أنقرة تكثف مشاوراتها مع موسكو وطهران لمواجهة {النصرة} في إدلب

قائد أركان القوات الروسية يزور تركيا لبحث خفض التصعيد

طفلان يتحدثات لعنصر من الشرطة الروسية في مركز للنازحين بجبرين قرب حلب (إ ف ب)
طفلان يتحدثات لعنصر من الشرطة الروسية في مركز للنازحين بجبرين قرب حلب (إ ف ب)
TT

أنقرة تكثف مشاوراتها مع موسكو وطهران لمواجهة {النصرة} في إدلب

طفلان يتحدثات لعنصر من الشرطة الروسية في مركز للنازحين بجبرين قرب حلب (إ ف ب)
طفلان يتحدثات لعنصر من الشرطة الروسية في مركز للنازحين بجبرين قرب حلب (إ ف ب)

بدأت أنقرة تكثيف مشاوراتها مع كل من طهران وموسكو بشأن الوضع في سوريا والتطورات الأخيرة التي تتعلق بسيطرة جبهة النصرة على أجزاء واسعة من محافظة إدلب القريبة من الحدود التركية وكيفية مواجهتها ومنع تدهور الوضع الإنساني ونشوء موجة جديدة من اللاجئين، في وقت حذرت فيه موسكو من تنامي قوة «جبهة النصرة» في إدلب، وسعيها للسيطرة على الشريط الحدودي عبر المحافظة السورية مع تركيا، هذا في الوقت الذي تواصل فيه الدول الضامنة المشاورات على مستوى الخبراء التقنيين بشأن تفاصيل آليات تنفيذ «منطقة خفض التصعيد في إدلب».
وكان مصدر عسكري - دبلوماسي روسي من المجموعات التابعة للمجموعة الدولية لدعم سوريا، حذر في تصريحات من جنيف، أمس، لوكالة «ريا نوفوستي» من تنامي قوة «جبهة النصرة»، وقال: «يُلاحظ في الآونة الأخيرة نشاط عمليات حشد لقوات (جبهة النصرة)، وكذلك انصهار عدد من العناصر الراديكالية في المعارضة المسلحة إلى صفوف هذا التنظيم الإرهابي»، ورأى أن «هذا يهدد الوضع في سوريا بشكل عام، نظراً لأنه يعزز من نفوذ الإرهابيين»، وأكد أن «جبهة النصرة» تعمل بنشاط للتحكم بمصادر التمويل «وستحاول فرض سيطرتها على الممرات الحدودية الرئيسية مع تركيا».
وساهمت اتفاق مصالحات مع النظام السوري في نقل «جبهة النصرة» لأعداد كبيرة من قواتها من مختلف المدن السورية إلى مناطق في محافظة إدلب. وتنشب من حين لآخر مواجهات مسلحة بين مقاتلي «النصرة» ومقاتلين من فصائل المعارضة السورية المسلحة. وقالت مصادر مواكبة لمشاورات الدول الضامنة حول منطقة خفض التصعيد في إدلب، إن الجهود الرامية للتوصل إلى اتفاق حول تلك المنطقة تواجه عقبات عدة، ومنها بصورة رئيسية الانتشار الواسع للجبهة في المحافظة.
وأكد المصدر تبلور عزم مشترك لدى الدول الضامنة على وضع آلية مشتركة لتجاوز هذه العقبة، ولفت في الوقت ذاته إلى جهود تبذلها الأطراف في موازاة ذلك لوضع صيغة مقبولة للجميع بخصوص المخاوف التركية من احتمال سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، على مساحات واسعة من الحدود السورية مع تركيا.
في السياق، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في مقابلة مع التلفزيون الرسمي التركي، أمس، إن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الجنرال فاليري غيراسيموف سيزور تركيا لمناقشة الوضع في محافظة إدلب السورية التي تسيطر عليها جبهة النصرة.
وأضاف أن الاشتباكات مستمرة في سوريا، لافتا إلى أن بلاده تعمل على إبقاء عملية آستانة حية وأن الدور الأهم لهذه العملية هو وقف الاشتباكات على الأرض، وتشكيل مناطق استقرار وخفض التصعيد على الأرض، وأن الأطراف متفقة على تحقيق ذلك.
وأوضح جاويش أوغلو أن بلاده تواصل محادثاتها الفنية مع روسيا وإيران فيما يتعلق بمناطق خفض التصعيد في سوريا، مضيفا أنه عقب تأمين مناطق خفض التصعيد بشكل كامل، يجب تقديم الحل السياسي «الذي بدأت تتضح معالمه لدى جميع الدول، وأن بلاده تشارك في جميع العمليات التي تهدف لتحقيق سلام في سوريا، وتقدم المساهمات الإيجابية لتلك العمليات».
وكانت روسيا وتركيا وإيران (بوصفها أطرافا ضامنة) اتفقت على إنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد، إحداها في إدلب في إطار المباحثات التي جرت بالعاصمة الكازاخية آستانة، في مايو (أيار) الماضي.
إلى ذلك، أجرى رئيس أركان الجيش الإيراني محمد باقري مباحثات في أنقرة على مدى يومين مع كل من نظيره التركي خلوصي أكار ووزير الدفاع نور الدين جانيكلي والرئيس رجب طيب إردوغان الذي استقبله أمس، في اليوم الثاني لزيارته التي تستغرق 3 أيام لبحث التطورات في سوريا وما يتعلق بمناطق خفض التصعيد والتطورات في إدلب، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتصدي لنشاط حزب العمال الكردستاني في تركيا وإيران وامتداده في سوريا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.
وقالت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط» إن أنقرة تسعى إلى إنجاز اتفاق مع كل من موسكو وطهران بشأن تفعيل منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتحديد القوات التي ستشارك في حمايتها وتأمين الوضع الإنساني وعدم تدهوره بما يؤدي إلى موجة جديدة من اللاجئين باتجاه تركيا.
وكانت أنقرة أعلنت من قبل أن عناصر من قواتها المسلحة قد تشارك في تأمين منطقة خفض التصعيد في إدلب إلى جانب قوات روسية.
في السياق نفسه، قال رئيس وزراء الحكومة السورية المؤقتة جواد أبو حطب، إن الشعب السوري ينظر إلى الجيش التركي على أنه مصدر أمن له، وأنه مستعد لاحتضان هذا الجيش دون أي تردد. وأضاف أبو حطب في تصريح لصحيفة «يني شفق» التركية، أن الشعب السوري الموجود في محافظة إدلب يقاوم الغزو الخارجي من قبل «روسيا والولايات المتحدة» بقدر استطاعته، إلا أن الجيش التركي يعتبر مصدر أمن له وفي حال قدومه إلى المنطقة، فإن الشعب سيحتضنه دون تردد.
في سياق مواز، قال جاويش أوغلو إن روسيا أكثر تفهما لموقف بلاده بشأن وحدات حماية الشعب الكردية السورية عن الولايات المتحدة.
وتزود واشنطن وحدات حماية الشعب بالسلاح في سياق التعاون معها في قتال تنظيم داعش وهو ما اعتبره الوزير التركي «تهديدا كبيرا وخطرا على مستقبل سوريا وعلى أمن تركيا في الوقت ذاته». وأكد أن بلاده لا ترى تزويد حليفتها واشنطن الوحدات الكردية بالسلاح أمرا صائبا، مشددا على أن بلاده ستكافح هذا التهديد.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة ترسل تقريرا شهريا لتركيا حول الأسلحة والمعدات والذخائر التي تزود بها الميليشيات الكردية في سوريا، وأن التقرير الأخير يشير إلى أن الولايات المتحدة أرسلت عربات مصفحة ومعدات لكنها لم ترسل أسلحة وذخائر.
وأكد أهمية تزويد الولايات المتحدة لتركيا بتلك المعلومات لكنه قال إن «المشكلة الأساسية هي تزويد هذه الميليشيات بالسلاح، ولا فائدة من إبلاغنا عنه».
وقال إن روسيا تتفهم حساسية تركيا فيما يتعلق بالميليشيات الكردية وإن بلاده لم تشاهد تزويد موسكو لها بالسلاح.
وبدوره شدد نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ على أن بلاده مستعدة لجميع السيناريوهات بما فيها العسكرية في سوريا لحماية أمنها القومي.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.