بصمة «شنغهاي»... كواليس انهيار الذهب واهتزاز أركان «الملاذ الآمن»

«كمّاشة» شيكاغو وصدمة واشنطن تُطفئان وقود المضاربات الصينية في أسبوع البورصات الأعنف

بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
TT

بصمة «شنغهاي»... كواليس انهيار الذهب واهتزاز أركان «الملاذ الآمن»

بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)

استيقظت الأسواق العالمية، يوم الاثنين، على مشهد وصفه المحللون بـ«حمام دم» في الذهب والفضة والمعادن الأخرى، حيث تواصل نزيف الأسعار الذي بدأ في عطلة نهاية أسبوع وُصفت بأنها «الأكثر وحشية» في تاريخ البورصات الحديث. وبينما كان المستثمرون يراقبون الشاشات بانتظار قمم قياسية جديدة للذهب، جاءت الضربة من «الغرف التقنية» لبورصة شيكاغو التجارية (CME)، لتنهي رحلة صعود أسطورية حطمت الأرقام القياسية، وتكشف عن هشاشة النظام المالي عندما يتحول «الملاذ الآمن» إلى ساحة لمضاربات «خارجة عن السيطرة».

ساعة «آسيا» تكسر قواعد الجاذبية

لم يعد المحللون في لندن ونيويورك ينامون؛ فخلال الأسابيع الماضية، كانت «ساعة التداول الآسيوية» هي المحرك الوحيد للعالم. جيوش من المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط الصينية اندفعت نحو المعادن، لا كتحوط فحسب، بل كرهان تصاعدي حاد (Parabolic) أدى إلى فك ارتباط الأسعار بأساسيات العرض والطلب. ووفقاً لتقارير «بلومبرغ»، فإن هذا الاندفاع خلق «فقاعة سيولة» جعلت الذهب والفضة يُتداولان بأسعار تفوق قيمتيهما العادلة بمسافات شاسعة، مدفوعةً بـ«أموال ساخنة» كانت تبحث عن بديل للدولار وعن ملاذ بعيداً عن أزمات العقارات المحلية في الصين.

ويوم الاثنين، تجسَّد «الانهيار العظيم» في أرقام تاريخية؛ فقد تراجعت الفضة بنسبة 26 في المائة في أكبر سقوط يومي في تاريخها، بينما سجل الذهب أسوأ أداء يومي له منذ عام 1983 بهبوطه الحاد. هذا النزيف لم يكن سوى تصحيح مؤلم لسوق تشبعت بالمضاربات حتى فقدت توازنها، حيث فقد الذهب نحو 900 دولار من قيمته منذ وصوله إلى ذروته التاريخية عند 5594 دولاراً الأسبوع الماضي.

سعر الذهب في جهاز «متجر الذهب الذكي» الموجود داخل مركز تجاري بشنغهاي (أ.ف.ب)

لعبة شنغهاي

لم يعد سرّاً أن مركز ثقل المعادن النفيسة قد غادر «وول ستريت» و«حي لندن المالي» ليستقر في بورصة شنغهاي للذهب. فخلال العام الأخير، تحولت الصين إلى «صانع للسعر» يفرض إيقاعه على العالم. تجلَّت هذه القوة في ظاهرة «العلاوة السعرية»، حيث استمر تداول الذهب في شنغهاي بأسعار تزيد بـ40 دولاراً إلى 100 دولار للأوقية على الأسعار العالمية، مما جذب الذهب المادي من مخازن الغرب نحو الشرق، وجفف السيولة في الأسواق التقليدية.

وعلى عكس الغرب، اندفعت في الصين جيوش من صغار المستثمرين عبر تطبيقات التداول، مستخدمين حسابات «الرافعة المالية» بمستويات خطيرة. وعندما بدأت بوادر التصحيح، تحولت هذه الجيوش إلى «قوة بيع قسرية» لتغطية خسائرها. وفي منطقة «شويبي» بمدينة شنتشن، القلب النابض لتجارة السبائك، كانت الطوابير البشرية الطويلة هي ميزان الحرارة الحقيقي؛ إذ بدأ الانهيار فعلياً عندما قررت صناديق الأسهم الصينية الخروج الجماعي لجني الأرباح قبل عطلة رأس السنة الصينية، مما أطلق شرارة «تأثير الدومينو» التي وصلت أصداؤها إلى نيويورك.

تدخل قسري من البنوك الصينية

مع وصول المضاربات إلى ذروة غير مسبوقة، لم تكتفِ السلطات الصينية بمراقبة الشاشات، بل أوعزت لكبار المقرضين في البلاد بالتدخل الفوري عبر سلسلة من الإجراءات التنظيمية الصارمة التي استهدفت «تجفيف» منابع السيولة الساخنة في سوق التجزئة.

ومن هذه الإجراءات:

- رفع سقف الدخول (الهوامش المصرفية): اتخذت مؤسسات مالية عملاقة، وفي مقدمتها بنك التعمير الصيني (CCB) والبنك الصناعي والتجاري الصيني (ICBC)، قراراً برفع الحد الأدنى للإيداع المطلوب لفتح حسابات تداول المعادن الثمينة. هذا الإجراء استهدف بشكل مباشر صغار المستثمرين، حيث جعل «تكلفة الرهان» أعلى من قدرة الكثيرين، مما أجبرهم على التوقف عن بناء مراكز شرائية جديدة.

- نظام «الحصص» والتحكم في التدفقات: في خطوة استثنائية، طبَّقت البنوك ما يُعرف بـ«نظام الحصص القسري» على منتجات ادخار الذهب (مثل خدمة Ruyi Gold). هذا يعني أن البنك يضع سقفاً يومياً لكمية الذهب التي يمكن للأفراد شراؤها أو الاستثمار فيها، وهو ما خلق حالة من «الاختناق المنظم» للطلب، وأرسل إشارة واضحة إلى الأسواق بأن الدولة لن تسمح باستمرار الصعود «البارابولي» أو الصاروخي.

- تعليق الاشتراكات والتحذير من المخاطر: قامت عدة صناديق استثمارية صينية بتعليق قبول «اشتراكات جديدة» بشكل كامل، وذلك لإدارة فائض السيولة وتجنب الانفجار السعري الناتج عن الازدحام. وتزامن ذلك مع حملة إعلامية من البنوك تحث المستثمرين على «زيادة الوعي بالمخاطر»، في لغة تعكس قلق السلطات من تحول الذهب إلى فقاعة قد تنفجر في وجه المدخرين الصينيين قبيل عطلة رأس السنة القمرية.

- مواءمة الأسعار مع السوق العالمية: عملت المصارف الصينية بالتنسيق مع بورصة شنغهاي للذهب (SGE) على تضييق الفجوة السعرية (Premium) التي كانت قائمة، من خلال رفع تكلفة تمويل العقود الآجلة محلياً. هذا الإجراء قلّل من جاذبية «المتاجرة بالفارق السعري» التي كانت تجذب الذهب من لندن إلى شنغهاي، مما أسهم في إعادة التوازن المفقود للسيولة العالمية.

لقد كان هذا التدخل بمنزلة «اعتراف رسمي» من الدولة بأن الفقاعة بلغت حد الانفجار، مما أجبر المستثمرين الصينيين على التراجع، تاركين الأسواق العالمية في مواجهة آثار الإعصار بعد سحب «الوقود الصيني» من محرك الأسعار.

ينتظر الزبائن لبيع مجوهراتهم الذهبية في جهاز «متجر الذهب الذكي» المُثبّت داخل مركز تجاري بشنغهاي (أ.ف.ب)

«كمّاشة» الهوامش

تزامن هذا الانفجار الميداني مع إجراءات تقنية صارمة من بورصة شيكاغو، التي رفعت «متطلبات الهامش» على عقود الذهب والفضة. في لغة السوق، يعني هذا القرار رفع قيمة «العربون» أو الضمان النقدي الذي يجب على المستثمر الاحتفاظ به في حسابه للبقاء في الصفقة.

هذا الإجراء وضع آلاف المتداولين، خصوصاً صغار المستثمرين والمضاربين المعتمدين على الرافعة المالية، في مأزق حرج؛ فإما ضخ سيولة نقدية ضخمة فوراً لتغطية الفارق، وإما مواجهة «نداء الهامش». وبسبب جفاف السيولة الفورية، تدخلت أنظمة البورصة آلياً لتنفيذ عمليات «تصفية قسرية»؛ حيث بيعت العقود بأسعار السوق المتدنية لتغطية الضمانات، مما خلق «حلقة مفرغة» أو ما يعرف بـ«Feedback Loop»؛ فكل عملية بيع قسرية تخفض السعر أكثر، مما يطلق نداءات هامش جديدة لمستثمرين آخرين. وهكذا تهاوت الأسعار في سحق متسارع للسيولة.

صدمة وورش

وعلى الجانب الآخر من المشهد، جاءت الضربة القاضية من واشنطن لتعصف بالتوقعات المستقبلية؛ حيث أدى ترشيح الرئيس دونالد ترمب لكيفن وورش لتولي رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» خلفاً لجيروم باول إلى إعادة رسم خريطة السياسة النقدية الأميركية. ووفقاً لتحليلات «سي إن بي سي»، يُصنف وورش في الأسواق بوصفه «صقراً» نقدياً بامتياز، لا يكتفي بالميل لرفع الفائدة فحسب، بل يتبنى نهجاً متشدداً يهدف إلى «تشديد الميزانية العمومية للفيدرالي» وتقليص السيولة في النظام المالي.

هذا الترشيح أطلق شرارة صعود قوي للدولار الأميركي، وبما أن المعادن النفيسة تُسعَّر بالدولار وترتبط معه بعلاقة عكسية، فقد أصبحت الأونصة أكثر تكلفة للمشترين حول العالم. شعر المستثمرون فجأة بأن «المظلة الحمائية» التي وفّرها «الفيدرالي» لسنوات عبر ضخ السيولة قد رُفعت تماماً؛ مما دفعهم إلى التخلص من الذهب والهروب نحو العملة الخضراء، معتبرين أن عهد «الفائدة المنخفضة والسيولة الرخيصة» قد انتهى بقدوم وورش.

ولم تنجُ الأصول الأخرى من هذا الإعصار؛ فقد تهاوت عملة البتكوين لتقترب من مستوى 77 ألف دولار، فاقدةً بريقها كـ«ذهب رقمي» مع فرار المستثمرين من المخاطر. وحسب تقارير «ياهو فاينانس»، فقدت سوق العملات المشفرة نحو 1.7 تريليون دولار من قيمتها، في إشارة إلى هشاشة هذه الأصول أمام قوة الدولار.

سبائك ذهبية في أحد بيوت السبائك بمدينة مومباي (أ.ف.ب)

توقعات المصارف الكبرى

رغم حدة النزيف، لا تزال كبرى المؤسسات المالية العالمية تتمسك بنظرة متفائلة حيال مستقبل المعدن الأصفر، معتبرةً أن ما يحدث «زلزال في العقود الورقية» لا يمس القيمة الهيكلية للأصول الفعلية. وفي هذا السياق، أكد مصرف «جي بي مورغان» في مذكرة حديثة أنه لا يزال «مقتنعاً تماماً» بتفاؤله تجاه الذهب على المدى المتوسط، متوقعاً أن يدفع طلب البنوك المركزية والمستثمرين الأسعار للوصول إلى مستوى 6300 دولار للأوقية بحلول نهاية العام الجاري.

ويرى البنك الأميركي أن الاتجاه العالمي لتنويع الاحتياطيات لا يزال قائماً وبقوة، متوقعاً أن تبلغ مشتريات البنوك المركزية نحو 800 طن في عام 2026. هذا التوجه الهيكلي يعزز الأداء المتفوق للأصول الحقيقية مقابل «الأصول الورقية» التي تعصف بها تقلبات البورصات.

وفي ذات الاتجاه، حافظ «دويتشه بنك» على موقفه المتفائل رغم موجة الهبوط الحالية، مؤكداً تمسكه بتوقعاته السابقة التي تضع سعر الذهب عند مستوى 6000 دولار، معتبراً أن الأساسيات الاقتصادية لا تزال تدعم الصعود على المدى الطويل.

أما فيما يخص الفضة، التي هوت من قمتها التاريخية عند 121.64 دولار، فقد بدا الحذر واضحاً في نبرة «جي بي مورغان»؛ حيث أشار البنك إلى صعوبة تحديد العوامل المحركة بدقة في الوقت الراهن، لكنه استبعد أن تتخلى الفضة تماماً عن مكاسبها، متوقعاً استقرارها في المتوسط عند مستويات تتراوح بين 75 و80 دولاراً للأوقية، لتبقى فرصة استثمارية مواتية مقارنةً بالأسعار السابقة.

هل انتهت الرحلة؟

رغم قسوة المشهد، يرى محللون من «جي بي مورغان» و«ساكسو بنك» أن ما يحدث هو «تصحيح صحي» لتفريغ رغوة المضاربات. وكشفت التقارير من ألمانيا عن استمرار الطوابير لشراء الذهب المادي، مما يشير إلى أن الثقة في قيمة المعدن الجوهرية لم تهتز. تترقب الأسواق الآن رد فعل بورصة شنغهاي بعد تدخل المصارف الصينية لفرض قيود على حصص الشراء؛ فهل سيعود الطلب الصيني لإنقاذ الموقف مع اقتراب السنة الصينية الجديدة، أم أن الرحلة الجامحة قد بلغت نهايتها؟

في الخلاصة، استيقظ العالم في فبراير (شباط) 2026 ليكتشف أن «الملاذ الآمن» يمكن أن يهتز بعنف عندما يقرر المضاربون في الشرق جني أرباحهم دفعة واحدة بالتزامن مع تشديد تقني ونقدي في الغرب. إنها لحظة إعادة تقييم شاملة، حيث تخرج «الأموال الساخنة» المعتمدة على الاقتراض، ليبقى في السوق فقط المستثمرون ذوو النفس الطويل والذهب المادي الصامد في وجه «العقود الورقية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

الاقتصاد تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار رغم تصاعد الحرب، ما يطرح تساؤلات عن سبب خفوت مسألة «الملاذ الآمن».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)

انخفاض صافي الأرباح المتوقعة لـ«سينوبك» الصينية 36.8 % لعام 2025

أعلنت شركة سينوبك الصينية، الأحد، انخفاض صافي أرباحها المتوقعة لعام 2025 بنسبة 36.8 %.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)

الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

تعهَّد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، يوم الأحد، بمواصلة انفتاح الاقتصاد وتطبيق المعاملة الوطنية للشركات الأجنبية بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

تُعدّ الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، في السنوات الأخيرة، لكنها ستواجه منافسةً وارتفاعاً في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مضخات نفط مع غروب الشمس في حقل «داتشينغ» النفطي بمقاطعة هيلونغجيانغ (رويترز)

قفزة بـ16 % لواردات الصين من زيت الوقود وسط حصار «هرمز»

أظهرت بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية ارتفاعاً ملحوظاً في واردات البلاد من زيت الوقود خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2026 بنسبة 15.9 في المائة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.