الشركات الأجنبية... بين توفير الوظائف الأميركية أو القضاء عليها بالحمائية

سيارة {فولكس فاغن} صممت في ألمانيا وتُصنع في شاتانوغا

الشركات الأجنبية... بين توفير الوظائف الأميركية أو القضاء عليها بالحمائية
TT

الشركات الأجنبية... بين توفير الوظائف الأميركية أو القضاء عليها بالحمائية

الشركات الأجنبية... بين توفير الوظائف الأميركية أو القضاء عليها بالحمائية

في المطار هنا، يوجد تذكير للمسافرين بشأن الوظائف التي قد تجلبها التجارة العالمية. وتقف على مقربة من المدخل سيارة فولكس فاغن باسات الأنيقة وتحمل لافتة تقول: «صممت في ألمانيا وصنعت في شاتانوغا».
وتتناثر النقاط على الخريطة الأميركية للبلدات التي نفدت فيها الوظائف بعدما انسحبت منها المصانع المحلية إلى البلدان ذات العمالة والأجور المنخفضة. ولكن في الكثير من الأماكن في طول البلاد وعرضها، كانت استراتيجية نقل العمليات إلى الخارج - والتي تمارسها الشركات الأجنبية - قد عززت من الثروات المحلية.
وفي شاتانوغا والمناطق المحيطة، على سبيل المثال، أقامت أكثر من اثنتي عشرة شركة ما يزيد على عشرين متجرا، وحققت مليارات الدولارات من الاستثمار، ووظفت الآلاف من العمال، وساعدت في دفع معدل البطالة في ولاية تينيسي إلى 3.6 نقطة مئوية في يونيو (حزيران)، وهو أدنى الأرقام القياسية المسجلة لهذا المعدل في الولاية.
ولكن الساسة ورجال الأعمال هنا في مقاطعة هاميلتون، من معاقل التيار المحافظ والتي فاز دونالد ترمب فيها بأغلبية أصوات الناخبين، يساورهم القلق بشأن الهجمات المتكررة من جانب الرئيس على الشركاء التجاريين والتوجيهات بشراء كل ما هو أميركي يمكن أن تثير موجة من السلوكيات الحمائية متمثلة في التعريفات الجمركية، والقيود على الاستيراد، والإضرار بالمستهلكين المحليين والعمال.
يقول آندي بيركي عمدة المدينة أثناء تناوله الشاي المحلى مع الشطائر الفرنسية في مطعم «بلوغراس غريل» بالشارع الرئيسي في شاتانوغا: «إنني أشعر بقلق شديد».
وسوف يغادر السيد بيركي في زيارة إلى اليابان هذا الخريف على أمل بإقناع المزيد من الشركات هناك باتخاذ موطئ قدم لها عند سفح جبال الأبالاش في تينيسي. وهو يقول عن ذلك إن «التجارة والاستثمارات الأجنبية تشكل جزءا كبيرا من شخصية الولاية، كما أنها تؤثر على كثير من الناس في منطقتنا. وإنني لا أعرف على وجه التحديد ما سوف تسفر عنه السياسات الحالية».
ولقد حاول السيد ترمب إعادة صياغة منهج التجارة الحرة الذي اعتمده الرئيس الأسبق أوباما، وأعاد فتح اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك وكندا، مع التهديد بالتعريفات الجمركية وفرض الحصص على واردات الصلب إلى البلاد، وانتقل إلى مراجعة الاتفاقية التجارية مع كوريا الجنوبية في إشارة إلى دعمه للشركات الأميركية من خلال الإعلان عن مبادرة أسبوع «صنع في أميركا». إلى جانب دعوى قضائية تجارية يتهم الصين فيها بانتهاك الملكية الفكرية لا تزال قيد الإعداد.
وفي الوقت نفسه، لمح الرئيس إلى الوظائف التي يمكن للشركات الأجنبية جلبها إلى الولايات المتحدة، معلنا من البيت الأبيض في الآونة الأخيرة أن شركة «فوكسكون» التايوانية للإلكترونيات سوف تخلق ما لا يقل عن 3000 فرصة عمل جديدة بمساعدة من الإعفاءات الضريبية الهائلة في مصنعها الجديد المخطط إنشاؤه في ولاية ويسكونسن. ولقد غرد الرئيس يقول، بعدما أعلنت شركتان يابانيتان لصناعة السيارات عن قرار مشترك لبناء مصنع للتجميع في الولايات المتحدة: «تويوتا ومازدا تفتتحان قريبا مصنعا مشتركا بقيمة 1.6 مليار دولار في الولايات المتحدة لخلق 4 آلاف فرصة عمل جديدة في البلاد. إنه استثمار هائل في الصناعة الأميركية».
وقال الرئيس ترمب في تغريدة حول هذا الموضوع: «تويوتا ومازدا تفتتحان قريبا مصنعا مشتركا بقيمة 1.6 مليار دولار في الولايات المتحدة لخلق 4 آلاف فرصة عمل جديدة في البلاد. إنه استثمار هائل في الصناعة الأميركية».
أما بالنسبة لأرباب الأعمال والعمالة هنا، يمكن لمختلف اللافتات أن تبعث على الارتباك. إذ يقول راندي توبينغ، الذي يملك شركة لبيع الجرارات والمعدات بالتجزئة في شاتانوغا: «ليس هناك ما يسمى بـ(صنع في أميركا) بعد الآن».
والسيد توبينغ رئيس شركة ساوث - إيست ماهيندرا، حيث يعمل نحو 60 شخصا على تجميع وتوزيع الجرارات الحمراء الصغيرة. ويتم تصنيع الأجزاء في الولايات المتحدة والهند، وكوريا الجنوبية، واليابان على حد سواء، وهو يقول: «هناك مكون أجنبي في كل شيء الآن».
ولقد شاهد طفرة إيجابية كبيرة في أعمال شركته في عام 2010، وذلك يرجع جزئيا إلى زيادة مبيعات المركبات التي تصنعها شركة ماهيندرا الهندية. ويتعاون السيد توبينغ في الوقت الحالي مع الشركة وهو رئيس فرع ساوث - إيست ماهيندرا حيث يعمل نحو 60 شخصا على تجميع وتوزيع الجرارات الحمراء الصغيرة التي تناسب المزارعين الموسرين في الولاية.
ويبدأ عمال الإنتاج في هذه الشركة العمل بأجر يبلغ 12 دولارا في الساعة، وتصل الأجور في النهاية إلى 20 دولارا في الساعة. والمنافسة مع الشركات الأخرى من الولايات المتحدة أو البلدان النامية يمكن أن تكون شديدة القسوة، ويُحسب النجاح بالسنتات والدقائق. وعلى غرار الولايات الأميركية الجنوبية الأخرى، تشكل ولاية تينيسي نقطة الجذب الرئيسية لغياب النقابات العمالية، الأمر الناتج بشكل كبير عن القوانين التي تعفي العمال الذين لا يشتركون في النقابات من سداد المستحقات المطلوبة.
ويقول السيد توبينغ معترفا: «إنه عمل شاق» مع درجات الحرارة في الخارج التي تقارب 37 درجة مئوية مما يجعل الهواء داخل مصنع التجميع خانقا ورطبا. وأردف يقول: «ولكنه عمل ذو هامش ضئيل»، موضحا السبب في عدم عرض المزيد من الأجور على الرغم من إضافة مناوبة ثانية للعمل.
وقال بيل فيليبس، 57 عاما، وهو قائد خط الإنتاج في شركة ماهيندرا بجنوب ولاية جورجيا لثماني سنوات قبل انتقاله للعمل لدى السيد توبينغ في عام 2009: «سواء كانت الشركة محلية أو أجنبية فهو عمل في نهاية المطاف. وإنني أعمل، وأتكسب رزقي من ورائه».
وتحتل ولاية تينيسي، التي تعتمد على أعمال الشركات الأجنبية من الخارج، المرتبة الأولى في البلاد من حيث الوظائف التي أنشأتها الشركات المملوكة للأجانب، وذلك وفقا لإدارة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الولاية: 136 ألف عامل موزعين على 931 شركة أجنبية.
وفي منطقة شاتانوغا، التي انخفض فيها معدل البطالة حتى مستوى 3.3 نقطة مئوية، تمثل الشركات الأجنبية نحو 20 ألف وظيفة، وفقا للقائمة التي أعدتها غرفة التجارة المحلية في الولاية.
يقول ويليام كيلبرايد، رئيس الغرفة التجارية ومديرها التنفيذي: «نحب أن نقول اشتر المنتج الأميركي، ولكننا نعلم جيدا مدة صعوبة هذا الأمر».
ولقد أشار إلى مصنع بيلغريم برايد، وهو مصنع كبير لتجهيز الدجاج في حي ساوث سايد، ويعمل في المصنع 1200 عامل، والكثير من الدجاج يأتي من مزارع بشمال ولاية جورجيا، ولكن أغلب الأرباح تعود إلى مالك أغلبية الأسهم في المصنع وهي شركة «جيه بي إس» البرازيلية.
وتساءل السيد كيلبرايد: «فهل نشتري السلعة الأميركية بهذه الطريقة أم لا؟»
وشركة فولكس فاغن، التي جعلت من هذه الولاية مقرا لأعمالها في أميركا الشمالية، توظف حاليا أكثر من 3200 موظف في المصنع الذي افتتحته عام 2011. ولقد جذب وجود هذه الشركة الكبيرة هنا شركات أخرى، مثل شركة غيستامب الإسبانية والتي تعمل في تصنيع المكونات المعدنية للسيارات، وتوظف نحو 634 عاملا أميركيا.
يقول كوري جان، مدير مصنع غيستامب، وهو يقف إلى جانب ماكينات الأختام الباردة القوية والتي تضغط صفائح الصلب وتحولها إلى عجلات وعتبات الأبواب ومجمعات أرضية: «يمكنك رمي كرة البيسبول من هنا وسوف تصل إلى مصنع فولكس فاغن القريب». وتقلل سلسلة التوريد المتقاربة في ذلك الحي من تكاليف الشحن والفترة الزمنية اللازمة للإنتاج، في حين أن العمل على الأراضي الأميركية يجنبك التعرض لتقلبات أسعار العملات وتأثيرها على صافي الأرباح.
وأضاف السيد جان قائلا: «إننا نتابع خطى عملائنا في أي مكان في العالم».
تعد اليابان هي أكبر مستثمر أجنبي في البلاد، إذ توظف نحو 3 آلاف عامل من أبناء المناطق القريبة في مختلف الشركات مثل كوماتسو، وتوشيبا، وهيتاشي ميتالس، وتويوتا. وهناك 1500 موظف يعملون لدى مجموعة هاير الصينية في مصنع الأجهزة الكهربائية. ويعمل 650 موظفا بدوام كامل في شركة واكر بوليسيليكون الألمانية بأميركا الشمالية لدى مصنعها المقام في مقاطعة برادلي بعدما استثمرت نحو 2.5 مليار دولار هناك - وهو أكبر استثمار خاص في تاريخ الولاية. والتوسعة المخطط لها بقيمة 150 مليون دولار من شأنها أن تخلق 50 وظيفة إضافية في المصنع.
كما قامت الكثير من الشركات بتأسيس برامج التدريب المهني، والدورات التدريبية مع كلية المجتمع المدنية والمدارس الثانوية، كما قال السيد كيلبرايد.
وتقول الشركات الأجنبية التي تسعى لاجتزاء قطعة من سوق أميركا الشمالية إنها تقصد موقع مقاطعة شاتانوغا تحديدا بسبب خطوط السكك الحديدية، والميناء، والطرق السريعة بين الولايات، وقدرات الطاقة الكهربائية التي يمكن الاعتماد عليها، وخطوط الإمداد، والإعفاءات الضريبية المساندة للمال والأعمال، والقوة العاملة المؤهلة للعمل والتدريب. وتبرز القيادة السياسية وغرفة التجارة في مركز الضوء كذلك من بين جملة المحفزات بسبب غياب الضرائب على الممتلكات والدخل وعدم وجود نقابات العمال.
ومع ذلك، فإن الخطاب المناهض للتجارة الصادر من بين جنبات البيت الأبيض يثير المزيد من القلق.
تقول ماري بيث هدسون، نائبة الرئيس في شركة واكر بوليسيليكون الألمانية إن «هذا الأمر يؤرق منامي في الليل لاعتمادنا الكلي على التجارة العالمية. وبعض المواد الخام والمعدات وقطع الغيار لا تأتي إلا من الخارج».
ورسوم الاستيراد من بين الأمور الباعثة على القلق والتي يمكن لإدارة الرئيس ترمب فرضها على صانعي الألواح الشمسية الأجانب والتي توفرها شركة واكر بوليسيليكون الألمانية، مما قد يؤدي وبصورة كبيرة إلى انخفاض معتبر في مبيعات المنتج النهائي في الولايات المتحدة. وقالت السيدة هدسون: «نريد التأكد من وجود زبائن هناك لشراء منتجاتنا».
وتبيع ألمانيا إلى الولايات المتحدة بأكثر مما تشتري منها مما خلق اختلالا في الميزان التجاري يقدر بعدة مليارات من الدولارات الأمر الذي أثار حفيظة البيت الأبيض. وغرد الرئيس ترمب على ذلك في مايو (أيار) يقول: «لدينا عجز تجاري هائل مع ألمانيا. وإنه أمر سيئ للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، ولكننا سوف نغير هذا الوضع».
ومن المبكر للغاية قياس ما إذا كانت التصريحات الأخيرة من واشنطن قد عطلت مساعي المستثمرين الأجانب المحتملين. ولكن السيد كيلبرايد من الغرفة التجارية في تينيسي يشعر بقلق بالغ من أن حالة عدم اليقين التي تغلف موقف السيد ترمب بشأن سياسات التجارة، والضرائب، والهجرة من شأنها أن تبعث بتأثير يقشعر له الأبدان.
وأردف يقول: «عندما تكون مهتما وقلقا بشأن أي شيء فإنك تكثر الحديث عنه».
وبالنسبة للكثير من الشركات، فإن قرار إقامة الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة لا يتعلق كثيرا بمن يقيم في البيت الأبيض بأكثر مما يتعلق بمن سوف يشتري المنتجات. ولن يمكن لشركة نوكيان للإطارات الفنلندية، والتي تستعد لافتتاح مصنعها في الولايات المتحدة بتكلفة 360 مليون دولار ونحو 400 فرصة عمل جديدة، أن تنمو إلا إن كان لها وجود محلي في البلاد، كما قال تومي هاينونين رئيس فرع الشركة في أميركا الشمالية.
ولقد قال السيد هاينونين: «عندما بدأنا المشروع كانت هناك إدارة مختلف على رأس السلطة في البلاد، ولسوف يختلف الأمر مرة أخرى الآن»، مشيرا إلى أن شركته بدأت في استكشاف السوق الأميركية اعتبارا من عام 2015. وأضاف يقول أخيرا: «لقد شيدنا المصنع لكي يعمل هناك لعقود. فإن بدأتم في تغيير استراتيجية التعامل مع الشركات على مستوى البلاد في كل مرة يتولى الرئاسة شخص جديد، فسوف ينتهي بكم الأمر لتغيير كل شيء في كثير من الأحيان».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.