في خطوة للسيطرة على سوق الهواتف الذكية في الهند، وإزاحة المنافسين الأجانب عن المشهد، أعلن موكيش أمباني، أثرى أثرياء الهند والملياردير صاحب «ريلاينس إنداستريز» أخيراً، أنّه سوف يبدأ طرح هواتف محمولة مجاناً.
وتأتي تلك الهواتف المحمولة ضمن خطة تتعلق بـ«جيو» شبكة الهواتف المحمولة «ريلاينس»، التي دُشّنت في الهند عام 2016، كبديل زهيد للأنظمة المتاحة الخاصة بالخدمات الصوتية والإنترنت على الهواتف المحمولة التي تقدمها شركات منافسة. للحصول على هاتف «جيو»، سيتعيّن على المستخدمين دفع مبلغ مالي مقدماً، وقدره 23 دولارا، يمكن استرداده بعد ثلاث سنوات.
قد يبدو تقديم هواتف محمولة «مجاناً»، طريقة مكلفة لجذب المشتركين، لكنّ فرص النجاح كبيرة جداً. وشجعت الأجهزة رخيصة الثمن وذات الاشتراكات المنخفضة، إلى جانب البنية التحتية الأفضل، من أبراج إشارات هواتف محمولة، وكهرباء في القرى النائية، استخدام الهواتف المحمولة في الهند طوال العقدين الماضيين. ومع ازدياد الاشتراكات اللاسلكية عن المليار بعدما كانت 1.89 مليون في عام 2000، تلوح في الأفق منافسة بين شركات الاتصالات ومصنّعي الهواتف الذكية على كل جزء من حصة السوق في البلاد.
وفي ذلك، قال تارون باثاك، محلل التكنولوجيا في مركز «كاونتر بوينت ريسرش» للأبحاث: «منذ 20 عاماً، كانت لا تزال أكثر الأعمال والمشروعات مجرد أفكار مدونة على الورق. لم تكن السجلات تُحفظ بعد على الإنترنت. حتى منذ 10 أعوام، كانت الاتصالات الأساسية تجرى عبر الفاكس والبريد. لقد انتقلنا من الآن إلى (واتساب) والرسائل الفورية. لقد دخل كثيرون من الهنود العصر الرقمي عبر بوابة الهواتف الذكية».
جوهر هذا التحول هو عدد السكان الكبير في الهند الذين يعتمدون على الهواتف الذكية في التعليم، والعمل، والحياة الاجتماعية. تقول شيفا دوراجوالا (طالبة جامعية) إنّها تستخدم هاتفها طوال الوقت. وتوضح: «أنا متعلقة ومرتبطة تماماً بـ(إنستغرام) و(سنابشات). إنهما مثل نشرة أخبار؛ فحتى إذا كنت لا تقرأ الصحف، ستعرف أحدث الأخبار عن كل الأمور، على (فيسبوك) و(إنستغرام)». مضيفة: «أنا أستخدم هاتفي طوال الوقت، لكن لا أحد يرى الأمر غريبا، فالجميع تقريبا يفعلون ذلك».
عندما دُشّنت شبكة «جيو» العام الماضي، قدمت خدمات الجيل الرابع (4G)، بأسعار زهيدة، بل تعد هي الأرخص في العالم، إلى جانب العروض المجانية، حسب أمباني. واشترك الملايين في غضون أيام قليلة بالشبكة، وتزاحمت الحشود أمام المتاجر للحصول على العرض، وانتظروا في صفوف طويلة من أجل الحصول على خطوط «جيو». وبعد مرور أقل من عام على هذا الحدث، يقدر عدد مستخدمي الشبكة بأكثر من مائة مليون شخص.
وتعيد شركات عملاقة منافسة تمركزها حالياً استعداداً للمواجهة؛ ففي 24 يوليو (تموز)، تمت الموافقة على عملية دمج مقترحة بين شبكتين كبيرتين هما «فودافون» و«أيديا سيليلير»، وهو ما يمهد الطريق لتحالف قادر على الإطاحة بأمباني. وفي خضم هذه المعركة بين أقطاب الصناعة، يقف مصنعو الهواتف الذكية في الوسط. يمكن أن يربك هاتف ذكي رخيص الثمن أو حتى مجاني من «ريلاينس» الشركات الكبرى الراسخة مثل «سامسونغ»، التي تستحوذ على حصة من السوق الهندية قدرها 26 في المائة.
وفي الوقت الذي تصل فيه الأسواق في أميركا وأوروبا والصين، إلى مرحلة تشبع من الهواتف الذكية، ازدادت مبيعات الهواتف الذكية في الهند، مما لفت نظر وانتباه شركات التكنولوجيا الدولية إلى هذا الكنز الهندي. يقول باثاك: «كل شركة كبرى عالمية تركز حالياً على الهند. تعد أسواق الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والصين أسواقاً يركز فيها العملاء على الارتقاء بمستوى هواتفهم المحمولة، وشراء أجهزة جديدة أكثر تطوراً كل عدة سنوات. على الجانب الآخر، لا يزال هناك في الهند أشخاص يستخدمون الهاتف الذكي للمرة الأولى في حياتهم. تعد هذه فرصة كبيرة لكل الشركات العاملة في هذا المجال من أجل تحقيق نمو والتعايش في الوقت ذاته». وأضاف قائلا إن النمو سيستمر على الأرجح لمدة أربع أو خمس سنوات على الأقل.
بالنسبة لشركة «آبل»، التي تواجه صعوبة في العثور على موطئ قدم لها في سوق الهواتف الذكية هنا، يمثل هاتف «آيفون» (عليه تخفيض كبير، فسعره 435 دولارا مقارنة بسعر النسخة في الهند البالغ 802 دولار)، سلعة صعب الترويج لها في الوقت الذي تقدم الشركات المصنعة المنافسة أسعاراً منخفضة. بعد محاولة متحفظة لبيع هواتف رخيصة في الهند، وهو عرض رفضته الحكومة الهندية، ستبدأ شركة «آبل» تجميع هواتف «آيفون» في مدينة بنغالورو الواقعة في جنوب الهند، وهو ما يوفر على المستهلكين رسوم الاستيراد.
كذلك هناك منافسة بين العلامات التجارية الصينية، فخلال الأشهر القليلة الماضية حاصرت شركات مثل «شاومي»، و«أوبو» عملاء شركات مصنعة راسخة، من خلال تقديم خصائص وإمكانات مشابهة بأسعار أقل. بالنسبة إلى علامات تجارية هندية مثل «إنتكس تكنولوجيز»، التي تبيع هواتف بأسعار معقولة في مدن صغيرة وقرى، كان تأثير إطلاق شبكة «جيو» كارثياً؛ فمنذ مارس (آذار) 2016، تراجعت حصة الشركة في السوق من 11.5 في المائة إلى 6.5 في المائة. وفي أقل من عام كان عليها إحلال مخزونها بالكامل، وتستعد لإطلاق هواتف ذكية تدعم الجيل الرابع خلال شهر سبتمبر (أيلول).
في السياق، يقول راجيف جين، كبير المديرين الماليين في «إنتكس»: «لقد واكبت شبكة (جيو) التحول إلى الجيل الرابع، وشهدت السوق تحولاً سريعاً في أقل من عام».
يشير بعض المحلّلين إلى أنّ نحو نصف مستخدمي الهواتف في الهند لديهم هواتف ذكية، في حين لدى النصف الآخر هواتف ذات إمكانات محدودة تسمح لهم بالاتصال، وإرسال رسائل نصية، واستخدام متصفح الإنترنت، لكنّ قدرتها في تثبيت التطبيقات محدودة. ويضيف باثاك: «اللعبة حالياً هي جذب مستخدمي هذا النوع من الهواتف الذين يريدون استخدام هواتف ذكية. وقد جذبت (جيو) بالفعل أكثر من مائة مليون مستخدم. وسوف يحصلون على مائة مليون مستخدم إضافيين من مستخدمي الهواتف ذات الإمكانات المحدودة».
فيما يوضح جين قائلاً إنّه عوضاً عن سرقة العملاء من المنافسين، يمكن لشبكة «جيو» توسيع نطاق قاعدة العملاء المحتملين لشركات الهواتف الذكية. ويتابع بأنّ التذبذب والحركة في الاقتصاد يعني وجود مساحة تكفي الجميع. ويكمل: «لا يمكن للهنود حالياً تصور أن تمر عليهم دقيقة في حياتهم من دون الهواتف المحمولة. ما تفعله تلك العلامات التجارية الصينية، وشبكة (جيو) هو توسيع نطاق السوق من أجلنا. إنّهم سيبدأون بهواتف (جيو) زهيدة الثمن، وفي النهاية سيتحولون باتجاه هواتف تتمتع بمزيد من الخصائص والإمكانات».
وكان فيكاس كاتيار (بائع خبز على جانب الطريق في مدينة نويدا بالقرب من دلهي) من الذين انتقلوا إلى الاشتراك في شبكة «جيو» خلال العام الماضي. وبعد شهر من تدشين الشبكة، تخلّص من هاتفه القديم من طراز «نوكيا» من أجل الحصول على هاتف «فيفو» جديد من الجيل الرابع. ويقول: «في المساء أدير أعمالي باستخدام الهاتف المحمول. أبيع كتبا على الإنترنت من خلال موقع (أمازون). لهذا يمثل الهاتف المحمول أهمية كبيرة بالنسبة لي». ويفكر، بينما يتجه بعيداً عن مجال بيع الخبز، في شراء هاتف «جيو» حين يُطرح في وقت لاحق من العام الحالي. ويقول: «إنه مجاني، فلم لا؟».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}
هواتف «4G» في طريقها إلى الهند... مجاناً
كبديل للأنظمة المتاحة الخاصة بالخدمات الصوتية والإنترنت التي تقدمها شركات منافسة
رجل يسير بقرب ملصق إعلاني لشبكة «ريلاينس جيو» للهواتف المحمولة في نيودلهي
هواتف «4G» في طريقها إلى الهند... مجاناً
رجل يسير بقرب ملصق إعلاني لشبكة «ريلاينس جيو» للهواتف المحمولة في نيودلهي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

