ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟
TT

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

في الصيف، يحمل المثقفون كتبهم في حقائب السفر، ومع اتساع دائرة التقنية الحديثة، أصبح الكتاب الإلكتروني رفيقاً دائماً لشريحة القراء، دون تمييز، في الوسائط الرقمية يتم تخزين آلاف الكتب ودواوين الشعر، لكن ثمة كتاباً يحظى بالعناية أكثر من سواه.. يمكن أن يمثل معياراً لقيمة الكتاب نفسه، أو للفعل الثقافي الذي لا يتخلى عن عادة القراءة مهما طال السفر.
* «الذرة الرفيعة الحمراء»
يقول الروائي والأديب السعودي جبير المليحان، إن أجواء الصيف (في الخليج) بذاتها أصبحت طاردة لعادة القراءة، فحين تلامس درجة الحرارة الخمسين مع ارتفاع هائل في الرطوبة، يصبح المرء «طفراناً» يفتش عن ملاذ بارد يسكن إليه.. لكني لا أترك الذهاب إلى مكان تكون شمسه ظلا؛ وهواؤه عليلاً، مصطحبا كتاباً ممتعاً ومفيدا. في السفر، غالبا أضع بجانبي مذكرة صغيرة وقلما، أدون فيها ما تنبشه القراءة من مواقف وأحداث منسية في مخازن الذاكرة. واليوم، في حقيبتي رواية رائعة، ضخمة (620 صفحة من الحجم الكبير)، اسمها: «الذرة الرفيعة الحمراء» للكاتب الصيني مو يان، (الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2012)، ترجمة حسانين فهمي حسين.. إنها رواية الصين بامتياز؛ تروي ذكريات طفل عن تاريخ عائلته، يحكيها وهو كبير خلال فترة الغزو الياباني للصين في ثلاثينات القرن العشرين. الرواية تكشف عوالم وأساطير، وكيف قاوم السكان المحليون الغزاة.
* «فن الشعر»
ومن البحرين، يقول الشاعر البحريني علي خليفة: «في هذا الصيف أعيد قراءة كتاب الدكتور إحسان عباس (فن الشعر) ربما للمرة الخامسة أو السادسة. قرأت هذا الكتَاب في بداياتي الأولى وأعجبت بمادته الغزيرة وأسلوبه العلمي السلس وطرحه المنسق والموفق واستطعت من خلال ما أعطاني هذا الكتَاب من ذخيرة أن افهم بالضبط ما هو الشعر؟، وكيف، ولماذا؟، كما منحني الكتاب فهماً لأن أكوّن لي فهماً خاصاً لعوالم هذا الفن الجميل. كلما أعدت القراءة اكتشف من خلال هذا الكتاب شيئا جديدا لم أفطن إليه من قبل فتتعمق لدي المعلومة وتنفتح أمامي مغلقات كانت عصية على الفتح. فهذا كتاب رائع يشمل كل ما يريده قارئه عن فن الشعر لناقد أكاديمي عربي افتقدنا ظله.
* «نظرية البلاغة»
من العراق، يتحدث الشاعر العراقي هزبر محمود، عن قراءاته هذا الصيف، قائلاً: «قبل ذهابي للجزائر يوم 2 يوليو (تموز) الجاري انتهيت من قراءة سلسلة كتب في المسرح العالمي والعربي، وبالذات المسرح الشعري لما أعتقد في المسرح من حيوية تساعد في إدارة الحياة والنفس البشرية والتحكم باستحداث حوارات داخلية على إيقاع المشكلة والحل بما فيها حبكة القصيدة.
في الجزائر اقتنيت عدة كتب أهمها كتاب (نظرية البلاغة) للدكتور عبد الملك مرتاض الذي بدأت بقراءته من بين المجموعة، وثلاثة كتب للمفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي والتي سأبدأ بها بعد انتهائي من كتاب مرتاض وكذلك عدة كتب في الفلسفة وعلم الاجتماع سأقرأها تباعاً». يكمل هزبر قائلاً: أعتقد أن اختيار الكتاب المناسب في الوقت المناسب يخضع لأمور مهمة أهمها معرفة الإنسان بنفسه في لحظته وكذلك خضوعه لمشاغل الحياة اليومية وكذلك الكتاب والكاتب.
* أدباء مصريون يفضلون القراءات الخفيفة ومتابعة نتاج الأصدقاء
مع حلول فصل الصيف في مصر، تقل نوعاً ما حفلات التوقيع، وتقل الإصدارات الجديدة عنها في الشتاء وموسم معارض الكتاب المحلية والعربية والعالمية، لكن كثيراً من الأدباء يفضلون الاستمتاع بقضاء فصل الصيف وتخصيص قراءات محددة بعينها تخفف لهيب الطقس وهوائه الخانق ودرجات الحرارة المرتفعة التي تقلص الإنتاج الأدبي، هنا يكشف عدد من الأدباء والشعراء عن لائحة قراءاتهم لصيف 2017:
يكشف الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة عن قراءاته قائلاً: «لا يوجد تغيير في قراءات الصيف عن الشتاء؛ لأن القراءة لدي مرتبطة دائماً بالمزاج الأدبي والنفسي، والإحساس بالرغبة في التواصل مع كل الألوان الأدبية لشحن الوجدان. عادة قراءاتي متنوعة في مجالات كثيرة تجمع بين الشعر الحديث والقديم، والنثر والدراسات الأدبية والنقدية والقصة القصيرة والرواية، لكن لا أقرأ بهدف التسلية أو تمضية الوقت».
هناك كتب حالياً على مكتبي «الإشارات الإلهية» لأبي حيان التوحيدي، وديوان للشاعرة سلمى فايد، إلى جانب ديوان لإسماعيل صبري باشا، وهو من شعراء القرن التاسع عشر، كما أعكف على مجموعة قصص مترجمة من الأدب الصيني لأنني أقر وأعترف بأننا هجرنا أدب الدول الآسيوية في مقابل الأدب الغربي والأوروبي والأميركي. ويقول: «حاليا أعيد قراءة شعر طاغور وعدد من الدواوين الفارسية والتركية».
* عبد المجيد: مشغول بالأحداث السياسية
أما الروائي إبراهيم عبد المجيد فهو لا يحبذ الكتابة الأدبية في فصل الصيف، وحالياً تشغله متابعة الأحداث والشأن السياسي المصري عن متابعة النتاج الأدبي الجديد، لكنه يقول: «في فترة الشباب كنت كثير القراءة وأقرأ صيفا وشتاء كل ما يقع تحت يدي سواء كان أدبا عالميا أو مصريا وعربيا، لكن بشكل محدد كنت أحب قراءة روايات الأديب العظيم إحسان عبد القدوس في فصل الصيف».
* عتيبة: القراءة الجادة في الشتاء
ويقول الروائي منير عتيبة، وهو مشرف مختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية، عادة ما يتابع كل جديد، إنه يقرأ للدكتور طه حسين كتاب بعنوان «من لغو الصيف إلى جد الشتاء» الذي يرى فيه أن «القراءة والبحث الجاد يتمان غالبا في الشتاء وليس في الصيف؛ فصل الحر الخانق والإجازات». ويضيف: «لكن بالنسبة لي لا أحدد قراءاتي بناء على فصول السنة أو المناسبات كشهر رمضان المعظم مثلا. فقد انتهيت خلال الأسابيع الماضية من قراءة عدة روايات وأعمال قصصية منها رواية الأردني جلال برجس (أفاعي النار)، ورواية (رئيس التحرير) لأحمد فضل شبلول، ورواية (المختلط) لداليا أمين أصلان. ورواية (المزين) لأحمد سمير سعد، ورواية (مدن السور) لهالة البدري، إضافة إلى مجموعتين من القصص القصيرة جدا لمحمد الحديني وطارق جابر. وأقرأ الآن كتاب حكايات كورية (ين نال ين نال) ترجمة حسن عبده، حيث أقوم بإعداد بحث للمشاركة في مؤتمر عن الأدب الكوري».
ويكشف الأديب والطبيب المصري المقيم بأميركا شريف ماهر مليكة عن قائمة قراءاته قائلاً: «في أواخر الربيع، قررت قراءة (في غرفة العنكبوت) للكاتب المصري محمد عبد النبي، الصادرة عن دار العين، لأنها كانت الرواية المصرية الوحيدة التي اشتملتها القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2017، لكن الحقيقة، وجدتني عاجزاً عن استكمالها بعد أن خضت في جزء كبير منها. السبب من وراء ذلك كان في خوضها في مسألة المثلية الجنسية، بتفاصيل أثارت اشمئزازي، وحاولت التغاضي عنها، لكنني لم أفلح. رغم قراءاتي الأدبية الكثيرة وملاقاتي للكثير من الكتابات التي تناولت المثلية الجنسية، فإنني لم أجد تفسيراً للخوض في مثل تلك التفاصيل الحميمية الزاخرة بها تلك الرواية. تساءلت عن الفرق بينها وبين رواية أحمد ناجي (استخدام الحياة) التي انتهت به إلى غياهب السجون. ورغم أنني لم أؤيد عقاب ناجي بمثل هذه القسوة والتعنت، فإني لم أجد فروقاً شاسعة بين الروايتين».
ويقول أيضاً: «قرأت أيضاً رائعة فولتير (كانديد) ربما للمرة الرابعة أو الخامسة، لأنني أعشق العمل أولا، ولسبب كتابتي لرواية جديدة بعنوان «البحث عن كانديد» أعتزم الانتهاء منها قريباً. وأقرأ في الوقت الحالي كتاب «جهاد في الفن» للأستاذ مصطفى عبد الله، عن الروائي والقاص العملاق يحيى حقي. في الحقيقة، تعرفت بين صفحات هذا العمل الرائع عن شخصية وعقل مبدعنا الراقي، وأنا حالياً أقرأ شهادات باقة من مبدعينا الكبار عنه. وبين تلك الكتابات والروايات، لا بد لي - كعادتي - أن أتصفح بضعة فصول من كتابين هما الأثيران لديَّ، فلا يمضي صيف إلا وتصفحتهما، كليّاً أو جزئيّاً، حسب الوقت المتاح؛ وهما (ملحمة الحرافيش) لنجيب محفوظ، و(مائة عام من العزلة) - الترجمة الإنجليزية-، لجابرييل غارسيا ماركيز».
* أصلان: كتب الأصدقاء
الروائي هشام أصلان يرى أن قراءات الصيف لا تختلف كثيراً عن قراءات الشتاء، بحكم عمله في الصحافة الثقافية التي تتطلب منه متابعة دقيقة لأغلب الروايات والمجموعات القصصية والدواوين الحديثة، لكنه يقول: «في فترة الإجازة المرتبطة عادة بفصل الصيف، أحرص على قراءة بعض الكتب التي أثارت ضجة أو مميزة لسبب أو لآخر، كما أن قراءات الصيف يكون فيها الانتقاء والاختيار متاحا بعيدا عن طبيعة العمل الصحافي».
ويضيف صاحب المجموعة القصصية «شبح طائرة ورقية»: «هناك بعض الكتب التي أعود إليها بشكل دائم، والتي استمتع بقراءتها تماما مثل المرة الأولى لقراءتها، ومنها: مجلد (نظر) للكاتب الكبير محيي الدين اللباد، وهو مجلد ضخم يضم مجموعة مقالات دسمة غنية بالمعلومات إلى جانب رسوم كاريكاتورية نشرت جميعها في مجلة (صباح الخير) وقد صدر عن مكتبة الأسرة، وعودتي إليه بسبب ما يتسم به أسلوب اللباد من جاذبية تعطي مذاقا خاصا لقراءته. ومن الكتب التي أعود إليها أيضاً (الجنوبي) للكاتبة عبلة الرويني وهو سيرة ذاتية عن زوجها الراحل الشاعر الكبير أمل دنقل، تروي فيه مشوار حياته وحياتهما معا وقصة مرضه، وهو من الكتب التي في مظهرها سيرة ذاتية لكنه كتب بحس ولغة روائية عالية وهو ممتع جدا. ومن الكتب الثقيلة التي أعود إليها أيضاً كتاب (ثلاثية الرواية) لميلان كونديرا، وترجمة دكتور بدر الدين عرودكي، وهو كتاب نظري عبارة عن 3 كتب في كتاب واحد».
ويضع نجل الكاتب الراحل إبراهيم أصلان قائمة للكتب التي سوف يضعها في حقيبة السفر، قائلاً: «عادة ما أصطحب معي في إجازتي كتب وإصدارات أصدقائي لمتابعة نتاجهم، ومشاركتهم نجاحات مشروعاتهم الأدبية التي عادة ما أكون شاهدا عليها، وعلى رأس هذه القائمة: رواية (حصن التراب) للكاتب أحمد عبد اللطيف، وهي صادرة عن دار العين، وتروي قصة عائلة موريسكية تعرضت لمذابح واضطهاد، وهي رواية ممتعة وتدور في سياق تاريخي مثير، أيضاً أتطلع لقراءة رواية محمد حسن علوان (موت صغير) الفائزة بالبوكر هذا العام بمزيد من التركيز، وكتاب الشاعر المصري محب جميل عن المطربة الشعبية فتحية أحمد وسيرتها ومشوارها الموسيقي الطويل، وهو صادر عن دار الجديد اللبنانية، كما أتطلع لقراءة مجموعة قصصية وحكايات للروائي طارق إمام بعنوان (مدينة الحوائط اللانهائية) وهي مجموعة قصص نشرت متسلسلة في جريدة (الدستور) لكن أود قراءتها مجمعة في كتاب سوف يصدر عن الدار المصرية اللبنانية، وأيضاً كتاب صدر مؤخرا بعنوان (ذئاب منفردة) للكاتب حسن عبد الموجود، وهو كتاب ممتع يضم صورا قلمية لعدد من كتاب وأدباء التسعينيات اقترب منهم المؤلف ويبرز عبر بورتريهات صحافية جانبهم الإنساني».
* نهلة أبو العز: «سيدة المنام»
القاصة نهلة أبو العز، تقول: «يرتبط بالقراءة كل شيء جميل، عادة ما تستطيع الكتب أن تأخذني من عالمي الصاخب لعوالم جديدة، وكان من حسن حظي في هذا الصيف أن أتمتت قراءة بعض الكتب ومنها: كتاب (سيدة المنام) للكتابة سحر الموجي الذي تعتمد فيه على لغة شعرية مختلفة في كتابة القصص وتبتعد عن الطريقة التقليدية في الحكاية، وللمجموعة رونق رشيق يخص شاعرة محترفة. قرأت أيضاً رواية حديثة صادرة عن سلسلة كتابات جديدة وهي (الدفتر السادس) للكاتب ياسر جمعة الذي استخدم كل الوسائل الحديثة في عرض حكاية تبدو متكررة وهي الحبيب والحبيبة والدخيل، هذا المثلث الذي عرفناه في قصص الحب تم استخدامه في الدفتر السادس بحرفية عالية تجعلك تشعر بأنك تقرأ للمرة الأولى عن هذه التركيبة في العلاقات الإنسانية».
وتضيف: «كما كان في رواية (الدفتر الكبير) للكتابة أغوتا كريستوف عنصر آخر من عناصر الاستمتاع والانبهار، حيث تحدثت الرواية بسلاسة غير عادية عن الحرب من دون أن تتكلف في ذلك من خلال طفلين ذهبا لجدتهما بعد سفر الأب والأم للحرب، وقد تعايشا مع حياتهما الجديدة بشكل مذهل، اعتمدت فيه الكتابة على تغير الأحداث ورسم المشاهد بلغة بسيطة وانسيابية في العرض.
كتاب آخر جذبني ودائما يجذبني هو «رولا وخوليو» للكاتب الإسباني خوان مياس القصة التي رسمها مياس في روايته تخرج عن الإطار المألوف للحكاية، فهي تعتمد على شخص منذ بداية الرواية وهو غائب ولكنه كان محركا لكل أحداث الرواية، لتكتشف أن الأبطال كانوا يرتبطون به قبل وفاته، وهو من قام بتغيير حياتهم بالشكل الذي لم يكونوا يتوقعونه. وتتميز الرواية وأدب خوان مياس بصفة عامة ببساطة العرض واستخدام تقنيات عالية في الكتابة ولكنها ليست معقدة.
* موسى: الصيف لا يشجع على القراءة
الروائي المصري صبحي موسى، يقول: «فصل الصيف لا يحفز على الإنجاز سواء القراءة أو الكتابة، فنهاره طويل وليله قصير، وعادة ما أحب قراءة الكتب الخفيفة. حاليا أقرأ مجموعة من روايات وقصص الأصدقاء، ومنها: رواية (البيت الزرق) للشاعر والروائي اللبناني عبده وازن، وهي تعالج قصة حياة شاب مثقف لكنه يعاني من التوحد ويرفض العالم من حوله، وبها قيم عن التسامح والعلاقة مع الآخر، وتحث على البعد عن الطائفية، أيضاً أقرأ مجموعة قصصية بعنوان (طريق السيدات) للكاتب خالد ثابت، وهي تضم 10 قصص مفعمة بروح فلسفية كبيرة، ورواية للصديق حسن هند تتناول الرأسمالية بشكلها البشع حول سيطرة الشركات متعددة الجنسيات وكيف تدمر مصائر البشر».



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended