القاهرة تحقق في علاقة «دولة عربية» بهجمات إرهابية

معلومات عن تسليم أموال إلى متطرفين في غزة... وإرسال «دواعش مصريين» من ليبيا

عنصر من قبائل سيناء التي تساند الجيش المصري في حربه ضد المتطرفين (صورة من قبائل سيناء لـ«الشرق الأوسط»)
عنصر من قبائل سيناء التي تساند الجيش المصري في حربه ضد المتطرفين (صورة من قبائل سيناء لـ«الشرق الأوسط»)
TT

القاهرة تحقق في علاقة «دولة عربية» بهجمات إرهابية

عنصر من قبائل سيناء التي تساند الجيش المصري في حربه ضد المتطرفين (صورة من قبائل سيناء لـ«الشرق الأوسط»)
عنصر من قبائل سيناء التي تساند الجيش المصري في حربه ضد المتطرفين (صورة من قبائل سيناء لـ«الشرق الأوسط»)

كشفت مصادر مصرية مسؤولة، أمس، عن أن القاهرة تحقق في معلومات عن تسلم عناصر متطرفة في قطاع غزة، المجاور لشبه جزيرة سيناء، لأموال من إحدى الدول العربية التي «تهدف إلى زعزعة الاستقرار في مصر»؛ وذلك من أجل تنفيذ عمليات إرهابية، منها الهجوم الذي وقع أمس في منطقة «البرث» في محافظة شمال سيناء، وراح ضحيته عشرات القتلى والمصابين من أفراد الجيش المصري. وتابعت، أن الأمن المصري يحقق أيضاً في عملية تشرف عليها قيادات في التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين»، تسمى «هجرة المتطرفين من الدواعش إلى مصر»، انطلاقاً من ليبيا.
وقال اللواء أركان حرب محمود خلف، الخبير العسكري المصري والقائد العسكري السابق في سيناء، لـ«الشرق الأوسط»: «توجد معلومة تقول إن هناك دفعة أموال وصلت الليلة (قبل) الماضية لجهات في قطاع غزة، من إحدى الدول»، مشيراً إلى أن بلاده لديها الكثير من القرائن على ارتباط هذه الدولة بجماعات تسعى إلى إثارة الفوضى في البلاد. ولفت إلى أن الهجوم الإرهابي في سيناء أمس كان كبيراً بالفعل «لكن الجيش المصري رد عليه بشكل سريع وقوي أيضاً».
من جانبه، تحدث اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث الرسمي السابق باسم وزارة الداخلية المصرية، عن التقارير التي تتحدث عن خطة «هجرة المتطرفين إلى مصر»، وعلاقة التنظيم الدولي بأطراف قطرية، قائلاً إن «كل أجهزة المخابرات الدولية وكل دول العالم تعلم جيداً أن قطر أداة لتنفيذ مخططات عدائية في المنطقة العربية».
وجاءت هذه المعلومات في وقت قالت مصادر أمنية: إن عشرات من قوات الجيش قتلوا وأصيبوا أمس على طريق خارج مدينة رفح الحدودية في محافظة شمال سيناء، جراء هجوم انتحاري بسيارتين ملغومتين استهدف أكثر من نقطة تفتيش عسكرية بمنطقة «البرث»، مضيفة: إن قوات الجيش ردت سريعاً وقتلت أكثر من 40 من المهاجمين، ودمرت ست عربات استخدمت في الهجوم.
وأبلغ أحمد زملوط، رئيس مجلس إدارة مؤسسة سيناء للتنمية الاقتصادية، والخبير في المنطقة التي وقع فيها الهجوم «الشرق الأوسط»، بأن منطقة «البرث» هي أقرب موقع يتعرض لهجوم من جانب تنظيم داعش في سيناء، ويكون في منطقة حدودية صحراوية يتواجد فيها الجيش، وقريبة من معبر كرم أبو سالم، في اتجاه الحدود المصرية مع إسرائيل، وليس في رفح أو الشيخ زويد، الأقرب إلى قطاع غزة، كما كان يحدث من قبل. وأضاف: «هذه المنطقة تابعة لقبيلة الترابين التي أعلنت الوقوف مع الجيش ضد تنظيم داعش».
ووصف النائب في البرلمان المصري عن محافظة شمال سيناء، رحمي عبد ربه، الهجوم الإرهابي الذي وقع أمس بأنه غير مسبوق منذ وقت طويل. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كل الناس تعلم، من خلال متابعة الأحداث، أن دولة قطر لها دور كبير في هذا الموضع، وتعد داعماً رئيسياً لمثل هذه الأحداث، ونحن بإذن الله سننهي خطر الإرهاب من سيناء، بعد أن تحسنت الأوضاع عن السابق». وأضاف: «الإرهاب إلى زوال».
ومنذ يوم الأربعاء الماضي تعرضت مواقع أمنية في القاهرة الكبرى التي تضم القاهرة والجيزة والقليوبية، لهجمات سقط فيها نحو عشرة من رجال الأمن بين قتيل وجريح، إلا أن عملية سيناء أمس تعد الأكبر. وقالت المصادر الأمنية المسؤولة لـ«الشرق الأوسط»: إن القاهرة بدأت فتح تحقيقات بشأن خط سير الأموال التي يشتبه في أنها يمكن أن تكون قد حُوّلت من جهات في قطر إلى عناصر متطرفة من سيناء تنتمي إلى داعش»، مضيفة أن المعلومات تشير حتى الآن إلى أن هذه العناصر «هي في الأساس على خلاف مع حركة حماس التي تهيمن على قطاع غزة».
وأضافت المصادر نفسها، إن التحقيقات تتناول أيضاً معلومات بشأن ظهور مخطط جديد ضد مصر انطلاقاً من ليبيا، يشرف عليه قادة من التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان»، المدعوم من قطر. وقالت: إن المخطط يقضي بإعادة إرسال مصريين متطرفين من ليبيا وسوريا إلى مصر مرة أخرى عبر الحدود البرية والبحرية، مع ضخ كميات من المتفجرات المتطورة والأموال لهذا الغرض. وأضافت المصادر، إن أحد المشرفين على هذا المخطط، هو إخواني ليبي ورد اسمه في لائحة الإرهاب المرتبطة بقطر التي أعلنت عنها الدول الأربع، السعودية ومصر والإمارات والبحرين، الشهر الماضي.
في هذا الإطار، قال اللواء خلف: إنه «لا يمكن التحدث بشكل مباشر عن وجود دور لقطر وراء ما حدث أمس في سيناء، ولكن هي قرائن، وقراءة لعملية بهذا الحجم، وهو حجم كبير جداً، في هذا التوقيت». وأضاف، إن الهجوم على نقاط الجيش في سيناء تورطت فيه على الأرجح دولة «تريد أن ترسل رسالة لمصر بأنها لا تريد التهدئة، وأنها مستمرة في مؤازرة الإرهابيين». وأضاف، إن الأموال التي وصلت إلى أطراف في غزة لتنفيذ عملية أمس «نعتبرها من القرائن الآن».
من جانبه، أكد اللواء عبد اللطيف، تعليقاً على الحوادث الإرهابية الأخيرة التي ضربت مواقع أمنية مصرية، بأن التوتر الموجود في المنطقة العربية وحالة الخلاف الحاد الموجود الآن، يؤثر على نشاط التحرك الإرهابي وعلى التطور النوعي لديه. وأضاف أن «أي مراقب للوضع الأمني في الفترة الأخيرة، بشكل عام، يرى أن هناك تطوراً نوعياً في الجريمة الإرهابية».
وقال: إن مواجهة هذا الأمر يتطلب تطوراً نوعياً في الفكر الأمني بشكل مستمر، بحيث يكون سابقاً للتطور النوعي في الجريمة بشكل عام، مشيراً إلى أن من مظاهر التطور النوعي في التحرك الإرهابي «تنفيذ عمليات تعتمد على التأثير وليس مجرد الانتشار... التأثير السلبي على الحالة الاقتصادية وعلى الحالة السياسية وعلى معنويات الشعب المصري وعلى الأمن، ونشر حالة الخوف والإحباط داخل الشارع».
وعن كيفية وصول الدعم المادي والتسليحي للجماعات في مصر، قال: إن هذا يأتي من خلال الأذرع الإرهابية الموجودة والمنتشرة؛ نظراً إلى ما يحدث في المنطقة وبخاصة ليبيا وسوريا حيث هناك «تنظيمات إرهابية تحركها أجهزة مخابرات دولية».
وعن المغزى من استهداف الإرهابيين لموقع للجيش يقع في نطاق أرض قبيلة الترابين، إحدى أكبر قبائل سيناء التي أعلنت الحرب على تنظيم داعش أخيراً، قال زملوط: «أعتقد أن هذه رسالة من التنظيم المتطرف لكل من قبيلة الترابين والجيش». وأضاف، إن قبائل عدة في سيناء، منها قبيلة السواركة أيضاً، أصبحت تؤازر الجيش في حربه ضد التنظيمات المتطرفة؛ وهو ما أدى إلى عودة الهدوء تدريجياً في الفترة الأخيرة في مدن رفح والشيخ زويد والعريش: «إلا أن الإرهابيين أرادوا على ما يبدو أن يقولوا للعالم إنهم ما زالوا موجودين في سيناء».
ولفت زملوط الانتباه إلى أن نشاط الإرهابيين أخيراً في سيناء ربما له علاقة أيضاً بالتفاهمات الأخيرة بين حكومة «حماس» ومصر، وتسليم القاهرة بعض أسماء العناصر التي تسللت من قطاع غزة ودخلت إلى مصر، حيث تم القبض على بعض هذه العناصر التابعة لـ«داعش». وقال: «هذه الجماعات في الوقت الحالي تكفّر حماس، وتعمل ضدها وضد الجيش المصري... وهناك عناصر من (داعش) تسللت من غزة لسيناء، وقامت القبائل بتصفيتها أثناء مواجهات قرب المهدية على الحدود بين سيناء وغزة في الأسابيع الماضية».
من جانبه، أضاف النائب عبد ربه موضحا أن «قبائل سيناء، وكل أهلها، يساعدون من أجل انتهاء كابوس الإرهاب... هناك مؤامرات خارجية، وهناك أيد خفية تلعب في هذا الموضوع، من الخارج». وسبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن أشار في مناسبات عدة خلال الشهور الماضية إلى وجود دول ترعى الإرهاب. وفي الأسابيع الأخيرة وجهت بلاده، ضمن التحالف العربي الرباعي، أصابع الاتهام لقطر بدعم شخصيات ومنظمات على علاقة بالإرهاب.



من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية والإنسانية في مناطق النزاع. وحذّر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن التوترات الجيوسياسية ونقص التمويل يعرضان بعثات حفظ السلام في العالم للخطر، خاصة تلك التي تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأفاد المعهد، في تقرير حديث، بأن أقل من 79 ألف عنصر تم نشرهم ضمن مهمات حفظ السلام الدولية بنهاية عام 2025، في أدنى مستوى منذ 25 عاماً على الأقل.

ويرى خبير عسكري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التقرير يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعثات حفظ السلام وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات وتنفيذ برامج الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمناطق وجودها، فضلاً عن إضعاف جهود مكافحة الإرهاب، مؤكداً ضرورة توافر إرادة سياسية ودعم دولي كاف لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.

ووفق التقرير، بلغ إجمالي مهمات حفظ السلام 58 مهمة في عام 2025، في تراجع للمرة الأولى عن عتبة الـ 60 مهمة منذ عام 2016، وتسجل ثلاثة أرباع القوات في خمس دول هي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وبحسب الباحثة في المعهد، كلوديا بفايفر كروز فإنه «لضمان استدامة إدارة النزاعات المتعددة الأطراف، تحتاج الدول إلى تجاوز مجرد إبداء الدعم، إذ يتعين عليها توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية لتمكين استجابات فعالة ومتعددة الأطراف».

وتُضعف أزمة التمويل المهمات التي تقودها الأمم المتحدة، حيث لم يفِ أكبر المانحين بالتزاماتهم كلياً أو جزئياً، ونتيجة لذلك، هناك عجز بملياري دولار من أصل 5.6 مليار مرصودة لميزانية 2024-2025، وفقاً للتقرير.

وبخلاف التمويل هناك عقبات سياسية، حيث أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، طالبت بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، على الرغم من انتهاكات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وكحل وسط، صوّت مجلس الأمن على تجديد مهمة «اليونيفيل» لمرة أخيرة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ناقوس خطر

جندي حفظ سلام نيبالي من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ذلك التقرير الدولي ناقوس خطر، لافتاً إلى أن بؤر التوتر المتعددة أثرت بشكل كبير على فاعلية بعثات حفظ السلام عبر زيادة المخاطر الأمنية واتساع نطاق المهام المطلوبة ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية واللوجستية وإضعاف القدرة على حماية المدنيين واحتواء النزاعات، مضيفاً أن تراجع التمويل يشكل تحدياً كبيراً، ويمس أوضاع الأمن والاستقرار بالبلد محل وجود القوات، كما هو الحال في الصومال، حيث تحتاج البعثة فيه لدعم.

تحذيرات

وحذر التقرير الدولي من أزمة أمنية واسعة، وقال جاير فان دير ليين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد نشهد ضعفاً حاداً في إدارة النزاعات متعددة الأطراف والتهميش شبه الكامل لمؤسسات كالأمم المتحدة، نتيجة تضافر عوامل نقص التمويل والعوامل السياسية والجيوسياسية»، مرجحاً أن «ينتج عن ذلك المزيد من النزاعات التي يحتمل أن يكون لها آثار أشد وطأة على المدنيين، مع تخلي الدول عن المعايير الراسخة».

ويؤكد اللواء سمير فرج ضرورة أن تعمل الأمم المتحدة على تعزيز فاعلية بعثات السلام عبر إعادة هيكلة المهام وتطوير آليات التمويل والتنسيق مع القوى الإقليمية، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتوفر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة التحديات المتزايدة خاصة في مكافحة الإرهاب.


تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
TT

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها، وهو ما قاد لبقاء المسافرين لساعات طويلة يفترشون الطرق، ودفع بعض العائدين للانتظار في مصر لحين انتهاء الأزمة التي بدأت في الانحسار عشية العيد.

ونشر ناشطون سودانيون مقاطع وشهادات تُوثِّق أوضاعاً إنسانيةً صعبةً عند معبر أرقين الحدودي، في ظلِّ أجواء الطقس الحار، ووجود حالات مرضية لا تستطيع البقاء في العراء، مشيرين إلى أنَّ الأسر تضطر للانتظار لحين توفير حافلات بأسعار مناسبة لهم، تُمكِّنهم من العودة إلى المناطق التي نزحوا منها؛ بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع.

في حين أكد مبارك داود مدير معبر أرقين الحدودي، في تصريحات إعلامية، الاثنين، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، مشيراً إلى أنَّ حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت الماضي، قبل أن يشهد المعبر تكدُّساً متسارعاً وصل إلى نحو 5 آلاف عالق. وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين؛ نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة، التي أقرَّتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعراً.

وقالت عضوة الهيئة القومية للدفاع عن الحقوق والحريات وعضوة هيئة محامي الطوارئ في السودان، إقبال أحمد، إنَّ نقص الحافلات يعدُّ السبب الرئيسي في تكدُّس العائدين، مع سياسة «التفويج»، التي تعتمد عليها الحكومة السودانية للتعامل مع زيادة أعداد المتنقلين بين الولايات المختلفة في أيام العيد، وهي تقوم على تجميع الحافلات، والانطلاق معاً في توقيت واحد في محاولة لتفادي حوادث طرق النقل السريعة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ عودة السودانيين، التي أخذت في الزيادة خلال الأشهر الماضية خلقت سوقاً داخليةً للنقل بين الخرطوم والولايات المختلفة، وهو ما حوَّل وجهة السائقين من المعابر إلى الولايات، مع كثرة نقاط التفتيش في الطرق المؤدية من وإلى المعابر الحدودية، مشيرة إلى أنَّ حملات تدقيق الإقامات التي تُنظِّمها الحكومة المصرية أسهمت في تكدُّس أعداد كبيرة على المعابر قبل عيد الأضحى، لكن التكدُّس يعيق عودة البعض.

وأكدت أنَّ ما يفاقم الأزمة هو أنَّ الأهالي العائدين لديهم ميزانيات محدودة للغاية، وبالكاد نجحوا في توفير ثمن تذاكر عودتهم، بينما شهد معبر أرقين خلال الأيام الماضية استغلال السائقين الكثافة العائدة ونقص الحافلات، في مضاعفة أسعار العودة إلى الولايات السودانية المختلفة، مشيرة إلى أن «العودة الطوعية» المجانية، التي تُنظِّمها الحكومة السودانية شهدت إقبالاً مضاعفاً عليها خلال الأسبوع الأخير.

نقص الحافلات يثير أزمة في معبر أرقين (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

ويعدُّ معبر أرقين أحد أهم المعابر التي تربط بين مصر والسودان، ويقع المعبر على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة النوبة، ويبعد نحو 326 كيلومتراً جنوب مدينة أسوان المصرية، و850 كيلومتراً شمال العاصمة السودانية الخرطوم.

ويوم الأحد أعلنت لجنة الأمل التي تشرف على رحلات «العودة الطوعية» انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالاً متزايداً من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.

اللجنة أوضحت، في بيان رسمي، أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتاً خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقاً لاستيعاب جميع المسجَّلين. وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.

المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقي، المقيم في القاهرة، أشار إلى أنَّ التكدُّس الحالي في معبر أرقين يأتي بعد أسبوع من انتهاء امتحانات شهادات النقل، مع قرار كثير من الأسر العودة إلى السودان عقب استقرار الأوضاع بشكل كبير.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من الأسر، التي كانت تقيم في محافظات مصرية مختلفة تعرَّضت لما يشبه «النصب» من سائقي حافلات العودة، وأن «مكاتب حجز العودة تتضمَّن نقلهم من أماكن إقامتهم في العاصمة القاهرة وحتى ولايات سودانية متفق عليها، لكن ما يحدث هو أنَّ بعض السائقين أخلّوا باتفاقهم وتركوهم أمام معبر أرقين».

ويرى الباقي أنَّ الأزمة تتمثَّل أيضاً في عدم وجود تَصوُّر حكومي لأعداد العائدين، بما يسهم في توفير الخدمات واللوجستيات اللازمة، وبما يضمن عدم وجود تكدُّس، موضحاً أنَّ شهادات الأسر العالقة تشير إلى إرسال حافلات مدعومة من مجلس السيادة الانتقالي لتخفيف الأزمة.

زيادة في وتيرة العائدين من مصر إلى السودان (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

وكانت «الغرفة القومية للبصات السفرية» في السودان، أعلنت الخميس الماضي، تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30 في المائة على أسعار تذاكر السفر بين الولايات.

وكان معبر أرقين قد شهد أزمة مماثلة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

رئيس جمعية «الصداقة المصرية - السودانية» محمد حبارة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ أعداد العائدين من مصر تزداد مع استقرار الأوضاع في عدد من الولايات السودانية، لكن ما يعيق انسيابية العودة يتمثَّل في ارتفاع تذاكر الحافلات، ووجود تكدُّس أمام المعابر، خصوصاً معبر أرقين، وهو ما دفع البعض لإرجاء عودته لحين استقرار أسعار رحلات العودة، أو الانتظار شهرين أو أكثر من أجل «العودة الطوعية» المجانية.


نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».