رحيل الكوميدي الأميركي الذي حوّل التهريج إلى فن

حكاية الفيلم السري في حياة جيري لويس

مع روبرت دينيرو في ملك الكوميديا - مع دين مارتن في هوليوود أو الإفلاس
مع روبرت دينيرو في ملك الكوميديا - مع دين مارتن في هوليوود أو الإفلاس
TT

رحيل الكوميدي الأميركي الذي حوّل التهريج إلى فن

مع روبرت دينيرو في ملك الكوميديا - مع دين مارتن في هوليوود أو الإفلاس
مع روبرت دينيرو في ملك الكوميديا - مع دين مارتن في هوليوود أو الإفلاس

بكلمات مثل «أسطورة» و«أيقونة» و«عبقرية»، ودّعت هوليوود والصحافة الأميركية أحد ممثليها الكوميديين الكبار جيري لويس يوم أول من أمس عن 91 سنة.
الصحافة البريطانية كانت أكثر حيادية من زميلتها الأميركية وجاء عنوان صحيفة «ذا غارديان» حول الموضوع يذكر بحيادية في التقييم باتت منسية في معظم هذه المناسبات، إذ قال العنوان «جيري لويس: مهرج بارع بحياة داخلية داكنة وكئيبة».
هذا لا يعني أن جيري لويس كان كوميدياً خالياً من الموهبة ومثيرة للضحك (لدى الصغار والكبار على حد سواء) بل يعلن أن هناك شخصية جانبية أكثر تعقيداً مما تعاملت معه معظم المقالات التأبينية خلال الساعات القليلة الماضية.
وبالنظر عميقاً في تلك الموهبة، فإن الممعن يجد شخصية أمّت الجانب الهزلي والتهريجي من الكوميديا بإتقان شديد رفع من قيمة التهريج وإن لم يغير في حقيقته. فجيري لويس أدّى معظم أدواره، خصوصاً تلك التي وردت في الخمسينات والستينات، بقدر كبير من التوتر والهستيريا والمغالاة. الصعب هنا هي أن هذه العوامل قد تطيح بالممثل من التجربة الأولى، بينما، وفي تجربة جيري لويس بالذات، منحته المزايا التي جعلته أحد أبرز ممثلي الكوميديا في تلك الآونة وأحد علاماته الكبيرة في السينما الشعبية.

جيري ودين

إن كان جيري لويس مهرجاً، وهذا ليس نعتاً خالياً من الواقع، فإن كان الوجه الإيجابي والناجح من هذا التهريج. وجهه وتعابيره وانسياب شخصيته السينمائية بتلاصق تام مع شخصية حقيقية يصعب تكذيبها، كان له أكبر الأثر في وصوله السريع إلى قلوب الأميركيين وبعض الشعوب الأخرى. في فرنسا على سبيل المثال، هو أيقونة فعلية حاز الإعجاب بها الأيقونة الفرنسية الخاصة فرنانديل أو تجاوزها. كان محبوباً لتلك الحركات الهستيرية التي مارسها على الشاشة، وفي بعض المسارح قبل ذلك، ولمهارته في استخدام موهبته وتوقيتها وانفراد حضورها حتى عندما كان من المطلوب تعزيز الشراكة الفنية التي قامت بينه وبين الممثل (الراحل كذلك) دين مارتن.
وُلد جوزيف ليفيتش في السادس عشر من سنة 1926. والده ظهر على المسرح ممثلاً كوميدياً باسم داني لويس، ووالدته راشل لعبت البيانو في إحدى المحطات الإذاعية في ذلك الحين. تبعاً لذلك، تكوّن لدى جيري، وفي سن مبكر، ذلك الاهتمام بالتمثيل ووالده اصطحبه معه إلى المنصة ليقدم وإياه استعراضاته الكوميدية. آنذاك كانت هناك مسارح صغيرة مخصصة ليهود نيويورك ووالده كان أحد فناني المنوعات الهزلية (ڤودڤيل) التي تقدّم عليها ولم يكن على جيري سوى اتباع الخطوات ذاتها ثم الاستقلال عن والده عندما بلغ الخامسة عشرة من العمر.
كان من المفترض في أواخر الثلاثينات أن يرتدي البذلة العسكرية لأن الانضمام للجيش لم يكن تطوعياً بل إلزامياً آنذاك، لكن الكشف الطبي، كما قيل لاحقاً، وجد أن قلب لويس غير سليم. بذلك تم إعفاؤه واستمر جيري في تقديم وصلاته الهزلية على المسارح الصغيرة وفي الفنادق. في سن التاسعة عشرة التقى بالممثل والمغني دين مارتن سنة 1946. آنذاك كان صاحب الحنجرة الساحرة ما زال بعيداً عن بلورة موهبته الغنائية أو التمثيلية. لكن دين وجيري اتفقا على أن يشكلا ثنائياً مسرحياً وباشرا تقديم نمرتهما لأول مرّة في ذلك العام في مسرح في مدينة أتلانتيك سيتي. والنتيجة إخفاق كبير.
المشكلة، كما سعى الاثنان لحلها، هي اعتمادهما على نص مكتوب وتنفيذه بحذافيره. الخروج من هذه المشكلة يعني أن يلغيا النص ويقدما ما هو تلقائي على طول الخط. لكن تغييراً آخر سريع طرأ نتيجة هذا التجديد تمثّل في أن يؤدي دين مارتن شخصية غير كوميدية ويترك التشخيص الكوميدي لجيري لويس. في بضعة أشهر حققا من النجاح ما لم يتوقعاه وبعد عام ارتفع إيرادهما السنوي من صفر إلى 30 ألف دولار (مبلغ لا يستهان به في تلك الفترة) ما دفع لويس لأن يكتب في مذكراته المنشورة: «جئنا من دون إعلان: رجل جذات وسعدان… هكذا رآنا البعض».
بما أن النجاح يلد نجاحاً (والفشل لا يلد شيئاً) فإن انخراط الاثنين في السينما بات محتماً. وفي عام 1950 تحقق ذلك عندما ظهراً معاً في فيلم كوميدي - موسيقي عنوانه «صديقتي إيرما تذهب إلى الغرب» (My Friend Erma Goes West) كانا في شراكة محسوبة في فيلم قاد بطولته كل من جون لاند وماري ولسون. وبعد حفنة أفلام أخرى صغيرة تم وضعهما في صدارة أفلامهما المشتركة فظهرا معاً في «حامل حقيبة الغولف» (The Caddy) و«مال من الأهل» (Money From Home) و«فنانون وموديلات» و«هوليوود أو الإفلاس» (Hollywood or Bust) الذي كان آخر فيلم مشترك بينهما وذلك سنة 1956.

البروفسور المجنون

الإفلاس كان وضعاً شعر به الإثنان عندما وجدا ايرادات أفلامهما الأخيرة تخفق في الوصول إلى ما كانت أفلامهما السابقة قد سجلته. لكن دين مارتن كان قد بدأ يشعر بالفتور حيال هذه الشراكة باحثاً عن توجه آخر خصوصاً وأن جيري لويس هو من كان يواصل احتلال العناوين وصور الغلاف ويحقق الشهرة في حين بدا دين مارتن وقد وقف في مكانه كملازم. فنياً، كان هذا متوقعاً لأن الجمهور سيحب «السعدان» وحركاته، على حد قول جيري، وليس مدربه.
عدد الأفلام التي مثلها جيري لويس مع دين مارتن بلغ 16 فيلماً في عشر سنوات ودين مارتن وجد مكانه في صحبة مختلفة إذ بات أحد أربعة مواهب جديدة تغني وتمثل في السينما والتلفزيون. الشراكة الجديدة وضعته على قدم المساواة مع الممثلين فرانك سيناترا وسامي ديفيز جونيور.
في الوقت ذاته، استمر جيري لويس منفرداَ واستمر نجاحه: «ساد ساك»، «ولد الغيشا» (الذي هو أول فيلم من إنتاجه) و«رجل السيدات» كانت من بين أفلامه الأولى وذلك حتى عام 1963 عندما مثل أحد أفضل وأنجح أدواره في «البروفسور المجنون» (The Nutty Professor) وهو قام بإخراجه أيضاً.
الحرية المتاحة له هنا كانت نموذجية. الحاصل على الشاشة كان مثيراً للضحك. الخلاف ليس هنا، بل في أن تمثيل جيري لويس الهزلي لم يبتعد، بعد كل هذه السنين، عن إتقان أفعال وحركات تهريج. البعض يعتبر ذلك فناً، لكن إذا كان فهو فن التهريج الذي ليس هو ذاته فن الكوميديا. ليس على طريقة سلفه (بستر كيتون وبوب هوب) وليس على طريقة بعض أهم من جاء بعده (بل موراي أو روبين ويليامز). هو نورمان ويزدوم وليس بيتر سلرز في المقابل البريطاني مثلاً.
لكن هذا لم يكن مقلقاً بالنسبة لجيري الذي كان يعرف ما يقوم به ويريده. وجهته في التمثيل كانت استغلال طاقاته في التعبير المغالى به وتقديمه معلّباً بالكاريزما الخاصة التي مارسها من قبل. وحيال هذا النجاح السريع والدائم الذي حققه كان من الطبيعي أن يلغي جيري فكرة عدم مزاولة التمثيل المفتعل للدرجة التي يصبح فيها هذا الافتعال جزءاً عضوياً في تركيبته الخاصة.
دوره في «البروفسور المجنون» تم تركيبه على هذا النحو تماماً. إنه العالم الذي يواصل القيام بتجارب تنتهي دوما بالفشل (أو بانفجار المختبر الذي يعمل فيه كما الفشل) إلى أن يحقق نجاحاً فيتحول إلى رجل وسيم (ولو إلى حد) يكسب إعجاب النساء اللواتي لم يهتممن به في شكله الواقعي.
هل هذا انعكاس لمنهجه أم هو انعكاس لشيء يتفاعل في داخله؟ ربما نوع من النزاع بين أن يستمر مهرجاً أو يقدم على خطوات التحوّل إلى كوميدي فقط؟
مهما كان الأمر فإن النجاح الذي حصده هذا الفيلم طبع الخطوات اللاحقة بحذافيرها فاستمر لويس بتقديم ما اشتهر به إلى أن أدرك، في النصف الثاني من الستينات، أن لهذه الشخصية القلقة والفوضوية وذات التصرفات المتوترة سقفاً لا تستطيع اختراقه. في «لا ترفع الجسر، اخفض النهر» نلحظ أولى خطوات لويس في تحسس مكان جديد كشخصية مختلفة في فيلم تنبع فيه الكوميديا من مواقف النص وليس فقط من الممثل.
بعد ذلك دخل لويس في أتون مختلف. فيلمان سنة 1970 (أحدهما من إخراجه فقط هو «مرة إضافية واحدة») ثم ابتعد الممثل لتسع سنوات متواصلة قبل أن يعود في فيلم من إخراجه فقط عنوانه «هذه هي الحياة».

الفيلم السري

لكن جيري لويس أقدم سنة 1972 على تجربة تحقيق فيلم لم ير النور مطلقاً عنوانه «اليوم الذي بكى فيه المهرج». والذي أوقف الفيلم هو جيري لويس نفسه، كونه المنتج والمخرج. لا أحد، سوى قلة قليلة من أصدقاء ومعارف جيري لويس، شاهد الفيلم. البعض يقول إن العمل عليه لم يكتمل لأسباب مادية محضة، والبعض الآخر يقول إنه اكتمل لكن جيري لويس لم يشأ عرضه.
ذلك مرتبط بتفسيرين آخرين: الفيلم لم يكن بالمستوى الفني الذي طمح إليه لويس، أو أن التجربة التي عاشها الممثل - المخرج حيال تصوير فيلم عن الهولوكوست، وهو اليهودي بدوره منعته من أن يوافق على تحقيق الفيلم علما بأنه لم يكن فيلماً كوميدياً. والأجزاء المبعثرة التي شاهدها هذا الناقد في أكثر من فترة زمنية تؤكد ذلك.
الفكرة مستقاة من قصة وضعها تشارلز دنتون وجوان أوبرايان تدور حول كوميدي يهودي طلب منه النازيون إضحاك اليهود الأطفال قبل وضعهم في الأفران. وفي المشاهد المتسربة يقف جيري لويس ليؤدي نمره الكوميدية في مسرح مدرّج من دون أن نرى الأولاد (ربما هناك مشاهد أخرى يتم إظهارهم فيها).
قرأت السيناريو (متوفر على الإنترنت) مما شكل سيلاً من المعلومات حول الفيلم من بينها أن شخصية هلموت (التي يؤديها جيري لويس) لم تقف وحيدة في الفيلم وفي تلك المشاهد المذكورة أيضاً بل تمت كتابة السيناريو بنصيب كبير من الأحداث الخارجية والشخصيات المختلفة. بعض هذه الشخصيات كانت من تلك التي تتوقعها في فيلم لأليخاندرو جودوروفسكي، ولعل السبب في عدم رغبة لويس تكملة الفيلم وعرضه لاحقاً يكمن في أنه لم يتوصل لصياغة الأسلوب البصري الذي أراده للفيلم.
المؤكد أن الحالة بقيت عاطفية لدى الممثل الذي تحدث لاحقاً للتلفزيون الألماني عن أنه انهار باكياً نحو عشرين مرّة خلال التصوير.
في السيناريو هو بديل لكوميدي آخر طرده المخرج من العمل. وفي مشهد رائع بكلماته ومغازيه يصف هلموت حاله وحيداً لا يستطيع الثقة بأحد مما حوله سوى زوجته:
«أنا وحيد وضائع. لا أستطيع أن أتحمل مهانة الفشل. الألم في أنني كوميدي انتهى أكبر من أن أستطيع تحمّله». تلك الكلمات التي كتبها لويس بنفسه تصف حاله حتى خارج الكاميرا. صحيح أنه في مطلع السبعينات (وقد بلغ السادسة والأربعين من العمر حينها) كان لا يزال محط إعجاب وتقدير النقاد والجمهور معاً، إلا أن كلماته هنا تنبع من تجربة كان يخوضها آنذاك دفعت به للتوقف عن العمل لتسع سنوات، كما تقدم، باستثناء هذا الفيلم غير المعروض.
ينتهي السيناريو بمشهد لا بد أنه مستوحى من «المزمار السحري» لموتزار: هلموت يقود صفاً طويلاً من الأطفال مستخدما الهرمونيكا (عوض المزمار) والأطفال يتبعونه فرحين وسعداء غير مدركين أنه متوجه بهم، غصباً عنه، إلى غرفة الغاز. ومن دون رغبته أيضاً، ينتهي السيناريو بدخوله الغرفة معهم وإقفال الباب عليه.

مع سكورسيزي

هذه الشهادة، لو تم تنفيذها أو لو عرضت وجاءت على مستوى فني جيد لأزاحت الكوميديا التي أنجزها تشارلي تشابلن حول الفترة النازية تحت عنوان «الديكتاتور العظيم» سنة 1940 ولسبقت فيلم الكوميدي الإيطالي روبرتو بينيني «الحياة حلوة» (1997) التي استحق عليها أوسكار أفضل فيلم أجنبي في العام التالي لإنتاجه. هذان الفيلمان استخدما الكوميديا لوصف البشاعة التي تجلت في فترة سادت فيها النزعة النازية والعنصرية.
لم يتوقف لويس عن الإخراج بعد ذلك لكن عمله في هذا المجال كما في التمثيل قل. في سنة 1982 اختاره المخرج مارتن سكورسيزي ليقوم بدور درامي في فيلم من بطولة روبرت دينيرو هو «ملك الكوميديا». جيري لويس هو جيري لانغفورد في الفيلم. ممثل كوميدي مشهور يقرر كوميدي فاشل اسمه روبرت بوبكن (دينيرو) خطفه ليبرهن أمامه على مواهبه. ليس أفضل ما لدى سكورسيزي من أفلام لكنه أفضى إلى معالجة شخصية ليست بعيدة عن تلك التي خبرها جيري لويس.
عاد جيري إلى الكوميديا المباشرة في فيلم فرنسي (لبّى به رغبة عشاقه هناك) عنوانه «للقبض على شرطي» أخرجه ميشيل جيرار سنة 1984 لكن لا هذا الفيلم ولا الكوميديا الأميركية اللاحقة «كوكي» (إخراج سوزان سيدلمان) كانا أكثر من ملامح عابرة لسنوات الأمس الغابر. في طيات ذلك، سنة 2002، قام جيري لويس بتمثيل فيلم لخص فيه حياته الفنية. الفيلم بعنوان «رجال مثيرون» (Funny Men) حققه تد هَلر وفيه لعب لويس دور كوميدي مارس الكوميديا المجنونة تماماً بطريقة الممثل المعهودة، ثم كيف أن مساره في البداية جمعه مع مغنٍ إيطالي (يقصد دين مارتن) حيث حققا النجاح معاً.
لكن إذا ما كان «البروفسور المجنون» هو أكثر نماذج جيري لويس تعبيراً عن جيري لويس الفنان، فإن «ملك الكوميديا»، يبقى الموازي الدرامي (رغم عنوانه) لهذه الحالة. لويس لم يكن عليه أن يُضحك في هذا الفيلم وروبرت دينيرو لا يُضحك بدوره لأنه ليس في الفيلم لهذه الغاية. لكن هذا العمل، رغم هفواته، جسد المعنى وتحدّث عن الكاريزما الكوميدية التي لا تشكل حالة ثلاثية: هي إما يمتلكها الكوميدي، كما حال لويس، أو لا مجال له في هذا الصنف من التمثيل مطلقاً.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».