دبي تستقبل شانيل بالأحضان في أول عرض لها في بلد عربي

تشكيلة «الكروز» لعام 2015.. اللغة شرقية والروح باريسية

دبي تستقبل شانيل بالأحضان في أول عرض لها في بلد عربي
TT

دبي تستقبل شانيل بالأحضان في أول عرض لها في بلد عربي

دبي تستقبل شانيل بالأحضان في أول عرض لها في بلد عربي

التغريدات والرسائل الإلكترونية لم تتوقف أول من أمس من دبي لتعلن للعالم أجمع أن ما ترقبناه طويلا حصل، وأن عرض دار شانيل نجح في تحريك عاصفة من المشاعر والحنين والألوان وردود الفعل. مكان العرض كان جزيرة خالية تبعد عن شاطئ الجميرة بنحو 650 مترا، تغيرت ملامحها في الشهرين الماضيين لتحتضن ما يمكن أن تصفه أوساط الموضة، في العالم العربي على الأقل، بحدث العام. نصبت وسطها قاعة ضخمة غطيت جدرانها بالكامل بـ«لوغو» الدار الذي تداخلت فيه الحروف الأولى من اسم كوكو، بشكل يشبه من بعيد المشربيات القديمة، فيما تناثرت على جوانبها أشجار نخيل عالية تكاد تلامس السقف وكأنها تريد أن تقول إنها غير حقيقية.
بدأ العرض، وأثبت كارل لاغرفيلد أنه يتقن فن الرحلات. فقد تنقل بين الكثير من البلدان العربية، منتقيا من كل منها، وبدقة، عناصر جسدها في هذه التشكيلة التي ستدخل كتب الموضة، كأول تشكيلة «كروز» لدار فرنسية بحجم شانيل في منطقة الشرق الأوسط. قبل العرض، راهنت الأغلبية على قفاطين وعباءات وصور نمطية أخرى، وخسرت الرهان لأن لاغرفيلد لا يؤمن بالنمطية ولا يستكين للمألوف أو المتوقع.
صحيح كانت هناك بعض القطع المستوحاة من القفاطين والجلابيات والعباءات، إلا أنها كانت بنفس باريسي، بأطوال معقولة نسقها مع بنطلونات مستقيمة حينا وأخرى مستوحاة من السروال الفضفاض حينا آخر. باستثناء هذه البنطلونات والإكسسوارات، وتحديدا الأحذية التي استوحيت خطوطها من الـ«شربيل» المغربي، أو حذاء علي بابا حسب نظرة كل واحد، كان التركيز عموما على موتيفات عربية صغيرة حولتها أوراش الدار مثل «لوساج للتطريز»، و«باري» المتخصصة في الصوف والكشمير وغيرهما إلى نقشات غير متوقعة، أجملها تلك التي أخذت فيها الورود أحجاما كبيرة وتلك المأخوذة من الشماغ العربي المتلون بالأحمر والأبيض حينا أو الأسود والأبيض حينا آخر، وظهرت في مجموعة من الأزياء والإكسسوارات، بأسلوب بعيد كل البعد عن الكليشيهات التقليدية والترجمات الحرفية المتكاسلة. ما يثير الانتباه أيضا أن التشكيلة، وعلى الرغم من أنها، موجهة بالأساس إلى الصيف والبحر وما يعنيه من رحلات على اليخوت وسهرات على الشاطئ، كانت في غاية الحشمة بأكمام طويلة، وياقات عالية وأطوال تغطي الكاحل، ما عدا بعض فساتين السهرة التي استعمل فيها الموسلين دون تبطين في بعض الأجزاء.
ما يحسب له أنه احترم بيئة المرأة العربية وتجنب استعراض مفاتن الجسم والإثارة السهلة، من دون أن يعطي ولو للحظة الانطباع بأنها مقيدة أو يمكن أن تكون حكرا على سيدات الشرق الأوسط. كل ما فيها كان عالميا بعد أن تفتقت عبقرية كارل لاغرفيلد على فكرة الطبقات المتعددة حتى لا يحددها ويبخل بها على باقي نساء العالم، إذ من السهل أن تختار منها المرأة ما تريد وتحذف منها ما لا تريد. فمثلا اقترح قفطانا قصيرا نسقه مع بنطلون مستقيم يمكن استعماله أيضا لوحده كفستان، كما كانت هناك فساتين شفافة ومنسدلة تستحضر الجلابيات، دون أكمام فوق بنطلونات ضيقة أو سراويل واسعة مع جاكيتات قصيرة يمكن التخفيف منها حسب المكان والزمان والذوق. هذه المرونة تجعلها تتعدى الخريطة العربية إلى أسواق أبعد، لا سيما وأنها لا تفتقد إلى الأناقة الباريسية وحرفية أوراش الدار المتخصصة في التطريز والترصيع وما شابه.
ولعل خير من لخصت هذه التشكيلة، النجمة الفرنسية أنا موغلاليس، التي قالت لـ«الشرق الأوسط» بأن «العرض كان رائعا بكل المقاييس، ما شدني هو قدرة كارل لاغرفيلد على مزج الكثير من الإيحاءات العربية بشكل هادئ وغير صادم من خلال تصاميم تعطي الإحساس بالحرية والانطلاق. كانت هناك نقشات ذكرتني بالفسيفساء المغربي القديم، فيما ذكرتني طبعات الورود بدروس التاريخ التي علمتنا أنها جلبت أول مرة إلى فرنسا من سوريا. شعرت في بعض اللحظات أن بعض الإطلالات تأخذني إلى عالم علاء الدين والأميرة ياسمين وقصص ألف ليلة وليلة، مع اختلاف بسيط وهي أنها بترجمة كارل تخاطب امرأة مستقلة وعصرية».
رغم جمال الأزياء وما تثيره من خيال، وتستحضره من قصص ألف ليلة وليلة وأمجاد الماضي العربي، فإن أهم ما في العرض أنه أقيم في دبي، ليعيد الاعتبار إلى زبون منطقة الشرق الأوسط ككل. فالدار هنا كمن تقول إنها لم تعد تتعامل معه كمستهلك فحسب، بل أيضا كمؤثر، خصوصا وأن العادة جرت بأن بيوت الأزياء عندما تشد الرحال إلى أي من عواصم العالم، فإنها غالبا ما تبحث عن خيط يربطها بها لتنسج منه قصة بحبكة مثيرة. قد يكون هذا الخيط أن المصمم حقق فيها أول نجاحاته، أو قد تكون الوجهة التي قضى فيها أوقاتا سعيدة في يوم من الأيام وهكذا، لكن بالنسبة لشانيل ودبي، فإن الخيط منعدم باستثناء عشق نساء الشرق للهوت كوتير منذ السبعينات من القرن الماضي. وربما انعدام هذا الخيط هو ما أجج فتيل الحماس والفخر في المنطقة. منذ اللحظة التي أعلن فيها الخبر، لم تتوقف وسائل التواصل الاجتماعي عن التهليل الذي يصب في صالح الدار الفرنسية، التي رغم أن مكانتها محفوظة دائما، وعلاقتها بالشرق الأوسط متينة منذ أكثر من 20 عاما عندما دخلت السوق الكويتية أول مرة، إلا أنها بهذه الخطوة، اكتسبت المزيد من الود، ولن نستغرب أن يميل ميزان القوة لصالحها مستقبلا، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العرب بطبعهم يبادلون من يبادلهم الاحترام بالمثل وأكثر، إضافة إلى أن التشكيلة نفسها ترجمت فنونهم وثقافتهم بلغة لا يتقنها سوى مصمم عبقري، ودار تحترم الماضي ولا تنسى أن تعيش الحاضر. فشانيل تتمتع برنة مميزة ولغة خاصة، تخاطب كل الأجيال والجنسيات والأهم من هذا كل الإمكانيات. فمن لا تقدر على فستان من «الهوت كوتير» يقدر بمئات الآلاف من الدولارات، أو حقيبة تقدر بـ3000 دولار، تستطيع حتما أن تقتني منها عطرا أو أحمر شفاه أو طلاء أظافر. وهذا يعني أن الدافع التجاري والتسويقي هنا بقوة الجانب الإبداعي، ومع ذلك فإن هذا لا يمنع بأن العملية بمثابة تكريم لمدينة أصبح من الخطأ تجاهل قوتها كعاصمة موضة، وتأثيرها على السوق العالمية. بعد العرض أشار كارل لاغرفيلد إلى أهميتها قائلا بأن الآنسة كوكو شانيل، كانت منفتحة على ثقافات الغير وتعشق اكتشاف آفاق جديدة، وبأنها لو كانت بيننا اليوم «لشدها سحر الشرق الأوسط، تماما كما شدها سحر الصين وإنجلترا من قبل. دبي مدينة ظهرت مثل أتلنتيس فجأة منذ 30 سنة فقط، والآن لديها أعلى برج في العالم، برج خليفة، بعد أن كانت هذه الصفة من نصيب برج إيفل ثم مبنى إمباير ستايت، وهذا يؤكد تغير العالم. لأنها مدينة عصرية، تجنبت الوقوع في مطب الفولكلور، ولم يكن مطروحا بالنسبة لي أن أقدم تشكيلة في دبي لا تكون عصرية».
من جهته صرح برونو بافلوفسكي، الرئيس التنفيذي للدار في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» بأن «هذا العرض جزء من استراتيجية تهدف إلى تقوية أواصر العلاقة مع منطقة الشرق الأوسط، وضمان استمرارية التواصل مع الزبون بتقريبه من الدار أكثر». وأضاف أن «عنصر المفاجأة مهم لخلق نوع من الصدى يتوافق مع الجانب الإبداعي الذي يخلقه مصممها كارل لاغرفيلد فهذا الصدى الذي تخلفه عروض الأزياء يثير خيال العالم، ويساعد على تشكيل صورة شاملة تتشعب تأثيراتها وتصب من الأزياء إلى المجالات الأخرى».طكرر برونو بافلوفسكي كلمة «مفاجأة» كثيرا خلال اللقاء، والحقيقة أنه هو أيضا كان من المفاجآت السارة. فهو الرئيس التنفيذي لدار شانيل وخريج جامعة هارفارد، ويدرس في عدة معاهد خاصة بالموضة والتجارة، ومع ذلك كان يتكلم بحماسة الأطفال والسعادة تكاد تقفز من عينيه وهو يتكلم عن دبي كعاصمة تسوق مهمة للدار التي يترأسها، وكيف كانت خيارا طبيعيا لتشكيلة الـ«كروز» الموجهة للصيف والشمس والمنتجعات المترفة. «في العام الماضي، عرضنا تشكيلة الكروز في سنغافورة، كان الطقس رائعا وكانت وجهة جديدة بالنسبة لنا والحقيقة أننا تفاجأنا بالتجربة ككل. نجاح العرض جعلنا نفكر في الخطوة التالية، لتتبادر أجواء دبي إلى الذهن، وكيف يمكن أن تلهم كارل لاغرفيلد من الناحية الإبداعية. فهي ريفييرا جديدة فرضت نفسها على الساحة العالمية كجسر يربط عدة ثقافات وجنسيات ما حولها إلى وجهة سياحية وتجارية مهمة.
ولا يمكن طبعا إغفال الجانب الاستراتيجي، فشانيل تشهد انتعاشا كبيرا في المنطقة عموما ودبي خصوصا، بفضل انتعاش مجال المنتجات المترفة من جهة، والاستراتيجية التي نتبعها لمواكبة هذه التطورات من جهة ثانية، وهي استراتيجية تعتمد على الإبداع ومفاجأة الزبون بالجديد والمتميز وفي الوقت ذاته نتعلم منه لتلبية متطلباته».
ويوضح بافلوفسكي هذه النقطة قائلا: «نحن نستقبل في المنطقة زبائن من جنسيات متعددة، لكل منهم أذواق وأساليب مختلفة، الأمر الذي يتطلب طرح منتجات متنوعة والبحث عن أساليب جديدة لتلبية متطلباتهم. مثلا، من الأشياء التي تعلمناها أن الناس هنا تميل إلى التسوق بعد الخامسة مساء وحتى العاشرة مساء، ما كان جديدا علينا في البداية، لكننا تفهمنا الوضع سريعا وتعاملنا معه بمرونة».
أما بالنسبة لعروض الدار التي تزيد إثارة موسما بعد موسم، فهو لا ينكر أنها جزء مهم من استراتيجية الدار أيضا إنها بمثابة نقطة انطلاق، أو مقدمة لقصة محبكة. طبعا الأزياء هي الأهم، لأنها هي التي تجد طريقها في آخر المطاف إلى المحلات ومنها إلى الزبون، لكن أهمية العرض تكمن في خلق أدوات نستعملها فيما بعد للدعاية أو لتزيين الواجهات وغيرها، كنوع من الاستمرارية تربط العرض، بكل عناصر الإبهار والتشويق فيه، بوسائل التواصل الأخرى.
لكن الملاحظ أن الدار زادت العيار في المواسم الأخيرة من ناحية الإخراج والديكورات. عرضها الأخير، مثلا، شهد تحويل «لوغران باليه» إلى سوبر ماركت ضخم شغل العالم، إلى حد كاد يسرق الأضواء من الأزياء.
عند مواجهة بافلوفسكي بهذا السؤال، يضحك ويرد بثقة أبدا لا نخاف من ذلك، لأن الإخراج لم يكن ليوجد أساسا، لولا الأزياء وقوة الإبداع الذي تتضمنه بين ثناياها. هذه القوة هي التي تمدنا بالجرأة لكي نقدم عروضا مبهرة. فالعملية لا تخلو من منطق، إذ من المستحيل أن يحضر أحد عرضا مبهرا، وينسى التشكيلة التي وضعت في إطار هذا العرض، وهذا جزء من إستراتيجيتنا. لا ننكر أن أهم شيء هنا هو المنتجات التي نقدمها، وهدفنا الأساسي أن نطورها ونجددها حتى تخرج بالمستوى المطلوب. فهي أولا وأخيرا بداية القصة ونهايتها لو لم تكن متوفرة وقوية لما تمكنا من إيصال رسالتنا إلى العالم، والفضل هنا يعود إلى كارل لاغرفيلد الذي لا يتوقف عن مفاجأتنا دائما.
قوة هذا الأخير الإبداعية تكمن في قدرته على الموازنة بين الماضي والحاضر، الأمر الذي لا تزال الكثير من بيوت الأزياء تتخبط بحثا عنه. ففي الوقت الذي يحترم بعضهم هذا الماضي إلى حد التقديس الذي يكبل الخيال والنمو، يستمتع هو بثقة عالية يستمدها من خبرته ونجاحه في تجديد الدار، منذ عام 1983 عندما التحق بها أول مرة. فقد فهم روحها الأنثوية ويراقصها منذ ذلك الحين على نغمات كلاسيكية وعصرية، مؤكدا أنه، مثل كوكو شانيل، مستمع جيد لنبض الشارع وتغيراته، يستبقه أحيانا لكن دائما يحترم إرث الماضي ولا يخفي بافلوفسكي إعجابه بكارل لاغرفيلد الذي عمل معه منذ سنوات، مضيفا أن «الفضل في ديناميكية الدار يعود إليه وإلى مدموزيل شانيل ونظرتها المستقبلية السابقة لأوانها، في عصرها لم تكن هناك إنترنت كما لم تكن الهواتف متوفرة كما هو الحال الآن، ومع ذلك ربطت علاقات قوية مع فنانين، وكانت مثل الإسفنجة تمتص كل ما يدور حولها من أحداث وتغيرات، وتقدمه في أزياء جد عصرية وجريئة، بدءا من الأزياء المستوحاة من خزانة الرجل إلى الجواهر التي تلعب بها بطريقتها وما شابه من أمور كانت جديدة في عصرها.
كارل لاغرفيلد، يشبهها إلى حد كبير من ناحية أنه يتمتع بنظرة خاصة، ويمتص ما يدور من حوله من تغيرات يترجمها بلغة سلسلة ومتجددة، وكأن هناك حوارا خفيا يدور بينه وبينها في الخفاء. فقدرته على اللعب بالرموز التي أرستها تثير الدهشة والإعجاب في كل مرة. فهو يكتب في كل تشكيلة قصة جديدة تربطها خيوط قوية بالماضي من دون الإغراق فيه».
أمس شد فريق شانيل الرحال إلى باريس لتحضير تشكيلتها القادمة للـ«هوت كوتير». فليس هناك بداية أو نهاية في عالم الموضة، لأن رحى الموضة لا ترحم، وبلغة السينما، كما في لغة الموضة، فإن العرض لا يتوقف أبدا.



كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.


باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
TT

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

 

للموضة قدرة عجيبة على توقع الألوان، والتصاميم بسنوات، لكنها للأسف تفقد السيطرة أمام التحولات الاقتصادية، والسياسية، رغم أن تأثيراتها عليها تكون مباشرة، وأحياناً قاتلة.

اليوم تواجه صناعة الموضة تحديات خارجية متزايدة تفرض إعادة رسم قواعد اللعبة، بدءاً من التوترات التجارية، وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى اضطراب سلاسل التوريد. حتى المستهلك أصبح يفرض شروطه الخاصة. المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير عكس هذا المزاج القلق، والمعطيات التي خرج بها ستُترجم، عاجلاً أو آجلاً، إلى تكاليف أعلى، أو تأخير في الإنتاج، وتغيير في خريطة الأسواق.

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما وفق ما قاله باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة «مجموعة شلهوب»، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

مايكل شلهوب، الابن، والذي تولى حديثاً منصبه باعتبار أنه رئيس تنفيذي لـ«مجموعة شلهوب» شرح أن الأوضاع الحالية تتطلب تغيير الأولويات: «يجب أن نضع المستهلك في المقدمة... ننصت له، ونفهم متطلباته، حتى نستطيع أن نقدم له منتجات تناسبه، وتلبي تطلعاته»، وهذا تحديداً ما تقوم به منطقة الشرق الأوسط حالياً، وتعلِّمه للغرب.

الشرق الأوسط... الأمل

تأسّست «ويلي شافاريا» عام 2015 على يد ويلي شافاريا وديفيد راميريز وتحوَلت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأصوات أصالة في عالم الموضة (ويلي شافاريا)

فهذه المنطقة تبقى ضمن هذا المشهد، حسب الخبراء واستطلاعاتهم، بقعة ضوء، وملاذاً آمناً لصناع الموضة العالمية. دراسة أجرتها شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» مثلاً تفيد بأن سوق الأزياء في المنطقة تواصل نموها بمعدل سنوي مستقر، فيما تظهر استطلاعات أخرى متخصصة مثل Bof Insightsأن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المرتفع في الخليج لا تزال تنفق بسخاء على الموضة.

هذه القوة التي تتمتع بها الشرق الأوسط حالياً لم تأتِ صدفة، ولم تكن نتاج طفرة عابرة. هي نتاج مشروع طويل بُني على أسس واضحة، وشراكات مدروسة تقوم بها المملكة العربية السعودية في مجالات الترفيه، والثقافة، والإبداع، ودولة الإمارات، وغيرهما من دول الخليج في مجال الموضة.

نجاح من رحم الأزمات

صورة أرشيفية للأخوين باتريك وأنطوني شلهوب (مجموعة شلهوب)

هذا المشروع كانت «مجموعة شلهوب» طرفاً أساسياً فيه منذ سبعين عاماً. يمكن قراءة هذا المشروع لا بوصفه قصة نجاح تقليدية، بل إنه حالة تشكّلت أساساً في بيئات غير مستقرة سياسياً واقتصادياً، وتكيَفت معها. بدأت في دمشق عندما افتتح ميشال شلهوب، الأب، أول متجر لعلامة «كريستوفل» عام 1955. وفي عام 1965، اضطرت العائلة لنقل أنشطتها إلى بيروت بسبب الأحوال الاقتصادية المتذبذبة في سوريا، وفي عام 1975 وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، اضطرت المجموعة إلى الانتقال إلى الكويت. في عام 1990 أدى غزو الكويت إلى انتقالها من جديد إلى دبي. يقول باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن هذا الانتقال كان مخططاً له مسبقاً، وكل ما في الأمر أن الغزو سرَّعه.

جاءت شراكة المجموعة مع ويلي شافاريا للتوسع في منطقة الشرق الأوسط (مجموعة شلهوب)

بحس تجاري، تحوّلت هذه التنقلات المفروضة إلى خبرة، واستراتيجيات عمل قائمة على استباق الأحداث، وترسيخ رؤى استشرافية لا تزال المجموعة تتمتع بها إلى اليوم. فالاستقرار بالنسبة لها ليس شرطاً للنجاح.

باتريك شلهوب واستراتيجيات توسعية

بالنسبة لباتريك شلهوب، الذي انضم إلى العمل العائلي أواخر السبعينات، لم تكن الموضة من أولوياته، ولم يفكر في دخولها قبل ذلك. كان شغوفاً بالرياضيات. لكن الحرب غيَرت اتجاهه، وأدخلته هذا العالم من بوابة الإدارة. كان طموحه كبيراً، إذ وضع نصب عينيه ألا تبقى المجموعة في موقع المتلقي، أو ردّ الفعل. سرعان ما حوّلها من مجرد موزع محلي إلى لاعب إقليمي بثقل دولي، حيث فتح مرحلة الشراكات الكبرى، والمشاريع المشتركة مع علامات كبيرة، مثل «لوي فويتون»، «ديور»، «فيرساتشي»، «فندي»، «جيمي تشو»، «جاكيموس»، «لوبوتان»، «بيرلوتي».

باتريك شلهوب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة في حذاء من «ليفل شوز» (ليفل شوز)

بعدها بدأ استراتيجية امتلاك وإطلاق علامات حصرية، أبرزها «ليفل شوز» و«ووجوه». هذا التوسع استدعى الاستثمار في الجانب الإنساني لأهميته. استثمر مبكراً في التعليم، والتدريب عبر إنشاء أكاديمية تحمل اسم العائلة لتنمية المواهب الشابة، والتعاون الأكاديمي مع الجامعة الأميركية في الشارقة.

السوق السعودية

مؤخراً فتح باتريك أبواب هذه الأكاديمية في السعودية. لم تفُته أهمية هذه السوق. صحيح أن علاقته بها بدأت منذ عقود بافتتاح أولى متاجرها عام 1991، لعلامات تجارية مثل «فيسز» و«تاناغرا» و«كريستوفل» و«غوالي»، لكنه طوَرها مؤخراً، تطوّرت، وافتتح محلات جديدة على شكل وجهات توفر تجارب غامرة. والأهم من هذا تأخذ بعين الاعتبار أن مستهلك اليوم مختلف. هو أكثر وعياً وانتقائية، وحساسية تجاه القيم التي تمثلها العلامات، وعلى رأسها الاستدامة.

تطمح «ويلي شافاريا» نحو التوسّع الدولي ودخول الأسواق الجديدة وتحقيق القيمة المستدامة (مجموعة شلهوب)

هذا المستهلك يُقسِمه باتريك شلهوب إلى ثلاث فئات رمزية تعكس اختلاف الدوافع والتطلعات. ما أسماه بالخيول وهم فئة تعشق الموضة وتبحث عن الاعتراف والمكانة الاجتماعية. وفئة الغزلان التي تتعامل معها كامتداد طبيعي لهويتهم، فيما تتميز فئة الصقور، بكونها أكثر جرأة، لأنها تبتعد عن المفهوم التقليدي وتبحث عن التجربة والتفرد والحرفية.

خلف هذا التصنيف تبرز حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذا المستهلك أصبح مُتطلَبا لا يتغاضى عن الاخطاء مهما كانت صغيرة، وأي قراءة خاطئة للسياق الثقافي قد تتحول إلى خسارة يصعب تعويضها.

من عرض ويلي شافاريا لربيع وصيف 2026 الذي قدم لأول مرة في باريس (مجموعة شلهوب)

وهذا ما أشار إليه في مؤتمر BoF VOICES 2025 السنوي، موضحاً أن لكل منطقة في العالم خصوصيتها الثقافية، والسيكولوجية، وبالتالي لا يمكن استنساخ تجربة معينة خارج هذا السياق. لا بد من ترجمتها بحس يُراعي البيئة، والجوهر، حتى لا تصطدم بحساسية المكان.

 

 

لم يكن حضور باتريك شلهوب في هذا المؤتمر إلى جانب قادة صناعة الرفاهية من مختلف أنحاء العالم شكلياً، أو لمجرد استكمال التمثيل، بل مشاركة فكرية حقيقية، تعكس التحول اللافت لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار أنها لاعب مؤثر على الساحة.

ومع ذلك لا يتجاهل باتريك أن التباطؤ العالمي على صناعة الترف عموماً له تأثيرات قد تكون أقل على منطقة الشرق الأوسط عموماً، والسعودية خصوصاً، لكنها لا تعني انعدامها تماماً. فالقوة الشرائية وحدها لا تُفسر الاستقرار، والنمو. يقول في هذا الصدد: «إن دورنا يكمن في تكريم إرثنا، من خلال إعادة تصوّره بما ينسجم مع آفاق الغد. وهذا هو جوهر رؤية 2033: بوصلتنا الطموحة للعقد المقبل. رؤية تقوم على الانتقال من دور الشريك إلى تأسيس دار العلامات التجارية، لنصوغ وننمّي إبداعاتنا الخاصة، مع استمرارنا في تمثيل أكثر العلامات التجارية رفاهية، وإلهاماً في العالم. ومن هنا، نرسّخ جذورنا في الشرق الأوسط، موطننا، وننطلق للتوسّع عالمياً نحو أميركا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة».

استحواذ واستثمار

ضمن هذا السياق، اتجهت مجموعة شلهوب تدريجياً إلى تنويع أدوارها. فإلى جانب الشراكات مع علامات عالمية كبيرة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستحواذها على حصة استراتيجية في دار الأزياء الأميركية «ويلي شافاريا»، بدأت تستثمر أيضاً في علامات خاصة، وإطلاقها، بهدف الانتقال من دور الوسيط إلى دور مؤثر في صناعة الموضة.

باتريك شلهوب وابنه مايكل الذي تسلم المشغل منه ليستمر إرث العائلة (ليفل شوز)

من هذه الرؤية وُلدت تجربة «ليفل شوز» التي انطلقت في دبي، وتستعد اليوم لدخول السوق الأميركية في إشارة إلى قدرة أول علامة تنشأ في المنطقة أن تنطلق إلى العالمية «ما دامت تستند إلى ثلاثة عوامل محورية هي: الذكاء الاصطناعي، والمواهب، والتميّز التشغيلي» وفق رأي باتريك.

هذه العوامل وفق رأيه لا تنسلخ عن التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، وتتجلى في الاستثمار في الصناعات الإبداعية، وفي مستهلك أصبح أكثر اطلاعاً، وتطلعاً للأحسن.