بصمة «شنغهاي»... كواليس انهيار الذهب واهتزاز أركان «الملاذ الآمن»

«كمّاشة» شيكاغو وصدمة واشنطن تُطفئان وقود المضاربات الصينية في أسبوع البورصات الأعنف

بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
TT

بصمة «شنغهاي»... كواليس انهيار الذهب واهتزاز أركان «الملاذ الآمن»

بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)

استيقظت الأسواق العالمية، يوم الاثنين، على مشهد وصفه المحللون بـ«حمام دم» في الذهب والفضة والمعادن الأخرى، حيث تواصل نزيف الأسعار الذي بدأ في عطلة نهاية أسبوع وُصفت بأنها «الأكثر وحشية» في تاريخ البورصات الحديث. وبينما كان المستثمرون يراقبون الشاشات بانتظار قمم قياسية جديدة للذهب، جاءت الضربة من «الغرف التقنية» لبورصة شيكاغو التجارية (CME)، لتنهي رحلة صعود أسطورية حطمت الأرقام القياسية، وتكشف عن هشاشة النظام المالي عندما يتحول «الملاذ الآمن» إلى ساحة لمضاربات «خارجة عن السيطرة».

ساعة «آسيا» تكسر قواعد الجاذبية

لم يعد المحللون في لندن ونيويورك ينامون؛ فخلال الأسابيع الماضية، كانت «ساعة التداول الآسيوية» هي المحرك الوحيد للعالم. جيوش من المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط الصينية اندفعت نحو المعادن، لا كتحوط فحسب، بل كرهان تصاعدي حاد (Parabolic) أدى إلى فك ارتباط الأسعار بأساسيات العرض والطلب. ووفقاً لتقارير «بلومبرغ»، فإن هذا الاندفاع خلق «فقاعة سيولة» جعلت الذهب والفضة يُتداولان بأسعار تفوق قيمتيهما العادلة بمسافات شاسعة، مدفوعةً بـ«أموال ساخنة» كانت تبحث عن بديل للدولار وعن ملاذ بعيداً عن أزمات العقارات المحلية في الصين.

ويوم الاثنين، تجسَّد «الانهيار العظيم» في أرقام تاريخية؛ فقد تراجعت الفضة بنسبة 26 في المائة في أكبر سقوط يومي في تاريخها، بينما سجل الذهب أسوأ أداء يومي له منذ عام 1983 بهبوطه الحاد. هذا النزيف لم يكن سوى تصحيح مؤلم لسوق تشبعت بالمضاربات حتى فقدت توازنها، حيث فقد الذهب نحو 900 دولار من قيمته منذ وصوله إلى ذروته التاريخية عند 5594 دولاراً الأسبوع الماضي.

سعر الذهب في جهاز «متجر الذهب الذكي» الموجود داخل مركز تجاري بشنغهاي (أ.ف.ب)

لعبة شنغهاي

لم يعد سرّاً أن مركز ثقل المعادن النفيسة قد غادر «وول ستريت» و«حي لندن المالي» ليستقر في بورصة شنغهاي للذهب. فخلال العام الأخير، تحولت الصين إلى «صانع للسعر» يفرض إيقاعه على العالم. تجلَّت هذه القوة في ظاهرة «العلاوة السعرية»، حيث استمر تداول الذهب في شنغهاي بأسعار تزيد بـ40 دولاراً إلى 100 دولار للأوقية على الأسعار العالمية، مما جذب الذهب المادي من مخازن الغرب نحو الشرق، وجفف السيولة في الأسواق التقليدية.

وعلى عكس الغرب، اندفعت في الصين جيوش من صغار المستثمرين عبر تطبيقات التداول، مستخدمين حسابات «الرافعة المالية» بمستويات خطيرة. وعندما بدأت بوادر التصحيح، تحولت هذه الجيوش إلى «قوة بيع قسرية» لتغطية خسائرها. وفي منطقة «شويبي» بمدينة شنتشن، القلب النابض لتجارة السبائك، كانت الطوابير البشرية الطويلة هي ميزان الحرارة الحقيقي؛ إذ بدأ الانهيار فعلياً عندما قررت صناديق الأسهم الصينية الخروج الجماعي لجني الأرباح قبل عطلة رأس السنة الصينية، مما أطلق شرارة «تأثير الدومينو» التي وصلت أصداؤها إلى نيويورك.

تدخل قسري من البنوك الصينية

مع وصول المضاربات إلى ذروة غير مسبوقة، لم تكتفِ السلطات الصينية بمراقبة الشاشات، بل أوعزت لكبار المقرضين في البلاد بالتدخل الفوري عبر سلسلة من الإجراءات التنظيمية الصارمة التي استهدفت «تجفيف» منابع السيولة الساخنة في سوق التجزئة.

ومن هذه الإجراءات:

- رفع سقف الدخول (الهوامش المصرفية): اتخذت مؤسسات مالية عملاقة، وفي مقدمتها بنك التعمير الصيني (CCB) والبنك الصناعي والتجاري الصيني (ICBC)، قراراً برفع الحد الأدنى للإيداع المطلوب لفتح حسابات تداول المعادن الثمينة. هذا الإجراء استهدف بشكل مباشر صغار المستثمرين، حيث جعل «تكلفة الرهان» أعلى من قدرة الكثيرين، مما أجبرهم على التوقف عن بناء مراكز شرائية جديدة.

- نظام «الحصص» والتحكم في التدفقات: في خطوة استثنائية، طبَّقت البنوك ما يُعرف بـ«نظام الحصص القسري» على منتجات ادخار الذهب (مثل خدمة Ruyi Gold). هذا يعني أن البنك يضع سقفاً يومياً لكمية الذهب التي يمكن للأفراد شراؤها أو الاستثمار فيها، وهو ما خلق حالة من «الاختناق المنظم» للطلب، وأرسل إشارة واضحة إلى الأسواق بأن الدولة لن تسمح باستمرار الصعود «البارابولي» أو الصاروخي.

- تعليق الاشتراكات والتحذير من المخاطر: قامت عدة صناديق استثمارية صينية بتعليق قبول «اشتراكات جديدة» بشكل كامل، وذلك لإدارة فائض السيولة وتجنب الانفجار السعري الناتج عن الازدحام. وتزامن ذلك مع حملة إعلامية من البنوك تحث المستثمرين على «زيادة الوعي بالمخاطر»، في لغة تعكس قلق السلطات من تحول الذهب إلى فقاعة قد تنفجر في وجه المدخرين الصينيين قبيل عطلة رأس السنة القمرية.

- مواءمة الأسعار مع السوق العالمية: عملت المصارف الصينية بالتنسيق مع بورصة شنغهاي للذهب (SGE) على تضييق الفجوة السعرية (Premium) التي كانت قائمة، من خلال رفع تكلفة تمويل العقود الآجلة محلياً. هذا الإجراء قلّل من جاذبية «المتاجرة بالفارق السعري» التي كانت تجذب الذهب من لندن إلى شنغهاي، مما أسهم في إعادة التوازن المفقود للسيولة العالمية.

لقد كان هذا التدخل بمنزلة «اعتراف رسمي» من الدولة بأن الفقاعة بلغت حد الانفجار، مما أجبر المستثمرين الصينيين على التراجع، تاركين الأسواق العالمية في مواجهة آثار الإعصار بعد سحب «الوقود الصيني» من محرك الأسعار.

ينتظر الزبائن لبيع مجوهراتهم الذهبية في جهاز «متجر الذهب الذكي» المُثبّت داخل مركز تجاري بشنغهاي (أ.ف.ب)

«كمّاشة» الهوامش

تزامن هذا الانفجار الميداني مع إجراءات تقنية صارمة من بورصة شيكاغو، التي رفعت «متطلبات الهامش» على عقود الذهب والفضة. في لغة السوق، يعني هذا القرار رفع قيمة «العربون» أو الضمان النقدي الذي يجب على المستثمر الاحتفاظ به في حسابه للبقاء في الصفقة.

هذا الإجراء وضع آلاف المتداولين، خصوصاً صغار المستثمرين والمضاربين المعتمدين على الرافعة المالية، في مأزق حرج؛ فإما ضخ سيولة نقدية ضخمة فوراً لتغطية الفارق، وإما مواجهة «نداء الهامش». وبسبب جفاف السيولة الفورية، تدخلت أنظمة البورصة آلياً لتنفيذ عمليات «تصفية قسرية»؛ حيث بيعت العقود بأسعار السوق المتدنية لتغطية الضمانات، مما خلق «حلقة مفرغة» أو ما يعرف بـ«Feedback Loop»؛ فكل عملية بيع قسرية تخفض السعر أكثر، مما يطلق نداءات هامش جديدة لمستثمرين آخرين. وهكذا تهاوت الأسعار في سحق متسارع للسيولة.

صدمة وورش

وعلى الجانب الآخر من المشهد، جاءت الضربة القاضية من واشنطن لتعصف بالتوقعات المستقبلية؛ حيث أدى ترشيح الرئيس دونالد ترمب لكيفن وورش لتولي رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» خلفاً لجيروم باول إلى إعادة رسم خريطة السياسة النقدية الأميركية. ووفقاً لتحليلات «سي إن بي سي»، يُصنف وورش في الأسواق بوصفه «صقراً» نقدياً بامتياز، لا يكتفي بالميل لرفع الفائدة فحسب، بل يتبنى نهجاً متشدداً يهدف إلى «تشديد الميزانية العمومية للفيدرالي» وتقليص السيولة في النظام المالي.

هذا الترشيح أطلق شرارة صعود قوي للدولار الأميركي، وبما أن المعادن النفيسة تُسعَّر بالدولار وترتبط معه بعلاقة عكسية، فقد أصبحت الأونصة أكثر تكلفة للمشترين حول العالم. شعر المستثمرون فجأة بأن «المظلة الحمائية» التي وفّرها «الفيدرالي» لسنوات عبر ضخ السيولة قد رُفعت تماماً؛ مما دفعهم إلى التخلص من الذهب والهروب نحو العملة الخضراء، معتبرين أن عهد «الفائدة المنخفضة والسيولة الرخيصة» قد انتهى بقدوم وورش.

ولم تنجُ الأصول الأخرى من هذا الإعصار؛ فقد تهاوت عملة البتكوين لتقترب من مستوى 77 ألف دولار، فاقدةً بريقها كـ«ذهب رقمي» مع فرار المستثمرين من المخاطر. وحسب تقارير «ياهو فاينانس»، فقدت سوق العملات المشفرة نحو 1.7 تريليون دولار من قيمتها، في إشارة إلى هشاشة هذه الأصول أمام قوة الدولار.

سبائك ذهبية في أحد بيوت السبائك بمدينة مومباي (أ.ف.ب)

توقعات المصارف الكبرى

رغم حدة النزيف، لا تزال كبرى المؤسسات المالية العالمية تتمسك بنظرة متفائلة حيال مستقبل المعدن الأصفر، معتبرةً أن ما يحدث «زلزال في العقود الورقية» لا يمس القيمة الهيكلية للأصول الفعلية. وفي هذا السياق، أكد مصرف «جي بي مورغان» في مذكرة حديثة أنه لا يزال «مقتنعاً تماماً» بتفاؤله تجاه الذهب على المدى المتوسط، متوقعاً أن يدفع طلب البنوك المركزية والمستثمرين الأسعار للوصول إلى مستوى 6300 دولار للأوقية بحلول نهاية العام الجاري.

ويرى البنك الأميركي أن الاتجاه العالمي لتنويع الاحتياطيات لا يزال قائماً وبقوة، متوقعاً أن تبلغ مشتريات البنوك المركزية نحو 800 طن في عام 2026. هذا التوجه الهيكلي يعزز الأداء المتفوق للأصول الحقيقية مقابل «الأصول الورقية» التي تعصف بها تقلبات البورصات.

وفي ذات الاتجاه، حافظ «دويتشه بنك» على موقفه المتفائل رغم موجة الهبوط الحالية، مؤكداً تمسكه بتوقعاته السابقة التي تضع سعر الذهب عند مستوى 6000 دولار، معتبراً أن الأساسيات الاقتصادية لا تزال تدعم الصعود على المدى الطويل.

أما فيما يخص الفضة، التي هوت من قمتها التاريخية عند 121.64 دولار، فقد بدا الحذر واضحاً في نبرة «جي بي مورغان»؛ حيث أشار البنك إلى صعوبة تحديد العوامل المحركة بدقة في الوقت الراهن، لكنه استبعد أن تتخلى الفضة تماماً عن مكاسبها، متوقعاً استقرارها في المتوسط عند مستويات تتراوح بين 75 و80 دولاراً للأوقية، لتبقى فرصة استثمارية مواتية مقارنةً بالأسعار السابقة.

هل انتهت الرحلة؟

رغم قسوة المشهد، يرى محللون من «جي بي مورغان» و«ساكسو بنك» أن ما يحدث هو «تصحيح صحي» لتفريغ رغوة المضاربات. وكشفت التقارير من ألمانيا عن استمرار الطوابير لشراء الذهب المادي، مما يشير إلى أن الثقة في قيمة المعدن الجوهرية لم تهتز. تترقب الأسواق الآن رد فعل بورصة شنغهاي بعد تدخل المصارف الصينية لفرض قيود على حصص الشراء؛ فهل سيعود الطلب الصيني لإنقاذ الموقف مع اقتراب السنة الصينية الجديدة، أم أن الرحلة الجامحة قد بلغت نهايتها؟

في الخلاصة، استيقظ العالم في فبراير (شباط) 2026 ليكتشف أن «الملاذ الآمن» يمكن أن يهتز بعنف عندما يقرر المضاربون في الشرق جني أرباحهم دفعة واحدة بالتزامن مع تشديد تقني ونقدي في الغرب. إنها لحظة إعادة تقييم شاملة، حيث تخرج «الأموال الساخنة» المعتمدة على الاقتراض، ليبقى في السوق فقط المستثمرون ذوو النفس الطويل والذهب المادي الصامد في وجه «العقود الورقية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الصين تعزز جهود تدويل اليوان وتتعهد بتشديد الرقابة على المخاطر المالية

الاقتصاد صورة توضيحية لأوراق من اليوان والروبل وسط أعلام الصين وروسيا (رويترز)

الصين تعزز جهود تدويل اليوان وتتعهد بتشديد الرقابة على المخاطر المالية

أعلنت الصين، الأربعاء، حزمة إجراءات جديدة لتعزيز الاستخدام العالمي لعملتها اليوان، وخطوات أخرى لتطوير إدارة السيولة في أسواق النقد المحلية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد امرأتان تمشيان مع كلبيهما على طول الشاطئ في يوم ممطر في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

اختلال الاقتصاد الصيني يتعمّق… تراجع استهلاك غير مسبوق منذ 3 سنوات

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة الثلاثاء أن الاقتصاد الصيني يعاني من اختلال متزايد في التوازن بين القطاعات، مع تراجع ملحوظ في الاستهلاك والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (بكين)
آسيا أفراد من جيش التحرير الشعبي الصيني يقفون أثناء عرض سلاح ليزر للدفاع الجوي خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية 3 سبتمبر 2025 (أرشيفية-رويترز)

الصين: تعزيز قدراتنا العسكرية يسهم في السلام العالمي

قالت الصين، اليوم الاثنين، إن تعزيز قدراتها العسكرية يُسهم في تعزيز السلام العالمي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد صورة لأفق مدينة بكين - الصين 11 مايو 2026 (رويترز)

الصين تعزّز سيطرتها على الاستثمارات الخارجية بسلسلة إجراءات تنظيمية وتشريعية

تشدّد الصين الرقابة على استثماراتها الخارجية، ونقل التكنولوجيا، وتوسّع أدواتها للرد على الضغوط الغربية، وحماية مصالحها الاقتصادية والتقنية في المنافسة العالمية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)

تضخم المنتجين في الصين يقفز بـ 3.9% في أعلى مستوياته منذ 4 سنوات

قفزت أسعار باب المصنع في الصين لترتفع للشهر الثالث على التوالي خلال مايو (أيار) الماضي، مسجلة أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«الفيدرالي» يدخل عهد وارش... تثبيت متوقع للفائدة وسط ضغوط تضخم متصاعد

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يدخل عهد وارش... تثبيت متوقع للفائدة وسط ضغوط تضخم متصاعد

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

يدخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، مرحلة جديدة مع انعقاد أول اجتماع له برئاسة كيفين وارش، في وقت تتجه فيه التوقعات إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.50 – 3.75 في المائة، وسط بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع التضخم وتحسن نسبي في سوق العمل.

ومن المنتظر أن يبقي «الفيدرالي» على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير للاجتماع الرابع على التوالي، بينما يترقب المستثمرون أي تعديل في البيان الختامي قد يشير إلى تحول في نبرة السياسة النقدية، سواء عبر تقليص الإشارات إلى خفض الفائدة أو فتح الباب أمام إبقائها مرتفعة لفترة أطول، بل وحتى احتمال رفعها إذا استمرت ضغوط التضخم.

وتتركز الأنظار على المؤتمر الصحافي الأول لوارش، الذي يُنظر إليه بوصفه لحظة اختبار لنهجه في قيادة السياسة النقدية، وقدرته على موازنة توقعات الأسواق مع اعتبارات التضخم المتصاعد، الذي تغذيه تداعيات الحرب في إيران وارتفاع أسعار الطاقة.

ويرتقب المستثمرون إشارات أوضح حول مسار أسعار الفائدة في الفترة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط التضخمية التي رفعت معدل التضخم إلى 4.2 في المائة، وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع أسعار الوقود نتيجة اضطرابات الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تشير البيانات الاقتصادية إلى تحسن في سوق العمل، إذ أضاف الاقتصاد الأميركي 172 ألف وظيفة في مايو (أيار)، ما يعزز وجهة نظر داخل «الفيدرالي» بأن خفض الفائدة قد لا يكون مطروحاً في المدى القريب.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش متحدثاً يوم تنصيبه في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (رويترز)

وبحسب محللين، فإن المشهد الحالي يضع وارش أمام معادلة معقدة بين احتواء التضخم من جهة، وعدم كبح النمو الاقتصادي والتوظيف من جهة أخرى، في وقت تتغير فيه أولويات السياسة النقدية مقارنة بتوقعات سابقة في بداية العام.

وكان «الفيدرالي» قد أشار في توقعاته السابقة إلى احتمال خفض الفائدة مرتين خلال العام الجاري، إلا أن تسارع التضخم وتحسن مؤشرات التوظيف أعادا رسم هذه التوقعات، لتصبح السياسة النقدية أقرب إلى التثبيت لفترة أطول.

وفي موازاة ذلك، يراقب المستثمرون أيضاً توجهات وارش المحتملة في إعادة صياغة أسلوب تواصل البنك المركزي، وسط حديث عن تقليص عدد المؤتمرات الصحافية أو الحد من الإفراط في تقديم التوجيهات المستقبلية للأسواق، في محاولة للابتعاد عن الالتزامات المسبقة.

لكن هذا التوجه قد يثير جدلاً في الأسواق، التي اعتادت على شفافية مرتفعة من البنك المركزي الأميركي، باعتبارها أداة أساسية لتوجيه توقعات المستثمرين.

وفي خلفية المشهد، تتقاطع السياسة النقدية مع ضغوط سياسية متزايدة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي دعا مراراً إلى خفض أسعار الفائدة، قبل أن يؤكد في الأسابيع الأخيرة ضرورة منح وارش مساحة لاتخاذ قراراته بشكل مستقل، رغم استمرار النقاش حول اتجاه السياسة النقدية في ظل التضخم المرتفع.

وبين ضغوط الأسعار وتحسن سوق العمل والتجاذب السياسي، يبدأ «الفيدرالي» عهد وارش في لحظة دقيقة، قد تحدد ملامح السياسة النقدية الأميركية خلال المرحلة المقبلة.


الصين تعزز جهود تدويل اليوان وتتعهد بتشديد الرقابة على المخاطر المالية

صورة توضيحية لأوراق من اليوان والروبل وسط أعلام الصين وروسيا (رويترز)
صورة توضيحية لأوراق من اليوان والروبل وسط أعلام الصين وروسيا (رويترز)
TT

الصين تعزز جهود تدويل اليوان وتتعهد بتشديد الرقابة على المخاطر المالية

صورة توضيحية لأوراق من اليوان والروبل وسط أعلام الصين وروسيا (رويترز)
صورة توضيحية لأوراق من اليوان والروبل وسط أعلام الصين وروسيا (رويترز)

أعلنت الصين، الأربعاء، حزمة إجراءات جديدة تهدف إلى تعزيز الاستخدام العالمي لعملتها اليوان، بالتوازي مع خطوات لتطوير إدارة السيولة في أسواق النقد المحلية، في إطار مساعي بكين لتقليص الاعتماد على النظام المالي العالمي القائم على الدولار.

وقال بان غونغشنغ، محافظ بنك الشعب الصيني، إن ستة بنوك حصلت على ترخيص لإجراء معاملات اليوان الخارجي في منطقة التجارة الحرة في شنغهاي، في خطوة تستهدف تعزيز نشاط اليوان في الأسواق الخارجية عبر المدينة.

وأضاف خلال «منتدى لوجياتسوي» المالي في شنغهاي أن البنك المركزي سيعمل على إنشاء أداة تتيح للبنوك المركزية الأجنبية وصناديق الثروة السيادية والمؤسسات المالية الدولية الحصول على سيولة باليوان بشكل أسهل.

وتأتي هذه الخطوات في إطار تسريع جهود تدويل العملة الصينية، بهدف تقليص الهيمنة الواسعة للدولار في المدفوعات والتجارة العالمية.

وفي السياق ذاته، أعلن البنك المركزي الصيني تطوير أداة جديدة لتوفير سيولة باليوان للسلطات النقدية الأجنبية المؤهلة، إلى جانب توسيع نطاق أدوات إعادة الشراء العكسي لأجل ليلة واحدة، بهدف تحسين إدارة السيولة في السوق المحلية.

وقال بان إن من غير الضروري أن يستمر نمو الائتمان في الصين بالوتيرة السابقة، في إشارة إلى تباطؤ النشاط الائتماني في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

تشديد رقابي على المخاطر المالية

وفي المنتدى ذاته، تعهّد رئيس الهيئة الوطنية للتنظيم المالي دينغ شيانغتشون، بمنع المخاطر النظامية في القطاع المالي، وتوجيه الموارد نحو الصناعات الناشئة، في ظل عملية إعادة هيكلة اقتصادية معقدة.

وقال إن السلطات ستعمل على احتواء المخاطر في المؤسسات المالية الصغيرة، ومعالجة المخاطر المرتبطة بقطاع العقارات وديون الحكومات المحلية، مشيراً إلى تصاعد انتقال المخاطر عبر الحدود وبين الأسواق المالية.

وأضاف أن الجهات التنظيمية ستشجع المؤسسات المالية على تعزيز رؤوس أموالها عبر قنوات متعددة لرفع قدرتها على مواجهة الصدمات.

وتواجه الصين اختلالات اقتصادية متزايدة، مع ضعف الاستهلاك وتباطؤ قطاع العقارات، مقابل نمو في قطاعات ناشئة مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي، حيث أظهرت البيانات الأخيرة تراجعاً في مبيعات التجزئة خلال مايو (أيار) للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، في حين تراجع الاستثمار، مقابل تسارع في الإنتاج الصناعي.

وأكد المسؤول أن السلطات ستعمل على توجيه التمويل نحو الصناعات المستقبلية، مع تعزيز التنسيق الرقابي، إلى جانب التصدي للمنافسة غير المنظمة والأنشطة المالية غير القانونية.


الدولار يتراجع قبيل أول قرار لـ«الفيدرالي» برئاسة وارش وسط تحسن شهية المخاطرة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يتراجع قبيل أول قرار لـ«الفيدرالي» برئاسة وارش وسط تحسن شهية المخاطرة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

سجّل الدولار تراجعاً، الأربعاء، مع ترقب الأسواق أول قرار للسياسة النقدية في عهد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفين وارش، في وقت عززت فيه آمال التوصل إلى اتفاق أميركي–إيراني مؤقت شهية المخاطرة وضغطت على العملة الأميركية.

وبقيت تحركات العملات ضمن نطاقات محدودة خلال التعاملات الآسيوية المبكرة، إذ فضّل المستثمرون الحذر وتجنب بناء مراكز كبيرة قبيل صدور قرار الفائدة الأميركي في وقت لاحق من الجلسة.

وتلقى الين الياباني دعماً محدوداً أمام ضعف الدولار، ليبقى قريباً من مستويات تثير مخاوف تدخل السلطات اليابانية، بعد أن جاء رفع الفائدة الأخير من بنك اليابان دون مفاجآت كبيرة، فيما لم ينجح في تغيير توقعات الأسواق بشأن وتيرة التشديد المقبلة.

واستقر اليورو عند 1.1611 دولار، بينما سجل الجنيه الإسترليني 1.3430 دولار دون تغيير يُذكر، في حين ارتفع الدولار النيوزيلندي بشكل طفيف إلى 0.5833 دولار.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأول بقيادة وارش، إلا أن الأنظار تتجه إلى بيان السياسة والتوقعات الاقتصادية ومؤتمر صحافي لاحق بحثاً عن أي إشارات بشأن التحول نحو تيسير نقدي أقل وضوحاً في ظل تصاعد المخاوف من التضخم.

وقال كبير الاقتصاديين ومدير المحافظ في «إم إف إس إنفستمنت مانجمنت»، إريك فايسمان، إن «الفيدرالي» يرجح أن يلمّح إلى موقف محايد من السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن رئيسه الجديد سيواجه أسئلة مكثفة حول رؤيته لتوجيه السياسة النقدية.

وأضاف أن وارش لا يزال في مرحلة تقييم توازنات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، وقد يتجنب إطلاق تصريحات حاسمة قبل بناء توافق داخلي.

وتراجع الدولار أمام سلة من العملات إلى 99.53 نقطة، متخلياً عن جزء من مكاسبه السابقة التي حققها كملاذ آمن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية عقب ظهور تفاصيل الاتفاق الأميركي–الإيراني.

وفي المقابل، استقر الين الياباني عند 160.43 يناً للدولار، ما أبقى المتعاملين في حالة تأهب لاحتمال تدخل السلطات لدعم العملة، خصوصاً مع استمرار ضعفها الحاد.

وكان بنك اليابان قد رفع أسعار الفائدة يوم الثلاثاء إلى أعلى مستوى في 31 عاماً ضمن خطوات تطبيع السياسة النقدية، مشيراً إلى استعداده لمزيد من التشديد في حال استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.

إلا أن البنك المركزي الياباني قدّم إشارات محدودة بشأن توقيت الخطوة التالية، وهو ما أبقى توقعات السوق دون تغيير يُذكر.

وقالت كبيرة استراتيجيي العملات في «رابوبنك»، جين فولي، إن اجتماع بنك اليابان لم ينجح في تغيير توقعات الأسواق بشكل ملموس، رغم أهميته، موضحة أن الأنظار تبقى مركّزة على قرار «الفيدرالي» الأميركي.

وفي أستراليا، استقر الدولار الأسترالي عند 0.7066 دولار، بعد أن أبقى بنك الاحتياطي الأسترالي سعر الفائدة دون تغيير عند 4.35 في المائة، مشيراً إلى تباطؤ الاقتصاد مع استمرار التشديد المالي، مع إبقاء احتمال رفع الفائدة قائماً إذا لزم الأمر لكبح التضخم.