مثقفون أمام اشتباكات الحرية والكراهية

مفهومان ملتبسان وغارقان في التحيز

نغويي وا ثيونغو
نغويي وا ثيونغو
TT

مثقفون أمام اشتباكات الحرية والكراهية

نغويي وا ثيونغو
نغويي وا ثيونغو

قرر عدد من الكتاب؛ من بينهم الكاتب الكيني نغويي وا ثيونغو، المعروف بعدد من الروايات التي كرسته كاتباً عالمياً، أن يقاطعوا معرضاً للكتاب في السويد يعد أكبر المعارض الاسكندينافية وأحد أهم المعارض الأوروبية في نوعه، لاعتراضهم على مشاركة الصحيفة السويدية «نيا تايدر (الأزمنة الجديدة)» المعروفة بيمينيتها المتطرفة. فقد وقع مائتا كاتب على وثيقة الاعتراض، واحتج في الوقت نفسه عدد من المؤسسات الثقافية الأوروبية على مشاركة الصحيفة في معرض غوتنبورغ للكتاب. ومع أن صحيفة «الغارديان» البريطانية ذكرت في عدد الخميس 29 يونيو (حزيران) الماضي أن منظمي المعرض رفضوا الاحتجاجات والمقاطعات وأصروا على إتاحة الفرصة للصحيفة للمشاركة، فإن عدد اليوم نفسه من الصحيفة السويدية ذاتها أعلن أن منظمي المعرض قرروا إلغاء المشاركة في تحول سريع لموقفهم كما يبدو.
القضية كما رآها مدير المعهد الثقافي الفرنسي في السويد لوران كلافيل تتصل بحرية التعبير: أين يمكن رسم الخط بين حرية التعبير وإتاحة الفرصة لخطابات الكراهية لتعبر عن نفسها؟ مشاركة الفرنسيين في المطالبة بمنع مشاركة الصحيفة تتضمن رسماً لذلك الخط: يجب عدم السماح لخطابات الكراهية بأن تحتل منبراً للتعبير عن نفسها. وبطبيعة الحال سيعود بنا هذا إلى السؤال الجوهري عن مفهوم الحرية وحدوده، وقد يأخذنا الموقف إلى العبارة المنسوبة لنابليون: «لا حرية لأعداء الحرية». وهو موقف قد يبدو محسوماً من منطلق القناعات أو منطق الإيمان بمبادئ أو معتقدات مطلقة، لكنه من الناحية الفلسفية أو الفكرية موقف إشكالي، كان ولا يزال يثير أسئلة عتيدة: ما الخط الفاصل بين الحرية والفوضى؟ وأين تنتهي الحرية وتبدأ المسؤولية؟ أسئلة عاركها الإنسان وعركته ولا تزال تطرح حتى اليوم، وأظنها ستطرح غداً وبعد غد.
الكاتب الكيني نغويي وا ثيونغو كان أحد ضحايا القيود على حرية التعبير في بلاده، مما أدى إلى هجرته النهائية إلى الغرب؛ حيث يقيم الآن في ولاية كاليفورنيا ويعمل أستاذا في إحدى جامعاتها. فقد سجن صاحب روايتي «أوراق الدم»، (1967)، و«حبة قمح»، (1975)، وأعمال كثيرة أخرى في كينيا المستقلة التي كان قد طالب باستقلالها وناضل طويلاً لتحقيق ذلك. ولم يكن نغويي سوى واحد من كثيرين من كتاب أفريقيا وآسيا وغيرهم ممن ذاقوا ويلات القيود على حرية التعبير، لكنه تميز، كما تميز آخرون، بتحويل نضاله إلى منتج إبداعي وفكري حمل ذلك النضال إلى منابر العالمية ليصبح أحد أكثر الذين تتردد أسماؤهم في الترشيح لجائزة نوبل.
في أعمال نغويي وا ثيونغو الروائية مقاومة صلبة للاستعمار البريطاني الذي يدعي الحرية في بلاده ويمارس كبتها في بلد أفريقي مثل كينيا. المقاومة لدى الكاتب الكيني، كما هي لدى غيره، تستدعي رفض الحرية التي يدعيها المستعمر بوصفها تمظهراً للنفاق الكريه، هي حرية مدعاة، تقوم على ازدواجية مرفوضة أخلاقياً لأنها تتيح له ما لا تتيحه لغيره. لكن الكاتب الكيني لم يلبث أن اكتشف أن الحرية التي حققتها بلاده بعد الاستقلال أدت إلى وضع لا يقل سوءاً، إن لم يفق في سوئه، عما كان حاصلاً أيام الاستعمار، وأن الحرية التي يتباهى المستعمر بها في فلسفاته وآدابه لما تزل بعيدة المنال. أثبتت مرحلة ما بعد الاستعمار أو ما بات يعرف بـ«ما بعد الكولونيالية» أنها لا تقل مرارة عن مرحلة الاستعمار؛ ليس في أفريقيا وحدها، وإنما في مناطق كثيرة أخرى من العالم. الباحث والناقد البريطاني روبرت يونغ في دراسة لـ«آداب ما بعد الكولونيالية» تحت عنوان «حق المقاومة» يطرح التساؤل في إطار أعمال وا ثيونغو وأعمال كتاب آخرين من الهند وغيرها.
الاعتراض الذي أبداه وا ثيونغو وكتاب آخرون لدى مسؤولي معرض الكتاب السويدي كان فعل مقاومة؛ مقاومة لمن يرونهم غير جديرين بحرية التعبير التي كانت ستتاح لهم. لكن المقاومة، كما هي الحرية، حسب روبرت يونغ، مفهوم ملتبس وغارق في التحيز: «المقاومة، مثل الحرية، ظلت حقاً يدعيه الأفراد والجماعات لأنفسهم، ولكن ليس بالضرورة لغيرهم». ذلك كان منطق الاستعمار سواء في كينيا أو في غيرها. ولا يزال ذلك المنطق هو السائد لدى من يصنفون أعداءهم «إرهابيين»؛ فالمقاومة الفلسطينية لا تزال إرهاباً في إسرائيل وفي كثير من بلاد الغرب، مثلما كانت مقاومات الاستعمار في الجزائر أو سوريا أو ليبيا وغيرها أعمالاً إرهابية من المنظور الفرنسي أو البريطاني أو الإيطالي. يقول يونغ، متابعاً مناقشته: «هل يمكن للمقاومة التي تمثلها أي من الأربعين أو الخمسين جماعة التي تصنف (إرهابية) من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أو المملكة المتحدة (التي لديها قائمة أطول)، أن تبدو كما هي المقاومة ضد البريطانيين في رواية لنغويي وا ثيونغو؟» كلها مقاومات، لكن بعضها يصنف إرهاباً، والبعض كفاحاً من أجل الحرية.
لكن الأمثلة تصبح أكثر تعقيداً حين يتصل الأمر بالصراعات الوطنية في بلاد تعج بالأقليات واللغات والانقسامات الدينية والطائفية وتكثر المطالبات بالاستقلال، كما هي الحال في الهند؛ حيث تعيش جماعات تطالب بالانفصال وتنتج أدباً يتمحور حول تلك المطالب. يتساءل روبرت يونغ عن موقف النقاد والمنظّرين الـ«ما بعد كولونياليين» الهنود تجاه الروايات التي صدرت من مناطق مثل كشمير وآسام وما نيبور وناغالاند التي تدعو إلى مقاومة الدولة الهندية المركزية. هل يمكن لأولئك النقاد القبول بأدب ينادي بتجزئة الهند باسم الحرية أو التحرر؟ ثمة حرية هنا يعدها الجميع قيمة مطلقة لكنها لا تلبث أن تتحول وبسرعة إلى مسألة إشكالية بمجرد مساسها بمسلمات تصعب حتى مناقشتها ناهيك بقبولها.
وينسحب الأمر بطبيعة الحال على أي أدب أو منتج ثقافي أو إبداعي يتماس مع المسلمات الثقافية أو الوطنية أو الدينية... ما سيعده البعض مناداة بالحرية سيعده آخرون مناداة بالتفرقة أو بالتحلل والفوضى. لكن إذا كانت هذه التساؤلات تفضي إلى مساءلة مفاهيم مستقرة لدى البعض، فإنها قد تفضي أيضاً إلى نسبية مطلقة أو عدمية إن هي أخذت إلى نهاية الطريق. لا بد في النهاية من الاحتكام إلى مطلق ما أو إلى معايير، لكن المسافة الممتدة حتى الوصول إلى تلك النهاية؛ أي حتى الوصول إلى نقطة المطلق الذي لا يقبل النقاش، ستظل قائمة، بمعنى أنه يجب أن تظل تلك المسافة أو المساحة الواسعة للحوار حول صحة أو دقة أو صدقية بعض ما استقر من رؤى أو معتقدات أو قيم، وبقدر ما تضيق تلك المساحة أو تتسع يضيق أو يتسع تبعاً لها أفق الإنسان وفضاءات الثقافة والحياة الاجتماعية وقدرة كل ذلك على النمو والاتساع لأكبر قدر من الاختلاف والتعدد في الرأي والرؤية.
على هذا الأساس يمكن أن نتساءل عن حق الكتاب الذين احتجوا على وجود صحيفة تتبنى خطاباً عنصرياً أو خطاب كراهية في معرض للكتاب، وإجابتي هي أنه من حقهم أن يحتجوا، لأن موقفهم في أساسه احتجاج على خطاب يتضمن الإعلاء من شأن عنصر بشري على آخر أو ثقافة على أخرى بحيث يصبح الحوار مستحيلاً: كيف تحاور من يراك دون البشر أو غير جدير بالحقوق التي لغيرك؟ كيف تقبل الحرية لمن يرفض أن تنالها أنت ابتداءً؟



أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.