!
وفعلاً، بعد بلوغه الثلاثين، وفي حمأة التوقّعات حول مستقبله الكروية في نادٍ يعد أحد أغنى أندية العالم الرياضية وأكثرها طموحاً، راج كلام كثير في الصحافة عن أن العد العكسي لبقاء روني مع يونايتد قد بدأ... وأن «الشياطين الحمر» بدأوا يعدّون العدة لصفحة جديدة مع لاعب أصغر سناً.
وبمرور الأيام تزايد اللغط في بيئة كروية محترفة تتحكم بها هذه الأيام الإشاعات وأطماع وكلاء اللاعبين ومليارات المموّلين من خارج بريطانيا، ولا سيما من الروس والصينيين والأميركيين. ونقل عن روني نفسه كلاماً أنه إذا كان سينتقل في يوم من الأيام من يونايتد فإن وجهته لا يمكن أن تكون إلا «حبه الأول»، فريق مدينته ومكتشف موهبته... إيفرتون. وحقاً في هذه الفترة كان هدّاف إيفرتون البلجيكي العالمي رومولو لوكاكو (24 سنة) يعلن تكراراً أنه قرر ألا يبقى مع فريقه، وسيسعى للعب لنادٍ آخر «يلعب في بطولة أندية أوروبا».
في هذه الأثناء، طرأ تطوران مهمّان على المشهد.
الأول شراء الملياردير البريطاني الإيراني الأصل فرهام مشيري نحو نصف أسهم إيفرتون، وإعلانه اعتزامه إعادة النادي إلى مكانته العريقة السابقة في مقدمة الأندية الإنجليزية. والثاني إسناد إدارة الكرة في النادي إلى المدرب اللاعب الهولندي العالمي السابق رونالد كومان، وتوفير الأموال اللازمة له لإنجاز حلم مشيري.
ومنذ البداية كان حازماً، ولا سيما، مع نجمي النادي لوكاكو ولاعب الوسط روس باركلي. إذ رفض الرد على تسريبات الأول وإعلاناته المتكررة عن رغبته المغادرة، وتعامل بحزم وشدة إزاء ما اعتبر أنه نوع من الابتزاز من باركلي لمغادرة النادي مستفيداً من واقع أنه لم يعد على عقده معه سوى سنة واحدة يمكنه بعدها ترك النادي مجاناً ما يعني حرمان النادي من ثمنه.
وفعلاً بمجرد تلقي كومان عرضاً مغرياً من مانشستر يونايتد، بالذات، لشراء لوكاكو (90 مليون جنيه) فإنه وافق عليه. وباشر باكراً إعادة بناء تشكيلة الفريق كي لا يتعرض لمزيد من الابتزاز، مستفيداً من ريع بيع لوكاكو، الذي جاء ضمه ليونايتد ليؤكد أنه بات «بديل» روني.
وهنا، بجانب عدد من الصفقات الكبرى التي عقدها كومان، فإنه عجّل بالتفاهم مع روني، فأعاده إلى إيفرتون لكي يساهم بخبرته العريضة في إنضاج المواهب الشابة التي يعجّ بها الفريق «الأزرق» اليوم، مع الإشارة إلى أن ستة من نجوم منتخب إنجلترا تحت الـ21 سنة حالياً من لاعبي إيفرتون.

- عائلة روني
واين روني متزوج كولين ماكلوخلن، التي تعرف إليها وأحبها منذ أيام المدرسة في ليفربول. ولقد تزوجا يوم 12 يونيو (حزيران) 2008، ورزقا بولد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009 سمياه كاي واين، ثم رزقا في مايو (أيار) 2013 بولدهما الثاني كلاي أنطوني، وفي يناير (كانون الثاني) 2016 بولدهما الثالث كيت جوزيف.


مقالات ذات صلة

فان دايك: الأداء البطيء سبب سقوط ليفربول أمام وولفرهامبتون

رياضة عالمية فيرجيل فان دايك (رويترز)

فان دايك: الأداء البطيء سبب سقوط ليفربول أمام وولفرهامبتون

يرى فيرجيل فان دايك، قائد فريق ليفربول، أن ناديه لم يقدم الأداء الذي يجعله يستحق الخروج بنتيجة إيجابية في مباراته ضد وولفرهامبتون ببطولة الدوري الإنجليزي.

«الشرق الأوسط» (لندن )
رياضة عالمية جانب من تحضيرات منتخب سيدات إنجلترا (رويترز)

تطمينات أمنية لمنتخب سيدات إنجلترا قبل مواجهة أوكرانيا في تركيا

أكدت مدربة منتخب إنجلترا للسيدات، سارينا فيغمان، أن بعثة الفريق تلقت تطمينات رسمية بشأن الوضع الأمني، قبل خوض مواجهة أوكرانيا ضمن تصفيات كأس العالم.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عالمية داني ويلبيك (رويترز)

ويلبيك مستمر مع برايتون لمدة عام بعد تفعيل خيار التمديد

ذكر تقرير إعلامي أن داني ويلبيك، مهاجم فريق برايتون الإنجليزي لكرة القدم، قام بتفعيل خيار التمديد لمدة 12 شهراً الموجود في عقده.

«الشرق الأوسط» (لندن )
رياضة عالمية توقيع غرامة مالية على تشيلسي ووست هام يونايتد قدرها 325 ألف جنيه بسبب شجار جماعي (رويترز)

غرامة ضخمة على تشيلسي ووست هام بسبب شجار جماعي في قمة لندن

أعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، اليوم، توقيع غرامة مالية على تشيلسي ووست هام يونايتد قدرها 325 ألف جنيه إسترليني (439140 دولاراً) و300 ألف جنيه أخرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية إيدي هاو (أ.ف.ب)

هاو مدرب نيوكاسل: حققنا هدفنا بالتأهل للأدوار الإقصائية في «دوري الأبطال»

أكد إيدي هاو، المدير الفني لفريق نيوكاسل يونايتد الإنجليزي لكرة القدم، أن فريقه حقق هدفه الأساسي بالصعود للأدوار الإقصائية ببطولة دوري أبطال أوروبا لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (لندن )

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.